رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثلاثون 30 بقلم هالة محمد
30 =حلال ولكن مرفوض - فراق الأصدقاء وضرب نار - 30 /
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
أنا فتاة حلمت منذ صغري بأن أكون كاتبة، وبعد سنوات من التردد، قررت أخيرًا أن أبدأ بروايتي الأولى.
إذا أعجبك شيء في كتابتي، أرجو أن تترك لي رسالة قصيرة برأيك أو تفاعلك.
وإن لم يعجبك، أرحب بصراحتك أيضًا.
*****************************
في القاهرة، ما زالت الأجواء مشحونة بالتوتر.
"وقف عمر مشدود العضل، تتأجج عيناه بنار الغضب." هدر بها مرة أخرى بقوة وقال:
ـ انطقي يا بنت الغوازي.
لم يهتز لها جفن، بل نظر إليها بعيون لا تخاف، وهدر بنفس النبرة قائلاً:
ـ ماسميش بت الغوازي، أنا ابنة عاصم الغول، إنت سامع؟
ضحك عمر بسخرية وقال:
ـ دا على الأساس إن عاصم الغول شيخ جامع! دا تاجر مخدرات وسلاح، هو حد.خرب البلد غيره ولد الغوازي.
نظر يحيى لابن عمه بدهشة، وتساءل داخله: هل يعقل أن يكون زوج خالته بكل هذا السوء؟ لقد كان دائماً لديه شكوك تجاه تلك الثروة التي ظهرت فجأة مع زوج خالته، ولكنه لم يشغل باله، فهو لا يهتم بتلك العائلة.
كانت ريم تغلي كجمرة من كلمات عمر المهينة، وتمنت لو تغرز يدها وتقوم بسحب أحشاء عمر وتقطعها إرباً.
ألقت نظرة ماكرة نحو يحيى، فوجدته يتابع بصمت ولم يقف في وجه ابن عمه من أجلها. ففكرت قليلاً، ووجدت أنها لو تشاجرت مع عمر ستخسر يحيى، لان
يحيا محباً لعائلته إلى أبعد الحدود. ابتسمت في داخلها بخبث، وبعد ثوانٍ فقط امتلأت عيناها بدموع كاذبة مثل الثعابين، وتحدثت بصوت ضعيف لا يشبهها فقالت:
ـ ربنا يسامحك. على العموم أنا كنت جاية ليحيى علشان وقعت في مشكلة، بس خلاص… ماشيه
ثم خطت بعض الخطوات البسيطة، فقطعها صوت يحيى قائلاً:
ـ أوقفي عندك! يا ريم مشكلة إيه؟ وانتي بتعملي إيه في القاهرة؟
ابتسمت ريم بخبث، ثم التفتت ونظرت ليحيى بعيون منكسرة كاذبة وقالت:
ـ أنا قدّمت في جامعة القاهرة، وكان المفروض أنزل في سكن الطالبات، بس حصلت لخبطة وقالوا إن اسمي مش موجود. خوفت أقول لبابا يرجعني تاني الصعيد وما يخلينيش أدرس في القاهرة.
ضحك عمر بصوت مرتفع وقال:
ـ الغول بقى بابا!
ضغط يحيى على أسنانه بغضب من ابن عمه.
اقترب عامر من عمر وأمسك بيده ونظر له برجاء أن يصمت.
كانت عيون ريم تفيض بالكراهية والشر، وحين عاد يحيى ينظر إليها ويتحدث معها مرة أخرى، ارتدت قناع البراءة الذي لا يليق بأفعى مثلها. قال يحيى مجدداً:
ـ طيب يا ريم، هغيّر هدومي وأجي معاكي، وإن شاء الله أحل لك مشكلة سكن الطالبات.
أمسكت ريم بيده وتحدثت بارتباك:
ـ لا، ما هو مش هينفع. هم قالوا أسبوع والمشكلة تتحل. أنا بس عاوزة أفضل هنا أسبوع.
نظر لها يحيى بشك.
تحدث عمر بصوت منخفض فقال:
ـ بت كدابة.
نفخ عامر بسخط وقال:
ـ عمر، عيب كده! على الأقل علشان يحيى.
ارتسمت على وجه عمر ملامح استهزاء ثم قال:
ـ دي عار على يحيى… بت شمال. بص كده على لبسها
.
ألقى عامر نظرة على ريم التي كانت ترتدي ثياباً ملتصقة بها، وحجاباً صغيراً فوق رأسها لا معنى له.
استمعت مريم لحديث عمر، فازداد غضبها، وقبل أن يرد يحيى اقتربت من ريم وأمسكت بيدها ثم قالت:
ـ خلاص يا يحيى، بنت خالتك هتفضل معايا أنا ونور الأسبوع ده.
ثم نظرت لعمر بتحدي.
هز عمر رأسه بيأس، ووقف بجوارها ونظر لها بخيبة أمل ثم قال:
ـ إنتي وحده غبيه يا مريم
وبكره تندمي. بس ساعتها مش عاوز أشوف وشك.
دق قلبها بخوف، وكأنه يخبرها بأنها فتحت باباً سيجلب لهم الكثير من المتاعب. لكن رأسها اليابس جعلها ترمي بكلام عمر عرض الحائط ولا تهتم.
نظر يحيى إلى ابنة خالته التي ذهبت مع مريم، وهو يشعر بالريبة من وجودها، فلم يسترح لها. أما عمر فذهب وترك المكان.
وكان الجميع غافلين عن ذلك الرجل الذي يقف داخل سيارة سوداء يلتقط صوراً لهم، ثم أرسلها عبر الهاتف لأحدهم وقال:
ـ أيوه يا باشا، كل حاجة تمام زي ما حضرتك أمرت.
******************************
في الصعيد
في منزل يظهر عليه الثراء:
«كان النائب يجلس في غرفة يعلوها مكتب من زمن بعيد، كأنه قطعة أثرية. دُقَّ الباب فأُذن للطارق
بالدخول. نظر إلى الطارق بغرور؛ لم يرحّب به، بل تحدَّث معه بلهجة جافة تملؤها الاستعلاء، فقال له:
— إنت شكلك كبرت يا غول ومابقاش لك عازة. لو كنت خلاص راحت عليك ومش كد الشغل، قول وأنا أجيب غيرك مليون واحد مستنّين إشارة عشان يبقوا خدامين عندي.
نظر إليه الغول بعين ثعلب ماكر، وداخله بركان من الغضب يشتعل، ولكن من خارجه ابتسم ابتسامة باردة وتحدَّث معه بهدوء مقلق، فقال:
— ما راحتش عليَّ يا سادة النائب ولا حاجة. لو قصدك على بيت العامري اللي عايزين يعملوا الصلح بين العيلتين، أطمن أنا عارف كل حاجة بس كنت. مستني اوامرك ما إنت كبيرنا قول عايزني أعمل إيه وأنا خدامك وتحت أمر جنابك.
ابتسم النائب بسخرية وقال:
— لو عقلك ضحك عليك وفهمك إنك لما تقعد تطبّل بكلامك ده هعدي لك اللي انت عملته، لا. يا غول وبعدين الطبع ده للغوازي يا واد. صمت. ونظر له
بخبث قائلاً:
يا ولد الغول، اسمع، تعمل أي حاجة تخلي الصلح ده ما يتمش. أنا عاوز العيلتين يولعوا في بعض؛ عشان لو تم الصلح السلاح اللي احنا جايبينه، مش هنعرف نوديه فين.
. أنا جايب السلاح علي حساب المجزره اللي هتحصل ما بينهم قولت دوله عيلتين كبار وهنستفادوا منهم بس بيت العامري عاوزين يخربها لو جاسر بيه
موجود كأن اتصرف في كمية السلاح الموجودة، بس هو اختفى، محدش عارف ليه طريق، ورجالته في القسم مش قدّك كده علشان كده عاوزك تصرفه وتخليها تولّع تبقى نار ومافيش حد يعرف يطفيها. سامع؟
وقف الغول وقال
كل الي إنت عاوزه هيحصل يا سياده النائب ما تشغلش بالك المهم ترضى عنيني
ابتسمت النائب بغرور ثم أشار للغول بالانصراف
كأن الغول يشعر بالنار داخله تزداد غضبًا من هذا النائب وتوعده بأن يجعله يدفع الثمن غاليًا.
خرج فوجد المنشاوي ينتظره داخل السيارة. فَتَح الباب وجلس. تحدث المنشاوي:قائلًا
— كان عاوزك ليه ولد المحروق ده.
لم يرد الغول؛ كان في عالم آخر يفكر كيف ينتقم من النائب. تحدّث المنشاوي مرة أخرى قائلاً:
— قلتلك سيبني أخلّص عليه. هي رصاصة وحده تجيب أجله وتصفي دمه النجس.
تنهد الغول وقال بغِلّ:
— يا ريت ينفع، كنت قطعت لحمه ورماته لكلاب الشارع. بس ابن الكلب دي عائلته كبيرة؛ دول ناس نَابهم أزرق وإحنا مش كده. دا لازم يوقع مع عائلة زيهم. المهم دلوقتي ما تشيلش عينك عن أولاد أبو رحاب ولا بيت زيان، وأهم حاجة بيت الكلب العامري؛ الي عايزين يعملوا فيها كبار البلد.
قام بقيادة السيارة، وأزّاها هولاء الشياطين من أجل أن يشغلوا النيران التي سوف تحترق فيها الملايين.»
****************************
في المشفى ذهب أحمد من أجل الاطمئنان على هالة، وكان يحمل بيده باقتين من الزهور. دق الباب، ففتحت
مديحة. ابتسم أحمد بإشراق، ونظر لها باشتياق كأنه لم يرها منذ زمن، ثم مد يده بإحدى باقات الزهور وقال لها:
"أحلى ورد لأحلى أم عامر في الدنيا."
نظرت له مديحة بخجل وارتباك، ثم أغلقت الباب في وجهه بسرعة. عادت وجلست على أحد المقاعد وهي تحدث نفسها بصوت منخفض قائلة:
"الراجل اتهف على كِبَر!"
تفاجأت بوجود أحمد خلفها يقول لها بغزل:
"والله طول عمري في حالي، بس لما شفتك اتشقلب حالي. ما تحني عليا وتريح بالي؟"
لم تستطع هالة أن تخفي ضحكها، فقهقهت بصوت مرتفع رغم الألم الذي يفتك برأسها.
تنحنح أحمد بإحراج وقال:
"هالة، إنتي بتعملي إيه هنا؟"
ردت مديحة بغيظ وقالت:
"إنت عندك زهايمر ولا إيه؟ أمال إنت جاي لمين؟"
رد أحمد سريعًا قائلاً:
"أنا معنديش زهايمر ولا أي أمراض الحمد لله. ولو تحبي، أعملك فحص شامل تتأكدي إن صحتي زي الفل… وجاهز للجواز في أسرع وقت."
ثم اقترب منها وتحدث بصوت دافئ، لكنه لا يخلو من خفة ماكرة، وقال:
"بس لو عايزة تعرفي أنا جاي لمين… بصراحة، جاي علشانك إنتِي. أصلِك وحشتيني."
فتحت فمها لتوبخه، لكن خانتها الكلمات، وارتفعت دقات قلبها تعلن عن سعادة غامرة من وقع كلماته التي نزلت كالغيث على أرض عطشى كطفل يمد يده.
لم تحتمل مديحة العيون المسلطة عليها، فوثبت مسرعة خارج الغرفة.
ضحك أحمد، ثم اقترب وجلس بجوار هالة. ابتسمت هالة وقالت له:
"إيه ده يا دكتور أحمد! مش كده… بالراحة على مديحة."
تحدث أحمد قائلاً:
"لازم أعمل كده يا هالة. مديحة شايفة إنها عيب تجوز علشان ابنها راجل كبير. دا غير أنها خايفه من كلام الناس علشان كده ما قداميش غير إني أحاول أحرك قلبها يمكن في يوم من الايام تحبني، وساعتها توافق. أنا عارف إن الموضوع مش سهل، بس نفسي أفتح باب لقلبها يمكن الاقي ماكن فيه
ثم ضحك بخفة وقال:
"المهم… فرحك إنتِي ويحيى إمتى؟ كنت أتمنى أتجوز أنا ومديحة معاكم، بس زي ما إنتِ شايفة شكلي هتجوزها في التُرَب دا لو ما جاش عامر وعكِنن علينا هناك."
تحدثت هالة بصوت حزين وقالت من
"الواضح إن الحلال بقى مرفوض في الزمن ده يا دكتور. مش بس إنت ومديحة اللي ناس رافضين جوازكم، أنا ويحيى مستحيل حد يوافق على جوازنا زي ما حضرتك شايف حصل إيه." ثم وضعت يدها فوق رأسها المصابة.
تنهد أحمد بثقل وقال:
"تعرفي إن سليم – الله يرحمه – كان عاوز يجوزك ليحيى من زمان؟"
نظرت له باستغراب، فابتسم أحمد وهو يشعر بالحنين لصديقه وقال:
"هحكي لك يا ستي… زمان، لما الكلب اللي اسمه طلعت اتعدى عليكي في الرحلة، وقتها أنا أخدته ورُحنا علي البيت
عودة للماضي
دق أحمد باب منزل سليم، فقامت أمينة بفتح الباب، ثم أتى سليم من الداخل فقال:
"مين يا أم يحيى؟"
تفاجأ الاثنان بدخول هالة مع أحمد. كان وجهها وعيونها مليئه بالإرهاق والبكاء الشديد. احتضنتها أمينة بلهفة قائلة:
"مالك يا هالة؟ في إيه؟"
اقترب سليم من ابنة أخيه، أمسك بها، ونظر في عينيها بقلق وقال:
"مين زعلك؟ حد عملك حاجة؟ قولي."
فانفجرت في بكاء مرير. وجه سليم نظره إلى صديقه
أحمد يرجوه أن يشرح له ما حدث لابنة أخيه. طلب سليم من أمينة أن تأخذ هالة إلى الداخل، ثم جلس مع أحمد في مكتبه.
جلس احمد علي أحد المقاعد
هدر سليم بغضب شديد وقال:
"إنت لسه هتقعد؟ انطق يا أحمد! بنت أخويا مالها؟"
بدأ أحمد في الحديث وقص كل شيء.
اشتعل غضب سليم بعد سماع ما فعله طلعت بابنة أخيه، فوقف واضعًا يديه فوق المكتب وجسده يرتجف من القهر، وكانت عيناه مليئتين بالشرر. ثم قال لصديقه:
"تعالى وريني بيت الكلب ده فين."
اقترب أحمد من سليم محاولًا تهدئته وقال:
"اهدى يا سليم. أنا مش عارف بيته ولا أعرف هو مين. كل اللي أعرفه إن اسمه طلعت، وشكله صعيدي علشان
بيتكلم بنفس لهجتك."
صمت سليم لثوانٍ معدودة ثم قال:
"طيب… والبنت اللي كانت بتساعده دي فين؟"
رد أحمد:
"البنت ماكنتش تعرف إنه شخص حقير. وعلى العموم، هي لسه في أسوان. أنا جبت هالة وجيت. بس بعد يومين الشباب كلهم راجعين."
استأذن أحمد من أجل أن يعود لمنزله، فودعه سليم ثم ذهب ليطمئن على هالة، ولم يلاحظ أن ابنه عاد من الخارج واستمع لكل شيء.
وبعد يومين، ذهب سليم إلى الجامعة ليتحدث مع الفتاة. كانت تجلس وتشعر بالذنب. تحدث سليم معها بنبرة هادئة وقال:
"اسمعي يا بنتي، ما تخافيش. أنا كل اللي عاوزه أعرف أي حاجة عن الحقير ده علشان أعرف اخذ حق بنت اخويه منه
تحدثت الفتاة بارتباك وقالت:
"والله يا عمو ماكنتش أعرف إنه شخص حقير أوي كده. أنا معرفش غير اسمه، بس في مكان كان دايمًا بنتقابل فيه… ممكن يكون هناك."
رد سليم بلهفة قائلاً:
"طيب يلا."
ذهب الجميع، وكان يحيى يتبعهم في الخفاء.
عند وصولهم للمكان، وجدوا طلعت يجلس هناك. وحين رآ سليم فرّ هاربًا بسيارته، فلحقه سليم بسيارته، وقد تعرّف على هويته من النظرة الأولى.
ظل سليم يطارده لوقت طويل، وفجأة اختفى طلعت من أمامه. فارتفع صوت سليم غاضبًا وقال بحدة:
"وبعدين يا أحمد؟ ابن الكلب ده راح فين؟ طيب… يا ولد الغول!"
تحدث أحمد باستغراب فقال:
"هو إنت عارف ده مين؟"
رد سليم بشرود ووجه عابس وقال:
"ده ولد الغول… حفيد الغوازي."
أثناء حديثهما، كان يحيى قد استطاع الوصول إلى طلعت، الذي أوقف سيارته في أحد الأماكن وهو خائف
. أمسك يحيى حجرًا وألقاه على زجاج السيارة. ارتبك طلعت في السيارة داخلها، ثم فتح الباب وخرج وهو يرتعش. وفور خروجه، فوجئ بيحيى يهجم عليه ويطرحه أرضًا. ثم قام يحيى باخراج أداة حادة من جيبه وغرزها في يد طلعت بغضب وهو يقول:
"إيدك دي اللي تمددت عليها؟ أقطعها لك يا واطي… يا صنف الغوازي!"
كان يتحدث بحدة وغليان، تتدافع كلماته كطوفان هائج.
مد طلعت يده الأخرى ليمسك ذلك الحجر، لكن يحيى انتبه له فأمسك بالحجر وضربه به على يده السليمة. صرخ طلعت بصوت مرتفع.
سمع أحمد وسليم الصوت، فتركوا السيارة واتجهوا يبحثون عنه. ركضا نحو مصدر الصوت فوجداهما في أحد الشوارع الضيقة. كان يحيى ما زال ينهال بالضرب على طلعت.
أبعد سليم ابنه بصعوبة، ثم طلب من أحمد أن يأخذه فورًا. اقترب من طلعت وتحدث بتهديد قائلاً:
"لو جيت جنب بنت أخويا تاني، أنا اللي هربيك مش يحيى. الي أصغر منك
ثم سحب الأداة الحادة من يد طلعت بقوة فأوجعه أكثر، ثم أخذ ابنه وأحمد وذهب.
وعند عودته إلى المنزل، لم يتحدث مع يحيى. وقف مع صديقه بعيدًا عن ابنه وقال وهو يبتسم:
"عارف يا أحمد؟ أنا نفسي يحيى يتجوز هالة.
"
رد أحمد وعلى وجهه علامات الاستفهام قائلاً:
"إنت بتقول إيه يا سليم؟ هالة أكبر من يحيى، وبعدين دول عاملين زي الديوك قصاد بعض!"
فأجاب سليم وقال
:
"هو إنت ما سمعتش المثل اللي بيقول: ما محبة إلا بعد عداوة؟ وإن شاء الله لو ربنا أحيانا، هجوز يحيى هالة
."
عاد أحمد من الماضي وهو يحاول أن يحبس دموعه التي انهمرت بغزارة حزنًا على صديقه. وكانت هالة تبكي مثله، اشتياقًا لعمها وقهرًا من أجل ما حدث له، والذي لا يعرفه أحد غيرها وأحمد.
دخلت الطبيبة، وطلبت من أحمد الخروج. وحين رأت حالتها أعطتها بعض الأدوية المهدئة، فدخلت في نوم عميق.
***************************
:
"فلنرحل معًا، عزيزي القارئ، إلى بلاد الصعيد؛ تلك الأرض التي تحكمها قوانينها الخاصة، وأولها: النفس بالنفس.
من هنا، يا عزيز القارئ، في حديقة عائلة العامري، داخل مجلس الضيوف المزدحم برجالٍ إن أبصرتَ وجوهَهم ارتجف قلبك رعبًا من شدّة صرامتهم وغضبهم، وعيونهم تقدح بشررٍ كأنها جمرةٌ لا تنطفئ من نار الثأر."
تحدث أحد الرجال قائلاً:
اسمع يا أبو سليم انت مش بس كبير عائلة العامري
لا إنت كبير البلد كلها وكلمتك صيف علي رقبة الكل بس الي عاوزه ماينفعش احنا وعائلة زيان مفيش بناتنا صلح البينا تار ودم
هزّ الجد براسه وهو ممسك بعصاه، ثم نظر لذلك الرجل وقال له:
قل لي يا صابر انت مش ولادك خاطب من بيت زيان
ردّ الرجل بفخر:
كان والحمدلله فشكلناها وجبنا الذهب وكل واحد راح لحاله
ومش حرام عليك . كل البلد عارفة ان ولدك من زمان عاوز بنت زيان ليه ليه تظلمهم
ردّ الرجل بلهجة غاضبة فقال:
يحرق ولد واللي جابه ولده وحب إيه وكلام فاضي ايه دا تار مش لعب عيال
تحدث الجد بعقلانية قائلاً:
هو فين التار ده يا صابر لو علي ضربة منصور الحمدلله الرجل بخير، والي عملها محمد ولد خلف عيل صغير. الشيطان ضحك عليه وفهمه إن كده هياخد تار أخوه. والاتنين اللي ماتوا الله يرحمهم منهم ومنكم ماتوا في العركة يعني واحد قصاد واحد، وكلّها كانت من غير قصد؛ يبقى فين التار دي؟ ولا هو خراب بيوت وخلاص؟
تحدّث أحد الرجال الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً فقال:
طيب يا حج لو وافقنا بالصلح إيه يضمن إن عائلة زيان ما يضربوش أحد؟
هدر أحدهم قائلاً:
كلام إيه ده يا حسن، هو إحنا هنخاف منهم؟ ينعل أبوهم علي أبو الكبير في عيلتهم. لو أنتم موافقين على الصلح أنا مش موافق، وحق أخويا اللي مات هاخده يعني هاخده.
وأنت تعرف مين في بيت زيان قتل أخوك يا عزت علشان تاخد طارك منه ولا هتدور قتل في العائلة كلها؟
هقتل بيت زيان واحد واحد
وانت مش كبيرنا يا حسن علشان نسمع كلامك وما تعملش علينا راجل
ارتفع صوت أحد الرجال بقوة وغضب فجعل الجميع يصمت:
عزاااات اقطم ما اسمعش نفسك اخوي أرجل منك ومن الف زيك لو هو مش كبيركم أبوه كبيركم
واللي هيقوله ابويا هو اللي هيمشي ولا هتكسر كلمه كبيركم كمان يا عزت
اشتعل الغضب في صدر عزّت، فتلظّى وجهه بحُمرة قانية، وانفجرت كلماته مدوّية كالرعد قائلاً:
براحة يا ولد الكبير يطق لك عرق، كل ده علشان مناسب بيت زيان؟
ثم رفع يده مشيرًا إلى حسن وقال:
بس لو اللي مات كان حسن كنت هتروح تولع في بيت زيان وتطلق مرتك أم عيالك. أنا ماشي وتار أخويا هاخده، وده آخر كلام يا عيال الكبير.
وقف الجميع واقفين حتى انصرفوا. عندها رمقهم نوار بنظرة حادة وقال:
علي فين يا بيت أبو رحاب إيه مفيش تقدير لبيت العامري ولا كبير بيت العامري عندكم؟
رد الرجال بصوت واحد قائلين:
لا يا أبو عمو أنتم فوق راسنا
تحدث جابر الذي كان صامتًا من البداية وقال:
يبقى تقعدوا تاكل لقمة معانا وتوحدوا الله وتصلوا على النبي
ردد الجميع الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثم ذهب نوار لإحضار الطعام
داخل منزل العامري؛ كانت نسمه تمسك الهاتف وتراسل أحدهم باهتمام. نظر لها نوار بغيظ وهتف بصوت حاد قائلاً:
فين الوكل يا ست نسمه يمينًا بالله
لو الغداء مش جاهز هخلي يومك اسود
زفرت نسمه بضيق، وحدّجت بعينين تملأهما الغيظ المكبوت، ثم قالت:
عيشتي سودا لوحديها مش ناقص سواد اهوالوكِل جاهز
بكفاياك ازعاق
اقترب نوار منها وعيناه تومضان بصرامة، عازمًا على تأديبها. ولكن توقّف حين طلّت تلك المرأة ذات الجسد الأنثوي البارز وعيونٍ خضراء وبشرةٍ بيضاء
تحدثت تلك المرأة بصوت هادئ ورقيق قائلة:
انا جهزت كل حاجه، احب اغرف الوكل دلوقتي
ارتعدت المرأة للوراء عندما دوّى صراخ نوار في وجه نسمه، وهو يقبض على يدها بقسوة ويهدر بها قائلاً:
مين دي يا بنت سليم جايبه لك خدامه تخدمك فاكره نفسك عايشه في البندر عايزه تبقي هانم والناس تخدم عليك
قالت نسمه بارتباكٍ مرتجف، تختلق الكذب خشية انكشاف خطتها:
دي فرحه صحبتي بت عمك عيسى الله يرحمه جات تقعد معايه شويه بس لقيتني عتطبخ قالت تساعدني
رمق نوار المرأة بنظرة حادة، ثم وجه الحديث إلى زوجته قائلاً:
خمس دقائق والوكل يكون جاهز، يلا روحي
ذهبت نسمه والمرأة أمام نوار بخوف، ثم قاما بتجهيز الطعام. فور خروج نوار من المنزل، نظرت أمينة إلى ابنتها برجاء وقالت:
بلاش عمايلك دي يا نسمه هتاجي فوق راسك
ضحكة نسمه
وهي تضع قدمًا فوق الأخرى وتحدثت بمكر قائلة:
هو انا عملت غلط ده؟ انا حتى طيبة وعايزه اوفق راسين في الحلال. هو عيب لما اجوز عمي؟
رفعت أمينة يدها وضربت ابنتها على كتفها وهي تتحدث بغيظ وبصوت منخفض قائلة لها:
يوم ما اتجوز عمك وحده زي دي، انتي مش شايفة حلوه كديه؟ مش خايفة تخلف حتت عيل وتقاسم جوزك في كل حاجة؟
تحدثت صاحبة العقل الماكر قائلة:
ما تخافيش انا جبتها حلوه علشان تزغلل عين عمي ويتجوزها وينسى بنت العمده. ولو على الخلفي هي مش عتخلف مال هي إطلقت ليه وبعدين هي مش صغيره ده عندها 40 سنه يعني حتى لو جاءت تتعالج هتكون دخلت في ال50 ومش هتخلف. ما تخافيش
على بنتك انا عارفة ععمل ايه كويس قوية
خططت تلك الماكرة لكل شيء، غير أنها لم تتدبّر قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
وبينما عند مجلس الرجال هدأتْ، عائلة العامري الرجال وا استطاعت إقناعهم بالصلح، خرج الرجال من منزل العامري. سار رجل بعيد عنهم وهو يَنظُر يمينًا ويسارًا، وظل يمشي حتى بلغ الرجل الذي ينتظره في الخفاء، ثم قال للرجل بلهفة:
قول حصل ايه؟
رد الآخر:
هات الحاجة الأول
قال الأول:
يمكن أُخبارك ما تستاهلش
قال الآخر:
ريح نفسك يا منشاوي، مش هفتح بقي بكلمه غير لما اخذ منك كيس الشابو اللي اتفقنا عليه
نظر له المنشاوي بغيظ، ثم أخرج من جيبه كيسًا صغيرًا ممتلئًا بالمسحوق الأبيض. خطفه الرجل بشراهة، وتلألأت عيناه كأنه ظفر بكنزٍ ثمين. قصَّ ما جرى كلمةً بكلمة، ثم انسحب إلى رقدته ليبتلع تلك السموم بلا أنين ضمير، ولا وخزة ندمٍ على ما قد يعقبه فعله فيما بعد.
*******************************
كانت حزينة، تتلوع من نار الاشتياق؛ فقد اشتاقت له ولم تره منذ يومين. ظلت أفكارها تتلاعب بها؛ مرةً تفكّر أنه لم يعد يهتم بها، ومرةً أخرى تعتقد أنه قد ملّ منها، ومراتٍ يوسوس لها الشيطان أنه لم يحبها من الأساس، ولهذا لم يسأل عنها وهي على فراش المرض.
وعلى الجانب الآخر، كان يحيى واقفًا خلف الباب يراقبها باشتياق. لم تغب عنه لحظة كما تتخيّل؛ كان يأتي كل يوم ويرى وجهها دون أن تشعر. كان غاضبًا منها لأنها تتخلّى عنه في كل لحظة، لكنه لم يقدر أن يمنع نفسه من رؤيتها.
تفاجأ يحيى بفاطمة خلفه وهي تقول له:
«تعالي عاوزك، ذهبا سويًّا وجلسة في إحدى الغرف.»
نظر إليها بوجه عابس وتحدث بصوت يملأه الضيق قائلاً:
«مقولتش ليه إن العريس الي قولتي عليه هو انت يا يحيى؟»
رد عليها:فقال
«كان لازم أخلي بنتك توافق الأول قبل ما أتكلم معكي.»
قالت فاطمة بحدة:
«علشان كده كنت عتقابلها من ورايا يا يحيى!»
أجابها يحيى بجدية:
«أنا ما قابلتهاش من ورا حد، عمر ما هتخطي حدودي معاها. دي بنت عمي يا فاطمة يعني لحمي ودمي، أخاف عليها أكثر من أي حد.»
وقفت فاطمة، ووجهها يكسوه الحزن العميق، وأعطت ظهرها ليحيى وهي تقول بصوت مثقل بالألم:
«طلبك مرفوض.»
امتلأ صدر يحيى بالضيق، والغضب يعتصره من الداخل حتى كادت أسنانه أن تصطك. تنهد بثقل، يقاوم نار العصبية، وحاول أن يتحكم في أعصابه قبل أن يتحدث إليها بهدوء فقال:
«ليه يا حجّة فاطمة؟ إيه العيب اللي فيّا؟ ولا شايفاني مش راجل ومش قد المسؤولية وما ينفعش أتجوز بنتك؟»
ألفت له، وهزّت رأسها بالنفي، يعلو صوتها بنبرة صادقة مليئة بالمحبة وقالت:
«لا يا ولدي، انت من يومك راجل وسيد الرجالة. انت متربي على إيدي يا يحيى. يعلم ربنا إني أحبك زي عيال عمك، بس بنت أمك أكبر منك والناس…
»
أمسك يدها، وأوقفها عن الكلام، ثم نظر إليها بثقة وقوة وقال:
«أنا ما ليش دعوة بالناس. واللي يتكلم منهم نص كلمة عليها أقطع لسانه. والتلات سنين اللي مصدعاني بيهم انتي وبنتك ما لهمش 30 لازمة.»
ابتسم، وانطلقت كلماته بجرأة ممزوجة بلمحة شقاوة فقال:
«أنا عحب بنتك يا بطه ومش بس بحبها، أنا مش عاوز غيرها.
حاولت أن تفتح فمها مرة أخرى لكنه أسكتها وقال لها
:
«بطه، خلص الكلام. أنا كده كده هتجوز بنتك حتى لو هي مش موافقة. يلا خليني أروح أشوفها، وانتي جهزي للفرح يا أم العروسه علشان قرب.»
ثم همّ بالرحيل، وقبل أن يخطو خارج الباب توقف لحظة، والتفت متحدثًا ببراءة لا تشبهه قائلاً:
«شفتي أنا مأدّب إزاي وأخذت الأذان علشان أشوفها.»
نظرت له وتحدثت بغضب ضائق وقالت:
«يعني لو قلت لك ما تشوفهاش هتسمع الكلام ومش هتروح؟
»
قهقه بصوت مرتفع وقال:
«وانتي تعرفي عني كدي هروح وأشوفها. سلام يا أم العروسه.»
جلست فاطمة، وضعت يدها فوق وجنتيها، وملامحها يكسوها الحزن واليأس وتحدثت لنفسها قائلة:
«والله يا ولدي بيت العامري قلوبهم سوداء وهيكسروا قلوبكم.»
طرق الباب ثم ولج إلى الداخل. كانت تمسك بالهاتف بملل، وحين رأته رفعت عينيها إليه متظاهرة بالانشغال بالهاتف باهتمام كاذب.
جلس قربها، نظر إليها بعينين مشتعلة بالشوق وقال بصوت يقطر حبًا وولهًا:
«وحشتيني.»
فرفر قلبها بالسعادة من تلك الكلمة التي كانت مثل قطرات الندى تروي قلبًا عطشًا. حاولت أن تخفي ابتسامتها التي أشرقت وجهها حين رأته وقالت له بغيظ:
«جاي ليه يا يحيى؟»
رد عليها بنبرة ساخرة وقال:
«جاي أخد شوية محلول.»
تطلع إليها بعينين يبرق فيهما الإعجاب وقال بصوت مفعم بالغزل:
«أصلي بيقولوا إن المحلول هنا سكر وأنا بحب السكر وأنفسي آخده.»
رغم الإرهاق الشديد الظاهر على وجهها، احمر وجهها خجلًا ثم تحدثت بارتباك قائلة:
« علي فكرةَ دمّك تقيل.»
رد ضاحكًا فقال:
«على فكرة واخدة منه مرتين.»
قالت له:
«برده تقيل! طيب
هاتيه .»
نظر لها بغيظ طفيف وقالت:
«انت هتزلّني يا يحيى؟»
ارتسمت على وجهه ابتسامة بهيجة، رفع حاجبه وقال مازحًا:
«أنا زلال وعاوز حق دمّي ما ليش دعوة.»
التقطت الوسادة بجوارها ورمته بها مازحة وقالت:
«عاوز كام يا ولد العامري؟ ما أنتم عيلة ما عتعملوش حاجة لله وأنا عارفة.»
رفع الوسادة بين يديه، وغمز بعينيه بخفة ماكرة قائلاً:
«لما نتجوز هقول لك.»
هتفت في وجهه بخجل مرتبك
وقالت: إنت قليل الادب
«امتلأ المكان بضحكاته المرتفعة ثم قال:
انتي اللي دماغك بتحدف شمال وأنا اللي كنت فاكرِك مؤدبة يا نوسة.»
قالت له بعتاب:
«قوم امشي يلا ، انت لك يومين اصلا مش عتسال عليا زي عمر.»
اغرورقت عيناها بالدموع حين ذُكر شقيقها الذي لم تره منذ قدومها إلى هنا، ثم انخرطت في بكاء مرير، تتساقط دموعها على وجنتيها وقلبها يعتصر ألمًا وقالت:
«عمر بقى يكرهني زي نوار وأبوي، كل واحد فيهم حاول يقتلني وقلبهم متهزش عليّا ولا مرة من كتر ما هم بيكرهوني.»
اقترب منها، وعيناه تراقبان دموعها بوجع، وقلبه يعتصر حزنًا عليها، ثم قال لها بصوت يفيض بالحب والحنان:
«مفيش أحد فيهم هيكرهك. هم ساعة ما عملوا فيكِ كده كان الشيطان متحكم فيهم وعاميهم
هزّت رأسها بالرفض وما زالت دموعها تتدفق. استكمل حديثه بنبرة أهدأ وقال لها:
«نوار كل يوم يرن عليّ مخصوص علشان يطمن عليكي، وفي كل مكلمة يطلب مني أني أكلمك علشان تسمحيه. حتى عمي بيسأل عليك دايمًا. والجحش أخوكي أنا متأكد إنه جنبك على طول بس من غير ما تعرفي، زي ما أنا كنت كل يوم هنا باجي أشوفك. أنا مفيش يوم من ساعة ما دخلت هنا ما جيتش وما شفتِكش فيه علشان مقدرش أستغنى عن كنز حياتي
.»
ظل يحدثها بكلمات مليئة بالمحبة والعطف حتى كفّت عن البكاء. كانوا الاثنين غافلين عن تلك العيون التي تنظر لهما بشرٍّ وغلّ، ثم قامت بالتقاط بعض الصور لهما في السرية وذهبت وهي تتوعد أنها سوف تفعل المستحيل حتى تفرقهما.
*****************************
في الصباح الباكر، ذهب عامر إلى مكتبه، فوجد هناك ظرفًا مكتوبًا عليه: جاسر الجيزاوي.
فتح عامر هذا الملف بلهفة كبيرة، وكان بداخله معلومات عن جاسر زوج نور.
اجتاحت عامر صدمة هائلة حين رأى الصور الخاصة بجاسر. تذكّر على الفور ذلك الضابط المرتشي في منزل العامري، لكن الصدمة لم تتوقف عند هذا الحد. كانت الصدمة الأعظم عندما شاهد صوراً تجمع سارة، حبيبة يحيى السابقة، مع جاسر، بالإضافة إلى معلومات كاملة عنها.
غاص عامر في التفكير، مسترجعًا كيف كان يبحث عن زوج نور مثل المجنون، ليلة هجرته حبيبته من أجل رجل آخر. وحين أصر على الحقيقة، أعطاه يحيى معلومات خاطئة، ومع ثقته في صديقه لم يبحث مرة أخرى.
اصطبغ وجهه بالغضب، وانقبضت أوتار قلبه من شدة الانفعال. أمسك بالملف بين يديه وخرج غاضبًا، بينما شيطانان داخله يوسوس له، يضاعف غضبه ويزيد من قوة انتقامه المكبوتة.
وقف عامر حين رآ يحيى يخرج من السيارة، ودون سابق إنذار ألقى عامر ذلك الملف في وجهه بغضب شديد، وهو يقول له بصوت حاد
:
– ينفع يا يحيى باشا تقولي إيه ده؟ ده لو مفيش إزعاج لسياتك، ممكن تفهِّم الحمار اللي طول عمره ماشي وراك وواثق فيك؟
كان جسده يرتجف بشدة، أما الآخر فنظر إلى صديقه الغاضب، وعيناه تتبصران تلك الأوراق التي أُلقيت في
وجهه كقنبلة موقوتة كأن يخشى انفجارها. دايمًا لم يقل غضب يحيى عن غضب عامر، بل بدا أشد قوة، فقد كانت كلمات عامر المهينة تشعل غضبه، فهدر بها بنفس النبرة، لكن بصوت أكثر قوة وغضبًا:
– علشان زي ما قلت أنت حمار، وأنا كنت عحميك يا غبي علشان مترميش نفسك في النار مع ناس أنت مش قدهم، وتضيع نفسك علشان واحدة رخيصة باعتك علشان الفلوس!
ظل الغضب يسيطر على عامر، رغم أن صديقه كشف له أن كل ما فعله كان من خوف وحب، إلا أن الغضب أعمى بصره فلم يُبصر ولم يُدرك. ابتسم بسخرية وقال:
– هي خايْنة وانت إيه؟ عمر طلع عنده حق في كل كلمة قالها عليك، بس أنا كنت غبي بدافع عنك، بس طلعت ما تستاهلش.
وقف يحيى ينظر إلى عامر بصدمة وخيبة أمل، وارتسم على وجهه مزيج من الحزن والغضب، وابتسم بسخرية تخفي مرارة الموقف. اقترب منه وقال:
– تمام، أنا واحد زبالة وانتو رجالة قوي، ماينفعش تعرفوا واحد واطي. على رأي عمر من النهارده انسَى إن كان عندك صاحب اسمه يحيى.
ذهب يحيى للداخل حتى يجمع أغراضه من أجل الرحيل، فصرخ به عامر بغضب وحزن وهو يقول بعند:
– يكون أحسن! أنا مش عاوز أعرفك تاني ولا أشوف وشك.
بعد قليل عاد يحيى وهو يحمل حقيبة ألقاها داخل السيارة بعنف، ثم دخل السيارة. ركضت عليه ريم وهي تدق على باب السيارة بلهفة قائلة:
– يحيى استنى خدني معاك!
لم ينظر لها وكأنه لا يسمعها من الأساس. ظلت تصرخ عليه وتنادي اسمه دون جدوى.
جلس عامر داخل المكتب، يديه مثنيتان فوق رأسه، ووجهه شاحب يعكس ثقل الهموم وعمق الحزن.
دخلت نور دون استئذان، فصرخت به بغضب وقالت:
– أنت إيه اللي عملت مع يحيى ده؟ هو كان عحميك. أنت متعرفش جاسر ده… ده إنسان شراني ومؤذي وانت مش قدُّه!
انفجر عامر بغضب كالثور الهائج، كان جالسًا على المكتب، فنهض فجأة وأمسكه بكلتا يديها وطرحها أرضًا بعنف. ارتجفت نور وكأن الأرض تتزعزع تحت قدميها، تراجعت للخلف بخطوات متعثرة ويدها ترتجف بلا إرادة. أصدر عامر زئيرًا مهيبًا يشبه صراخ الأسد الجائع وقال:
– اطلعي برااااااااا! إنتي السبب في كل حاجة وحشة بتحصل وهتحصل في حياتي، مش عاوز أشوف وشك تاني مهما حصل
خرجت نور تركض وتبكي وتلعن نفسها، وتتمنى أن يأخذها الله حتى تريح الجميع منها.
******************************
أغلقت هالة الهاتف مع مريم، التي قصت لها ما دار بين يحيى وعامر. حاولت هالة الاتصال به مرارًا، لكن في كل مره كان الهاتف مغلقًا
فكرت هالة في الاتصال بأخيها، ثم تراجعت مستذكرة الشجار الأخير بينهما، ما زاد وجع قلبها. ظل قلبها يخفق بعنف، مثقلًا بالتوتر والخوف عليه، وهي تهمس بالدعاء: "ان الله يطمن قلبها عليه" مرت الساعات ببطء ثقيل، وكل لحظة كانت تزيد خفقان قلبها، خليطًا من الخوف والقلق
دق الباب، ونظر منه يحيى مرتسمًا على شفتيه ابتسامة ضعيفة بلا روح كي لا يقلقها. تنفست هالة بعمق حين رأتَه، وتحدثت بلهفة:
"يحيى، انت كويس كنت فين دا كله من الصبح وانا بحاول اتصل عليك بس تلفونك مغلق، ليه؟ حرام عليك، أنا هموت من القلق عليك."
ابتدت الابتسامة الزائفة تختفي عن شفته، وحلت محلها ابتسامة مشوبة بالشجن والاشتياق. خفق قلبه بعنف حين لاح خوفها وقلقها، كأنهما شرار صغير يضيء له الحقيقة المؤكدة: حبها له، حب لا ينطق إلا بصمتها المرتجف.
فقال لها
"أنا كده هغيب كل يوم عشان أشوف الاهتمام والحب ده كله."
"هو دا وقته يا يحيى؟ قولي، ايه اللي حصل بينك وبين عامر؟"
نظر إليها برجاء وقال:
"هالة، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده، جاي أطمن عليكي قبل ما أسافر، كلها كام ساعة وبعدين رايح الصعيد."
ابتلعت ريقها بخوف، وتحدثت بصوت مهزوز:
"طيب، استنى شويه لحد ما أكون خفيت شوية، علشان… علشان…"
تنهد بياس منها قائلا
:
"علشان ايه يا هالة قولي ليه كل الخوف ده؟"
أجابته:
"علشان عارفه إن الكل هيرفض وهتحصل مشاكل كتيرة."
مسح وجهه بقوة وتنهد بثقل، ثم نظر إليها في عينيها وتحدث بثقة، كأن كلماته دخلت قلبها وأزالت الخوف
:
"طول ما أنا معاك، مش عايزك تخافي من حاجة، ولا تشغلي بالك بأي حاجة."
ثم غمز لها بطرف عينه وقال:
غير بيا أنا وبس
"المهم دلوقتي نختار القاعة، علشان مفيش وقت. كلها اسبوع أو عشر ايام بالكتير وتبقى حرم يحيى العامري
ابتسمت عيونها قبل شفتيها وقالت بمزح
هو سلق بيضاء أنا عاوزة فتره خطوبه الأول علشان ادرس أخلاقك
وماله مفيش مشكله احنا نتزوج وبعد كده نعمل فتره خطوبه براحتك وأخلاقي أنتي عرفها كويس
ردت فقالت
أخلاق وقحه
نظر في عيونها التي تشبه اليله الصافي قائلا
بس علي قلبك زي العسل
نظر بعيونه الذهبية مثل الشمس وقال لها بعشق
عنيكي الحلوه ودقات قلبك الي مهما تخبي حبك ليا فضحاكي يا كنز حياتي
اشتعلت وجنتيها من الخجل
في تلك اللحظة، دخلت فاطمة ومديحة، التي لم تكن تعلم شيئًا عن شجار يحيى وعامر.
تحدث مديحة:فقالت
"العرسان الحلوين حبايبي قلبي، عتملوا ايه
نظرت لها فاطمة بحزن وقالت:
"لسه بدري على الكلام ده يا مديحة يا عالم، هيحصل ولا لأ؟"
ردت مديحة بغيظ:
"يا باي عليك وليه، نكد عدوة الفرح، إن شاء الله هنفرح بيهم قريب."
أهو يا فاطمه يا نكد
ثم أطلقت الزغروتة، فرحة صافية من قلبها لأجلهم.
ضحك يحيى وقال:
"تعالي يا مديحة، اختاري معانا القاعة."
اقتربت مديحة وقالت
"وريني يا يحيى، ربنا يتمم لكم على خير يا حبيبي، سيبك من حماتك النكدية."
اقتربت فاطمة أيضًا، وظل الجميع يختارون بين القاعات وهم يضحكون بسعادة، غير مدركين ما يخبئه لهم القدر.
بعد ساعات
، غادر يحيى، وقاد سيارته متجهًا إلى الصعيد. وعند مدخل القرية، توقف، وهو يستمع إلى أصوات الطلقات القادمة من كل مكان، كأن القرية في حالة حرب. اخترقت إحدى الطلقات النارية سيارته بعنف.
ووويتبع
للجميع@
مرحبًا عزيزي القارئ،
أنا فتاة حلمت منذ صغري بأن أكون كاتبة، وبعد سنوات من التردد، قررت أخيرًا أن أبدأ بروايتي الأولى.
إذا أعجبك شيء في كتابتي، أرجو أن تترك لي رسالة قصيرة برأيك أو تفاعلك.
وإن لم يعجبك، أرحب بصراحتك أيضًا.
*****************************
في القاهرة، ما زالت الأجواء مشحونة بالتوتر.
"وقف عمر مشدود العضل، تتأجج عيناه بنار الغضب." هدر بها مرة أخرى بقوة وقال:
ـ انطقي يا بنت الغوازي.
لم يهتز لها جفن، بل نظر إليها بعيون لا تخاف، وهدر بنفس النبرة قائلاً:
ـ ماسميش بت الغوازي، أنا ابنة عاصم الغول، إنت سامع؟
ضحك عمر بسخرية وقال:
ـ دا على الأساس إن عاصم الغول شيخ جامع! دا تاجر مخدرات وسلاح، هو حد.خرب البلد غيره ولد الغوازي.
نظر يحيى لابن عمه بدهشة، وتساءل داخله: هل يعقل أن يكون زوج خالته بكل هذا السوء؟ لقد كان دائماً لديه شكوك تجاه تلك الثروة التي ظهرت فجأة مع زوج خالته، ولكنه لم يشغل باله، فهو لا يهتم بتلك العائلة.
كانت ريم تغلي كجمرة من كلمات عمر المهينة، وتمنت لو تغرز يدها وتقوم بسحب أحشاء عمر وتقطعها إرباً.
ألقت نظرة ماكرة نحو يحيى، فوجدته يتابع بصمت ولم يقف في وجه ابن عمه من أجلها. ففكرت قليلاً، ووجدت أنها لو تشاجرت مع عمر ستخسر يحيى، لان
يحيا محباً لعائلته إلى أبعد الحدود. ابتسمت في داخلها بخبث، وبعد ثوانٍ فقط امتلأت عيناها بدموع كاذبة مثل الثعابين، وتحدثت بصوت ضعيف لا يشبهها فقالت:
ـ ربنا يسامحك. على العموم أنا كنت جاية ليحيى علشان وقعت في مشكلة، بس خلاص… ماشيه
ثم خطت بعض الخطوات البسيطة، فقطعها صوت يحيى قائلاً:
ـ أوقفي عندك! يا ريم مشكلة إيه؟ وانتي بتعملي إيه في القاهرة؟
ابتسمت ريم بخبث، ثم التفتت ونظرت ليحيى بعيون منكسرة كاذبة وقالت:
ـ أنا قدّمت في جامعة القاهرة، وكان المفروض أنزل في سكن الطالبات، بس حصلت لخبطة وقالوا إن اسمي مش موجود. خوفت أقول لبابا يرجعني تاني الصعيد وما يخلينيش أدرس في القاهرة.
ضحك عمر بصوت مرتفع وقال:
ـ الغول بقى بابا!
ضغط يحيى على أسنانه بغضب من ابن عمه.
اقترب عامر من عمر وأمسك بيده ونظر له برجاء أن يصمت.
كانت عيون ريم تفيض بالكراهية والشر، وحين عاد يحيى ينظر إليها ويتحدث معها مرة أخرى، ارتدت قناع البراءة الذي لا يليق بأفعى مثلها. قال يحيى مجدداً:
ـ طيب يا ريم، هغيّر هدومي وأجي معاكي، وإن شاء الله أحل لك مشكلة سكن الطالبات.
أمسكت ريم بيده وتحدثت بارتباك:
ـ لا، ما هو مش هينفع. هم قالوا أسبوع والمشكلة تتحل. أنا بس عاوزة أفضل هنا أسبوع.
نظر لها يحيى بشك.
تحدث عمر بصوت منخفض فقال:
ـ بت كدابة.
نفخ عامر بسخط وقال:
ـ عمر، عيب كده! على الأقل علشان يحيى.
ارتسمت على وجه عمر ملامح استهزاء ثم قال:
ـ دي عار على يحيى… بت شمال. بص كده على لبسها
.
ألقى عامر نظرة على ريم التي كانت ترتدي ثياباً ملتصقة بها، وحجاباً صغيراً فوق رأسها لا معنى له.
استمعت مريم لحديث عمر، فازداد غضبها، وقبل أن يرد يحيى اقتربت من ريم وأمسكت بيدها ثم قالت:
ـ خلاص يا يحيى، بنت خالتك هتفضل معايا أنا ونور الأسبوع ده.
ثم نظرت لعمر بتحدي.
هز عمر رأسه بيأس، ووقف بجوارها ونظر لها بخيبة أمل ثم قال:
ـ إنتي وحده غبيه يا مريم
وبكره تندمي. بس ساعتها مش عاوز أشوف وشك.
دق قلبها بخوف، وكأنه يخبرها بأنها فتحت باباً سيجلب لهم الكثير من المتاعب. لكن رأسها اليابس جعلها ترمي بكلام عمر عرض الحائط ولا تهتم.
نظر يحيى إلى ابنة خالته التي ذهبت مع مريم، وهو يشعر بالريبة من وجودها، فلم يسترح لها. أما عمر فذهب وترك المكان.
وكان الجميع غافلين عن ذلك الرجل الذي يقف داخل سيارة سوداء يلتقط صوراً لهم، ثم أرسلها عبر الهاتف لأحدهم وقال:
ـ أيوه يا باشا، كل حاجة تمام زي ما حضرتك أمرت.
******************************
في الصعيد
في منزل يظهر عليه الثراء:
«كان النائب يجلس في غرفة يعلوها مكتب من زمن بعيد، كأنه قطعة أثرية. دُقَّ الباب فأُذن للطارق
بالدخول. نظر إلى الطارق بغرور؛ لم يرحّب به، بل تحدَّث معه بلهجة جافة تملؤها الاستعلاء، فقال له:
— إنت شكلك كبرت يا غول ومابقاش لك عازة. لو كنت خلاص راحت عليك ومش كد الشغل، قول وأنا أجيب غيرك مليون واحد مستنّين إشارة عشان يبقوا خدامين عندي.
نظر إليه الغول بعين ثعلب ماكر، وداخله بركان من الغضب يشتعل، ولكن من خارجه ابتسم ابتسامة باردة وتحدَّث معه بهدوء مقلق، فقال:
— ما راحتش عليَّ يا سادة النائب ولا حاجة. لو قصدك على بيت العامري اللي عايزين يعملوا الصلح بين العيلتين، أطمن أنا عارف كل حاجة بس كنت. مستني اوامرك ما إنت كبيرنا قول عايزني أعمل إيه وأنا خدامك وتحت أمر جنابك.
ابتسم النائب بسخرية وقال:
— لو عقلك ضحك عليك وفهمك إنك لما تقعد تطبّل بكلامك ده هعدي لك اللي انت عملته، لا. يا غول وبعدين الطبع ده للغوازي يا واد. صمت. ونظر له
بخبث قائلاً:
يا ولد الغول، اسمع، تعمل أي حاجة تخلي الصلح ده ما يتمش. أنا عاوز العيلتين يولعوا في بعض؛ عشان لو تم الصلح السلاح اللي احنا جايبينه، مش هنعرف نوديه فين.
. أنا جايب السلاح علي حساب المجزره اللي هتحصل ما بينهم قولت دوله عيلتين كبار وهنستفادوا منهم بس بيت العامري عاوزين يخربها لو جاسر بيه
موجود كأن اتصرف في كمية السلاح الموجودة، بس هو اختفى، محدش عارف ليه طريق، ورجالته في القسم مش قدّك كده علشان كده عاوزك تصرفه وتخليها تولّع تبقى نار ومافيش حد يعرف يطفيها. سامع؟
وقف الغول وقال
كل الي إنت عاوزه هيحصل يا سياده النائب ما تشغلش بالك المهم ترضى عنيني
ابتسمت النائب بغرور ثم أشار للغول بالانصراف
كأن الغول يشعر بالنار داخله تزداد غضبًا من هذا النائب وتوعده بأن يجعله يدفع الثمن غاليًا.
خرج فوجد المنشاوي ينتظره داخل السيارة. فَتَح الباب وجلس. تحدث المنشاوي:قائلًا
— كان عاوزك ليه ولد المحروق ده.
لم يرد الغول؛ كان في عالم آخر يفكر كيف ينتقم من النائب. تحدّث المنشاوي مرة أخرى قائلاً:
— قلتلك سيبني أخلّص عليه. هي رصاصة وحده تجيب أجله وتصفي دمه النجس.
تنهد الغول وقال بغِلّ:
— يا ريت ينفع، كنت قطعت لحمه ورماته لكلاب الشارع. بس ابن الكلب دي عائلته كبيرة؛ دول ناس نَابهم أزرق وإحنا مش كده. دا لازم يوقع مع عائلة زيهم. المهم دلوقتي ما تشيلش عينك عن أولاد أبو رحاب ولا بيت زيان، وأهم حاجة بيت الكلب العامري؛ الي عايزين يعملوا فيها كبار البلد.
قام بقيادة السيارة، وأزّاها هولاء الشياطين من أجل أن يشغلوا النيران التي سوف تحترق فيها الملايين.»
****************************
في المشفى ذهب أحمد من أجل الاطمئنان على هالة، وكان يحمل بيده باقتين من الزهور. دق الباب، ففتحت
مديحة. ابتسم أحمد بإشراق، ونظر لها باشتياق كأنه لم يرها منذ زمن، ثم مد يده بإحدى باقات الزهور وقال لها:
"أحلى ورد لأحلى أم عامر في الدنيا."
نظرت له مديحة بخجل وارتباك، ثم أغلقت الباب في وجهه بسرعة. عادت وجلست على أحد المقاعد وهي تحدث نفسها بصوت منخفض قائلة:
"الراجل اتهف على كِبَر!"
تفاجأت بوجود أحمد خلفها يقول لها بغزل:
"والله طول عمري في حالي، بس لما شفتك اتشقلب حالي. ما تحني عليا وتريح بالي؟"
لم تستطع هالة أن تخفي ضحكها، فقهقهت بصوت مرتفع رغم الألم الذي يفتك برأسها.
تنحنح أحمد بإحراج وقال:
"هالة، إنتي بتعملي إيه هنا؟"
ردت مديحة بغيظ وقالت:
"إنت عندك زهايمر ولا إيه؟ أمال إنت جاي لمين؟"
رد أحمد سريعًا قائلاً:
"أنا معنديش زهايمر ولا أي أمراض الحمد لله. ولو تحبي، أعملك فحص شامل تتأكدي إن صحتي زي الفل… وجاهز للجواز في أسرع وقت."
ثم اقترب منها وتحدث بصوت دافئ، لكنه لا يخلو من خفة ماكرة، وقال:
"بس لو عايزة تعرفي أنا جاي لمين… بصراحة، جاي علشانك إنتِي. أصلِك وحشتيني."
فتحت فمها لتوبخه، لكن خانتها الكلمات، وارتفعت دقات قلبها تعلن عن سعادة غامرة من وقع كلماته التي نزلت كالغيث على أرض عطشى كطفل يمد يده.
لم تحتمل مديحة العيون المسلطة عليها، فوثبت مسرعة خارج الغرفة.
ضحك أحمد، ثم اقترب وجلس بجوار هالة. ابتسمت هالة وقالت له:
"إيه ده يا دكتور أحمد! مش كده… بالراحة على مديحة."
تحدث أحمد قائلاً:
"لازم أعمل كده يا هالة. مديحة شايفة إنها عيب تجوز علشان ابنها راجل كبير. دا غير أنها خايفه من كلام الناس علشان كده ما قداميش غير إني أحاول أحرك قلبها يمكن في يوم من الايام تحبني، وساعتها توافق. أنا عارف إن الموضوع مش سهل، بس نفسي أفتح باب لقلبها يمكن الاقي ماكن فيه
ثم ضحك بخفة وقال:
"المهم… فرحك إنتِي ويحيى إمتى؟ كنت أتمنى أتجوز أنا ومديحة معاكم، بس زي ما إنتِ شايفة شكلي هتجوزها في التُرَب دا لو ما جاش عامر وعكِنن علينا هناك."
تحدثت هالة بصوت حزين وقالت من
"الواضح إن الحلال بقى مرفوض في الزمن ده يا دكتور. مش بس إنت ومديحة اللي ناس رافضين جوازكم، أنا ويحيى مستحيل حد يوافق على جوازنا زي ما حضرتك شايف حصل إيه." ثم وضعت يدها فوق رأسها المصابة.
تنهد أحمد بثقل وقال:
"تعرفي إن سليم – الله يرحمه – كان عاوز يجوزك ليحيى من زمان؟"
نظرت له باستغراب، فابتسم أحمد وهو يشعر بالحنين لصديقه وقال:
"هحكي لك يا ستي… زمان، لما الكلب اللي اسمه طلعت اتعدى عليكي في الرحلة، وقتها أنا أخدته ورُحنا علي البيت
عودة للماضي
دق أحمد باب منزل سليم، فقامت أمينة بفتح الباب، ثم أتى سليم من الداخل فقال:
"مين يا أم يحيى؟"
تفاجأ الاثنان بدخول هالة مع أحمد. كان وجهها وعيونها مليئه بالإرهاق والبكاء الشديد. احتضنتها أمينة بلهفة قائلة:
"مالك يا هالة؟ في إيه؟"
اقترب سليم من ابنة أخيه، أمسك بها، ونظر في عينيها بقلق وقال:
"مين زعلك؟ حد عملك حاجة؟ قولي."
فانفجرت في بكاء مرير. وجه سليم نظره إلى صديقه
أحمد يرجوه أن يشرح له ما حدث لابنة أخيه. طلب سليم من أمينة أن تأخذ هالة إلى الداخل، ثم جلس مع أحمد في مكتبه.
جلس احمد علي أحد المقاعد
هدر سليم بغضب شديد وقال:
"إنت لسه هتقعد؟ انطق يا أحمد! بنت أخويا مالها؟"
بدأ أحمد في الحديث وقص كل شيء.
اشتعل غضب سليم بعد سماع ما فعله طلعت بابنة أخيه، فوقف واضعًا يديه فوق المكتب وجسده يرتجف من القهر، وكانت عيناه مليئتين بالشرر. ثم قال لصديقه:
"تعالى وريني بيت الكلب ده فين."
اقترب أحمد من سليم محاولًا تهدئته وقال:
"اهدى يا سليم. أنا مش عارف بيته ولا أعرف هو مين. كل اللي أعرفه إن اسمه طلعت، وشكله صعيدي علشان
بيتكلم بنفس لهجتك."
صمت سليم لثوانٍ معدودة ثم قال:
"طيب… والبنت اللي كانت بتساعده دي فين؟"
رد أحمد:
"البنت ماكنتش تعرف إنه شخص حقير. وعلى العموم، هي لسه في أسوان. أنا جبت هالة وجيت. بس بعد يومين الشباب كلهم راجعين."
استأذن أحمد من أجل أن يعود لمنزله، فودعه سليم ثم ذهب ليطمئن على هالة، ولم يلاحظ أن ابنه عاد من الخارج واستمع لكل شيء.
وبعد يومين، ذهب سليم إلى الجامعة ليتحدث مع الفتاة. كانت تجلس وتشعر بالذنب. تحدث سليم معها بنبرة هادئة وقال:
"اسمعي يا بنتي، ما تخافيش. أنا كل اللي عاوزه أعرف أي حاجة عن الحقير ده علشان أعرف اخذ حق بنت اخويه منه
تحدثت الفتاة بارتباك وقالت:
"والله يا عمو ماكنتش أعرف إنه شخص حقير أوي كده. أنا معرفش غير اسمه، بس في مكان كان دايمًا بنتقابل فيه… ممكن يكون هناك."
رد سليم بلهفة قائلاً:
"طيب يلا."
ذهب الجميع، وكان يحيى يتبعهم في الخفاء.
عند وصولهم للمكان، وجدوا طلعت يجلس هناك. وحين رآ سليم فرّ هاربًا بسيارته، فلحقه سليم بسيارته، وقد تعرّف على هويته من النظرة الأولى.
ظل سليم يطارده لوقت طويل، وفجأة اختفى طلعت من أمامه. فارتفع صوت سليم غاضبًا وقال بحدة:
"وبعدين يا أحمد؟ ابن الكلب ده راح فين؟ طيب… يا ولد الغول!"
تحدث أحمد باستغراب فقال:
"هو إنت عارف ده مين؟"
رد سليم بشرود ووجه عابس وقال:
"ده ولد الغول… حفيد الغوازي."
أثناء حديثهما، كان يحيى قد استطاع الوصول إلى طلعت، الذي أوقف سيارته في أحد الأماكن وهو خائف
. أمسك يحيى حجرًا وألقاه على زجاج السيارة. ارتبك طلعت في السيارة داخلها، ثم فتح الباب وخرج وهو يرتعش. وفور خروجه، فوجئ بيحيى يهجم عليه ويطرحه أرضًا. ثم قام يحيى باخراج أداة حادة من جيبه وغرزها في يد طلعت بغضب وهو يقول:
"إيدك دي اللي تمددت عليها؟ أقطعها لك يا واطي… يا صنف الغوازي!"
كان يتحدث بحدة وغليان، تتدافع كلماته كطوفان هائج.
مد طلعت يده الأخرى ليمسك ذلك الحجر، لكن يحيى انتبه له فأمسك بالحجر وضربه به على يده السليمة. صرخ طلعت بصوت مرتفع.
سمع أحمد وسليم الصوت، فتركوا السيارة واتجهوا يبحثون عنه. ركضا نحو مصدر الصوت فوجداهما في أحد الشوارع الضيقة. كان يحيى ما زال ينهال بالضرب على طلعت.
أبعد سليم ابنه بصعوبة، ثم طلب من أحمد أن يأخذه فورًا. اقترب من طلعت وتحدث بتهديد قائلاً:
"لو جيت جنب بنت أخويا تاني، أنا اللي هربيك مش يحيى. الي أصغر منك
ثم سحب الأداة الحادة من يد طلعت بقوة فأوجعه أكثر، ثم أخذ ابنه وأحمد وذهب.
وعند عودته إلى المنزل، لم يتحدث مع يحيى. وقف مع صديقه بعيدًا عن ابنه وقال وهو يبتسم:
"عارف يا أحمد؟ أنا نفسي يحيى يتجوز هالة.
"
رد أحمد وعلى وجهه علامات الاستفهام قائلاً:
"إنت بتقول إيه يا سليم؟ هالة أكبر من يحيى، وبعدين دول عاملين زي الديوك قصاد بعض!"
فأجاب سليم وقال
:
"هو إنت ما سمعتش المثل اللي بيقول: ما محبة إلا بعد عداوة؟ وإن شاء الله لو ربنا أحيانا، هجوز يحيى هالة
."
عاد أحمد من الماضي وهو يحاول أن يحبس دموعه التي انهمرت بغزارة حزنًا على صديقه. وكانت هالة تبكي مثله، اشتياقًا لعمها وقهرًا من أجل ما حدث له، والذي لا يعرفه أحد غيرها وأحمد.
دخلت الطبيبة، وطلبت من أحمد الخروج. وحين رأت حالتها أعطتها بعض الأدوية المهدئة، فدخلت في نوم عميق.
***************************
:
"فلنرحل معًا، عزيزي القارئ، إلى بلاد الصعيد؛ تلك الأرض التي تحكمها قوانينها الخاصة، وأولها: النفس بالنفس.
من هنا، يا عزيز القارئ، في حديقة عائلة العامري، داخل مجلس الضيوف المزدحم برجالٍ إن أبصرتَ وجوهَهم ارتجف قلبك رعبًا من شدّة صرامتهم وغضبهم، وعيونهم تقدح بشررٍ كأنها جمرةٌ لا تنطفئ من نار الثأر."
تحدث أحد الرجال قائلاً:
اسمع يا أبو سليم انت مش بس كبير عائلة العامري
لا إنت كبير البلد كلها وكلمتك صيف علي رقبة الكل بس الي عاوزه ماينفعش احنا وعائلة زيان مفيش بناتنا صلح البينا تار ودم
هزّ الجد براسه وهو ممسك بعصاه، ثم نظر لذلك الرجل وقال له:
قل لي يا صابر انت مش ولادك خاطب من بيت زيان
ردّ الرجل بفخر:
كان والحمدلله فشكلناها وجبنا الذهب وكل واحد راح لحاله
ومش حرام عليك . كل البلد عارفة ان ولدك من زمان عاوز بنت زيان ليه ليه تظلمهم
ردّ الرجل بلهجة غاضبة فقال:
يحرق ولد واللي جابه ولده وحب إيه وكلام فاضي ايه دا تار مش لعب عيال
تحدث الجد بعقلانية قائلاً:
هو فين التار ده يا صابر لو علي ضربة منصور الحمدلله الرجل بخير، والي عملها محمد ولد خلف عيل صغير. الشيطان ضحك عليه وفهمه إن كده هياخد تار أخوه. والاتنين اللي ماتوا الله يرحمهم منهم ومنكم ماتوا في العركة يعني واحد قصاد واحد، وكلّها كانت من غير قصد؛ يبقى فين التار دي؟ ولا هو خراب بيوت وخلاص؟
تحدّث أحد الرجال الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً فقال:
طيب يا حج لو وافقنا بالصلح إيه يضمن إن عائلة زيان ما يضربوش أحد؟
هدر أحدهم قائلاً:
كلام إيه ده يا حسن، هو إحنا هنخاف منهم؟ ينعل أبوهم علي أبو الكبير في عيلتهم. لو أنتم موافقين على الصلح أنا مش موافق، وحق أخويا اللي مات هاخده يعني هاخده.
وأنت تعرف مين في بيت زيان قتل أخوك يا عزت علشان تاخد طارك منه ولا هتدور قتل في العائلة كلها؟
هقتل بيت زيان واحد واحد
وانت مش كبيرنا يا حسن علشان نسمع كلامك وما تعملش علينا راجل
ارتفع صوت أحد الرجال بقوة وغضب فجعل الجميع يصمت:
عزاااات اقطم ما اسمعش نفسك اخوي أرجل منك ومن الف زيك لو هو مش كبيركم أبوه كبيركم
واللي هيقوله ابويا هو اللي هيمشي ولا هتكسر كلمه كبيركم كمان يا عزت
اشتعل الغضب في صدر عزّت، فتلظّى وجهه بحُمرة قانية، وانفجرت كلماته مدوّية كالرعد قائلاً:
براحة يا ولد الكبير يطق لك عرق، كل ده علشان مناسب بيت زيان؟
ثم رفع يده مشيرًا إلى حسن وقال:
بس لو اللي مات كان حسن كنت هتروح تولع في بيت زيان وتطلق مرتك أم عيالك. أنا ماشي وتار أخويا هاخده، وده آخر كلام يا عيال الكبير.
وقف الجميع واقفين حتى انصرفوا. عندها رمقهم نوار بنظرة حادة وقال:
علي فين يا بيت أبو رحاب إيه مفيش تقدير لبيت العامري ولا كبير بيت العامري عندكم؟
رد الرجال بصوت واحد قائلين:
لا يا أبو عمو أنتم فوق راسنا
تحدث جابر الذي كان صامتًا من البداية وقال:
يبقى تقعدوا تاكل لقمة معانا وتوحدوا الله وتصلوا على النبي
ردد الجميع الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ثم ذهب نوار لإحضار الطعام
داخل منزل العامري؛ كانت نسمه تمسك الهاتف وتراسل أحدهم باهتمام. نظر لها نوار بغيظ وهتف بصوت حاد قائلاً:
فين الوكل يا ست نسمه يمينًا بالله
لو الغداء مش جاهز هخلي يومك اسود
زفرت نسمه بضيق، وحدّجت بعينين تملأهما الغيظ المكبوت، ثم قالت:
عيشتي سودا لوحديها مش ناقص سواد اهوالوكِل جاهز
بكفاياك ازعاق
اقترب نوار منها وعيناه تومضان بصرامة، عازمًا على تأديبها. ولكن توقّف حين طلّت تلك المرأة ذات الجسد الأنثوي البارز وعيونٍ خضراء وبشرةٍ بيضاء
تحدثت تلك المرأة بصوت هادئ ورقيق قائلة:
انا جهزت كل حاجه، احب اغرف الوكل دلوقتي
ارتعدت المرأة للوراء عندما دوّى صراخ نوار في وجه نسمه، وهو يقبض على يدها بقسوة ويهدر بها قائلاً:
مين دي يا بنت سليم جايبه لك خدامه تخدمك فاكره نفسك عايشه في البندر عايزه تبقي هانم والناس تخدم عليك
قالت نسمه بارتباكٍ مرتجف، تختلق الكذب خشية انكشاف خطتها:
دي فرحه صحبتي بت عمك عيسى الله يرحمه جات تقعد معايه شويه بس لقيتني عتطبخ قالت تساعدني
رمق نوار المرأة بنظرة حادة، ثم وجه الحديث إلى زوجته قائلاً:
خمس دقائق والوكل يكون جاهز، يلا روحي
ذهبت نسمه والمرأة أمام نوار بخوف، ثم قاما بتجهيز الطعام. فور خروج نوار من المنزل، نظرت أمينة إلى ابنتها برجاء وقالت:
بلاش عمايلك دي يا نسمه هتاجي فوق راسك
ضحكة نسمه
وهي تضع قدمًا فوق الأخرى وتحدثت بمكر قائلة:
هو انا عملت غلط ده؟ انا حتى طيبة وعايزه اوفق راسين في الحلال. هو عيب لما اجوز عمي؟
رفعت أمينة يدها وضربت ابنتها على كتفها وهي تتحدث بغيظ وبصوت منخفض قائلة لها:
يوم ما اتجوز عمك وحده زي دي، انتي مش شايفة حلوه كديه؟ مش خايفة تخلف حتت عيل وتقاسم جوزك في كل حاجة؟
تحدثت صاحبة العقل الماكر قائلة:
ما تخافيش انا جبتها حلوه علشان تزغلل عين عمي ويتجوزها وينسى بنت العمده. ولو على الخلفي هي مش عتخلف مال هي إطلقت ليه وبعدين هي مش صغيره ده عندها 40 سنه يعني حتى لو جاءت تتعالج هتكون دخلت في ال50 ومش هتخلف. ما تخافيش
على بنتك انا عارفة ععمل ايه كويس قوية
خططت تلك الماكرة لكل شيء، غير أنها لم تتدبّر قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
وبينما عند مجلس الرجال هدأتْ، عائلة العامري الرجال وا استطاعت إقناعهم بالصلح، خرج الرجال من منزل العامري. سار رجل بعيد عنهم وهو يَنظُر يمينًا ويسارًا، وظل يمشي حتى بلغ الرجل الذي ينتظره في الخفاء، ثم قال للرجل بلهفة:
قول حصل ايه؟
رد الآخر:
هات الحاجة الأول
قال الأول:
يمكن أُخبارك ما تستاهلش
قال الآخر:
ريح نفسك يا منشاوي، مش هفتح بقي بكلمه غير لما اخذ منك كيس الشابو اللي اتفقنا عليه
نظر له المنشاوي بغيظ، ثم أخرج من جيبه كيسًا صغيرًا ممتلئًا بالمسحوق الأبيض. خطفه الرجل بشراهة، وتلألأت عيناه كأنه ظفر بكنزٍ ثمين. قصَّ ما جرى كلمةً بكلمة، ثم انسحب إلى رقدته ليبتلع تلك السموم بلا أنين ضمير، ولا وخزة ندمٍ على ما قد يعقبه فعله فيما بعد.
*******************************
كانت حزينة، تتلوع من نار الاشتياق؛ فقد اشتاقت له ولم تره منذ يومين. ظلت أفكارها تتلاعب بها؛ مرةً تفكّر أنه لم يعد يهتم بها، ومرةً أخرى تعتقد أنه قد ملّ منها، ومراتٍ يوسوس لها الشيطان أنه لم يحبها من الأساس، ولهذا لم يسأل عنها وهي على فراش المرض.
وعلى الجانب الآخر، كان يحيى واقفًا خلف الباب يراقبها باشتياق. لم تغب عنه لحظة كما تتخيّل؛ كان يأتي كل يوم ويرى وجهها دون أن تشعر. كان غاضبًا منها لأنها تتخلّى عنه في كل لحظة، لكنه لم يقدر أن يمنع نفسه من رؤيتها.
تفاجأ يحيى بفاطمة خلفه وهي تقول له:
«تعالي عاوزك، ذهبا سويًّا وجلسة في إحدى الغرف.»
نظر إليها بوجه عابس وتحدث بصوت يملأه الضيق قائلاً:
«مقولتش ليه إن العريس الي قولتي عليه هو انت يا يحيى؟»
رد عليها:فقال
«كان لازم أخلي بنتك توافق الأول قبل ما أتكلم معكي.»
قالت فاطمة بحدة:
«علشان كده كنت عتقابلها من ورايا يا يحيى!»
أجابها يحيى بجدية:
«أنا ما قابلتهاش من ورا حد، عمر ما هتخطي حدودي معاها. دي بنت عمي يا فاطمة يعني لحمي ودمي، أخاف عليها أكثر من أي حد.»
وقفت فاطمة، ووجهها يكسوه الحزن العميق، وأعطت ظهرها ليحيى وهي تقول بصوت مثقل بالألم:
«طلبك مرفوض.»
امتلأ صدر يحيى بالضيق، والغضب يعتصره من الداخل حتى كادت أسنانه أن تصطك. تنهد بثقل، يقاوم نار العصبية، وحاول أن يتحكم في أعصابه قبل أن يتحدث إليها بهدوء فقال:
«ليه يا حجّة فاطمة؟ إيه العيب اللي فيّا؟ ولا شايفاني مش راجل ومش قد المسؤولية وما ينفعش أتجوز بنتك؟»
ألفت له، وهزّت رأسها بالنفي، يعلو صوتها بنبرة صادقة مليئة بالمحبة وقالت:
«لا يا ولدي، انت من يومك راجل وسيد الرجالة. انت متربي على إيدي يا يحيى. يعلم ربنا إني أحبك زي عيال عمك، بس بنت أمك أكبر منك والناس…
»
أمسك يدها، وأوقفها عن الكلام، ثم نظر إليها بثقة وقوة وقال:
«أنا ما ليش دعوة بالناس. واللي يتكلم منهم نص كلمة عليها أقطع لسانه. والتلات سنين اللي مصدعاني بيهم انتي وبنتك ما لهمش 30 لازمة.»
ابتسم، وانطلقت كلماته بجرأة ممزوجة بلمحة شقاوة فقال:
«أنا عحب بنتك يا بطه ومش بس بحبها، أنا مش عاوز غيرها.
حاولت أن تفتح فمها مرة أخرى لكنه أسكتها وقال لها
:
«بطه، خلص الكلام. أنا كده كده هتجوز بنتك حتى لو هي مش موافقة. يلا خليني أروح أشوفها، وانتي جهزي للفرح يا أم العروسه علشان قرب.»
ثم همّ بالرحيل، وقبل أن يخطو خارج الباب توقف لحظة، والتفت متحدثًا ببراءة لا تشبهه قائلاً:
«شفتي أنا مأدّب إزاي وأخذت الأذان علشان أشوفها.»
نظرت له وتحدثت بغضب ضائق وقالت:
«يعني لو قلت لك ما تشوفهاش هتسمع الكلام ومش هتروح؟
»
قهقه بصوت مرتفع وقال:
«وانتي تعرفي عني كدي هروح وأشوفها. سلام يا أم العروسه.»
جلست فاطمة، وضعت يدها فوق وجنتيها، وملامحها يكسوها الحزن واليأس وتحدثت لنفسها قائلة:
«والله يا ولدي بيت العامري قلوبهم سوداء وهيكسروا قلوبكم.»
طرق الباب ثم ولج إلى الداخل. كانت تمسك بالهاتف بملل، وحين رأته رفعت عينيها إليه متظاهرة بالانشغال بالهاتف باهتمام كاذب.
جلس قربها، نظر إليها بعينين مشتعلة بالشوق وقال بصوت يقطر حبًا وولهًا:
«وحشتيني.»
فرفر قلبها بالسعادة من تلك الكلمة التي كانت مثل قطرات الندى تروي قلبًا عطشًا. حاولت أن تخفي ابتسامتها التي أشرقت وجهها حين رأته وقالت له بغيظ:
«جاي ليه يا يحيى؟»
رد عليها بنبرة ساخرة وقال:
«جاي أخد شوية محلول.»
تطلع إليها بعينين يبرق فيهما الإعجاب وقال بصوت مفعم بالغزل:
«أصلي بيقولوا إن المحلول هنا سكر وأنا بحب السكر وأنفسي آخده.»
رغم الإرهاق الشديد الظاهر على وجهها، احمر وجهها خجلًا ثم تحدثت بارتباك قائلة:
« علي فكرةَ دمّك تقيل.»
رد ضاحكًا فقال:
«على فكرة واخدة منه مرتين.»
قالت له:
«برده تقيل! طيب
هاتيه .»
نظر لها بغيظ طفيف وقالت:
«انت هتزلّني يا يحيى؟»
ارتسمت على وجهه ابتسامة بهيجة، رفع حاجبه وقال مازحًا:
«أنا زلال وعاوز حق دمّي ما ليش دعوة.»
التقطت الوسادة بجوارها ورمته بها مازحة وقالت:
«عاوز كام يا ولد العامري؟ ما أنتم عيلة ما عتعملوش حاجة لله وأنا عارفة.»
رفع الوسادة بين يديه، وغمز بعينيه بخفة ماكرة قائلاً:
«لما نتجوز هقول لك.»
هتفت في وجهه بخجل مرتبك
وقالت: إنت قليل الادب
«امتلأ المكان بضحكاته المرتفعة ثم قال:
انتي اللي دماغك بتحدف شمال وأنا اللي كنت فاكرِك مؤدبة يا نوسة.»
قالت له بعتاب:
«قوم امشي يلا ، انت لك يومين اصلا مش عتسال عليا زي عمر.»
اغرورقت عيناها بالدموع حين ذُكر شقيقها الذي لم تره منذ قدومها إلى هنا، ثم انخرطت في بكاء مرير، تتساقط دموعها على وجنتيها وقلبها يعتصر ألمًا وقالت:
«عمر بقى يكرهني زي نوار وأبوي، كل واحد فيهم حاول يقتلني وقلبهم متهزش عليّا ولا مرة من كتر ما هم بيكرهوني.»
اقترب منها، وعيناه تراقبان دموعها بوجع، وقلبه يعتصر حزنًا عليها، ثم قال لها بصوت يفيض بالحب والحنان:
«مفيش أحد فيهم هيكرهك. هم ساعة ما عملوا فيكِ كده كان الشيطان متحكم فيهم وعاميهم
هزّت رأسها بالرفض وما زالت دموعها تتدفق. استكمل حديثه بنبرة أهدأ وقال لها:
«نوار كل يوم يرن عليّ مخصوص علشان يطمن عليكي، وفي كل مكلمة يطلب مني أني أكلمك علشان تسمحيه. حتى عمي بيسأل عليك دايمًا. والجحش أخوكي أنا متأكد إنه جنبك على طول بس من غير ما تعرفي، زي ما أنا كنت كل يوم هنا باجي أشوفك. أنا مفيش يوم من ساعة ما دخلت هنا ما جيتش وما شفتِكش فيه علشان مقدرش أستغنى عن كنز حياتي
.»
ظل يحدثها بكلمات مليئة بالمحبة والعطف حتى كفّت عن البكاء. كانوا الاثنين غافلين عن تلك العيون التي تنظر لهما بشرٍّ وغلّ، ثم قامت بالتقاط بعض الصور لهما في السرية وذهبت وهي تتوعد أنها سوف تفعل المستحيل حتى تفرقهما.
*****************************
في الصباح الباكر، ذهب عامر إلى مكتبه، فوجد هناك ظرفًا مكتوبًا عليه: جاسر الجيزاوي.
فتح عامر هذا الملف بلهفة كبيرة، وكان بداخله معلومات عن جاسر زوج نور.
اجتاحت عامر صدمة هائلة حين رأى الصور الخاصة بجاسر. تذكّر على الفور ذلك الضابط المرتشي في منزل العامري، لكن الصدمة لم تتوقف عند هذا الحد. كانت الصدمة الأعظم عندما شاهد صوراً تجمع سارة، حبيبة يحيى السابقة، مع جاسر، بالإضافة إلى معلومات كاملة عنها.
غاص عامر في التفكير، مسترجعًا كيف كان يبحث عن زوج نور مثل المجنون، ليلة هجرته حبيبته من أجل رجل آخر. وحين أصر على الحقيقة، أعطاه يحيى معلومات خاطئة، ومع ثقته في صديقه لم يبحث مرة أخرى.
اصطبغ وجهه بالغضب، وانقبضت أوتار قلبه من شدة الانفعال. أمسك بالملف بين يديه وخرج غاضبًا، بينما شيطانان داخله يوسوس له، يضاعف غضبه ويزيد من قوة انتقامه المكبوتة.
وقف عامر حين رآ يحيى يخرج من السيارة، ودون سابق إنذار ألقى عامر ذلك الملف في وجهه بغضب شديد، وهو يقول له بصوت حاد
:
– ينفع يا يحيى باشا تقولي إيه ده؟ ده لو مفيش إزعاج لسياتك، ممكن تفهِّم الحمار اللي طول عمره ماشي وراك وواثق فيك؟
كان جسده يرتجف بشدة، أما الآخر فنظر إلى صديقه الغاضب، وعيناه تتبصران تلك الأوراق التي أُلقيت في
وجهه كقنبلة موقوتة كأن يخشى انفجارها. دايمًا لم يقل غضب يحيى عن غضب عامر، بل بدا أشد قوة، فقد كانت كلمات عامر المهينة تشعل غضبه، فهدر بها بنفس النبرة، لكن بصوت أكثر قوة وغضبًا:
– علشان زي ما قلت أنت حمار، وأنا كنت عحميك يا غبي علشان مترميش نفسك في النار مع ناس أنت مش قدهم، وتضيع نفسك علشان واحدة رخيصة باعتك علشان الفلوس!
ظل الغضب يسيطر على عامر، رغم أن صديقه كشف له أن كل ما فعله كان من خوف وحب، إلا أن الغضب أعمى بصره فلم يُبصر ولم يُدرك. ابتسم بسخرية وقال:
– هي خايْنة وانت إيه؟ عمر طلع عنده حق في كل كلمة قالها عليك، بس أنا كنت غبي بدافع عنك، بس طلعت ما تستاهلش.
وقف يحيى ينظر إلى عامر بصدمة وخيبة أمل، وارتسم على وجهه مزيج من الحزن والغضب، وابتسم بسخرية تخفي مرارة الموقف. اقترب منه وقال:
– تمام، أنا واحد زبالة وانتو رجالة قوي، ماينفعش تعرفوا واحد واطي. على رأي عمر من النهارده انسَى إن كان عندك صاحب اسمه يحيى.
ذهب يحيى للداخل حتى يجمع أغراضه من أجل الرحيل، فصرخ به عامر بغضب وحزن وهو يقول بعند:
– يكون أحسن! أنا مش عاوز أعرفك تاني ولا أشوف وشك.
بعد قليل عاد يحيى وهو يحمل حقيبة ألقاها داخل السيارة بعنف، ثم دخل السيارة. ركضت عليه ريم وهي تدق على باب السيارة بلهفة قائلة:
– يحيى استنى خدني معاك!
لم ينظر لها وكأنه لا يسمعها من الأساس. ظلت تصرخ عليه وتنادي اسمه دون جدوى.
جلس عامر داخل المكتب، يديه مثنيتان فوق رأسه، ووجهه شاحب يعكس ثقل الهموم وعمق الحزن.
دخلت نور دون استئذان، فصرخت به بغضب وقالت:
– أنت إيه اللي عملت مع يحيى ده؟ هو كان عحميك. أنت متعرفش جاسر ده… ده إنسان شراني ومؤذي وانت مش قدُّه!
انفجر عامر بغضب كالثور الهائج، كان جالسًا على المكتب، فنهض فجأة وأمسكه بكلتا يديها وطرحها أرضًا بعنف. ارتجفت نور وكأن الأرض تتزعزع تحت قدميها، تراجعت للخلف بخطوات متعثرة ويدها ترتجف بلا إرادة. أصدر عامر زئيرًا مهيبًا يشبه صراخ الأسد الجائع وقال:
– اطلعي برااااااااا! إنتي السبب في كل حاجة وحشة بتحصل وهتحصل في حياتي، مش عاوز أشوف وشك تاني مهما حصل
خرجت نور تركض وتبكي وتلعن نفسها، وتتمنى أن يأخذها الله حتى تريح الجميع منها.
******************************
أغلقت هالة الهاتف مع مريم، التي قصت لها ما دار بين يحيى وعامر. حاولت هالة الاتصال به مرارًا، لكن في كل مره كان الهاتف مغلقًا
فكرت هالة في الاتصال بأخيها، ثم تراجعت مستذكرة الشجار الأخير بينهما، ما زاد وجع قلبها. ظل قلبها يخفق بعنف، مثقلًا بالتوتر والخوف عليه، وهي تهمس بالدعاء: "ان الله يطمن قلبها عليه" مرت الساعات ببطء ثقيل، وكل لحظة كانت تزيد خفقان قلبها، خليطًا من الخوف والقلق
دق الباب، ونظر منه يحيى مرتسمًا على شفتيه ابتسامة ضعيفة بلا روح كي لا يقلقها. تنفست هالة بعمق حين رأتَه، وتحدثت بلهفة:
"يحيى، انت كويس كنت فين دا كله من الصبح وانا بحاول اتصل عليك بس تلفونك مغلق، ليه؟ حرام عليك، أنا هموت من القلق عليك."
ابتدت الابتسامة الزائفة تختفي عن شفته، وحلت محلها ابتسامة مشوبة بالشجن والاشتياق. خفق قلبه بعنف حين لاح خوفها وقلقها، كأنهما شرار صغير يضيء له الحقيقة المؤكدة: حبها له، حب لا ينطق إلا بصمتها المرتجف.
فقال لها
"أنا كده هغيب كل يوم عشان أشوف الاهتمام والحب ده كله."
"هو دا وقته يا يحيى؟ قولي، ايه اللي حصل بينك وبين عامر؟"
نظر إليها برجاء وقال:
"هالة، أنا مش عايز أتكلم في الموضوع ده، جاي أطمن عليكي قبل ما أسافر، كلها كام ساعة وبعدين رايح الصعيد."
ابتلعت ريقها بخوف، وتحدثت بصوت مهزوز:
"طيب، استنى شويه لحد ما أكون خفيت شوية، علشان… علشان…"
تنهد بياس منها قائلا
:
"علشان ايه يا هالة قولي ليه كل الخوف ده؟"
أجابته:
"علشان عارفه إن الكل هيرفض وهتحصل مشاكل كتيرة."
مسح وجهه بقوة وتنهد بثقل، ثم نظر إليها في عينيها وتحدث بثقة، كأن كلماته دخلت قلبها وأزالت الخوف
:
"طول ما أنا معاك، مش عايزك تخافي من حاجة، ولا تشغلي بالك بأي حاجة."
ثم غمز لها بطرف عينه وقال:
غير بيا أنا وبس
"المهم دلوقتي نختار القاعة، علشان مفيش وقت. كلها اسبوع أو عشر ايام بالكتير وتبقى حرم يحيى العامري
ابتسمت عيونها قبل شفتيها وقالت بمزح
هو سلق بيضاء أنا عاوزة فتره خطوبه الأول علشان ادرس أخلاقك
وماله مفيش مشكله احنا نتزوج وبعد كده نعمل فتره خطوبه براحتك وأخلاقي أنتي عرفها كويس
ردت فقالت
أخلاق وقحه
نظر في عيونها التي تشبه اليله الصافي قائلا
بس علي قلبك زي العسل
نظر بعيونه الذهبية مثل الشمس وقال لها بعشق
عنيكي الحلوه ودقات قلبك الي مهما تخبي حبك ليا فضحاكي يا كنز حياتي
اشتعلت وجنتيها من الخجل
في تلك اللحظة، دخلت فاطمة ومديحة، التي لم تكن تعلم شيئًا عن شجار يحيى وعامر.
تحدث مديحة:فقالت
"العرسان الحلوين حبايبي قلبي، عتملوا ايه
نظرت لها فاطمة بحزن وقالت:
"لسه بدري على الكلام ده يا مديحة يا عالم، هيحصل ولا لأ؟"
ردت مديحة بغيظ:
"يا باي عليك وليه، نكد عدوة الفرح، إن شاء الله هنفرح بيهم قريب."
أهو يا فاطمه يا نكد
ثم أطلقت الزغروتة، فرحة صافية من قلبها لأجلهم.
ضحك يحيى وقال:
"تعالي يا مديحة، اختاري معانا القاعة."
اقتربت مديحة وقالت
"وريني يا يحيى، ربنا يتمم لكم على خير يا حبيبي، سيبك من حماتك النكدية."
اقتربت فاطمة أيضًا، وظل الجميع يختارون بين القاعات وهم يضحكون بسعادة، غير مدركين ما يخبئه لهم القدر.
بعد ساعات
، غادر يحيى، وقاد سيارته متجهًا إلى الصعيد. وعند مدخل القرية، توقف، وهو يستمع إلى أصوات الطلقات القادمة من كل مكان، كأن القرية في حالة حرب. اخترقت إحدى الطلقات النارية سيارته بعنف.
ووويتبع