رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثاني 2 بقلم ياسمين ابو حسين
إستيقظت غزل من نومها متثاقلة .. تمطأت قليلا فشعرت بشخص ما ممدد بجوارها .. ففتحت عيناها مسرعة و قد تملكها الذعر فى البداية لم تتعرف على الغرفة .. حتى إلتفت برأسها لجوارها فرأت بسمة إبنة عمها غافية .. بدأ عقلها فى تجميع أفكاره حتى تذكرت أنها بمصر و نائمة بشقة عمها ....
أخرجها آذان الفجر من تخبطها فإعتدلت جالسة و هزت بسمة برفق لإيقاظها قائلة بهدوء :
_ بسمة .. قومى يا بسمة الفجر بيأذن .
أجابتها بسمة بصوت ناعس خفيض :
_ سبينى يا غزل و نامى .. أنا تعبانة .
هزتها غزل مجددا و قالت بإصرار أكبر :
_ لأ قومى يالا علشان تصلى .
صرخت بسمة بوجهها و قالت بحدة :
_ يووه .. سبينى بقا مالكيش دعوة بيا عاوزة أنام .
صكت غزل أسنانها بغيظ من صراخ بسمة بها .. فقررت الإنتقام و بطريقتها الخاصة فمن الواضح أن تلك البسمة لا تعرفها جيدا .. إذا .. فلنتعارف ......
فكرت بسرعة حتى هداها عقلها لفكرة جهنمية و بسيطة بعض الشئ .. فوقفت على الفراش و هى تتركه دعست على قدم بسمة بقوة .....
صرخت بسمة متألمة من قدمها و لامسته قائلة بألم :
_ آآه .. رجلى يا متخلفة .. إيه عامية مش بتشوفى .
أكتر أنواع البشر و التى تبغضهم غزل بشدة هم من لا يتعلمون من أخطائهم .. فتلك البسمة قد زادت نيران غزل المشتعلة و لولا ظلام الغرفة لرأت إندلاع شرارات عيناها الفيروزية .. بينما إرتسمت إبتسامة خبيثة على ثغر غزل التى قالت بنبرة تكاد تكون آسفة :
_ sorry يا بسمة بجد أصل النور مقفول و جيت أنزل مش شوفت رجلك بس أوعدك مش هدوس عليها تانى .
و تحركت قليلا و دعست قدمها الآخرى بقوة أكبر .. فصرخت بسمة بصوت عالى و قالت بغضب :
_ آآآآه .. رجلى التانية يا بنتى حرام عليكى .
ضحكت غزل بصوت مكتوم و هى تلامس الأرضية بقدميها و قالت ببرائة طفولية :
_ sorry كمان مرة يا بوسى .. بس أنا وفيت بوعدى و مش دست على رجلك الأولى شوفتى بقا أنا طيبة إزاى .
و حملت منشفتها و هى تبتسم بنصر و خرجت من الغرفة .. بعد قليل عادت و إرتدت إسدالها و صلت بهدوء و صوت أنين بسمة من ألم قدميها لا يتوقف .. بعدما فرغت من صلاتها قرأت وردها الصباحى من القرآن كما عودتها والدتها قبل موتها .. أو بالأحرى قبل قتلها .. عادت لها ذكريات مؤلمة و هى تتذكر ملاكها الحارس .. أمها .. بجمالها الساحر و إبتسامتها الوضائة و عيناها الفيروزية و التى ورثتهم غزل منها ...
نفضت أفكارها الحزينة من رأسها و وقفت فى الشرفة تتابع الشروق .. أغمضت عيناها و هى تستمتع بمداعبة نسمات الصباح لوجهها الناعم ....
فتح فارس عينيه متأملا جمال خلقه و هو يطالع أشعة الشمس الخافتة و كأنها تستحى أن توقظ النائمين .. رفع سيجارة ناحية فمه و تمسك بها بشفتيه و أشعلها نافثا دخانها يخرج معه غضبه و تلك الطاقة المتوحشة بداخله .. قبل أن تتقاذفه أفكاره كمضربين للعبة التنس و هو بينهما .. ما بين الماضى المؤلم و الحاضر الأكثر إيلاما و كلها تنتهى عند تلك الطفلة التى بسببها تغيرت حالته تماما و زاد توحشه أكتر ...
إلتف الجميع حول مائدة الإفطار .. و زينب تسكب لهم فى أطباقهم ما أعددته .. مال مهاب بجسده ناحية فارس و قال برجاء طفولى زامما شفتيه :
_ خدنى معاك الوكالة يا بابا .. جدو مش راضى فا قولت أميل عليك .
إبتسم فارس بهدوء و تطلع ناحية رامى المتصنع البرائة و قال ساخرا :
_ تميل عليا .. جرى إيه يا رامى إنزل من على ودان الولد شوية .. ده عنده خمس سنين لسه .
إرتشف رامى القليل من قهوته و قال بإبتسامة هادئة :
_ أنا و مهاب صحاب .. مالكش دعوة بينا يا عوو .. صح يا هوبا .
أجابه مهاب بثقة :
_ صح يا زميلى .
وقف فارس منتصبا و قال بإبتسامة ساخرة بصوته الرجولى الخشن :
_ زميلك !!! منك لله يا رامى أنا أدخله مدارس إنجليزى و إنت مصر تربطه بالحارة أكتر .. مصمم تبوظ اللى عملته معاه .
رفعت زينب حاجبيها بضيق و هى تراه يقف فقالت مسرعة :
_ إقعد إفطر زى الناس يا إبنى .
أجابها فارس و هو يلتقط هاتفه و مفاتيحه قائلا بعبوس كعادته :
_ فطرت الحمد لله يا ست الكل .. مش يالا يا حاج أوصلك فى طريقى للوكالة علشان همشى بدرى .
وقف صبرى و إستند على عكازه و قال بصلابة تلائم هيبته :
_ توكلنا على الله .. يالا يا إبنى .
ثم توقف للحظة و إلتفت ناحية رامى و سأله بنبرة ثابتة :
_ لسه هتأخر يا رامى .
أجابه و هو يداعب مهاب و قد تعالت ضحكاتهم :
_ إوصل إنت الوكالة هتلاقينى راشق فيك يا عمى .
هز صبرى رأسه بيأس و قال بضيق :
_ واد يا مهاب ما تقعدش معاه كتير .. و الله فارس عنده حق .. قال راشق فيا قال .
جلست غزل أمام التلفاز تطالعه بضيق فى إنتظار أن يصحو أحدهم من نومته .. فطيور معدتها كلها تصرخ طلبا للطعام . فمنذ كانت بالطائرة لم تتناول شيئا .. بعد ساعة خرجت هناء من غرفتها .. تطلعت ناحية غزل بإبتسامة ودودة و قالت :
_ صباح الخير يا بنتى .
بادلتها غزل إبتسامتها و قالت بود :
_ صباح النور .
_ معلش إتأخرت فى النوم بس نص ساعة يكونوا صحيوا و أكون حضرت الفطار أكيد جوعتى .
بعد قليل جلس الجميع على المائدة .. إقتربت منهم بسمة و هى تعرج بساقيها .. فسألتها هناء بقلق :
_ مال رجلك يا بسمة ؟!
تطلعت ناحية غزل و قالت بغضب :
_رجليا الإتنين فرمهم قطر .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بدلال :
_ سلامتك يا بوسى و سلامة رجليكى .
بينما إقترب إسلام منها و قال هامسا :
_ إيه رأيك بعد الفطار نخرج و أخدك فى جولة أفرجك على مصر أكيد وحشتك .
أجابته غزل بهمس متعجبة :
_ طيب موطى صوتك ليه ؟!
إعتدل إسلام فى جلسته و قال بقوة :
_ عادى يعنى .. بابا أنا هنزل أفسح غزل و أفرجها على البلد .
أومأ عونى برأسه و هو يطالع جريدته الصباحية و قال بفتور :
_ براحتكم بس ما تتأخروش .
أنهت غزل فطورها و إلتفتت بجسدها ناحية عونى و سألته بلؤم :
_ هتعمل إيه فى موضوع الشقة يا عمى .
ثنى الجريدة و وضعها على الطاولة و قال بضيق :
_ بصى يا بنتى أنا مش فاهم إنتى عيزاها ليه .
إبتسمت غزل بسخرية مضيقة عينيها و قالت ببساطة :
_ أكيد يعنى علشان أسكن فيها .
ضحك ضحكة ساخرة و كبل ذراعيه و إستند بهما على الطاولة و قال بصوت هازئ :
_ إنتى مش فى أمريكا علشان تعيشى لواحدك فى شقة طويلة عريضة زى دى .. لما أبوكى يرجع نبقى نخرج منها السكان .
فطنت لما يحاك حولها .. فإن ظنوها لقمة سائغة فهم حتما يتوهمون .. عقدت ذراعيها و إستندت بهما على الطاولة أيضا و قالت وهى تحدجه بتحدى قوى :
_ عندك حق يا عمى الأصول أصول برضه .. بس بقا .. إيجار الشقة و المحل هاخدهم منك كل أول شهر .
هذا مالم يكونوا يتوقعوه .. تطلعوا جميعا ببعضهم بتوتر من جملتها الأخيرة و كأنهم على رؤوسهم الطير .. وزعت غزل نظراتها عليهم تتابع صدمتهم .....
قرر إسلام تدارك الموقف فقال مسرعا لتغير دفة الحوار :
_ قومى دلوقتى إلبسى و بالليل تبقوا تتكلموا تانى .
وقف عونى و قال بعبوس غاضب :
_ أنا كمان هنزل أفتح المحل .. يالا سلام .
إستندت غزل بظهرها على ظهر مقعدها و شردت قليلا بعدما لاحظت إستيائهم من طلبها الشرعى .. تنهدت بأسى على أب إكتشفت أنه لص .. و أخ أنانى لا يهمه سوى ذاته .. و عم سيلتهم حقوقها .. وخزها إسلام فى ذراعها و قال بتعجب :
_ بكلمك مش بتردى ليه .
إنتبهت إليه و قالت بإبتسامتها الساحرة بعدما قررت أنه ضحيتها الجديدة للوصول لمبتغاها :
_ sorry يا إسلام .. إدينى نصاية و هبقى جاهزة .
هز رأسه متعجبا و قال بمرح :
_ نصاية .. إنتى متأكدة إنك كنتى فى أمريكا و لا كنتى فى شبرا .
أجابته بسمة بسخرية :
_ لأ و كمان محجبة .. غريبة مع إن لبسك مش محتشم يعنى .
تطلعت إليها غزل بقوة .. فها هى تعود لأخطائها مجددا و لا تتعلم .. إذا فلتصمدى أمام ما سأفلعله بك .. خرجت غزل من صمتها وقالت بحزم :
_ أنا سواء كنت فى أميريكا أو مصر .. فأنا مسلمة .. و حجابى ده اللى خلانى سبت أميريكا و رجعت مصر .. أما بقا لبسى .. فواحدة واحدة هغيره .
ثم وقفت و قالت لإسلام بهدوء متزن :
_ جهز نفسك على ما أجيلك .
وتركتهم و دلفت لغرفة بسمة تنفث نارا من أنفها .. جلست على طرف الفراش و تشبست به بقبضتيها تفكر فى بدايتها التعيسة بمصر .. وهذا مالم تتوقعه .. حتى خطر ببالها جدتها والدة أمها .. حاولت جاهدة تذكر عنوانها و لكن دون جدوى .. فقد كانت حينها طفلة صغيرة عمرها خمس سنوات .. تنفست بهدوء و وقفت أمام حقيبتها و أخرجت منها شيئا لترتديه ...
إرتدت بنطال چينزى ضيق و أعلاه كنزة بيضاء من الشيفون يصل طولها لطرف بنطالها و إرتدت حجاب ملون عقصته خلف عنقها .. و تزينت بالقليل من مكياجها و وضعت عطرها و أغلقت الحقيبة بكلمة السر حتى تطمئن أن لن يعبث بأشيائها أحد .. و إرتدت حذاء رياضى مريح و خرجت من الغرفة ....
تطلع إليها إسلام بإعجاب من جمالها الزائد عن الحد .. و إقترب منها مسحورا قائلا بتنهيدة حارة :
_ فى كده برضه .. أخاف تخرجى معايا تتخطفى مني.
إبتسمت غزل و قالت ببحة صوتها المغرية لإخضاعه إليها أكثر و أكثر :
_ و إنت كمان چان جدا .. يالا بينا .
أشار إليها بيده فتقدمته حاملة حقيبتها اليدوية محدجه بسمة بغرور واثق و خرجت مع إسلام بهدوء .. فضغطت بسمة شفتيها بغضب و قالت من بين أسنانها :
_فى ستين داهية .. أنا مش طايقة البت دى يا ماما .. فاكرة نفسها حلوة و هى بشعة .
أجابتها هناء بضيق و هى تنظف الطاولة :
_ مش عارفة هى قوية كده لمين .. دى أمها الله يرحمها ما كانش ليها صوت .. و أبوها حرامى بس أهبل .. سيبك منها هنطبخ إيه خطيبك جاى .
عرجت بقدميها قليلا و قالت بتفكير :
_ مش عارفة .. تعالى ندخل المطبخ و نشوف هنعمل إيه .
وقفت غزل أمام المنزل تتطلع إليه بضيق .. و هى تفكر كيف ستسترد حقها فيه من عمها المتسلط .. لم يعلم أحد بعد أنها تمتلك نصيب والدها و لكن إن علموا ماذا ستكون ردة فعلهم ..سألت نفسها بجدية هل حقا تخشى على نفسها منهم ؟!!! و منذ متى و هى تخشى شيئا أو شخصا ....
عادت بعينيها للطريق فوجدت إسلام يقترب منها بسيارته .. إستقلتها بهدوء فسارع هو قائلا بمداعبة :
_ و الله وحشتينى الشوية دول .
صكت أسنانها من مداعبته السمجة و تصنعت الإبتسام و قالت برقة :
_ Thanks .
إنطلق بسيارته يقطع الطرق و هى فى قمة سعادتها .. عيناها تلتقط كل شئ بفرحة.. واجهات المحلات و الطرقات و الناس كل شئ يعيدها لطفولتها .. رغم التطور الملحوظ فى المنشآت و لكن يبقى الناس على حالهم ملامحهم الطيبة و السمحة و الدافئة ......
بين الحين و الآخر كان يتابعها بإهتمام .. و إعجاب .. سعادتها جعلتها تبدو مشرقة كزهرة ندية تمت سقايتها فتفتحت أكثر و صار عبقها يملأ الأجواء .. أما هى فشعور من الراحة والسكينة قد غمرها شعور إفتقدته كثيرا فى غربتها .. ولكن فلتنتهى تلك الأيام و ترحل عن رأسها فها هى الآن بمصر كما حلمت كثيرا .. تتجول بشوارعها و تنعم بدفء نسماتها .. إلا إن عقلها قرر إفساد لحظة المتعة تلك و ذكرها بعمها و ما ينتظرها منه و من جشعه و طمعه ....
ضاقت من الزحام و توقفهم المستمر فتلفتت حولها وتسائلت بضيق :
_ إيه الزحمة دى هو فى حادثة .
ضحك إسلام ضحكة عالية و قال ببديهية :
_ يا بنتى ده العادى .. أهلا بكِ فى مصر .. عموما بكرة تتعودى .
ساد الصمت للحظات فسألها بفضول :
_ صحيح يا غزل إنتى درستى إيه أو بتشتغلى إيه ؟!
أجابته و هى مازالت تتطالع الطريق و لكن هذه المرة قد تعلقت عيناها بشريان مصر .. نهر النيل .. إبتسمت بخفوت وقالت :
_ أنا دكتورة .. زى ما بتقولوا فى مصر دكتورة باطنة و معايا ماجستير ... ااااا ... مش عارفة أترجمها كويس بس تقريبا ماجستير جراحة .. يا رب أكون بترجمها صح .
لمعت عينيه بفرحة و قال متعجبا :
_ أوبا بقا .. يعنى قمر و كمان دكتورة .. يا جامد إنت .
إلتفتت إليه لأول مرة منذ إستقلالهم لسيارته و قالت ببحة صوتها الماكرة :
_ سولى .. إنت فاكر عنوان بيت تيتة رأفة والدة ماما الله يرحمها .. إنت كنت بتروح معايا عندها و إحنا صغيرين .
فكر قليلا و قرر إستغلال تلك المعلومة لصالحه فيمكنه إبتزازها بها .. و خصوصا و هو يرى مدى لهفتها .. لذا فلينتظر قليلا .. أجابها بهدوء مدعيا عدم التذكر قائلا :
_ ياااه .. ده من سنين طويلة جدا أنا دلوقتى مش فاكر بس لو إفتكرت هقولك فورا .
علت الخيبة و الحزن ملامحها و عادت لمطالعة الطريق مجددا و لكن بحزن عميق .......
فى وكالة السعيد للخردة و القابعة بإحدى الحارات الكبيرة و التى لها قوانينها الخاصة و الحازمة فتلك المناطق شائكة و دائما ما يكون لديها كما يقال .. كبير المنطقة .. و بدوره الحاج صبرى و ولده كانا كبيريها ......
جلس صبرى على مكتبه الكبير غاضبا و هو يضرب الأرض بعكازه و جلس أمامه فارس و رامى بهدوء ما قبل العاصفة .. تطلع ببعض الأوراق التى أمامه و قال بضيق بنبرة صوته الرخيمة :
_ ما إنت لو مركز فى شغل الوكالة يا عوو ماكناش طلبنا المساعدة من حد و لا دفعنا مليم واحد إكراميات .
زفر فارس بضيق و هو يسيطر على إنفعاله بكل قوت و أجابه بتريث :
_ هو بس مافيش ورانا غير الوكالة .. ما المصنع شغال و زى الفل و نفعنا فى شغل الوكالة جدا و بدل ما كنا بنبيع الخردة بقينا نصنعها و نستثمر فيها أكتر .
أومأرامى برأسه و قال مصدقا على كلماته :
_ فعلا .
أشار فارس بيده ناحية رامى و قال بقوة :
_ و شغل المصنع كله شايله رامى و ممشيه زى الساعة .. أما بقا المستشفى الإستثمارى اللى أنا إشترتها بتدخل لينا فلوس ماكناش نتخيلها كل سنة و لميت حقها من زمان .. أقطع نفسى يعنى يا حاج .
ربت رامى على ساق فارس و قال للتهدئة قليلا :
_ إهدا يا عوو مش كده .. الحاج عنده حق برضه الوكالة هى أساس اللى إحنا وصلنا ليه و لازم نرجع نهتم بيها أكتر .. و باعدين ما إنت عارف إن روح الحاج هنا ده لأنه قضى عمره كله فيها .
أومأ فارس برأسه وقال بنبرة آسفة و لكن حازمة أيضا فمثله لا يليق به الضعف أو الإعتذار :
_ ما تزعلش منى يا حاج بس راسى مشغولة شوية اليومين دول .
هز صبرى رأسه متفهما .. ثم سألهم بألم :
_ ربنا يعينك يا إبنى .. صحيح محدش منكم راح لحمزة يطمن عليه .
أجابه فارس بغضب و هو ينقر بأصابعه على ساقه :
_ أنا لو روحت عنده مش عارف تصرفى معاه هيبقى إزاى .. ده واد ظالم و مفترى .
مرر رامى أنامله فى شعرات ذقنه و قال بتنهيدة أسى :
_ يا عوو ده أخوك برضه .. هو صحيح مفترى على الغلبانة مراته .. بس ما هو غصب عنه .
ثم إلتفت برأسه ناحية عمه و قال لطمأنته :
_ أنا آخر النهار هروحله علشان مايزعلش منى و علشان أطمن على الغلبانة مراته ليكون موتها المرة دى .
رفع فارس كفه ملوحا و قال بتذمر غاضب :
_ هى اللى تستاهل حاولت معها كتير علشان تبعد عنه و هى اللى مش موافقة و مش فاهم ليه و لا عاوز أفهم .
وهم واقفا و قال و هو ينصرف :
_ أنا همشى السيرة دى بتعصبنى .
و تركهم و غادر .. حرك صبرى رأسه بيأس وقال بأسى :
_ ربنا يهديكم يا ولادى يا رب .
مال رامى على مكتبه بجذعه حتى إقترب وجههما و قال بإستعطاف :
_ مش ناوى تفرح بيا بقا يا حاج .. هموت عالبت إرحمونى بقا .
دفعه صبرى بيده وقال بصرامة :
_ يا أخى إنت كمان أنا ناقصك .. قوم غور من قدامى على مصنعك يالا جاتكوا نيلة إنتم التلاتة .
ثم رفع كفيه ناحية السماء و ناجى ربه قائلا :
_ ليه يا رب بلتنى بالمصايب دول .. أستغفرك ربى و أتوب إليك .
أجابه رامى بضيق وهو ينتزع نظارته الشمسية من قميصه و إرتداها قائلا بتحذير :
_ مش هتاكلنى بالكلمتين دول يا عمى و مش هسيبك غير لما تحدد ميعاد الفرح مع ستى .. و إلا هخطفها و أهرب و الله .
فتح صبرى درج مكتبه و أخرج سلاحه و رفعه بوجهه وقال مهددا :
_ ده أنا كنت خطفت روحك من جسمك .. غور من قدامى لأطخك و الله و ما لكش عندى دية .
ركض رامى من أمامه و هو منهار من شدة الضحك قائلا بمزاح :
_ صلى على النبى يا عمى السلاح يطول .. ده أنا يتيم يا جدعان .
و تركه و إستقل سيارته و هو مازل منهار من الضحك و لا يشغل باله سواها .. فتاته الجميلة و التى سحرته من أول نظرة .. نعم كانت فى وقتها طفلة و لكنه إنسحر بذهبيتها اللامعة .. قاد سيارته و هو يمنى نفسه بها منطلقا لمصنعه .
عاد إسلام و غزل من نزهتهما و صوت ضحكهما لا يتوقف .. بداخل شقة عونى لاحظت غزل جلوس شخص غريب فى ردهة المنزل لأول مرة تراه .. إقترب منه إسلام و قال مرحبا :
_ منور الدنيا يا حسام .. أخبارك إيه ؟
أجابه حسام خطيب بسمة و قد تعلقت عيناه بغزل و رفضت الإنصياع لأوامره بالإبتعاد عنها و لو بخجل قائلا بشرود :
_ أنا كويس الحمد لله .
إنتبه إسلام لنظرات حسام ناحية غزل فقال معرفا :
_ تعالى يا غزل ده حسام خطيب بسمة .
ثم إستدار ناحية حسام و قال :
_ ودى بقا يا حسام غزل بنت عمى لسه واصله طازة من أمريكا .
رفع حسام حاجبيه متعجبا من جمالها الساحر و قال هامسا بنبرة مشتعلة :
_ غزل !!!
ثم تمالك نفسه و مد يده نحوها و قال و هو يتفحصها بجرأة :
_ إزيك يا آنسة غزل .. نورتى مصر .
إنتبهت لنظراته الوقحة فقررت أن تلقن بسمة درسا جديدا فى ذلك الوقح .. فإبتسمت برقة و صافحته بعدما سلطت مقلتيها الفيروزيتين على عينيه لتتلاعب بهما و بقلبه و بعقله أيضا و قالت ببحتها القاتلة :
_ هاى.. مصر منورة بأهلها .
إزدرد حسام ريقه بصعوبة يجلى به حلقه الذى جف فجأة و هو يغوص فى بحر عينيها الكاريبى .. و قد زادت دقات قلبه وبات يقصف بشدة لاحظتها غزل فإبتسمت بمكر بعدما وصلت لمبتغاها بمنتهى السهولة و ولجت لغرفة بسمة و هناك زوجين من العيون تتابعانها ببنطالها الضيق و حركة خصرها المذيبة للأعصاب .....
خرجت بسمة من المطبخ فوجدتهما واقفان يتطلعان للاشئ و على ثغر كلا منهما إبتسامة بلهاء فقالت بتعجب :
_ مالكم .. واقفين كده ليه ؟!!
إنتبها الإثنان عليه فأجابها إسلام مسرعا :
_ هاه .. مافيش .. خلصتوا الغدا و لا لسه .
أجابته بسمة و هى تطالع شرود حسام و تلك الإبتسامة البلهاء و قالت بنبرة عالية حتى ينتبه إليها :
_ أيوة خلصنا دقايق و السفرة تبقى جاهزة .
لم ينتبه عليها حسام فوخزته بذراعه و قالت بضيق :
_ حسام .. مالك ؟!
إلتفت إليها برأسه و طالعها من فوق كتفه و قال بتنهيدة طويلة :
_ ما أنا كويس أهه و زى الفل و الورد و الياسمين .
زمت بسمة شفتيها بعدم فهم و قالت بإستسلام :
_ طب إقعدوا بابا زمانه جاى أكون حضرت السفرة .
بعد قليل إلتف الجميع حول الطاولة فصاحت هناء قائلة :
_ يا غزل .. يالا. علشان تتغدى يا حبيبتى .
خرجت غزل من الغرفة و فور رؤيتهما لغزل وقفا مسرعين حتى جلست .. طالعهم الجميع بتعجب و خصوصا .. بسمة ....
وزعت هناء الطعام على الأطباق و قالت لغزل :
_إيه رأيك فى مصر يا غزل .. زى ما هى و لا إتغيرت .
أجابتها غزل بفرحة ملأت قسمات وجهها :
_رغم الزحمة و الدوشة .. بس مصر تجنن .. So beautifull .
مصمصت بسمة شفتيها و قالت بضيق من طريقتها الناعمة بالحديث :
_ أنا مش فاهمة إيه اللى خلاكى تسيبى أمريكا و رجعتى مصر .. هى المشرحة ناقصة قوتلة .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت مازحة :
_ عندك حق يا بوسى .. بس بقا المضطر يركب التاكسى .
ضحك إسلام و حسام على مزحتها فال لها إسلام من بين ضحكاته :
_ يعنى قمر و دكتورة و ماجستير و بتقلشى كمان .. عاش يا وحش و الله .
لمعت عينى حسام و سألها بلهفة :
_ إنتى دكتورة يا آنسة غزل .
أومأت برأسها مؤكدة و قالت و هى تمضغ ما فى فمها :
_ أيوة دكتورة .. و قريب هقدم فى كذا مستشفى علشان شغل .
زم عونى شفتيه بضيق فتلك المصيبة الجالسة معهم تنوى الإستقرار بمصر و ستتسبب فى إصابته بصداع مزمن بموضوع شقتهم ..
إنتبهت بسمة لنظرات حسام ناحية غزل .. فإمتعض وجهها و هى تقول بضيق :
_ مش بتاكل ليه يا حسام .
تطلع إليها بإبتسامة باهتة و قال بهدوء :
_ لأ باكل يا حبيبتى تسلم إيدك الأكل يجنن .
أمنت غزل على كلماته و قالت برقة :
_ فعلا الأكل يجنن .. تسلم إيدك يا أنطى هناء .
كلما تحدثت زاغت مع شفتيها عينى إسلام و حسام بوله .. سحرتهم بعيناها آسرة القلوب .. تعلم جيدا أنها تمتلك سلاحا قويا تكفيها فقط نظرة واحدة لتردى من أرادت قتيلا بحبها .. إنهمكت هى فى تناول وجبتها بنهم متذكرة طعام والدتها التى تفتقده بشدة كما تفتقدها ...
بعد إنتهائهم من الأكل جلسوا أمام التلفاز و تحدثوا بأمور شتى .. بينما تركتهم غزل و بقيت بغرفة بسمة حتى المساء ...
بعد إنصراف حسام ولجت بسمة لغرفتها وهى تستشيط من الغضب ..و ما أن رأت غزل تجلس على فراشها مرتدية ملابس متحررة بعض الشئ أظهرت جمالها الزائد عن الحد فصفعت ورائها باب الغرفة بقوة .. فرفعت غزل عينيها ناحيتها و قالت ساخرة :
_ بشويش عالباب أعصابك يا بوسى إنتى لسه صغيرة .
أجابتها بسمة بغضب :
_ سبينى فى حالى يا غزل أنا مش نقصاكى .
فسألتها غزل بفضول و هى تنثر شعراتها السوداء الناعمة خلف ظهرها بنعومة :
_ قوليلى صحيح يا بسمة إنتى خريجة إيه ؟
_ آداب .. و مش بشتغل علشان حسام بيغير عليا جدا .
باغتتها غزل قائلة بإبتسامة ماكرة :
_ و إنتى كمان واضح إنك بتغيرى عليه جدا مش كده .
عقدت بسمة ذراعيها أمام صدرها و قالت بحدة :
_ طبعا مش خطيبى وبنحب بعض .. عقبالك .
رفعت غزل حاجبها و قالت لإغاظتها أكثر :
_ بس خطيبك قمور و كيوت جدا .. خلى بالك منه لواحده تخطفه منك .
عضت بسمة على شفتيها و قالت بغضب وقد إشتعلت نيران عينيها :
_ حسام بيحبنى و عمره ما هيشوف واحدة تانية غيرى .
ضحكت غزل على سذاجتها و قالت بجدية :
_ قوليلى صحيح يا بسمة إنتى فاكرة عنوان تيتة رأفة لأنى مش فاكراه خالص .
فكرت بسمة قليلا .. فها قد أتتها فرصة للتخلص من تلك المتطفلة المغرورة .. فعادت إليها الإبتسامة المشرقة و قالت مسرعة :
_ ثوانى و هعرفلك العنوان من بابا أو ماما و هقولك .
و تركتها و خرجت .. إستندت غزل على الفراش بذراعها و قد عاد إليها الأمل فى العثور على جدتها الحنون .. بعد دقائق مرت على غزل ساعات عادت بسمة و بيدها ورقة أعطتها لغزل قائلة بإشمئزاز :
_ ده عنوانها .. بس الصراحة فى حارة بيئة جدا .. ربنا معاكى .
إلتقطت غزل الورقة بأناملها و فتحتها بإبتسامة ملأت وجهها و هى تدعوا الله أن تكون جدتها ما زالت على قيد الحياة .....
فى المساء إستقل رامى سيارته متوجها لزيارة حمزة إبن عمه .. و صديقه .. ربما لم يعودوا كالسابق و سبب ذلك هو عزوف حمزة عن الجميع .. خرج رامى من الطريق الطويل لحارتهم و إنطلق على الطريق الرئيسى و إستدار مجددا و إنحدر بسيارته للطريق المقابل لتلك الحارة ..
إقترب بسيارته من ذلك القصر الكبير و الذى لا يمت بصلة لهذه المنطقة الشعبية المقابلة له .. هدأ سيارته ووقف أمام بوابة القصر.. ضغط بوق سيارته ففتحت البوابة الكبيرة و حياه حارسين من حراس القصر و أشاروا له بالولوج للداخل .. فدلف بسيارته للداخل و أغلقت البوابة ...
تطلع ناحية القصر بإنبهار ككل مرة يراه به .. فالقصر قد إمتاز من الخارج بطراز رومانى نسبة لتلك التماثيل التى تحيطه .. و أعطته فخامة غير مسبوقة كأنه متحف أثرى .. سار بسيارته قليلا داخل هذه الحديقة الواسعة و الخلابة .. وقف بسيارته أمام باب القصر و صفها بهدوء ثم ترجل منها و صعد الدرجات الرخامية المؤدية لبابه . دق الجرس و إنتظر حتى فتحت له إحدى الخادمات و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أهلا وسهلا يا باش مهندس نورت الدنيا .. إتفضل .
أجابها و هو يدلف للداخل :
_ أخبارك إيه يا نشوى .
_ الحمد لله .. سألت عليك العافية .
جلس بالردهة و قال برجاء :
_ معلش يا نشوى فنجان قهوة و إدى خبر لحمزة و ميناس لو سمحتى .
_ حالا .
بعد قليل إقتربت منه فتاة فى العشرين من عمرها .. مجرد النظر بوجهها يبتسم ثغرك دون إرادة منك .. فجمالها هادئ كالملائكة .. رغم طولها المتوسط و لكن جسدها ممشوق بطريقة خلابة تخفيه أسفل ملابسها الواسعة .. ربما تستطيع أن تخفى جسدها و شعراتها السوداء الناعمة.. و لكن وجهها سيظل يشع راحة غريبة لكل من يراها بعيناها الخضراء المائلة على اللون العسلى و أنفها الصغير و فمها الذى يشبه حبة الكرز من صغره وإكتنازه .. و وردية بشرتها اللذيذة ..
وقف رامى لإستقبالها و تنهد بشفقة على حالتها المذرية و قد صبغ وجهها البرئ باللون الأزرق فى أماكن متفرقة نتيجة ضرب مبرح .. هز رامى رأسه بأسى و قال بصوته الرخيم :
_ هو ضربك تانى يا ميناس .
طأطأت رأسها و قالت بحزن :
_ لأ .. أنا إتخبطت فى الباب .. عامل إيه يا رامى .
تنهد بضيق و قال بإبتسامة هادئة :
_ أنا كويس الحمد لله .. و ياريتك إنتى كمان تكونى كويسة .
إبتسمت برقة و أجابته بمواربة :
_ صدقنى كويسة جدا الحمد لله .
_ هو حمزة فى أوضته ؟!
أومأت ميناس برأسها و قالت بنبرة خافتة :
_ أيوة .. إدخله لهو النهاردة عصبى جدا و أنا خايفة عليه .
هتف رامى بإستنكار متطلعا لوجهها و الذى تلون بمختلف الألوان قائلا بسخرية :
_ ما هو واضح إنه عصبى باين على وشك .
إنتبه لتبدل ملامحها و هذه الإبتسامة الخافتة التى ظهرت على ثغرها .. إلتفت ورائه فرأى ظلا يسبق صاحبه و هو يخرج ناحيتهم من أحد الغرف ....
أصابتها تلك الرجفة الخفيفة و التى تصاحبها دائما فور رؤيته بهيبته و جماله .. حبيب عيونها و قلبها .. لم تشعر بإنفراجة شفتيها و تبسمهم و هى تتطلع ناحيته .. تتمنى دائما أن يشعر بها و يقدر تضحياتها من أجله ... إختارته بملأ إرادتها و إن عاد بها الزمن مجددا .. ستختاره حتما .. تاركة دراستها و طموحها و جدتها و إختها و التى لا تراهم سوى مرات قليلة .. و لكن كل هذا فى كفة و قربها منه فى كفة أخرى .. إستكفت به عن الجميع ...
خرج حمزة من غرفته .. و هو يحرك كرسيه المتحرك بيديه و فور رؤيته لرامى إبتسم إبتسامة متسعة و قال بصوته الرجولى الدافئ :
_ وحشتنى يا صاحبى .. إنت فين يا رامى .
ضحك رامى ضحكة عالية وهز رأسه مستنكرا و قال بسخرية :
_ تعالى يا حاج صبرى شوف إبنك و هو عامل ديل حصان .
رفع حمزة حاجبه بضيق و قال بحنق مستندا بذراعيه على كرسيه :
_ ده قصر ديل يا أذعر .. بتغير منى و متضايق علشان شعرى أحسن من شعرك .
جلس رامى أمامه و قال بغرور مدافعا عن نفسه بثقة :
_ صحيح مقصر شعرى بس لو طولته همسحك يا معلم .. المهم .. أخبارك إيه ؟
أشار حمزة بذراعيه على جلسته الإجبارية و قال بضيق :
_ عادى زى ما أنا .. إنتم اللى كويسين و مهاب عامل إيه ؟!
حك رامى أسفل أنفه و قال بنظرات كمن مسك بالجرم المشهود :
_ كلنا كويسين الحمد لله .. بس مهاب بسببك و بسببى بقا ولا ولاد الشوارع .. و العوو بقا على آخره .
ضحك حمزة ضحكة عالية و قال بحزم :
_ إحنا لينا فى مهاب أكتر من العوو نفسه .. ياباختك يا رامى بتشوفه كل يوم ... إنما أنا بشوفه لما بيجى مع أمى .
شرد حمزة قليلا متذكرا تلك الحادثة و التى كانت نتيجتها أنه الآن سجين ذلك الكرسى المتحرك .. إنجرف وراء أصدقاء السوء و تبعهم كأنه مسلوب الإرادة حتى بات الجميع يحذره من ذاك الطريق الخطر و نهايته المحسومة مقدما و لكنه صم أذنه و ضرب على قلبه حتى حصد ما زرعته يديه .... و ما يؤلمه أكثر أنه لم يكن المتضرر الوحيد من تهوره بل كان مهاب أيضا أكثر المتضررين فخسارة هذا الطفل كانت الأكبر بلا شك .......
عاد من شروده فوقعت عينيه على زوجته .. كما يلقبوها .. طاف بعينيه عليها كليا و تأمل جمالها المخفى وراء ملابسها الواسعة و تورم وجهها و صبغته التى مصدرها كفيه .. ثم صك أسنانه بغضب و صاح بها قائلا بغلظة :
_ إنتى واقفة كده ليه إتخفى فى أى حتة لغاية ما أعوزك .. يالا .
أومأت ميناس برأسها و إتجهت لغرفتها بهدوء و كالعادة دموعها تسبقها لزنزانتها .. سبب تلك الدموع لم يكن صراخه بها و إحراجها .. بل نظرات التحقير منها .. متى ستشتعل تلك العينان بحبها .. لمتى ستنتظر أمل واهى ربما لن يتحقق .......
تابعتها عينى رامى بحزن .. ثم إلتفت برأس ناحية الصخرة الحجرية القابعة أمامه و نهره قائلا بنبرة عالية شفقة على تلك المسكينة :
_ هى عملت علشان تحرجها كده .. إنت ماعندكش دم و لا إحساس و الله .
إشتعلت عينى حمزة مع نظرات رامى لميناس حتى و لو من باب الشفقة .. و إستدار بكرسيه مبتعدا عنه و إبتعد قليلا ثم توقف و إستدار إليه مجددا و قال بغضب أعمى كقلبه :
_ قولتلك كام مرة مالكش دعوة باللى بينى و بينها .. إتفضل إمشى و متشكرين على الزيارة .
و إستدار مجددا متوجها لغرفته تسبقه نيران عينيه المتوعدة لتلك المسماة زوجته .......
أسرع رامى و وقف و إعترض بجسده تقدم حمزة و قال معتذرا بأسى :
_ خلاص بقا أنا آسف يا زميلى .. متكرمشليش وشك كده يا حمزة .
هدأت نيرانه قليلا فرامى لم يكن له مجرد إبن عمه وفقط بل كان أخيه كفارس و أكثر .. أخيه الذى تقاسما معه غرفته بعد وفاة والديه و أصبحا رفيقين فى اللحظات السعيدة و الحزينة .. تحولت أخوتهم لصداقة قوية مع مرور الوقت حتى أنهما إختارا مجال دراسة واحد و تفوقا حتى وصلا لمبتغاهما .. و لكن حمزة من إبتعد عنه و إختار طريقا آخر رغم محاولات رامى المستميتة بإبعاده عنه و لكن كان للقدر كلمة أخرى .....
عقد حمزة ذراعيه أمام صدره و أجابه ببرود :
_ هقبل أسفك بس بشرط واحد .
إبتسم رامى رغما عنه و هو يطالع حمزة بيأس .. لن يتغير .. حمزة المدلل و المستغل .. ذكى بدرجة شيطانية و يستطيع قلب الموازين ناحيته دائما .. فسأله بفضول قائلا بحذر :
_ ده إنت بجح بجاحة .. سمعنا شرطك يا فنان .. ربنا يستر .
لوى حمزة ثغره مداريا إبتسامته و أجابه بهدوء :
_ هاتلى مهاب أشوفه وحشنى .. و بكرة زى دلوقتى كمان .
أومأ رامى برأسه موافقا و قال بجمود :
_ و ماله يا صاحبى .. بس برضه بشويش على الغلبانة اللى جوة دى علشان فى يوم هتمشى و تسيبك و ساعتها هتندم و ندمك مش هيفيدك .
ضغط رامى دون قصد منه على جرحه بقوة و نثر فوقه ملحا مزيدا من ألمه من تلك الحقيقة المؤكدة .. رحيلها .. لن تصمد كثيرا أمام ما يفعله بها .. عن قصد ......
فطأطأ رأسه و كسى الحزن ملامحه و تنفس بعمق و زفره مرة واحدة قائلا بنبرة فاترة :
_ ما هى أكيد هتسبنى فى يوم .. أنا مش فاهم أصلا هى مستحملة اللى بعمله فيها ليه .
تطلع إليه رامى بتعجب .. هل هو غبى لهذه الدرجة أم أنه يتصنع الغباء .. ما التى ستحتاجه فتاة مثلها تركت حياتها و أسرتها و تعليمها و إختارته هو رغم رفض الجميع لتلك الزيجة المحكوم عليها بالفشل قبل أن تبدأ .....
مال ناحيته قليلا و تطلع بقوة داخل عينيه و قال موضحا .. بطريقته .. الفجة :
_ تبقى حمار لو مش عارف هى مستحملاك ليه .. ما هو كده ربك لما بيريد بيرزق ال ***** .
قطب حمزة حاجبيه بغضب و فجأة صدمه بكرسيه بقوة .... تألم رامى من ساقيه و تأوه قليلا بينما إبتسم حمزة و قال ساخرا :
_ بتسوء العوء عليا ليه و إنت ما بتعرفش تسوقه .
كور رامى قبضته أمام وجه حمزة و الذى يحدجه بتحدى قوى رغم عجزه و قال له كاظما غضبه :
_ لولا إنك حبيبى يا حمزة كنت حطيت عليك و وقتى .. بس هعديها يا هندسة .
ها هو رامى مجددا يضغط جرحا جديدا .. حلم حياته دراسة الهندسة والذى فعل كل ما بوسعه و أكثر للحصول على درجات عالية من أجل الوصول لحلمه .. و بعد أربع سنوات دراسه و قربه من الوصول لحلمه و ملامسة النجوم .. سلسلته سلاسل حديدية ربطته بالأرض و منعته من الطيران و ملامسه حلمه القريب ......
إبتسم بسخرية و قال شاردا بالبعيد :
_ وحشتنى يا هندسة منك .. بس ربك ما أرادش إنها تتحقق .
إنتبه رامى لحزنه فلعن لسانه الطويل ولعن نفسه أيضا هل أتى للترويح عنه قليلا و لا زيادة همومه و تقليب أحزانه مجددا .. فقال برأفة على حاله :
_ ما هو إنت اللى رفضت ترجع الكلية تانى معايا .. كان زمانك متخرج زيى و بقيت أحلى باش مهندس فى الدنيا .
طأطأ حمزة رأسه و قال بإنكسار متطلعا بساقيه الميتتين بحزن :
_ كنت عاوزنى أرجع الجامعة و أنا على كرسى بعجل بعد ما كنت الباشا الكبير بين صحابى .. عاوزنى أشوفهم بيبصولى بشفقة .. لا يا صاحبى كده أحسن و باعدين كفاية علينا إنت يا هندسة .. عيلة السعيد ما تستحملش إتنين مهندسين .
ضغط رامى على كتفه و هزه قليلا و قال بجدية :
_ ما هو إنت لو توافق على العملية هترجع أحسن إن شاء الله من الأول بس زناخة مخك ما شوفتهاش على حد .
رفع حمزة حاجبه بحنق فقد إكتفى من لسان رامى الجامح .. فأشار بذراعه ناحية باب القصر و قال بصوت محتقن :
_ إطلع بره .. أنا اللى أستاهل إنى باخد و أدى مع أمثالك .. يالا بره .
ضحك رامى ضحكة عالية و رفع ذقنه بإيباء و قال بثقة :
_ يا صاحبى أنا ليا فى القصر ده نصه و إنت و إخواتك النص التانى .. يعنى أنا اللى أطردكم مش سموك اللى تطردنى .
أجابه حمزة مؤكدا ساكبا الوقود على النار دون أن يشعر :
_ إطلع بره برضه و ما أشوفش وشك هنا غير و إنت داخل بالعسلية عروستك ... مفهوم .
زم رامى شفتيه و إنتصب فى وقفته نافشا عضلاته فى حركة متحفزة للهجوم و قال محذرا و هو يسيطر على كل ذرات غضبه :
_ أنا بس اللى أقولها عسلية مفهوم و لا هيوحشنا لسانك ده .
إبتسم حمزة بمكر و هو يتطلع بالطاووس الواقف أمامه نافشا ريشه و مستعد للإنقضاض عليه فقرر إغاظته أكثر و لم يدرى عواقب تسرعه قائلا بمزاح:
_ آخر مرة شوفتها كانت زى القمر ... فعلا إسم عسلية لايق عليها هى وبس .. حاجة كده بشمعها .
وصل رامى لأقصى مراحل غضبه فجذب حمزة من سترته و قربه من وجهه المحتقن من الغضب قائلا بزمجرة مخيفة :
_ شوفتها إمتى إن شاء الله .. و إنت إزاى تسمح للسانك ده يجيب سيرتها و إنت عارف إنى ساعة الشر حانوتى و ممكن أدفنك مكانك .. دلوقتى .. و مش بهزر .
إبتلع حمزة ريقه بصعوبة و هو يطالع ذلك الوحش الغاضب و الذى حرره بكلمات مازحة .. فقط مزحة .. فقال له مهدئا بنبرة حذرة :
_ سيكا ها .. إهدا يا وحش و الله بهزر .. دى أخت مراتى يا معلم يعنى زى أختى بالظبط .
دفعه رامى بغضب و إعتدل فى وقفته قائلا بصرامة و هو عابسا :
_ ما تلعبش بالنار معايا تانى يا حمزة .. إنت عارف إنى من ناحيتها مش بتحكم فى نفسى .
رفع حمزة كفيه بالهواء و قال معتذرا :
_ آسف يا عمونا ما تزعلش بقا مش هعملها تانى خلاص .
زفر رامى بضيق نافثا نيرانه و قال و هو ينصرف متحكما بصعوبة فى مشاعره :
_ أشوفك باعدين يا هندسة .. سلام .
و تركه و إنصرف .. ضحك حمزة ضحكة عالية و هو يتابع إنصرافه الغاضب .. يعلم جيدا مدى عشقه و تعلقه المرضى بحبيبته .. لم يكن يجدر به العبث بتلك المنطقة ..... هدأت ضحكاته و تلاشت عندما وقعت عينيه على باب غرفتها .. فصاح قائلا بصوت رخيم :
_ إنتى يا هانم تعالى هنا .
إرتعدت و هى جالسة تقرأ قليلا .. فقذفت كتابها و ركضت ناحية الباب ثم توقفت و عادت لمرآتها تطلعت لهيأتها و ما أن إطمأنت من هندامها فركضت مسرعة ناحية باب غرفتها يسبقها قلبها المتلهف لرؤيته .....
خرجت من غرفتها ترتجف من رعبها .. و إقتربت منه بخوف و قالت بصوت مبحوح :
_ أيوة .
فى هذه اللحظة و كل لحظة يراها بها يلعن برائتها و جمالها و صفائها و نظرتها الملتاعة و الناطقة بعشقه ... تحكم فى دقات قلبه العاصفة من مجرد رؤيتها و قال ببساطة :
_ دخلينى أوضتى .. يالا .
إلتفت حوله و عطرها يجعله يستشيط و يريد جذب رأسها و ضربها بأقرب حائط .. ألم ينهرها سابقا على عطرها ذاك .. ولجت به لغرفته فتوقفت عن الدفع و إنتظرت باقى أوامره .. فأتاها صوته قائلا بهدوء :
_ دخلينى البلكونة و سبينى .
دفعت ميناس الكرسى مجددا بإتجاه الشرفة .. حتى ولجا بها .. عدلت من وضعية الكرسى حتى أصبح مقابلا لحديقة القصر الرائعة الجمال و تركته و إنصرفت ...
أوقفها حمزة قائلا بنبرة آمرة :
_ إقعدى هنا على الكرسى اللى قدامى ده .. وإياكى تتحركى مفهوم .
أومأت برأسها بسرعة و جلست قبالته بهدوء .. أشعل سيجارته و أخذ ينفث دخانها بشرود .. بينما إكتفت ميناس بمتابعته بعينيها و دقات قلبها تكاد تصم أذنيها من شدتها ....
لو إجتمع أمهر الرسامون الآن لما إستطاعوا رسمه بدقة كما رسمته هى بداخلها .. تراه خلابا فى شروده رغم ملامحه الصارمة و عبوسه الدائم بوجهها إلا إن وسامته تشعل بداخلها نيران عشقه فتدفء روحها .. لأنها المتيمة بعشقه من رأسها حتى قدميها ....
كعادتها .. منذ عودتها تظل بغرفة بسمة منطوية على نفسها لإحساسها بالغربة و الهجر بينهما .. على الرغم من أنهم عائلتها و لكن إن لم يكن هناك خير فى والدها و أخيها فهل سيكون فى عمها و أسرته و التى لم تلتقيهم منذ عشرون سنة .. تنهدت غزل بأسى و هى تتطلع للغرفة من حولها جالسة على الفراش تضم ركبتيها لصدرها بقوة .....
تصنعها للقوة بات يرهقها .. إلى متى ستظل متصنعة .. حتى الإبتسامة تتصنعها .. كم تتمنى أن تعود كسابق عهدها كالفراشة المنطلقة و ضحكاتها و سعادتها و شغبها يملأ أى مكان تكون به .. و لكن .. كل ذلك قد دفن مع والدتها كثقتها بالبشر و شعورها الأمان ..
خرجت منها آهه خفيضة و هى تتذكر والدتها و ما حدث معها .. عند هذه النقطة إحتضنت ساقيها أكثر و أخذت تتحرك بسرعة للأمام و الخلف نافضة صورة ما حدث من عقلها .. و عندما إنتبهت لحالة الضعف التى تملكتها و قفت منتصبة و حاولت السيطرة على إنفعالاتها و قررت أن المواجهة أقصر الطرق و أصعبها أيضا .....
إرتدت إسدالها و خرجت تبحث عن عمها فلتقطع عرقا و تسيل دمه .. بحثت حولها فلم تجده و لكنها وجدت هناء جالسة تتابع التلفاز فإقتربت منها و سألتها مستفهمة :
_ هو عمى فين يا أنطى .
أجابتها هناء ببرود و هى ما زالت عينيها على التلفاز :
_ نام يا غزل .
رفعت غزل حاجبيها بحدة و هى تشتعل من غضبها لمتى سيعاملها عمها بهذه الطريقة .. إنه حقها و تريده ما هو الشئ الصعب فى ذلك .. إلتفت هناء برأسها ناحيتها نصف إلتفافة و قالت بإيجاز :
_ أحضرلك عشا .
زمت غزل شفتيها بضيق و قالت بنبرة فاترة :
_ لأشكرا .
و عادت للغرفة مجددا .. نزعت إسدالها عنها بقوة كادت تمزعه و جلست على الفراش تفكر و شرر عيونها الفيروزى يكاد يحرق كل شئ حولها .. دلفت بسمة لغرفتها فوجدت غزل على حالتها فإبتسمت بغل و تشفى و إقتربت منها عاقدة ذراعيها و قالت ساخرة :
_ بشويش على نفسك يا غزل ليطقلك عرق و لا حاجة إنتى لسه صغيرة على زعلك ده .
لقد زاد إشتعالها الآن من تلك البغيضة و لكنها و بهدوء متمرس تصنعت الإبتسام و رسمت إبتسامة ماكرة على ثغرها و هى تطالعها بقوة و قالت بتحدى :
_ ما تحاوليش تقلدينى يا بوسى لأنه قدامك كتير قوى علشان تبقى زيى .. و أظن إنه مستحيل .
مصمصت بسمة شفتيها و سألتها بنبرة هازئة :
_ أبقى زيك إزاى يعنى مش فاهمة ؟
وقفت غزل قبالتها و نظراتها تزداد عمقا و تحدى و قالت بنبرة منذرة :
_ بلاش تفهمى لأنى هخليكى تشوفى بعنيكى .. و برضه مش هتفهمى .
و تركتها و عادت للفراش إندست به و سحبت فوقها الغطاء بغضب .... بينما تطلعت إليها بسمة بغيرة و حقد و تركت لها الغرفة و صفعت ورائها الباب بقوة ..
أزاحت غزل الغطاء من فوقها و جلست مجددا ضامة ركبتيها لصدرها و هى تقاوم دموعها .. رفعت عيناها للسماء و ناجت ربها قائلة برجاء :
_ يا رب دلوقتى ماليش غيرك .. أنا مخنوقة قوى و إنت بس اللى حاسس بيا .. يا رب ألاقى تيتة لسه عايشة هى و خالتو نغم ده آخر أمل ليا .
و تمددت بهدوء مرددة الإستغفار كعادتها كل يوم كما علمتها .. والدتها .....
فى آخر الليل ولج رامى لشقة صبرى متأخرا ليجد زينب فى إنتظاره مستندة برأسها على الأريكة و تقاوم النوم .. إبتسم بهدوء و هو يطالع تلك السيدة الطيبة والتى إعتبرته إبنها و لم تفرق فى معاملته بينه و بين أولادها .. و سهرت فى مرضه و فى أوقات مذاكرته و لهفتها لإنتظار نتيجة إختباراته و فرحتها بنجاحه و خطبته .. لم يشعر لثانية أنها زوجة عمه بل هى أمه بكل ما تحمله الكلمة من معنى ...
إتجه ناحيتها فوجدها مغمضة العينين بإرهاق فإنحنى لمستواها و حمل كفها و قبله بإمتنان .. فإنتفضت من نومتها فوجدته يقبلها فسألها بضيق :
_ إيه اللى مصحيكى يا ست الكل .
رغم هدوئها بعودته و إطمئنان قلبها .. إلا إنها زمت شفتيها و عبست قليلا و قالت بغضب :
_ بستناك يا باش مهندس .. إتأخرت ليه ؟!
جلس بجوارها و قبل مقدمة رأسها و قال متأسفا .. لكم أن تتخيلوا شاب فى نهاية العشرينات من عمره فاره الطول و العرض بنظرة من عينيه يرعب أكبر شنب بمنطقته الشعبية و حزمه فى عمله جعله ناجح فى إدارة شئون مصنع كبير كمصنعهم .. يعتذر .. عامة قال بهدوء :
_ معلش أنا آسف اللى سهرتك كده .. مش هعمل كده تانى يا ست الكل .
ثم إبتسم بوجهها و قال بحب :
_ ربنا يخليكى ليا و ما يحرمنيش من قلقك عليا .
بادلته إبتسامته و ربتت على كفه و قالت بحنو :
_ و يخليك ليا يا حبيبى و أفرح بيك و بعيالك إن شاء الله .
ثم عقدت حاجبيها و سألته بقلق :
_ إتعشيت و لا أقوم أحضرلك أكل بسرعة .
أومأ برأسه نافيا و قال بإبتسامة ممتنة :
_ لا يا حبيبتى شكرا أنا إتعشيت .
و بحث بعينيه حوله و سألها بتعجب :
_ هو عمى نام .
وقفت زينب تنوى تركه و أجابته وهى تتثائب بكسل :
_ أيوة و مهاب و فارس كمان ناموا .
حرك عنقه بإرهاق و وقف قائلا بكسل :
_ أدخل أنام أنا كمان .
ثم إستوقفها قائلا بقوة :
_ صحيح قبل ما أنسى .. جهزى مهاب بكرة علشان حمزة عاوز يشوفه .
إتسعت عيناها و إلتفتت إليه مسرعة و سألته بتلهف :
_ إنت روحتله النهاردة .
نزع سترته و قال بضيق :
_ أيوة .. و ما تقلقيش عليه إبنك زى الفل .. بس مراته الغلبانة متصبغة من كتر الضرب .. مش عارف آخرتها معاه إيه ؟!
تهدلت ملامح زينب فزادتها تقدما فى العمر و تنهدت مطولا بأسى و قالت بحزن :
_ قلبى بيتقطع على حال ولادى الإتنين .. مالهمش حظ .. ربنا يهديهم و يحميهم .
شعر رامى بغصة مؤلمة فى حلقه من رؤيتها حزينة بهذا الشكل المؤلم .. فقال لمداعبتها :
_ و أنا ماليش دعوة كده و لا كده .
ضحكت بخفوت و قالت بحنان يغرقه :
_ بس يا واد .. إنت عارف و متأكد إن غلاوتك من غلاوتهم .. إنت أمانة فى رقبتى لغاية آخر نفس فى صدرى .
ضمها رامى مسرعا مستنكرا حديثها عن الموت و الفراق قائلا بحدة :
_ بعد الشر عنك يا حبيبتى ربنا يعلم إنى بحبك زى أمى الله يرحمها بالظبط و من غير حبك و حنيتك كنت ضعت .
إبتعدت عنه قليلا و مررت أناملها على وجهه و قالت بإبتسامة هادئة :
_ ربنا يباركلى فيك .. يالا إدخل يا حبيبى إتشطف و نام .
ثم إبتعدت عنه و رفعت سبابتها بوجهه و قالت محذرة بمداعبة :
_ و ناااام .. هاه .. نام على طول و بلاش واقفة فى الشبابيك .. تصبح على خير .
تركته و دلفت لغرفتها و هو خلفها مبتسما على تلميحاتها الساخرة .. إتجه هو أيضا لغرفته و أغلق ورائه الباب و أخرج هاتفه أجرى إتصالا و إنتظر الرد .....
أتاه صوتها الرقيق مثلها و الذى سيفقده عقله يوما .. مؤكدا .. قائلة :
_ ألو .
زادت دقات قلبه و تنهد مطولا متلذذا بذبذبات صوتها الرقيق مثلها و أجابها بجنون :
_ وحشتينى قوى .. إفتحى الشباك هموت و أشوفك .
أجابته بخجل بادى بصوتها قائلة :
_ حاضر ثوانى بس
أخرجها آذان الفجر من تخبطها فإعتدلت جالسة و هزت بسمة برفق لإيقاظها قائلة بهدوء :
_ بسمة .. قومى يا بسمة الفجر بيأذن .
أجابتها بسمة بصوت ناعس خفيض :
_ سبينى يا غزل و نامى .. أنا تعبانة .
هزتها غزل مجددا و قالت بإصرار أكبر :
_ لأ قومى يالا علشان تصلى .
صرخت بسمة بوجهها و قالت بحدة :
_ يووه .. سبينى بقا مالكيش دعوة بيا عاوزة أنام .
صكت غزل أسنانها بغيظ من صراخ بسمة بها .. فقررت الإنتقام و بطريقتها الخاصة فمن الواضح أن تلك البسمة لا تعرفها جيدا .. إذا .. فلنتعارف ......
فكرت بسرعة حتى هداها عقلها لفكرة جهنمية و بسيطة بعض الشئ .. فوقفت على الفراش و هى تتركه دعست على قدم بسمة بقوة .....
صرخت بسمة متألمة من قدمها و لامسته قائلة بألم :
_ آآه .. رجلى يا متخلفة .. إيه عامية مش بتشوفى .
أكتر أنواع البشر و التى تبغضهم غزل بشدة هم من لا يتعلمون من أخطائهم .. فتلك البسمة قد زادت نيران غزل المشتعلة و لولا ظلام الغرفة لرأت إندلاع شرارات عيناها الفيروزية .. بينما إرتسمت إبتسامة خبيثة على ثغر غزل التى قالت بنبرة تكاد تكون آسفة :
_ sorry يا بسمة بجد أصل النور مقفول و جيت أنزل مش شوفت رجلك بس أوعدك مش هدوس عليها تانى .
و تحركت قليلا و دعست قدمها الآخرى بقوة أكبر .. فصرخت بسمة بصوت عالى و قالت بغضب :
_ آآآآه .. رجلى التانية يا بنتى حرام عليكى .
ضحكت غزل بصوت مكتوم و هى تلامس الأرضية بقدميها و قالت ببرائة طفولية :
_ sorry كمان مرة يا بوسى .. بس أنا وفيت بوعدى و مش دست على رجلك الأولى شوفتى بقا أنا طيبة إزاى .
و حملت منشفتها و هى تبتسم بنصر و خرجت من الغرفة .. بعد قليل عادت و إرتدت إسدالها و صلت بهدوء و صوت أنين بسمة من ألم قدميها لا يتوقف .. بعدما فرغت من صلاتها قرأت وردها الصباحى من القرآن كما عودتها والدتها قبل موتها .. أو بالأحرى قبل قتلها .. عادت لها ذكريات مؤلمة و هى تتذكر ملاكها الحارس .. أمها .. بجمالها الساحر و إبتسامتها الوضائة و عيناها الفيروزية و التى ورثتهم غزل منها ...
نفضت أفكارها الحزينة من رأسها و وقفت فى الشرفة تتابع الشروق .. أغمضت عيناها و هى تستمتع بمداعبة نسمات الصباح لوجهها الناعم ....
فتح فارس عينيه متأملا جمال خلقه و هو يطالع أشعة الشمس الخافتة و كأنها تستحى أن توقظ النائمين .. رفع سيجارة ناحية فمه و تمسك بها بشفتيه و أشعلها نافثا دخانها يخرج معه غضبه و تلك الطاقة المتوحشة بداخله .. قبل أن تتقاذفه أفكاره كمضربين للعبة التنس و هو بينهما .. ما بين الماضى المؤلم و الحاضر الأكثر إيلاما و كلها تنتهى عند تلك الطفلة التى بسببها تغيرت حالته تماما و زاد توحشه أكتر ...
إلتف الجميع حول مائدة الإفطار .. و زينب تسكب لهم فى أطباقهم ما أعددته .. مال مهاب بجسده ناحية فارس و قال برجاء طفولى زامما شفتيه :
_ خدنى معاك الوكالة يا بابا .. جدو مش راضى فا قولت أميل عليك .
إبتسم فارس بهدوء و تطلع ناحية رامى المتصنع البرائة و قال ساخرا :
_ تميل عليا .. جرى إيه يا رامى إنزل من على ودان الولد شوية .. ده عنده خمس سنين لسه .
إرتشف رامى القليل من قهوته و قال بإبتسامة هادئة :
_ أنا و مهاب صحاب .. مالكش دعوة بينا يا عوو .. صح يا هوبا .
أجابه مهاب بثقة :
_ صح يا زميلى .
وقف فارس منتصبا و قال بإبتسامة ساخرة بصوته الرجولى الخشن :
_ زميلك !!! منك لله يا رامى أنا أدخله مدارس إنجليزى و إنت مصر تربطه بالحارة أكتر .. مصمم تبوظ اللى عملته معاه .
رفعت زينب حاجبيها بضيق و هى تراه يقف فقالت مسرعة :
_ إقعد إفطر زى الناس يا إبنى .
أجابها فارس و هو يلتقط هاتفه و مفاتيحه قائلا بعبوس كعادته :
_ فطرت الحمد لله يا ست الكل .. مش يالا يا حاج أوصلك فى طريقى للوكالة علشان همشى بدرى .
وقف صبرى و إستند على عكازه و قال بصلابة تلائم هيبته :
_ توكلنا على الله .. يالا يا إبنى .
ثم توقف للحظة و إلتفت ناحية رامى و سأله بنبرة ثابتة :
_ لسه هتأخر يا رامى .
أجابه و هو يداعب مهاب و قد تعالت ضحكاتهم :
_ إوصل إنت الوكالة هتلاقينى راشق فيك يا عمى .
هز صبرى رأسه بيأس و قال بضيق :
_ واد يا مهاب ما تقعدش معاه كتير .. و الله فارس عنده حق .. قال راشق فيا قال .
جلست غزل أمام التلفاز تطالعه بضيق فى إنتظار أن يصحو أحدهم من نومته .. فطيور معدتها كلها تصرخ طلبا للطعام . فمنذ كانت بالطائرة لم تتناول شيئا .. بعد ساعة خرجت هناء من غرفتها .. تطلعت ناحية غزل بإبتسامة ودودة و قالت :
_ صباح الخير يا بنتى .
بادلتها غزل إبتسامتها و قالت بود :
_ صباح النور .
_ معلش إتأخرت فى النوم بس نص ساعة يكونوا صحيوا و أكون حضرت الفطار أكيد جوعتى .
بعد قليل جلس الجميع على المائدة .. إقتربت منهم بسمة و هى تعرج بساقيها .. فسألتها هناء بقلق :
_ مال رجلك يا بسمة ؟!
تطلعت ناحية غزل و قالت بغضب :
_رجليا الإتنين فرمهم قطر .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بدلال :
_ سلامتك يا بوسى و سلامة رجليكى .
بينما إقترب إسلام منها و قال هامسا :
_ إيه رأيك بعد الفطار نخرج و أخدك فى جولة أفرجك على مصر أكيد وحشتك .
أجابته غزل بهمس متعجبة :
_ طيب موطى صوتك ليه ؟!
إعتدل إسلام فى جلسته و قال بقوة :
_ عادى يعنى .. بابا أنا هنزل أفسح غزل و أفرجها على البلد .
أومأ عونى برأسه و هو يطالع جريدته الصباحية و قال بفتور :
_ براحتكم بس ما تتأخروش .
أنهت غزل فطورها و إلتفتت بجسدها ناحية عونى و سألته بلؤم :
_ هتعمل إيه فى موضوع الشقة يا عمى .
ثنى الجريدة و وضعها على الطاولة و قال بضيق :
_ بصى يا بنتى أنا مش فاهم إنتى عيزاها ليه .
إبتسمت غزل بسخرية مضيقة عينيها و قالت ببساطة :
_ أكيد يعنى علشان أسكن فيها .
ضحك ضحكة ساخرة و كبل ذراعيه و إستند بهما على الطاولة و قال بصوت هازئ :
_ إنتى مش فى أمريكا علشان تعيشى لواحدك فى شقة طويلة عريضة زى دى .. لما أبوكى يرجع نبقى نخرج منها السكان .
فطنت لما يحاك حولها .. فإن ظنوها لقمة سائغة فهم حتما يتوهمون .. عقدت ذراعيها و إستندت بهما على الطاولة أيضا و قالت وهى تحدجه بتحدى قوى :
_ عندك حق يا عمى الأصول أصول برضه .. بس بقا .. إيجار الشقة و المحل هاخدهم منك كل أول شهر .
هذا مالم يكونوا يتوقعوه .. تطلعوا جميعا ببعضهم بتوتر من جملتها الأخيرة و كأنهم على رؤوسهم الطير .. وزعت غزل نظراتها عليهم تتابع صدمتهم .....
قرر إسلام تدارك الموقف فقال مسرعا لتغير دفة الحوار :
_ قومى دلوقتى إلبسى و بالليل تبقوا تتكلموا تانى .
وقف عونى و قال بعبوس غاضب :
_ أنا كمان هنزل أفتح المحل .. يالا سلام .
إستندت غزل بظهرها على ظهر مقعدها و شردت قليلا بعدما لاحظت إستيائهم من طلبها الشرعى .. تنهدت بأسى على أب إكتشفت أنه لص .. و أخ أنانى لا يهمه سوى ذاته .. و عم سيلتهم حقوقها .. وخزها إسلام فى ذراعها و قال بتعجب :
_ بكلمك مش بتردى ليه .
إنتبهت إليه و قالت بإبتسامتها الساحرة بعدما قررت أنه ضحيتها الجديدة للوصول لمبتغاها :
_ sorry يا إسلام .. إدينى نصاية و هبقى جاهزة .
هز رأسه متعجبا و قال بمرح :
_ نصاية .. إنتى متأكدة إنك كنتى فى أمريكا و لا كنتى فى شبرا .
أجابته بسمة بسخرية :
_ لأ و كمان محجبة .. غريبة مع إن لبسك مش محتشم يعنى .
تطلعت إليها غزل بقوة .. فها هى تعود لأخطائها مجددا و لا تتعلم .. إذا فلتصمدى أمام ما سأفلعله بك .. خرجت غزل من صمتها وقالت بحزم :
_ أنا سواء كنت فى أميريكا أو مصر .. فأنا مسلمة .. و حجابى ده اللى خلانى سبت أميريكا و رجعت مصر .. أما بقا لبسى .. فواحدة واحدة هغيره .
ثم وقفت و قالت لإسلام بهدوء متزن :
_ جهز نفسك على ما أجيلك .
وتركتهم و دلفت لغرفة بسمة تنفث نارا من أنفها .. جلست على طرف الفراش و تشبست به بقبضتيها تفكر فى بدايتها التعيسة بمصر .. وهذا مالم تتوقعه .. حتى خطر ببالها جدتها والدة أمها .. حاولت جاهدة تذكر عنوانها و لكن دون جدوى .. فقد كانت حينها طفلة صغيرة عمرها خمس سنوات .. تنفست بهدوء و وقفت أمام حقيبتها و أخرجت منها شيئا لترتديه ...
إرتدت بنطال چينزى ضيق و أعلاه كنزة بيضاء من الشيفون يصل طولها لطرف بنطالها و إرتدت حجاب ملون عقصته خلف عنقها .. و تزينت بالقليل من مكياجها و وضعت عطرها و أغلقت الحقيبة بكلمة السر حتى تطمئن أن لن يعبث بأشيائها أحد .. و إرتدت حذاء رياضى مريح و خرجت من الغرفة ....
تطلع إليها إسلام بإعجاب من جمالها الزائد عن الحد .. و إقترب منها مسحورا قائلا بتنهيدة حارة :
_ فى كده برضه .. أخاف تخرجى معايا تتخطفى مني.
إبتسمت غزل و قالت ببحة صوتها المغرية لإخضاعه إليها أكثر و أكثر :
_ و إنت كمان چان جدا .. يالا بينا .
أشار إليها بيده فتقدمته حاملة حقيبتها اليدوية محدجه بسمة بغرور واثق و خرجت مع إسلام بهدوء .. فضغطت بسمة شفتيها بغضب و قالت من بين أسنانها :
_فى ستين داهية .. أنا مش طايقة البت دى يا ماما .. فاكرة نفسها حلوة و هى بشعة .
أجابتها هناء بضيق و هى تنظف الطاولة :
_ مش عارفة هى قوية كده لمين .. دى أمها الله يرحمها ما كانش ليها صوت .. و أبوها حرامى بس أهبل .. سيبك منها هنطبخ إيه خطيبك جاى .
عرجت بقدميها قليلا و قالت بتفكير :
_ مش عارفة .. تعالى ندخل المطبخ و نشوف هنعمل إيه .
وقفت غزل أمام المنزل تتطلع إليه بضيق .. و هى تفكر كيف ستسترد حقها فيه من عمها المتسلط .. لم يعلم أحد بعد أنها تمتلك نصيب والدها و لكن إن علموا ماذا ستكون ردة فعلهم ..سألت نفسها بجدية هل حقا تخشى على نفسها منهم ؟!!! و منذ متى و هى تخشى شيئا أو شخصا ....
عادت بعينيها للطريق فوجدت إسلام يقترب منها بسيارته .. إستقلتها بهدوء فسارع هو قائلا بمداعبة :
_ و الله وحشتينى الشوية دول .
صكت أسنانها من مداعبته السمجة و تصنعت الإبتسام و قالت برقة :
_ Thanks .
إنطلق بسيارته يقطع الطرق و هى فى قمة سعادتها .. عيناها تلتقط كل شئ بفرحة.. واجهات المحلات و الطرقات و الناس كل شئ يعيدها لطفولتها .. رغم التطور الملحوظ فى المنشآت و لكن يبقى الناس على حالهم ملامحهم الطيبة و السمحة و الدافئة ......
بين الحين و الآخر كان يتابعها بإهتمام .. و إعجاب .. سعادتها جعلتها تبدو مشرقة كزهرة ندية تمت سقايتها فتفتحت أكثر و صار عبقها يملأ الأجواء .. أما هى فشعور من الراحة والسكينة قد غمرها شعور إفتقدته كثيرا فى غربتها .. ولكن فلتنتهى تلك الأيام و ترحل عن رأسها فها هى الآن بمصر كما حلمت كثيرا .. تتجول بشوارعها و تنعم بدفء نسماتها .. إلا إن عقلها قرر إفساد لحظة المتعة تلك و ذكرها بعمها و ما ينتظرها منه و من جشعه و طمعه ....
ضاقت من الزحام و توقفهم المستمر فتلفتت حولها وتسائلت بضيق :
_ إيه الزحمة دى هو فى حادثة .
ضحك إسلام ضحكة عالية و قال ببديهية :
_ يا بنتى ده العادى .. أهلا بكِ فى مصر .. عموما بكرة تتعودى .
ساد الصمت للحظات فسألها بفضول :
_ صحيح يا غزل إنتى درستى إيه أو بتشتغلى إيه ؟!
أجابته و هى مازالت تتطالع الطريق و لكن هذه المرة قد تعلقت عيناها بشريان مصر .. نهر النيل .. إبتسمت بخفوت وقالت :
_ أنا دكتورة .. زى ما بتقولوا فى مصر دكتورة باطنة و معايا ماجستير ... ااااا ... مش عارفة أترجمها كويس بس تقريبا ماجستير جراحة .. يا رب أكون بترجمها صح .
لمعت عينيه بفرحة و قال متعجبا :
_ أوبا بقا .. يعنى قمر و كمان دكتورة .. يا جامد إنت .
إلتفتت إليه لأول مرة منذ إستقلالهم لسيارته و قالت ببحة صوتها الماكرة :
_ سولى .. إنت فاكر عنوان بيت تيتة رأفة والدة ماما الله يرحمها .. إنت كنت بتروح معايا عندها و إحنا صغيرين .
فكر قليلا و قرر إستغلال تلك المعلومة لصالحه فيمكنه إبتزازها بها .. و خصوصا و هو يرى مدى لهفتها .. لذا فلينتظر قليلا .. أجابها بهدوء مدعيا عدم التذكر قائلا :
_ ياااه .. ده من سنين طويلة جدا أنا دلوقتى مش فاكر بس لو إفتكرت هقولك فورا .
علت الخيبة و الحزن ملامحها و عادت لمطالعة الطريق مجددا و لكن بحزن عميق .......
فى وكالة السعيد للخردة و القابعة بإحدى الحارات الكبيرة و التى لها قوانينها الخاصة و الحازمة فتلك المناطق شائكة و دائما ما يكون لديها كما يقال .. كبير المنطقة .. و بدوره الحاج صبرى و ولده كانا كبيريها ......
جلس صبرى على مكتبه الكبير غاضبا و هو يضرب الأرض بعكازه و جلس أمامه فارس و رامى بهدوء ما قبل العاصفة .. تطلع ببعض الأوراق التى أمامه و قال بضيق بنبرة صوته الرخيمة :
_ ما إنت لو مركز فى شغل الوكالة يا عوو ماكناش طلبنا المساعدة من حد و لا دفعنا مليم واحد إكراميات .
زفر فارس بضيق و هو يسيطر على إنفعاله بكل قوت و أجابه بتريث :
_ هو بس مافيش ورانا غير الوكالة .. ما المصنع شغال و زى الفل و نفعنا فى شغل الوكالة جدا و بدل ما كنا بنبيع الخردة بقينا نصنعها و نستثمر فيها أكتر .
أومأرامى برأسه و قال مصدقا على كلماته :
_ فعلا .
أشار فارس بيده ناحية رامى و قال بقوة :
_ و شغل المصنع كله شايله رامى و ممشيه زى الساعة .. أما بقا المستشفى الإستثمارى اللى أنا إشترتها بتدخل لينا فلوس ماكناش نتخيلها كل سنة و لميت حقها من زمان .. أقطع نفسى يعنى يا حاج .
ربت رامى على ساق فارس و قال للتهدئة قليلا :
_ إهدا يا عوو مش كده .. الحاج عنده حق برضه الوكالة هى أساس اللى إحنا وصلنا ليه و لازم نرجع نهتم بيها أكتر .. و باعدين ما إنت عارف إن روح الحاج هنا ده لأنه قضى عمره كله فيها .
أومأ فارس برأسه وقال بنبرة آسفة و لكن حازمة أيضا فمثله لا يليق به الضعف أو الإعتذار :
_ ما تزعلش منى يا حاج بس راسى مشغولة شوية اليومين دول .
هز صبرى رأسه متفهما .. ثم سألهم بألم :
_ ربنا يعينك يا إبنى .. صحيح محدش منكم راح لحمزة يطمن عليه .
أجابه فارس بغضب و هو ينقر بأصابعه على ساقه :
_ أنا لو روحت عنده مش عارف تصرفى معاه هيبقى إزاى .. ده واد ظالم و مفترى .
مرر رامى أنامله فى شعرات ذقنه و قال بتنهيدة أسى :
_ يا عوو ده أخوك برضه .. هو صحيح مفترى على الغلبانة مراته .. بس ما هو غصب عنه .
ثم إلتفت برأسه ناحية عمه و قال لطمأنته :
_ أنا آخر النهار هروحله علشان مايزعلش منى و علشان أطمن على الغلبانة مراته ليكون موتها المرة دى .
رفع فارس كفه ملوحا و قال بتذمر غاضب :
_ هى اللى تستاهل حاولت معها كتير علشان تبعد عنه و هى اللى مش موافقة و مش فاهم ليه و لا عاوز أفهم .
وهم واقفا و قال و هو ينصرف :
_ أنا همشى السيرة دى بتعصبنى .
و تركهم و غادر .. حرك صبرى رأسه بيأس وقال بأسى :
_ ربنا يهديكم يا ولادى يا رب .
مال رامى على مكتبه بجذعه حتى إقترب وجههما و قال بإستعطاف :
_ مش ناوى تفرح بيا بقا يا حاج .. هموت عالبت إرحمونى بقا .
دفعه صبرى بيده وقال بصرامة :
_ يا أخى إنت كمان أنا ناقصك .. قوم غور من قدامى على مصنعك يالا جاتكوا نيلة إنتم التلاتة .
ثم رفع كفيه ناحية السماء و ناجى ربه قائلا :
_ ليه يا رب بلتنى بالمصايب دول .. أستغفرك ربى و أتوب إليك .
أجابه رامى بضيق وهو ينتزع نظارته الشمسية من قميصه و إرتداها قائلا بتحذير :
_ مش هتاكلنى بالكلمتين دول يا عمى و مش هسيبك غير لما تحدد ميعاد الفرح مع ستى .. و إلا هخطفها و أهرب و الله .
فتح صبرى درج مكتبه و أخرج سلاحه و رفعه بوجهه وقال مهددا :
_ ده أنا كنت خطفت روحك من جسمك .. غور من قدامى لأطخك و الله و ما لكش عندى دية .
ركض رامى من أمامه و هو منهار من شدة الضحك قائلا بمزاح :
_ صلى على النبى يا عمى السلاح يطول .. ده أنا يتيم يا جدعان .
و تركه و إستقل سيارته و هو مازل منهار من الضحك و لا يشغل باله سواها .. فتاته الجميلة و التى سحرته من أول نظرة .. نعم كانت فى وقتها طفلة و لكنه إنسحر بذهبيتها اللامعة .. قاد سيارته و هو يمنى نفسه بها منطلقا لمصنعه .
عاد إسلام و غزل من نزهتهما و صوت ضحكهما لا يتوقف .. بداخل شقة عونى لاحظت غزل جلوس شخص غريب فى ردهة المنزل لأول مرة تراه .. إقترب منه إسلام و قال مرحبا :
_ منور الدنيا يا حسام .. أخبارك إيه ؟
أجابه حسام خطيب بسمة و قد تعلقت عيناه بغزل و رفضت الإنصياع لأوامره بالإبتعاد عنها و لو بخجل قائلا بشرود :
_ أنا كويس الحمد لله .
إنتبه إسلام لنظرات حسام ناحية غزل فقال معرفا :
_ تعالى يا غزل ده حسام خطيب بسمة .
ثم إستدار ناحية حسام و قال :
_ ودى بقا يا حسام غزل بنت عمى لسه واصله طازة من أمريكا .
رفع حسام حاجبيه متعجبا من جمالها الساحر و قال هامسا بنبرة مشتعلة :
_ غزل !!!
ثم تمالك نفسه و مد يده نحوها و قال و هو يتفحصها بجرأة :
_ إزيك يا آنسة غزل .. نورتى مصر .
إنتبهت لنظراته الوقحة فقررت أن تلقن بسمة درسا جديدا فى ذلك الوقح .. فإبتسمت برقة و صافحته بعدما سلطت مقلتيها الفيروزيتين على عينيه لتتلاعب بهما و بقلبه و بعقله أيضا و قالت ببحتها القاتلة :
_ هاى.. مصر منورة بأهلها .
إزدرد حسام ريقه بصعوبة يجلى به حلقه الذى جف فجأة و هو يغوص فى بحر عينيها الكاريبى .. و قد زادت دقات قلبه وبات يقصف بشدة لاحظتها غزل فإبتسمت بمكر بعدما وصلت لمبتغاها بمنتهى السهولة و ولجت لغرفة بسمة و هناك زوجين من العيون تتابعانها ببنطالها الضيق و حركة خصرها المذيبة للأعصاب .....
خرجت بسمة من المطبخ فوجدتهما واقفان يتطلعان للاشئ و على ثغر كلا منهما إبتسامة بلهاء فقالت بتعجب :
_ مالكم .. واقفين كده ليه ؟!!
إنتبها الإثنان عليه فأجابها إسلام مسرعا :
_ هاه .. مافيش .. خلصتوا الغدا و لا لسه .
أجابته بسمة و هى تطالع شرود حسام و تلك الإبتسامة البلهاء و قالت بنبرة عالية حتى ينتبه إليها :
_ أيوة خلصنا دقايق و السفرة تبقى جاهزة .
لم ينتبه عليها حسام فوخزته بذراعه و قالت بضيق :
_ حسام .. مالك ؟!
إلتفت إليها برأسه و طالعها من فوق كتفه و قال بتنهيدة طويلة :
_ ما أنا كويس أهه و زى الفل و الورد و الياسمين .
زمت بسمة شفتيها بعدم فهم و قالت بإستسلام :
_ طب إقعدوا بابا زمانه جاى أكون حضرت السفرة .
بعد قليل إلتف الجميع حول الطاولة فصاحت هناء قائلة :
_ يا غزل .. يالا. علشان تتغدى يا حبيبتى .
خرجت غزل من الغرفة و فور رؤيتهما لغزل وقفا مسرعين حتى جلست .. طالعهم الجميع بتعجب و خصوصا .. بسمة ....
وزعت هناء الطعام على الأطباق و قالت لغزل :
_إيه رأيك فى مصر يا غزل .. زى ما هى و لا إتغيرت .
أجابتها غزل بفرحة ملأت قسمات وجهها :
_رغم الزحمة و الدوشة .. بس مصر تجنن .. So beautifull .
مصمصت بسمة شفتيها و قالت بضيق من طريقتها الناعمة بالحديث :
_ أنا مش فاهمة إيه اللى خلاكى تسيبى أمريكا و رجعتى مصر .. هى المشرحة ناقصة قوتلة .
إبتسمت غزل بسخرية و قالت مازحة :
_ عندك حق يا بوسى .. بس بقا المضطر يركب التاكسى .
ضحك إسلام و حسام على مزحتها فال لها إسلام من بين ضحكاته :
_ يعنى قمر و دكتورة و ماجستير و بتقلشى كمان .. عاش يا وحش و الله .
لمعت عينى حسام و سألها بلهفة :
_ إنتى دكتورة يا آنسة غزل .
أومأت برأسها مؤكدة و قالت و هى تمضغ ما فى فمها :
_ أيوة دكتورة .. و قريب هقدم فى كذا مستشفى علشان شغل .
زم عونى شفتيه بضيق فتلك المصيبة الجالسة معهم تنوى الإستقرار بمصر و ستتسبب فى إصابته بصداع مزمن بموضوع شقتهم ..
إنتبهت بسمة لنظرات حسام ناحية غزل .. فإمتعض وجهها و هى تقول بضيق :
_ مش بتاكل ليه يا حسام .
تطلع إليها بإبتسامة باهتة و قال بهدوء :
_ لأ باكل يا حبيبتى تسلم إيدك الأكل يجنن .
أمنت غزل على كلماته و قالت برقة :
_ فعلا الأكل يجنن .. تسلم إيدك يا أنطى هناء .
كلما تحدثت زاغت مع شفتيها عينى إسلام و حسام بوله .. سحرتهم بعيناها آسرة القلوب .. تعلم جيدا أنها تمتلك سلاحا قويا تكفيها فقط نظرة واحدة لتردى من أرادت قتيلا بحبها .. إنهمكت هى فى تناول وجبتها بنهم متذكرة طعام والدتها التى تفتقده بشدة كما تفتقدها ...
بعد إنتهائهم من الأكل جلسوا أمام التلفاز و تحدثوا بأمور شتى .. بينما تركتهم غزل و بقيت بغرفة بسمة حتى المساء ...
بعد إنصراف حسام ولجت بسمة لغرفتها وهى تستشيط من الغضب ..و ما أن رأت غزل تجلس على فراشها مرتدية ملابس متحررة بعض الشئ أظهرت جمالها الزائد عن الحد فصفعت ورائها باب الغرفة بقوة .. فرفعت غزل عينيها ناحيتها و قالت ساخرة :
_ بشويش عالباب أعصابك يا بوسى إنتى لسه صغيرة .
أجابتها بسمة بغضب :
_ سبينى فى حالى يا غزل أنا مش نقصاكى .
فسألتها غزل بفضول و هى تنثر شعراتها السوداء الناعمة خلف ظهرها بنعومة :
_ قوليلى صحيح يا بسمة إنتى خريجة إيه ؟
_ آداب .. و مش بشتغل علشان حسام بيغير عليا جدا .
باغتتها غزل قائلة بإبتسامة ماكرة :
_ و إنتى كمان واضح إنك بتغيرى عليه جدا مش كده .
عقدت بسمة ذراعيها أمام صدرها و قالت بحدة :
_ طبعا مش خطيبى وبنحب بعض .. عقبالك .
رفعت غزل حاجبها و قالت لإغاظتها أكثر :
_ بس خطيبك قمور و كيوت جدا .. خلى بالك منه لواحده تخطفه منك .
عضت بسمة على شفتيها و قالت بغضب وقد إشتعلت نيران عينيها :
_ حسام بيحبنى و عمره ما هيشوف واحدة تانية غيرى .
ضحكت غزل على سذاجتها و قالت بجدية :
_ قوليلى صحيح يا بسمة إنتى فاكرة عنوان تيتة رأفة لأنى مش فاكراه خالص .
فكرت بسمة قليلا .. فها قد أتتها فرصة للتخلص من تلك المتطفلة المغرورة .. فعادت إليها الإبتسامة المشرقة و قالت مسرعة :
_ ثوانى و هعرفلك العنوان من بابا أو ماما و هقولك .
و تركتها و خرجت .. إستندت غزل على الفراش بذراعها و قد عاد إليها الأمل فى العثور على جدتها الحنون .. بعد دقائق مرت على غزل ساعات عادت بسمة و بيدها ورقة أعطتها لغزل قائلة بإشمئزاز :
_ ده عنوانها .. بس الصراحة فى حارة بيئة جدا .. ربنا معاكى .
إلتقطت غزل الورقة بأناملها و فتحتها بإبتسامة ملأت وجهها و هى تدعوا الله أن تكون جدتها ما زالت على قيد الحياة .....
فى المساء إستقل رامى سيارته متوجها لزيارة حمزة إبن عمه .. و صديقه .. ربما لم يعودوا كالسابق و سبب ذلك هو عزوف حمزة عن الجميع .. خرج رامى من الطريق الطويل لحارتهم و إنطلق على الطريق الرئيسى و إستدار مجددا و إنحدر بسيارته للطريق المقابل لتلك الحارة ..
إقترب بسيارته من ذلك القصر الكبير و الذى لا يمت بصلة لهذه المنطقة الشعبية المقابلة له .. هدأ سيارته ووقف أمام بوابة القصر.. ضغط بوق سيارته ففتحت البوابة الكبيرة و حياه حارسين من حراس القصر و أشاروا له بالولوج للداخل .. فدلف بسيارته للداخل و أغلقت البوابة ...
تطلع ناحية القصر بإنبهار ككل مرة يراه به .. فالقصر قد إمتاز من الخارج بطراز رومانى نسبة لتلك التماثيل التى تحيطه .. و أعطته فخامة غير مسبوقة كأنه متحف أثرى .. سار بسيارته قليلا داخل هذه الحديقة الواسعة و الخلابة .. وقف بسيارته أمام باب القصر و صفها بهدوء ثم ترجل منها و صعد الدرجات الرخامية المؤدية لبابه . دق الجرس و إنتظر حتى فتحت له إحدى الخادمات و قالت بإبتسامة هادئة :
_ أهلا وسهلا يا باش مهندس نورت الدنيا .. إتفضل .
أجابها و هو يدلف للداخل :
_ أخبارك إيه يا نشوى .
_ الحمد لله .. سألت عليك العافية .
جلس بالردهة و قال برجاء :
_ معلش يا نشوى فنجان قهوة و إدى خبر لحمزة و ميناس لو سمحتى .
_ حالا .
بعد قليل إقتربت منه فتاة فى العشرين من عمرها .. مجرد النظر بوجهها يبتسم ثغرك دون إرادة منك .. فجمالها هادئ كالملائكة .. رغم طولها المتوسط و لكن جسدها ممشوق بطريقة خلابة تخفيه أسفل ملابسها الواسعة .. ربما تستطيع أن تخفى جسدها و شعراتها السوداء الناعمة.. و لكن وجهها سيظل يشع راحة غريبة لكل من يراها بعيناها الخضراء المائلة على اللون العسلى و أنفها الصغير و فمها الذى يشبه حبة الكرز من صغره وإكتنازه .. و وردية بشرتها اللذيذة ..
وقف رامى لإستقبالها و تنهد بشفقة على حالتها المذرية و قد صبغ وجهها البرئ باللون الأزرق فى أماكن متفرقة نتيجة ضرب مبرح .. هز رامى رأسه بأسى و قال بصوته الرخيم :
_ هو ضربك تانى يا ميناس .
طأطأت رأسها و قالت بحزن :
_ لأ .. أنا إتخبطت فى الباب .. عامل إيه يا رامى .
تنهد بضيق و قال بإبتسامة هادئة :
_ أنا كويس الحمد لله .. و ياريتك إنتى كمان تكونى كويسة .
إبتسمت برقة و أجابته بمواربة :
_ صدقنى كويسة جدا الحمد لله .
_ هو حمزة فى أوضته ؟!
أومأت ميناس برأسها و قالت بنبرة خافتة :
_ أيوة .. إدخله لهو النهاردة عصبى جدا و أنا خايفة عليه .
هتف رامى بإستنكار متطلعا لوجهها و الذى تلون بمختلف الألوان قائلا بسخرية :
_ ما هو واضح إنه عصبى باين على وشك .
إنتبه لتبدل ملامحها و هذه الإبتسامة الخافتة التى ظهرت على ثغرها .. إلتفت ورائه فرأى ظلا يسبق صاحبه و هو يخرج ناحيتهم من أحد الغرف ....
أصابتها تلك الرجفة الخفيفة و التى تصاحبها دائما فور رؤيته بهيبته و جماله .. حبيب عيونها و قلبها .. لم تشعر بإنفراجة شفتيها و تبسمهم و هى تتطلع ناحيته .. تتمنى دائما أن يشعر بها و يقدر تضحياتها من أجله ... إختارته بملأ إرادتها و إن عاد بها الزمن مجددا .. ستختاره حتما .. تاركة دراستها و طموحها و جدتها و إختها و التى لا تراهم سوى مرات قليلة .. و لكن كل هذا فى كفة و قربها منه فى كفة أخرى .. إستكفت به عن الجميع ...
خرج حمزة من غرفته .. و هو يحرك كرسيه المتحرك بيديه و فور رؤيته لرامى إبتسم إبتسامة متسعة و قال بصوته الرجولى الدافئ :
_ وحشتنى يا صاحبى .. إنت فين يا رامى .
ضحك رامى ضحكة عالية وهز رأسه مستنكرا و قال بسخرية :
_ تعالى يا حاج صبرى شوف إبنك و هو عامل ديل حصان .
رفع حمزة حاجبه بضيق و قال بحنق مستندا بذراعيه على كرسيه :
_ ده قصر ديل يا أذعر .. بتغير منى و متضايق علشان شعرى أحسن من شعرك .
جلس رامى أمامه و قال بغرور مدافعا عن نفسه بثقة :
_ صحيح مقصر شعرى بس لو طولته همسحك يا معلم .. المهم .. أخبارك إيه ؟
أشار حمزة بذراعيه على جلسته الإجبارية و قال بضيق :
_ عادى زى ما أنا .. إنتم اللى كويسين و مهاب عامل إيه ؟!
حك رامى أسفل أنفه و قال بنظرات كمن مسك بالجرم المشهود :
_ كلنا كويسين الحمد لله .. بس مهاب بسببك و بسببى بقا ولا ولاد الشوارع .. و العوو بقا على آخره .
ضحك حمزة ضحكة عالية و قال بحزم :
_ إحنا لينا فى مهاب أكتر من العوو نفسه .. ياباختك يا رامى بتشوفه كل يوم ... إنما أنا بشوفه لما بيجى مع أمى .
شرد حمزة قليلا متذكرا تلك الحادثة و التى كانت نتيجتها أنه الآن سجين ذلك الكرسى المتحرك .. إنجرف وراء أصدقاء السوء و تبعهم كأنه مسلوب الإرادة حتى بات الجميع يحذره من ذاك الطريق الخطر و نهايته المحسومة مقدما و لكنه صم أذنه و ضرب على قلبه حتى حصد ما زرعته يديه .... و ما يؤلمه أكثر أنه لم يكن المتضرر الوحيد من تهوره بل كان مهاب أيضا أكثر المتضررين فخسارة هذا الطفل كانت الأكبر بلا شك .......
عاد من شروده فوقعت عينيه على زوجته .. كما يلقبوها .. طاف بعينيه عليها كليا و تأمل جمالها المخفى وراء ملابسها الواسعة و تورم وجهها و صبغته التى مصدرها كفيه .. ثم صك أسنانه بغضب و صاح بها قائلا بغلظة :
_ إنتى واقفة كده ليه إتخفى فى أى حتة لغاية ما أعوزك .. يالا .
أومأت ميناس برأسها و إتجهت لغرفتها بهدوء و كالعادة دموعها تسبقها لزنزانتها .. سبب تلك الدموع لم يكن صراخه بها و إحراجها .. بل نظرات التحقير منها .. متى ستشتعل تلك العينان بحبها .. لمتى ستنتظر أمل واهى ربما لن يتحقق .......
تابعتها عينى رامى بحزن .. ثم إلتفت برأس ناحية الصخرة الحجرية القابعة أمامه و نهره قائلا بنبرة عالية شفقة على تلك المسكينة :
_ هى عملت علشان تحرجها كده .. إنت ماعندكش دم و لا إحساس و الله .
إشتعلت عينى حمزة مع نظرات رامى لميناس حتى و لو من باب الشفقة .. و إستدار بكرسيه مبتعدا عنه و إبتعد قليلا ثم توقف و إستدار إليه مجددا و قال بغضب أعمى كقلبه :
_ قولتلك كام مرة مالكش دعوة باللى بينى و بينها .. إتفضل إمشى و متشكرين على الزيارة .
و إستدار مجددا متوجها لغرفته تسبقه نيران عينيه المتوعدة لتلك المسماة زوجته .......
أسرع رامى و وقف و إعترض بجسده تقدم حمزة و قال معتذرا بأسى :
_ خلاص بقا أنا آسف يا زميلى .. متكرمشليش وشك كده يا حمزة .
هدأت نيرانه قليلا فرامى لم يكن له مجرد إبن عمه وفقط بل كان أخيه كفارس و أكثر .. أخيه الذى تقاسما معه غرفته بعد وفاة والديه و أصبحا رفيقين فى اللحظات السعيدة و الحزينة .. تحولت أخوتهم لصداقة قوية مع مرور الوقت حتى أنهما إختارا مجال دراسة واحد و تفوقا حتى وصلا لمبتغاهما .. و لكن حمزة من إبتعد عنه و إختار طريقا آخر رغم محاولات رامى المستميتة بإبعاده عنه و لكن كان للقدر كلمة أخرى .....
عقد حمزة ذراعيه أمام صدره و أجابه ببرود :
_ هقبل أسفك بس بشرط واحد .
إبتسم رامى رغما عنه و هو يطالع حمزة بيأس .. لن يتغير .. حمزة المدلل و المستغل .. ذكى بدرجة شيطانية و يستطيع قلب الموازين ناحيته دائما .. فسأله بفضول قائلا بحذر :
_ ده إنت بجح بجاحة .. سمعنا شرطك يا فنان .. ربنا يستر .
لوى حمزة ثغره مداريا إبتسامته و أجابه بهدوء :
_ هاتلى مهاب أشوفه وحشنى .. و بكرة زى دلوقتى كمان .
أومأ رامى برأسه موافقا و قال بجمود :
_ و ماله يا صاحبى .. بس برضه بشويش على الغلبانة اللى جوة دى علشان فى يوم هتمشى و تسيبك و ساعتها هتندم و ندمك مش هيفيدك .
ضغط رامى دون قصد منه على جرحه بقوة و نثر فوقه ملحا مزيدا من ألمه من تلك الحقيقة المؤكدة .. رحيلها .. لن تصمد كثيرا أمام ما يفعله بها .. عن قصد ......
فطأطأ رأسه و كسى الحزن ملامحه و تنفس بعمق و زفره مرة واحدة قائلا بنبرة فاترة :
_ ما هى أكيد هتسبنى فى يوم .. أنا مش فاهم أصلا هى مستحملة اللى بعمله فيها ليه .
تطلع إليه رامى بتعجب .. هل هو غبى لهذه الدرجة أم أنه يتصنع الغباء .. ما التى ستحتاجه فتاة مثلها تركت حياتها و أسرتها و تعليمها و إختارته هو رغم رفض الجميع لتلك الزيجة المحكوم عليها بالفشل قبل أن تبدأ .....
مال ناحيته قليلا و تطلع بقوة داخل عينيه و قال موضحا .. بطريقته .. الفجة :
_ تبقى حمار لو مش عارف هى مستحملاك ليه .. ما هو كده ربك لما بيريد بيرزق ال ***** .
قطب حمزة حاجبيه بغضب و فجأة صدمه بكرسيه بقوة .... تألم رامى من ساقيه و تأوه قليلا بينما إبتسم حمزة و قال ساخرا :
_ بتسوء العوء عليا ليه و إنت ما بتعرفش تسوقه .
كور رامى قبضته أمام وجه حمزة و الذى يحدجه بتحدى قوى رغم عجزه و قال له كاظما غضبه :
_ لولا إنك حبيبى يا حمزة كنت حطيت عليك و وقتى .. بس هعديها يا هندسة .
ها هو رامى مجددا يضغط جرحا جديدا .. حلم حياته دراسة الهندسة والذى فعل كل ما بوسعه و أكثر للحصول على درجات عالية من أجل الوصول لحلمه .. و بعد أربع سنوات دراسه و قربه من الوصول لحلمه و ملامسة النجوم .. سلسلته سلاسل حديدية ربطته بالأرض و منعته من الطيران و ملامسه حلمه القريب ......
إبتسم بسخرية و قال شاردا بالبعيد :
_ وحشتنى يا هندسة منك .. بس ربك ما أرادش إنها تتحقق .
إنتبه رامى لحزنه فلعن لسانه الطويل ولعن نفسه أيضا هل أتى للترويح عنه قليلا و لا زيادة همومه و تقليب أحزانه مجددا .. فقال برأفة على حاله :
_ ما هو إنت اللى رفضت ترجع الكلية تانى معايا .. كان زمانك متخرج زيى و بقيت أحلى باش مهندس فى الدنيا .
طأطأ حمزة رأسه و قال بإنكسار متطلعا بساقيه الميتتين بحزن :
_ كنت عاوزنى أرجع الجامعة و أنا على كرسى بعجل بعد ما كنت الباشا الكبير بين صحابى .. عاوزنى أشوفهم بيبصولى بشفقة .. لا يا صاحبى كده أحسن و باعدين كفاية علينا إنت يا هندسة .. عيلة السعيد ما تستحملش إتنين مهندسين .
ضغط رامى على كتفه و هزه قليلا و قال بجدية :
_ ما هو إنت لو توافق على العملية هترجع أحسن إن شاء الله من الأول بس زناخة مخك ما شوفتهاش على حد .
رفع حمزة حاجبه بحنق فقد إكتفى من لسان رامى الجامح .. فأشار بذراعه ناحية باب القصر و قال بصوت محتقن :
_ إطلع بره .. أنا اللى أستاهل إنى باخد و أدى مع أمثالك .. يالا بره .
ضحك رامى ضحكة عالية و رفع ذقنه بإيباء و قال بثقة :
_ يا صاحبى أنا ليا فى القصر ده نصه و إنت و إخواتك النص التانى .. يعنى أنا اللى أطردكم مش سموك اللى تطردنى .
أجابه حمزة مؤكدا ساكبا الوقود على النار دون أن يشعر :
_ إطلع بره برضه و ما أشوفش وشك هنا غير و إنت داخل بالعسلية عروستك ... مفهوم .
زم رامى شفتيه و إنتصب فى وقفته نافشا عضلاته فى حركة متحفزة للهجوم و قال محذرا و هو يسيطر على كل ذرات غضبه :
_ أنا بس اللى أقولها عسلية مفهوم و لا هيوحشنا لسانك ده .
إبتسم حمزة بمكر و هو يتطلع بالطاووس الواقف أمامه نافشا ريشه و مستعد للإنقضاض عليه فقرر إغاظته أكثر و لم يدرى عواقب تسرعه قائلا بمزاح:
_ آخر مرة شوفتها كانت زى القمر ... فعلا إسم عسلية لايق عليها هى وبس .. حاجة كده بشمعها .
وصل رامى لأقصى مراحل غضبه فجذب حمزة من سترته و قربه من وجهه المحتقن من الغضب قائلا بزمجرة مخيفة :
_ شوفتها إمتى إن شاء الله .. و إنت إزاى تسمح للسانك ده يجيب سيرتها و إنت عارف إنى ساعة الشر حانوتى و ممكن أدفنك مكانك .. دلوقتى .. و مش بهزر .
إبتلع حمزة ريقه بصعوبة و هو يطالع ذلك الوحش الغاضب و الذى حرره بكلمات مازحة .. فقط مزحة .. فقال له مهدئا بنبرة حذرة :
_ سيكا ها .. إهدا يا وحش و الله بهزر .. دى أخت مراتى يا معلم يعنى زى أختى بالظبط .
دفعه رامى بغضب و إعتدل فى وقفته قائلا بصرامة و هو عابسا :
_ ما تلعبش بالنار معايا تانى يا حمزة .. إنت عارف إنى من ناحيتها مش بتحكم فى نفسى .
رفع حمزة كفيه بالهواء و قال معتذرا :
_ آسف يا عمونا ما تزعلش بقا مش هعملها تانى خلاص .
زفر رامى بضيق نافثا نيرانه و قال و هو ينصرف متحكما بصعوبة فى مشاعره :
_ أشوفك باعدين يا هندسة .. سلام .
و تركه و إنصرف .. ضحك حمزة ضحكة عالية و هو يتابع إنصرافه الغاضب .. يعلم جيدا مدى عشقه و تعلقه المرضى بحبيبته .. لم يكن يجدر به العبث بتلك المنطقة ..... هدأت ضحكاته و تلاشت عندما وقعت عينيه على باب غرفتها .. فصاح قائلا بصوت رخيم :
_ إنتى يا هانم تعالى هنا .
إرتعدت و هى جالسة تقرأ قليلا .. فقذفت كتابها و ركضت ناحية الباب ثم توقفت و عادت لمرآتها تطلعت لهيأتها و ما أن إطمأنت من هندامها فركضت مسرعة ناحية باب غرفتها يسبقها قلبها المتلهف لرؤيته .....
خرجت من غرفتها ترتجف من رعبها .. و إقتربت منه بخوف و قالت بصوت مبحوح :
_ أيوة .
فى هذه اللحظة و كل لحظة يراها بها يلعن برائتها و جمالها و صفائها و نظرتها الملتاعة و الناطقة بعشقه ... تحكم فى دقات قلبه العاصفة من مجرد رؤيتها و قال ببساطة :
_ دخلينى أوضتى .. يالا .
إلتفت حوله و عطرها يجعله يستشيط و يريد جذب رأسها و ضربها بأقرب حائط .. ألم ينهرها سابقا على عطرها ذاك .. ولجت به لغرفته فتوقفت عن الدفع و إنتظرت باقى أوامره .. فأتاها صوته قائلا بهدوء :
_ دخلينى البلكونة و سبينى .
دفعت ميناس الكرسى مجددا بإتجاه الشرفة .. حتى ولجا بها .. عدلت من وضعية الكرسى حتى أصبح مقابلا لحديقة القصر الرائعة الجمال و تركته و إنصرفت ...
أوقفها حمزة قائلا بنبرة آمرة :
_ إقعدى هنا على الكرسى اللى قدامى ده .. وإياكى تتحركى مفهوم .
أومأت برأسها بسرعة و جلست قبالته بهدوء .. أشعل سيجارته و أخذ ينفث دخانها بشرود .. بينما إكتفت ميناس بمتابعته بعينيها و دقات قلبها تكاد تصم أذنيها من شدتها ....
لو إجتمع أمهر الرسامون الآن لما إستطاعوا رسمه بدقة كما رسمته هى بداخلها .. تراه خلابا فى شروده رغم ملامحه الصارمة و عبوسه الدائم بوجهها إلا إن وسامته تشعل بداخلها نيران عشقه فتدفء روحها .. لأنها المتيمة بعشقه من رأسها حتى قدميها ....
كعادتها .. منذ عودتها تظل بغرفة بسمة منطوية على نفسها لإحساسها بالغربة و الهجر بينهما .. على الرغم من أنهم عائلتها و لكن إن لم يكن هناك خير فى والدها و أخيها فهل سيكون فى عمها و أسرته و التى لم تلتقيهم منذ عشرون سنة .. تنهدت غزل بأسى و هى تتطلع للغرفة من حولها جالسة على الفراش تضم ركبتيها لصدرها بقوة .....
تصنعها للقوة بات يرهقها .. إلى متى ستظل متصنعة .. حتى الإبتسامة تتصنعها .. كم تتمنى أن تعود كسابق عهدها كالفراشة المنطلقة و ضحكاتها و سعادتها و شغبها يملأ أى مكان تكون به .. و لكن .. كل ذلك قد دفن مع والدتها كثقتها بالبشر و شعورها الأمان ..
خرجت منها آهه خفيضة و هى تتذكر والدتها و ما حدث معها .. عند هذه النقطة إحتضنت ساقيها أكثر و أخذت تتحرك بسرعة للأمام و الخلف نافضة صورة ما حدث من عقلها .. و عندما إنتبهت لحالة الضعف التى تملكتها و قفت منتصبة و حاولت السيطرة على إنفعالاتها و قررت أن المواجهة أقصر الطرق و أصعبها أيضا .....
إرتدت إسدالها و خرجت تبحث عن عمها فلتقطع عرقا و تسيل دمه .. بحثت حولها فلم تجده و لكنها وجدت هناء جالسة تتابع التلفاز فإقتربت منها و سألتها مستفهمة :
_ هو عمى فين يا أنطى .
أجابتها هناء ببرود و هى ما زالت عينيها على التلفاز :
_ نام يا غزل .
رفعت غزل حاجبيها بحدة و هى تشتعل من غضبها لمتى سيعاملها عمها بهذه الطريقة .. إنه حقها و تريده ما هو الشئ الصعب فى ذلك .. إلتفت هناء برأسها ناحيتها نصف إلتفافة و قالت بإيجاز :
_ أحضرلك عشا .
زمت غزل شفتيها بضيق و قالت بنبرة فاترة :
_ لأشكرا .
و عادت للغرفة مجددا .. نزعت إسدالها عنها بقوة كادت تمزعه و جلست على الفراش تفكر و شرر عيونها الفيروزى يكاد يحرق كل شئ حولها .. دلفت بسمة لغرفتها فوجدت غزل على حالتها فإبتسمت بغل و تشفى و إقتربت منها عاقدة ذراعيها و قالت ساخرة :
_ بشويش على نفسك يا غزل ليطقلك عرق و لا حاجة إنتى لسه صغيرة على زعلك ده .
لقد زاد إشتعالها الآن من تلك البغيضة و لكنها و بهدوء متمرس تصنعت الإبتسام و رسمت إبتسامة ماكرة على ثغرها و هى تطالعها بقوة و قالت بتحدى :
_ ما تحاوليش تقلدينى يا بوسى لأنه قدامك كتير قوى علشان تبقى زيى .. و أظن إنه مستحيل .
مصمصت بسمة شفتيها و سألتها بنبرة هازئة :
_ أبقى زيك إزاى يعنى مش فاهمة ؟
وقفت غزل قبالتها و نظراتها تزداد عمقا و تحدى و قالت بنبرة منذرة :
_ بلاش تفهمى لأنى هخليكى تشوفى بعنيكى .. و برضه مش هتفهمى .
و تركتها و عادت للفراش إندست به و سحبت فوقها الغطاء بغضب .... بينما تطلعت إليها بسمة بغيرة و حقد و تركت لها الغرفة و صفعت ورائها الباب بقوة ..
أزاحت غزل الغطاء من فوقها و جلست مجددا ضامة ركبتيها لصدرها و هى تقاوم دموعها .. رفعت عيناها للسماء و ناجت ربها قائلة برجاء :
_ يا رب دلوقتى ماليش غيرك .. أنا مخنوقة قوى و إنت بس اللى حاسس بيا .. يا رب ألاقى تيتة لسه عايشة هى و خالتو نغم ده آخر أمل ليا .
و تمددت بهدوء مرددة الإستغفار كعادتها كل يوم كما علمتها .. والدتها .....
فى آخر الليل ولج رامى لشقة صبرى متأخرا ليجد زينب فى إنتظاره مستندة برأسها على الأريكة و تقاوم النوم .. إبتسم بهدوء و هو يطالع تلك السيدة الطيبة والتى إعتبرته إبنها و لم تفرق فى معاملته بينه و بين أولادها .. و سهرت فى مرضه و فى أوقات مذاكرته و لهفتها لإنتظار نتيجة إختباراته و فرحتها بنجاحه و خطبته .. لم يشعر لثانية أنها زوجة عمه بل هى أمه بكل ما تحمله الكلمة من معنى ...
إتجه ناحيتها فوجدها مغمضة العينين بإرهاق فإنحنى لمستواها و حمل كفها و قبله بإمتنان .. فإنتفضت من نومتها فوجدته يقبلها فسألها بضيق :
_ إيه اللى مصحيكى يا ست الكل .
رغم هدوئها بعودته و إطمئنان قلبها .. إلا إنها زمت شفتيها و عبست قليلا و قالت بغضب :
_ بستناك يا باش مهندس .. إتأخرت ليه ؟!
جلس بجوارها و قبل مقدمة رأسها و قال متأسفا .. لكم أن تتخيلوا شاب فى نهاية العشرينات من عمره فاره الطول و العرض بنظرة من عينيه يرعب أكبر شنب بمنطقته الشعبية و حزمه فى عمله جعله ناجح فى إدارة شئون مصنع كبير كمصنعهم .. يعتذر .. عامة قال بهدوء :
_ معلش أنا آسف اللى سهرتك كده .. مش هعمل كده تانى يا ست الكل .
ثم إبتسم بوجهها و قال بحب :
_ ربنا يخليكى ليا و ما يحرمنيش من قلقك عليا .
بادلته إبتسامته و ربتت على كفه و قالت بحنو :
_ و يخليك ليا يا حبيبى و أفرح بيك و بعيالك إن شاء الله .
ثم عقدت حاجبيها و سألته بقلق :
_ إتعشيت و لا أقوم أحضرلك أكل بسرعة .
أومأ برأسه نافيا و قال بإبتسامة ممتنة :
_ لا يا حبيبتى شكرا أنا إتعشيت .
و بحث بعينيه حوله و سألها بتعجب :
_ هو عمى نام .
وقفت زينب تنوى تركه و أجابته وهى تتثائب بكسل :
_ أيوة و مهاب و فارس كمان ناموا .
حرك عنقه بإرهاق و وقف قائلا بكسل :
_ أدخل أنام أنا كمان .
ثم إستوقفها قائلا بقوة :
_ صحيح قبل ما أنسى .. جهزى مهاب بكرة علشان حمزة عاوز يشوفه .
إتسعت عيناها و إلتفتت إليه مسرعة و سألته بتلهف :
_ إنت روحتله النهاردة .
نزع سترته و قال بضيق :
_ أيوة .. و ما تقلقيش عليه إبنك زى الفل .. بس مراته الغلبانة متصبغة من كتر الضرب .. مش عارف آخرتها معاه إيه ؟!
تهدلت ملامح زينب فزادتها تقدما فى العمر و تنهدت مطولا بأسى و قالت بحزن :
_ قلبى بيتقطع على حال ولادى الإتنين .. مالهمش حظ .. ربنا يهديهم و يحميهم .
شعر رامى بغصة مؤلمة فى حلقه من رؤيتها حزينة بهذا الشكل المؤلم .. فقال لمداعبتها :
_ و أنا ماليش دعوة كده و لا كده .
ضحكت بخفوت و قالت بحنان يغرقه :
_ بس يا واد .. إنت عارف و متأكد إن غلاوتك من غلاوتهم .. إنت أمانة فى رقبتى لغاية آخر نفس فى صدرى .
ضمها رامى مسرعا مستنكرا حديثها عن الموت و الفراق قائلا بحدة :
_ بعد الشر عنك يا حبيبتى ربنا يعلم إنى بحبك زى أمى الله يرحمها بالظبط و من غير حبك و حنيتك كنت ضعت .
إبتعدت عنه قليلا و مررت أناملها على وجهه و قالت بإبتسامة هادئة :
_ ربنا يباركلى فيك .. يالا إدخل يا حبيبى إتشطف و نام .
ثم إبتعدت عنه و رفعت سبابتها بوجهه و قالت محذرة بمداعبة :
_ و ناااام .. هاه .. نام على طول و بلاش واقفة فى الشبابيك .. تصبح على خير .
تركته و دلفت لغرفتها و هو خلفها مبتسما على تلميحاتها الساخرة .. إتجه هو أيضا لغرفته و أغلق ورائه الباب و أخرج هاتفه أجرى إتصالا و إنتظر الرد .....
أتاه صوتها الرقيق مثلها و الذى سيفقده عقله يوما .. مؤكدا .. قائلة :
_ ألو .
زادت دقات قلبه و تنهد مطولا متلذذا بذبذبات صوتها الرقيق مثلها و أجابها بجنون :
_ وحشتينى قوى .. إفتحى الشباك هموت و أشوفك .
أجابته بخجل بادى بصوتها قائلة :
_ حاضر ثوانى بس