📁 آخر الروايات

رواية قصر آل الزيني الفصل الثاني 2 بقلم سلمي خالد

رواية قصر آل الزيني الفصل الثاني 2 بقلم سلمي خالد


ا نبدأ

الفصل الثاني
[ صدمات متتالية ]
سلمى خالد احمد

وفتح الشيخ الباب فلم يجد أحدًا في الخارج وعليه تعجب وقال:
_ هو مش كان فيه صوت برا صح؟

فردت عليه زوجته:
_ حاسة اه اني سمعت صوت حد شهق كدا و عيط بس اهو ادينا خرجنا ملقناش حاجة
1

نظر إليها ولم يرد ثم دخل غرفته مرة أخرى و تابعته هي، بينما مايا في غرفتها غارقة في دموعها التي فاضت على وسادتها.
وفي نفس الوقت، دخل فاتح الغرفة فوجدها في تلك الحالة وعليه اختض ثم أسرع جهتها وهو يقول:
_ مايا مالك في إيه؟

وحاول ان يبعد يدها عن وجهها ليرى ما أصابها فوجد الدموع تتساقط على خديها والقهر يسكن ملامح وجهها و الحسرة تكد تمزق خلايا قلبها، لذا اختض بشكل أكبر وتحدث في خوف:
_ مالك بتعيطي كدا ليه حصل إيه قوليلي في إيه؟

ردت وهي تبكي و اصوات شهقاتها تتعالى:
_ انت هتتجوز عليا يا فاتح؟ عايز تخلف وانا السبب؟؟
_ مين اللي قال الكلام دا؟
_ سمعت امك بتقول لابوك انها بكرة هتروح تتقدم لجارتنا منى و تجوزك ليها علشان انا مبخلفش يا فاتح

ضمها إلى صدره واخذ يربت على كتفيها وهو يقول:
_ طب اهدي بس بالله عليكي بطلي عياط، خلي ماما تقول اللي هي عايزاه انا مش هتجوز عليكي ولا حاجة

ردت في نبرة صوت متقطعة اثر العياط:
_ بس انت مصيرك هتتجوز لو مش النهاردة هيبقى بكرة صح؟

تنهد ورد في هدوء:
_ مايا انا بحبك ومختارك وموضوع الخلفة دا انتي ملكيش ذنب فيه، كان وارد جدا اكون انا اللي مبخلفش هل كنتي هتسبيني؟ أكيد لا، أنا هفضل معاكي واللي عايزه ربنا هيكون أكيد هنلاقي حل و هنخلف حتى ان الموضوع طول مش مشكلة بس المهم اننا مع بعض وبس... فممكن بقا تهدي و تخلي ماما تقول اللي هي عايزاه؟
1

ضمته إلى صدرها في قوة وتحدثت في خوف يشوبه توتر:
_ انا بحبك، بحبك اوي، اوعا تسبني ارجوك لأي سبب انا مليش ذنب فيه واوعا توافق تتجوز عليا هموت من القهر والله يا فاتح هموت

أخذ يربت على كتفيها وهو يطمنها:
_ لا متخافيش أنا لا هسيبك ولا هكون سبب في قهرك ولا اي حاجة من دي، انتي مراتي حبيبتي اللي مش عايز غيرها في الدنيا
2

أخذت تهدأ شيئًا فشيئًا وهي بين ذراعيه ما ان سمعته يلفظ بتلك الكلمات.
***********
_ هو كل دا ولسه هانيا مرجعتش؟

تحدث مجدي مخاطبًا زوجته عقب انتهائه من وجبة الغداء وكان متجهًا نحو غرفته، فردت عليه:
_ روني كلمتها وقالت انها خلاص في الطريق
_ ماشي، انا يدوب هاخد دوش يكون الاكل اتهضم و أنام

بينما هو يخرج ملابسه من الخزانة قالت:
_ بقولك يا مجدي
_ قولي يا ( حورية)
_ ايه اخبار الشغل مع الشيخ عبدالله الزيني
_ الشغل ماشي كويس الحمدلله
_ يعني استقر زي ما كنتوا في قطر؟
_ اه الحمدلله
_ طب كويس


_ بقولك تاني
_ اخلصي يا حورية عايز استحمى
_ اصل يعني... يعني كنت عايزة أسألك في حاجة
_ قولي
_ هو الشيخ عبدالله مطلبش ايد واحدة من البنات لحد من عياله؟ يعني ما شاء الله عنده يزيد و جياد على وش جواز واحنا بردو عندنا بنتين فهل مطلبوش واحدة منهم؟

_ يعني هيكونوا طلبوا وانا مخبي عليكم؟!
_ مش قصدي بس... اصل غريبة يعني
_ ايه اللي غريبة؟
_ خدوا مايا وهو بيثق فيك معقولة مش عايز يناسبنا تاني؟!
_ حورية اجلي الحوار الحمضان دا لانه ضيع وقتي، كان زماني خدت الدش، هو عارف اني عندي بنات و أولاده عارفين والبنات اصلا شغالين في نفس الشركة تحت ايد ولاده يعني لو عايزين مفيش حاجة هتمنعهم، انا بقا مش هروح اتسول على بناتي!
_ لا لا مش القصد خالص أنا بس
_ مبسش, يلا انا رايح اخد دوش

تركها ودخل، زفرت في ضيق وتمتمت:
" معقولة البنات معجبوش ولاده؟ نفسي يزيد ياخد روني و جياد ياخد هانيا و يعيشوا مع اختهم في نفس القصر و المستوى... يارب حقق لي الأمنية دي يارب."
**********
عادت هانيا إلى غرفتها تلك الليلة بخطواتٍ خفيفة كأن الأرض لا تكاد تلامس قدميها. كانت ابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها، ابتسامة لم تستطع إخفاءها مهما حاولت. ما زالت كلمات شهاب تتردد في أذنيها: "سأتقدّم لخطبتكِ الأسبوع القادم." جملة واحدة كانت كفيلة بأن تُشعل في قلبها فرحًا يشبه المطر حين يهطل بعد صيف طويل.
2

جلست على سريرها، وضعت حقيبتها جانبًا، وألقت رأسها إلى الخلف وكأنها تستعيد كل لحظة من يومهما الطويل. تذكّرت نظراته، يده التي احتوت يدها، ضحكته التي كانت تكفي لإزاحة كل ما مرّ عليها من تعب. اشتعل وجهها خجلًا وهي تستعيد اللحظة التي قال فيها كلمته الحاسمة، تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن قلبها ينبض أسرع من أي وقت مضى.

وضعت يدها على صدرها، وكأنها تحاول تهدئة نبضٍ يرفض الهدوء. كانت تشعر أنّ العالم كلّه صار أوسع، وأن الغد لا يخيف، بل يقترب منها كهدية طال انتظارها. فتحت نافذتها، ودخل نسيم الليل، فابتسمت وقالت بصوتٍ خافت: "أخيرًا... بعد سنتين من الانتظار."

في تلك اللحظة، شعرت هانيا أنّها أسعد فتاة على وجه الأرض؛ فحبيبها الذي صبرت معه، وساندته، وحلمت به، قرّر أخيرًا أن يجعل الحلم حقيقة. كان الفرح يغمرها حتى آخر خلية في جسدها، وكأن الحياة نفسها تبتسم لها.
وفي تلك الاثناء دخلت روني عليها فوجدتها في تلك الحالة لذا ابتسمت وهي تقترب نحوها وقالت:
_ وشك بيقول خير
_ والا خير يا روني، خلاص شهاب اداني معاد و أكده، قالي يوم الجمعة الجاية الساعة ٧، حقيقي حساني هيغمى عليا من كتر الفرحة، مش مصدقة ان اليوم دا هيجي وان بعدها هكون مراته عايشة معاه في بيت واحد

ارتمت روني على السرير وهي تبتسم قائلة:
_ شعور تحفة يا هانيا انا قادرة احس بيكي، ونفسي اعيشه اوي انا كمان


جاورتها و امسكت بيدها وردت:
_ ان شاء الله يا روني يزيد يجي يتقدم لك قريب وتعيشي نفس احساسي واحسن كمان
_ يارب، حاكم دا تقيل موت يا هانيا و زهقت منه بجد
_ هو مش تقيل هما كانوا مضغوطين بس، الفترة اللي فاتت كلنا كنا مضغوطين اوي، يمكن دلوقتي بما ان الضغط قل ينطق بقا

_ شهاب هيعيشك فين يا هانيا ؟
_ في مدينة نصر مكان ماهو عايش، عنده شقة هناك في الدور الرابع دي بتاعته و قصدها علطول بيت دورين الي عايش فيه حاليا مع مامته و اخواته البنات، دا البيت اللي باباهم سبهولهم

_ مرتبه كام في الشهر؟ زي مرتبك؟ ولا عنده شغلانة تانية بزود بيها دخله؟
_ ليه بتسألي؟
_ لان لازم تاخدي بالك ان مايا عايشة في قصر و متجوزة general manager ابن رجل الأعمال الكبير الشيخ عبدالله الزيني وانا عيني من اخوه finance manager وعايزة اعيش في القصر، فلما تبقى دي حياة اخواتك لازم توازني علشان مستوى المعيشة يكون واحد و أولادنا في المستقبل ميحسوش بفرق، وأنا اعتقد ان شهاب اقل تقريبا من مستوانا احنا... دا واحد والده متوفي وهو بيعول أمه و اخواته بيصرف عليهم فيعني راجل شقيان، انتي ابوكي مساعد و ناصح للشيخ مكانة عالية و مستوى عالي لازم تبصي لدا
2

_ مش فارق معايا كل الكلام دا، انا بحبه و هتجوزه و هعيش معاه حتى لو مش معاه فلوس خالص، انتي مش متخيلة درجة العشق اللي انا وصلالها، فمش الماديات دي اللي هتعطلني ولا قوة ممكن تبعدني عنه انا خلاص هكون مراته يعني مراته

سكتت لم ترد عليها ثم نهضت و قالت:
_ هروح انام، تصبحي على خير يا هانيا
_ وانتي من اهله

خرجت روني و تمتمت هانيا:
" قال اسيبه قال، دا انا مصدقت انه جاي اخيرا يطلبني!"
**********
وفي صباح اليوم التالي، كانت ماهي في مكتبها تعمل لمدة دقيقة و تفكر في شهاب في الدقيقة الثانية لا تستطيع أن تركز ولا أن تمنح عملها كامل الوقت و الاهتمام وعليه طلبت من السكرتيرة الخاصة بها أن تأتي به لها وبالفعل جاء و دخل وهو يبتسم قائلًا:
_ صباح الفل يا ماهي
1

ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ صباح الجمال يا شهاب، اقعد

جلس الشاب وقال:
_ اؤمري

تنهدت وردت:
_ انت عارف اننا عملنا الفترة الأخيرة حملة إعلانية ضخمة علشان الترويج للموسم صح؟
_ صح، كلنا تعبنا في الحملة دي جدا، محدش يقدر ينساها

_ فيه طريقة جديدة عايزة اعمل بيها ترويج، هي مش جديدة بالنسبة للعالم بس جديدة بالنسبة للشركة عندنا
_ ايه هي؟
_ انت طولك و عرضك حلوين اوي و متناسقين و شكلك حلو بالنسبة للكاميرا الكاميرا حباك، علشان كدا قررت اديك شغل إضافي هيليق عليك و بيك
_ وضحي اكتر
_ هتلبس اللبس اللي نازلين بيه الاسواق الفترة الجاية و هتتصور و هنزلك و هنعملك موديل بالنسبة للشركة.
طبعا احنا عندنا موديلز كتير بس لتيم الماركتينج فأنا برشحك أنت، ها إيه رأيك؟ جاهز بقا للتصوير و زوايات التصوير و الجراءة و الحركات ولا هنتكسف؟

ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ انا موافق جدا و مرحب اوي كمان، و اوعدك مش هخيب ظنك و شكرا لتيم الماركتينج انه اختارني أمثل المنتج بنفسي و اطلعه للنور و متقلقيش انا من ناحية الكاميرا بتحبني فاه جدا وانا بحبها و بعرف أتصور و بعرف أصور كمان
_ يبقى اتفقنا يا شهاب، وقت ما كل الأمور تكون تمام هقولك علشان نبدأ و هعرفك طبعا هنبدأ ازاي وكل حاجة هتفهمها في الوقت الصح
1

هز رأسه مؤكدًا ثم رد:
_ تمام
_ تقدر تروح على شغلك
_ تمام

نهض و تابع في ابتسامة :
_ عن اذنك
_ اتفضل

هم بالخروج وهي تتبع أثره في ابتسامة عريضة و نظرات مليئة بالاعجاب.
**********
_ اقعد يا ( أمجد )

تحدث الشيخ عبدالله الزيني في نبرة حادة، و رد عليه الشاب وهو يجلس:
_ خير يا خالي
_ مش بنقول في الشغل يا خالي و يا عمي يا أمجد، انا هنا المدير التنفيذي واسمي الشيخ عبدالله، أما خالي دا في العزومات و الخروجات العائلية

_ انا بعتذر يا شيخ عبدالله عن الخطأ دا و اوعدك مش هيتكرر

_ تمام، دي و خلصنا منها خلينا بقى نتكلم في اللي انا جايبك فيه دلوقتي
_ اتفضل قول سامعك
_ انا من ساعة ما عينتك sales manager لشركتي دي وانا شايف انخفاض في البيع، هو انت نايم انت و الموظفين اللي تحتك ولا ايه الموضوع يا أمجد؟
_ لا لا اطلاقا والله كل المسألة إنه
_ مسألة إيه و إنه إيه يا أمجد! متخلنيش اندم اني حطيتك في المنصب دا و مسكتك إدراة و تقول ماهو خالي و بتاع ومهما اعمل مش هيعمل حاجة، لا فوق انا بحاسب عيالي حساب الملكين انا في الشغل مبهزرش ولا برحم، فلو شايف نفسك مش قد المكانة دي قولي وانا انزلك موظف و اخلي حد غيرك عنده استعداد و تحمل للمسؤولية يمسكه

نكس الفتى رأسه ورد:
_ بعتذر عن أي تأثير حصل يا شيخ و اوعدك هتشوف شغل تاني و نظام تاني خالص بس انت اديني فرصة اخيرة
_ ماشي أما نشوف و افتكر انها اخر فرصة يمكن تصحى من الغيبوبة دي
_ فهمت، استأذنك
_ اتفضل

هم الفتى بالخروج غاضبًا وكان يسرع في خطواته حتى يختفي عن أنظار خاله تمامًا في أسرع وقت، وما إن فتح الباب حتى وجد كاميليا تجاهلها و تابع طريقه في سرعة و جدية، تعجبت الفتاة من رد فعله هو حتى لم يلقي السلام عليها وما إن رآها والدها في ذلك الموقف قال:
_ تعالي يا كاميليا قوليلي كنتي عايزة إيه؟

دخلت وهي تحمل الملف الذي وضعته على الطاولة ثم أشارت إليه:
_ دا اهو الملف يا شيخ اللي فيه كل التقارير بتاعت الأسبوع

أخذه و ثم بدأ يقلب فيه و رد:
_ هايل، خلاص سبيه وانا هبقى اقرأه في وقت مناسب
_ تمام، عن اذنك

وقبلما ترحل نادى عليها فوقفت وردت:
_ اؤمرني
_ اقعدي يا كاميليا

جلست الفتاة وردت:
_ اهو قعدت في إيه؟
_ ايه رأيك في أمجد؟
_ من ناحية؟
_ لو بقى زوج ليكي ؟

بدأت دقات قلبها تتسارع و احمر وجهها اثر الخجل و نكست رأسها، ابتسم الوالد وتابع:
_ بيقولوا علامة السكوت رضا صح؟

لم ترد عليه بل ازداد الخجل و السكوت، فاتبع هو مرة أخرى:
_ انا مش عايزك تتكسفي مني او تتوتري لو عايزة تردي عليا بعدين تكوني فكرتي او تكوني قادره تتكلمي اعملي كدا

رفعت رأسها و لمعة عيناها قد ظهرت إليه بوضوح لذلك ابتسم وقال:
_ دا شكلنا موافقين اهو

ردت في خجل يشوبه ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها:
_ هو..هو طلبني امتى من حضرتك؟
_ مش مهم امتى، بس المهم انتي رأيك إيه؟

هزت رأسها موافقة، فابتسم ورد:
_ يا سلام بالسرعة دي! دا احنا فعلا كأننا كنا خلاص مستنيين على تكة

شعرت بالخجل أكثر وعليه ردت:
_ متكسفنيش بقا، ماكنتش مستنية ولا حاجة بس... بس أمجد شاب وسيم و مسؤول و انا اصلا كنت يعني معحبة بيه من زمان... بثق فيه كمان كفاية إنه ابن عمتو حليمة، يعني حد ثقة و حضرتك مأتمنه على أموالك وهو عمره ما ضيعها يبقى اكيد مش هيضيع بنتك بردو

نهض من مكانه و اقترب منها ووضع قبلة صغيرة على جبينها و قال في ابتسامة:
_ ربنا يهينكي يا بنتي و يعوضك خير عن اللي خسرتيه
**********
في ذلك الصباح، لم تستطع أسيل أن تذهب إلى العمل. كانت يدها ما تزال ترتجف منذ سمعت أمّها حليمة تخبرها بأن عبير، زوجة خالها، ستزورهم غدًا. تلك الزيارة لم تكن عابرة، ولم تكن كسابقتها؛ فعبير قالت بصوتٍ محمّل بإيحاءاتٍ خفية: "وحشتوني... وحاسة إن بكرة لازم نتكلم في موضوع مهم."
كانت الجملة وحدها كافية ليقفز قلب أسيل من مكانه.
أغلقت باب غرفتها عليها، وجلسـت أمام مرآتها الكبيرة، وفي عينيها بريق يشبه بريق فتاة تستعدّ لخطوبة لا تعرف موعدها بعد، لكنها تشعر بها في أعماقها. مدت يدها إلى مستحضرات التجميل، وبدأت تضع طبقة خفيفة من كريم الأساس، ثم لمست وجنتيها بحمرة هادئة... كأنّها لا تتهيّأ للقاء عادي، بل لقدرٍ كانت تنتظره منذ زمن.
كانت تغني بصوت منخفض، أغنية تحبّها منذ المراهقة، أغنية تجعلها دائمًا تتخيّل اليوم الذي ترتدي فيه فستان خطوبتها. وبين كل حركة وأخرى كانت تقف، تنظر إلى نفسها في المرآة، وتبتسم بخجل:
"هل يُعقل أن تكون عبير قادمة لتطلبني لابنها يزيد؟"
يزيد... الاسم وحده كفيل بأن يجعل قلبها يخفق. ذلك الشاب الذي لطالما بدا لها مؤدبًا، هادئًا، مهذبًا، والذي تمنّت في سرّها لو يلتفت إليها يومًا. وكلما تذكّرت طريقة حديث عبير عنها أمام العائلة، شعرت بأن الأمر أقرب للحدوث من أي وقت مضى.
نهضت من على كرسيّها، وبدأت ترتّب سريرها بعجلة، تفتح الستائر، وتعيد زجاجات العطور إلى مكانها، وكأنّ عبير ستقف على عتبة غرفتها الآن. ثم جلست مجددًا، وضعت قليلاً من الكحل الذي يبرز عينيها، ومرّرت يدها على شعرها لتتأكد أنه منسدل كما تحبّ.
كانت كل ثانية تمرّ تزيد من حماسها وقلقها في الوقت نفسه. تطلّعت إلى باب غرفتها كمن ينتظر حدثًا عظيماً، ثم همست بحلمٍ يكاد يخرج من صدرها:
"يا رب... تكون جاية علشاني."

وعقب مرور نصف ساعة، سمعت أمها ترحب بسيدة قصر آل الزيني في الخارج في ترحيب حار، لذا أطلت برأسها و أخذت تبتسم بشكل لا إرادي.
دخلت عبير و تبعتها حليمة والتي صاحت:
" أسيل اعملي فنجانين قهوة على الريحة بسرعة"

ثم التفتت إلى السيدة وقالت:
_ اهلا اهلا يادي النور يادي النور احنا زارنا النبي
_ البيت منور بأصحابه يا حليمة، هي أسيل مش في الشغل؟
_ لا صحيت تعبانة شوية النهارده وقالت تريح
_ ماشي.
_ عاملة ايه يا ست عبير كله كويس؟
_ الحمدلله كله كويس
_ انتي والعيال و اخويا الشيخ عبدالله تمام؟
_ اه الحمدلله كلنا تمام

وفي تلك الاثناء دخلت أسيل وألقت التحية ثم وضعت الكوبان و خرجت مثلما طلبت منها أمها، وما ان خرجت حتى ألصقت أذنها بالباب كي تسمع ما يقال، وهنا جاءت (رهف) اختها الصغرى والابنة الأخيرة لحليمة، وما إن رأتها تتصنت عليهما حتى قالت:
_ بتعملي إيه؟

وضعت يدها على فهمها و همست:
_ بس اخرسي وطي صوتك، مرات خالك هنا وعايزة اسمع اللي بيتقال
_ ومالك متذوقة كدا ليه؟؟
_ رهف اسكتي شوية بعد اذنك

ألصقت الأخرى أذنها وأخذتا تسمعان معًا
_ فين جوزك عبدالعزيز الكبير
_ اشمعنى؟
_ يعني القعدة عايزة ابو البنات يكون موجود

ابتسمت حليمة و تسألت كأنها لم تفهم:
_ ابو البنات هيعمل ايه في القعدة يا عبير هانم بس؟!
_ خلاص يا ستي خليني اقولك جايين ليه و انتي بنفسك هتتأكدي، وكدا كدا عبدالله بيجس نبض و لو تمام الأمور هيجي بنفسه علشان نتكلم في تفاصيل

ابتسمت وردت:
_ تفاصيل إيه، و موضوع إيه؟
_ احنا يا ستي بنطلب ايد بنتك أسيل لابننا حسان و بنتك رهف لابننا يزيد، ها قولتي إيه؟

تجمّدت أسيل في مكانها، ما إن سمعتها تتلفظ بتلك الكلمات،
لم تعد تسمع شيئًا بعدها... كأن الجملة سقطت على قلبها بثقل جبل.

رفعت عينيها نحو رهف بدهشة، ثم نحو الأرض في لحظة فقدت فيها قوتها كلّها. شعرت بوخزة حادة في صدرها، كأن شيئًا انكسر... شيء كانت تبنيه في خيالها يومًا بعد يوم، ليلًا بعد ليل.

يزيد؟ لرهف؟
وهي... لحسان؟

لم تستوعب الفكرة في البداية. كل ما شعرت به هو دوخة مفاجئة، وحرارة ترتفع في وجهها، ودمعة تكاد تُولد لكنها تصرّ على ألّا تسقط.

تحركت خطوة للخلف، متشبثة بالجدار، وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كان قلبها ينقبض بشدة، ليس لأن يزيد رُسم له مسار آخر... بل لأن الحلم الذي كانت تبنيه بلؤم طفلة، بانفعال شابة، وبأملٍ كبير... انهار فجأة أمامها بدون إنذار.

سمعت صوت رهف يتمتم بجانبها:
"أسيل... إنتِ كويسة؟"
لكن أسيل لم تستطع الرد.

كانت تتساءل في داخلها:
كيف لثانية واحدة أن تغيّر كل شيء؟
كيف يتحول الفرح إلى خيبة... والانتظار إلى صدمة؟
شعرت بأن شيئًا ساخنًا يتحرك في حلقها، خليط من الغيرة، والكسرة، والخذلان. كانت تعشق يزيد بصمت، بانتظار طويل، بقلق وخجل ورغبة. والآن، بكل بساطة، لم يعد لها بل لاختها!!
تراجعت خطوة إضافية، حاولت أن تبتسم ابتسامة مصطنعة كي لا تنهار أمام رهف، لكن الشفاه التي كانت منذ ساعات تبتسم للمرآة... لم تعد تعرف كيف ترتسم عليها الابتسامة.
1

كان كل ما يدور في داخلها كصرخة مكتومة:

"ليه... ليه مش أنا؟"

وبينما عبير تواصل حديثها في الداخل، كانت أسيل تقف خلف الباب تحمل قلبًا أثقل من أي خبر يمكن لفتاة أن تتحمله في يوم واحد.
ثم ركضت فجأة جهة غرفتها هاربة كأنها لم تسمع شيئًا وعليه لحقت بها أختها والتي حزنت كثيرًا بعدما سمعت ذلك الطلب

ابتلعت حليمة ريقها و ردت:
_ طب ليه يزيد مش لأسيل؟
_ اشمعنى؟ ما دي بنتك ودي بنتك يعني!
_ عارفة بس...
_ يزيد طلب رهف، دي رغبته نعمل إيه؟ وانا قلت ناخد التانيه بما اني عندي ابن تاني بدل ما نطلع برا، أهو ناخد ولاد أخوات جوزي مضمونين عن الغريب ومش هيطمعوا في فلوسنا ولا املاكنا... وعامة لو مش عايزين حسان خلاص ناخد رهف ليزيد زي ما طلب و بلاها أسيل و حسان خالص

همت بالرد قائلة:
_ لا لا انا كنت مجرد بسأل يعني اكمن أسيل كانت صاحبة و قريبة من يزيد اوي فاستغربت انك مطلبتيهاش هي ليه لكن بما انه هو اللي طلب رهف بنفسه مش مجرد ترشيح منك أو رأيك فأكيد مش هنعترض يعنى، ناقشتك أما فكرت القرار بتاعتك فكنت بناقشك لاني كنت شايفة أسيل افضل ليه واقرب ومعاه في نفس الشركة و القسم وكدا

_ فهمتك يا حليمة بس لا هو دا طلبه هو انا مدخلش في موضوع جوازهم دا، لا انا ولا ابوهم بندخل في جواز او تعليم العيال يختاروا الشريك اللي يعوزوه و يتعلموا بالطريقة اللي يحبوها في الدولة اللي يشاورا عليها.
فها خلاص انتي تمام معاكي رهف ليزيد؟
_ أكيد
_ طيب و حسان و أسيل؟
_ بردو أكيد يا عبير هانم، أنا هلاقي أحسن و أفضل من عيالك انتي وأخويا فين؟! انا عارفة و متأكدة ان أسيل و رهف محظوظين جدا باولادكم
4

ابتسمت عبير و أخذت رشفة و الأخرى من قهوتها.
***********
كان يزيد جالسًا على كرسي مكتبه في الشركة، يحاول بجهدٍ يائس أن يركّز في الأوراق المبعثرة أمامه. كان يقلب الصفحة ثم يعود ليقلبها من جديد، وكأن الكلمات تتلاشى في كل مرة ينظر إليها. لم يكن السبب ضغط العمل... بل تلك الفتاة التي احتلّت أفكاره أول لقاء
(روني)
1

كلما أغلق عينيه لحظة، ظهرت صورتها أمامه واضحة كالشمس.

كانت تتهادى في ذهنه بثقتها الهادئة، وخطواتها الرشيقة، ونظرتها التي تجمع بين الجرأة والرقي. تذكّر شعرها المتموّج المنسدل بأناقة، ولون بشرتها الدافئ الذي يليق بثيابها الفاخرة. وتلك الملامح... الملامح التي لا تُنسى.
كان يزيد يحبّها في صمت، صمتٍ يشبه معركة لا يريد الاعتراف بأنه يخسرها كل يوم. هي أيضًا تحبه، يعلم ذلك من التفاصيل الصغيرة... من طريقة مراقبتها له حين تظنّ أنه لا ينتبه، ومن ارتباكها حين يقترب، ومن الكلمات التي تخرج منها ببطء وكأنها تخشى أن تفضح مشاعرها.
4

لكن كلاهما يلعب دور "القوي".
كلاهما يختبئ خلف قناع البرود.
مدّ يزيد يده إلى قهوته ثم أعادها دون أن يشرب. تنفّس بعمق وهو يشيح بنظره عن شاشة الحاسوب، وكأنه يعترف لنفسه أخيرًا:
"كيف أركّز... وهي بهذا الجمال؟"
كانت روني من النساء اللاتي يفرضن حضورهنّ قبل أن ينطقن بكلمة.
جمالها لم يكن صاخبًا... بل راقيًا، لافتًا، يحمل فخامة امرأة تعرف قيمتها جيدًا.
بشرتها بلون العاج، ناعمة متوهّجة تحت الأضواء، وعيناها كبيرتان، فيهما حدّة أنثى وهدوء ملكة. شعرها البني المتموّج ينزل على كتفيها كأن كل خصلة منه صُممت لتُبرز ملامحها الساحرة.
أما قوامها، فكان يشبه أناقة عروض الأزياء...
قويًا، رشيقًا، وخطواتها ثابتة كأن الأرض تسعى لاتّباع إيقاعها.
في ثوبها الرسمي، كانت تبدو كأنها لوحة فنية؛ الظلال الناعمة على بشرتها، التفصيلة الدقيقة عند الأزرار الذهبية، وانحناءة خصرها التي تضيف لمظهرها مزيجًا من الرقة والهيبة. حُليّها اللامعة-الأقراط واللآلئ المتدرجة-كانت تزيدها جمالًا دون مبالغة.
روني كانت من النساء اللواتي لا يمكنك النظر إليهن مرّة واحدة فقط.
يجذبك فيها شيء... ثم آخر... ثم ثالث... حتى تجد نفسك غارقًا في تفاصيلها دون مقاومة.
ولهذا كان يزيد ضائعًا في عمله اليوم.
فهي ليست مجرد امرأة يراها...
بل امرأة يراها بقلبه.
واخيرًا وعقب مرور سنة ونصف، اعترف بهزيمته و نهض كي يرفع الراية البيضاء، وفي خطوات واثقة سريعة يتجه إلى مكتب والده وطرق الباب، وما إن اذن له والده حتى دخل ثم ألقى التحية وجلس في ابتسامة عريضة وقال:
_ أخبار حضرتك إيه؟
_ تمام يا يزيد وانت قولي ايه الأخبار؟
_ كله حلو يا شيخ
_ مجيتك وراها حاجة، فيه مشكلة في الشغل ولا حاجة؟
_ لا لا الحمدلله الشغل مستقر يعني
_ ماشي كويس، قولي بقا في إيه؟
_ بص يا شيخ أنا.. أنا يعني كنت.. كنت عايز اتجوز

ابتسم الشيخ ورد:
_ وانت ليه محرج؟ الجواز حقك وانا اصلا واخد بالي وعلشان كدا قلت لأمك إننا لازم نعجل بالموضوع دا

ابتسم الفتى ورد:
_طب كويس، باقي بقا تعرفوا أنا عايز مين

اختفت ابتسامة والده ورد في استغراب:
_ عايز مين؟ هو فيه حد في دماغك معين غير رهف؟
_ رهف مين؟ بص يا بابا انا كنت صغير و سايبكم تقولوا هنجوزك مرة أسيل ومرة رهف ومرة معرفش مين وانا كنت لسه بدرس ومش عارف حاجة وكنت سايب الموضوع لماما على أساس الجواز التقليدي لكن أما كبرت و نضجت لقيت انه من حقي اختار شريكة حياتي بنفسي مش لازم اتجوز بنت عمتي يعني ممكن تكون واحدة مش قربتي خالص، أنا بعز عماتي و بناتهم بس مش شايف فيهم حاليا غير اخواتي

_ لا حول ولا قوة إلا بالله
_ ايه بس يا والدي، هتجوز بالعافية يعني؟!
_ أكيد لا يا يزيد مفيش حاجة بالعافية يعني بالأخص الجواز بس، بس امك يا ابني راحت النهاردة لعمتك حليمة وطلبت ليك رهف وقالت انك اللي قلت عليها

_ مش المفروض يعني تسألوني قبلها؟ ولا أنا مليش رأي في القصة دي؟

اطرق والده شاعرًا بالاحراج منه ومن اخته التي وعدتها زوجته اليوم، وعليه قال:
_ ومين اللي في دماغك؟

ابتسم ابتسامة عريضة ورد:
_ روني
_ روني؟!
_ ايوة رانيا البنت الوسطانية لعمي مجدي السَّلّاب ابو مايا مرات فاتح... ايه يا بابا هيغيب عنك عمي مجدي السَّلّاب مساعدك و مستشارك الأول!

_ لا مش غايب عني ولا بنته كمان غايبة عني، انا بس مستغرب ايه حكايتكم مع بنات مجدي السَّلّاب!
_ فاتح كان معجب بمايا بنته الكبيرة وانا معجب بروني بنته الوسطانية هي دي حكايتنا معاه

أخذ الوالد يفرك جانب ذقته يفكر في الأمر ثم أجاب:
_يعني هو مجدي السَّلّاب حد يؤتمن له و مراته ست محترمة ومايا بنت متربية و مشفناش منهم حاجة وحشة بصراحة بس...
_ مبسش يا شيخ هو خلاص كدا انت قلت عين العقل، ناس محترمة وانا عايز بنتهم وكنت جايلك علشان تكلم والدها و ناخد منه معاد و نروح نطلبها على سنة الله ورسوله

سكت ولم يرد عليه، فتابع الشاب:
_ يلا يا والدي وافق و فرحني والله هتجنن عليها بقالي كتير و خايف تتخطب، سامع أنها بيتقدم لها ناس كتير وخايف مرة توافق و اندم، أنا استنيت لحد ما الأمور اتحسنت في الشغل وضامن أنها هتوافق بيا بس مش عايز بقا اتأخر عن كدا

هز رأسه موافقًا، ليسرع الشاب و يقبل رأسه و يده شاكرًا له وقال:
_ امتى هتكلم أبوها؟
_ هبلغ امك بس تعتذر من حليمة و تفهمها سوء الفهم دا و بعدها هكلم مجدي السَّلّاب
2

ابتسم الفتى وهز رأسه موافقًا.
********
كانت أسيل في غرفتها، الباب مغلق بإحكام كأنها تحاول أن تحبس العالم كله خارجًا. ما إن دخلت حتى انهارت... لم تستطع التماسك لحظة واحدة. سقطت على الأرض بجانب سريرها، ودفنت وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مرتجف، بكاء يخرج من أعماق قلبٍ انكسر فجأة بلا رحمة.
1

كانت الدموع تنهمر بلا توقف، ساخنة، موجعة، وكأن كل واحدة منها تحمل معها جزءًا من الأمل الذي ظلّت تبنيه لسنوات.
كيف؟
كيف يمكن لجملة واحدة سمعتها من وراء باب أن تمحو كل شيء كانت تنتظره؟

رفعت رأسها قليلًا، ونظرت إلى المرآة المقابلة لها... كان وجهها متورمًا، وعيناها حمراوان، وكحل الصباح الذي وضعته بحماس تحول إلى خطوط داكنة على خديها. منظرها وحده زادها بكاء، ليس ضعفًا... بل لأنّها شعرت بالخذلان مرتين: من القدر... ومن نفسها التي سمحت للحلم أن يكبر.
2

جلست على الأرض مسندة ظهرها إلى السرير، وضمّت ركبتيها إلى صدرها، وكأنها تبحث عن شيء تتشبّث به.
كانت تتنفس بصعوبة، والدنيا كلها تبدو ضيقة، ثقيلة فوق صدرها.

"يزيد؟"
الاسم وحده جعل دمعة جديدة تهرب من عينها.
لم تكن تعرف أنها تحبه إلى هذا الحد... إلى درجة تجعلها تنهار حين يتجه إلى غيرها.
كانت تظن أنها تسيطر على مشاعرها، أنها أقوى من أن تُكسَر... لكن قلبها أثبت لها أنها أضعف بكثير أمام الشعور الذي أخفته طويلاً.

كانت تتخيل-رغمًا عنها-يوم الخطبة... الناس، الضحكات، يزيد واقف بجانب رهف، ينظر لها نظرة الإعجاب نفسها التي تمنّت يومًا أن تكون لها.
هنا اختنق صوتها.
غطّت فمها بيدها وهي تبكي بصمتٍ شديد، محاولة ألا يسمعها أحد في البيت.
بين شهقة وأخرى، كانت تهمس بكلمات مكسورة:
"ليه... ليه مش أنا؟ أنا اللي كنت مستنياه... أنا اللي كنت بدعيلك كل يوم."

لم تكن تغار من رهف... لكنها تغار على قلبها الذي خُذل، وعلى حلمها الذي اختفى أمامها كالسراب.
وحلمها الوحيد هو أن تستيقظ لتجد أنّ ما حدث لم يكن أكثر من كابوس.

وكانت رهف لا تكل ولا تمل من الطرق على بابها كي تفتح لها، ولما يئست منها فتحت الباب في قوة و الدموع لا تتوقف كأنها شلال، ما إن رأتها رهف في تلك الحالة حتى صرخت:
_ يالهوي انتي هتموتي نفسك؟؟ مش هاخده مش موافقة عليه أهدي ايش حال انك عارفة كويس اني بحب باسم ابن خالتو فاطيمة و أكيد مش يوم ما هاخد غيره هاخد يزيد حبيب طفولتك

ارتمت أسيل في حضنها وأخذت تبكي أكثر فأكثر وتحدثت في نبرة صوت متهدج:
_ لو انتي رفضتي هيتقدم لغيرك، المشكلة مش فيكي اصلا يا رهف المشكلة انه مختارنيش انه محبنيش زي ما كنت متخيلة و فاكرة زي ما كنت بحبه و عايزاه

وفي تلك الأثناء، مرت أمهما بعدما ودعت ضيفتها فرأت ما يحدث وعليه أخذت تقترب منهما و قالت:
_ بتنحوي ليه يا أسيل؟ وانتي عمالة تطبطبي عليها كأن جوزها مات ليه كدا؟ فيه إيه؟

ردت رهف:
_ سمعنا اللي اتقال بينك وبين عبير هانم، انهم طلبوني انا ليزيد وهي لحسان وانتي عارفة يا ماما ان أسيل كانت بتحب يزيد وعايزاه علشان كدا بتعيط

ابعدتها عن حضن أختها وهي تقول:
_ اخرجي بس كدا ياختي من حضنها وبطلي خيبة وهبل

صرخت الفتاة في قهر:
_ خيبة وهبل؟ مسمية مشاعري و احساسي خيبة وهبل!! انتي شايفة كدا؟
_ تعالي نتكلم يلا... سبينا شوية يا رهف
1

دخلتا و غلقت الام الباب و جلست جوار ابنتها على السرير وقالت:
_ دلوقتي احنا مش هنعرف نغير اللي اتقال خلاص اهم حاجة انك هتكوني كنة ليهم و هتعيشي في القصر و هتبقي أسيل هانم و عبير هتحبك انتي و هتكوني كتف في كتف ليها، كدا كدا بدأت تضايق من مايا لان حملها اتأخر و رهف هبلة لا بتاخد ولا بتدي، مين بقا اللي هيقعد معاها و هيكون ليها المستشار الأول في كل أمور القصر و يحضر الحفلات بنفسه ويكون جمبها؟! أسيل مرات ابنها العاقلة الحكيمة و بنت اخت جوزها و...

نهضت الفتاة رافضة صارخة:
_ لا، لا والف لا مش علشان اكون سيدة أم القصر دا على كلامك دا اتجوز واحد مش بحبه نهائي واحد مش راجل اصلا، إيه حسان دا! دا غير مؤهل للجواز راجل عبيط و محدش بيحترمه ولا بيعمله حساب، درويش من الآخر عايزاني أنا أسيل الكبير ملكة الجمال أقبل بدا زوج ليا؟؟ دا حتى طوله في طولي، قصير و لابس نضارة قد الطبق و لا ليه كلمة ولا هيبة في القصر الكل بيعامله كأنه عيل صغير، دا حتى في الشركة محدش بيحترمه، ابوه مش ممسكه إدارة زي باقي اخواته، يا شيخة دا حتى مش موظف عادي زيه زي الباقي في الشركة لانه مش بيعرف يتعامل و الناس بتتريق عليه، عايزاني اخد دا زوج ليا؟ من يزيد و أحلامي مع يزيد الراجل بكل ما تحمله الكلمة لدا؟؟ وتقوليلي هتكوني سيدة القصر؟ دا انا هكون مهزأة القصر لو قبلت اتجوز الراجل دا، اصلا حرام على أهله يخطبوله لانه هيظلموا اللي هتاخده بس هما فاكرين بفلوسهم يقدروا يشتروا العالم والناس
5

نهضت والدتها وردت في حدة وغضب:
_ وطي صوتك يا قليلة الادب انتي افتكري إنك بتتكلمي مع أمك
_ مش هتجوزه
_ هتتجوزيه يا أسيل وغصبن عنك
_ اقسم بالله ماحد يقدر يجبرني والا أروح اقول لخالي انك بتجبريني على الجواز من ابنه الاهطل دا و خلي العلاقات تتقطع بقا ولا تولع

_ أسيل متتحدنيش

صرخت والدتها ثم تابعت:
_ فكري في مصلحتك في مكانتك في الفلوس اللي هتطلع لك، شوفي ازاي هتنقلينا نقلة تانية و...
_ عندك بنتك رهف هتتجوز يزيد وتبقى تنقلكم كلكم أما أنا مش هتجوز العبيط دا أنا

قالتها ثم خرجت من الغرفة وهي لا تزال تصرخ وتحدثت في صوت عالي:
" على آخر الزمن هتجوز الجعر دا وتلقاه ملوش فيه أصلا و يلبسوني أنا جنان... أي جنان هو "
1

كانت أمها تسمع ما تتلفظه في أنحاء المنزل قاصدة أن يسمع والدها المريض و الملقي على السرير اثر حادث السير الذي تعرض له منذ ستة أشهر، وعليه هزت رأسها متوعدة لها، وفي تلك الأثناء، سمعت صوت هاتفها يصدح و رأت بوضوح اسم عبير هانم يعلو شاشة الهاتف، أخذت تهدأ قليلًا ثم استقبلت المكالمة قائلة:
_ ايه يا عبير هانم قوليلي، جايين خلاص النهاردة بليل أبلغ عبد العزيز ابوهم؟
_ والله ما عارفة أقولك إيه يا حليمة أنا مكسوفة منك اوي
_ مش فاهمة؟
_ لسه عبدالله مكلمني من مفيش وقال إن يزيد عايز بنت مجدي السَّلّاب مش رهف، فأنا بعتذرلك اوي والله كدا إحنا هناخد أسيل بس بقا لحسان
_ إيه؟ انتي بتقولي ايه؟!!
*********
كانت هانيا تمشي في الشارع وكأنّ الهواء ينحني احترامًا لخطواتها. جمالها كان من ذلك النوع الذي يدخل القلب دون استئذان، ويترك فيه أثرًا لا يُمحى.
وجهها يحمل ملامح ناعمة، مرسومة بدقّة وكأنّ فنانًا أمضى عمره يضع كل خطّ فيها. عيناها واسعتان، فيهما بريق خافت يشبه ضوء الصباح الأول، ونظرتها ثابتة، واثقة، تُظهر هدوء امرأة تعرف تمامًا من تكون.
شعرها القصير المموّج يحيط بوجهها بإطلالة كلاسيكية فاخرة، وكأنّ نسمة خفيفة مرّت عليه لتضفي عليه جمالًا مضاعفًا.
أما بشرتها، فكانت نقية، دافئة، تُشعّ بلمعة خفيفة تزيدها إشراقًا طبيعيًا لا يحتاج لأي تجميل.
ترتدي معطفًا طويلًا بلونٍ ترابيّ ناعم، ينسدل على جسدها برقيّ دون تكلّف، ونسّقت تحته قميصًا أبيض وبنطالًا من اللون نفسه، فبدا مظهرها كله كلوحة متناغمة من البساطة والأناقة. حذاؤها الرياضي بلونه الهادئ منحها لمسة عصرية تضاعف سحر حضورها.
كانت تمشي بخطوات هادئة، يداها في جيبيها، وكأنها تسير في عالمٍ صنعته على مقاسها.
جمالها ليس مجرد ملامح... بل روح انعكست في كل تفصيلة منها.
جمال يُرى... ويُشعَر... ويبقى عالقًا في الذاكرة طويلًا.

وبهذه الطريقة وصفها ذلك الذي كان يطل برأسه من نافذة مكتبه يرمقها أثناء سيرها أمام الشركة، ابتسم وتمتم:
" هانيا ربما فخامة الاسم وحده تكفي فعلا، هلهلتي قلبي يا هانيا"

وفي تلك الأثناء صدح صوت هاتفه فوجدها أمه رد عليها قائلًا:
_ إيه يا أمي عاملة إيه؟
_ كويسة، قولي انت كمان قبل ما نغلط نفس غلطة اخوك، اخطبلك تالية من عمتك فاطيمة ولا إيه ؟
_ لا لا تالية إيه و فاطيمة إيه! كويس إنك سألتي، مش عايز تالية لا
_ اومال انت عايز مين انت كمان؟ مستغربالكم بجد هتلاقوا في جمال تالية و رهف فين؟ و يكفي انهم ولاد عماتكم يعني حد نعرفه و نثق فيه!
_ لا يا أمي معلش
_ طب اخلص عايز حد معين يعني ولا هو رافض لمجرد الرفض انت كمان؟؟

نظر من النافذة عليها مرة أخرى كي ينطق اسمها و يطلب من امه ان تطلبها له لكنه سرعان ما اختفت ابتسامته ما إن رأى شهاب يقف معها و يضحكان بشكل لا يصر فتضايق و صمت شاردًا في المشهد ونسي امه تلك التي كانت تردد اسمه كي يجيب.
وخرج عن شروده أثناء قولها في صوت عالي:
_ جياد، انت روحت فين يا ابني!
_ معاكي يا ماما قوليلي
_ انت اللي قولي اسمها إيه ولا بنت مين؟
_ طب بعدين هقولك يا ماما، سلام علشان بس في ايدي شغل كتير

قالها و أنهى المكالمة وأخذ يمعن النظر و اصوات ضحكاتهما تصل إليه، بدأت دقات قلبه تتسارع اثر الغيرة و الضيق و عليه أمسك هاتفه واتصل عليها، أخرجت الهاتف من حقيبتها فرأت اسمه يعلو شاشة الهاتف، فسألها شهاب:
_ مين؟
_ جياد
_ وعايز ايه الزفت دا؟
_ بس بقا استنى علشان هرد

زفر في ضيق وسكت بينما هي ردت قائلة:
_ ألو
_ إيه يا هانيا فينك؟
_ انا تحت الشركة
_ و بتعملي ايه تحت؟
_ كنت روحت زي ما طلبت مني اتأكدت من المكان و ان كل حاجة تمام زي ما كنا عايزين علشان الإعلان الترويجي وكل حاجة فعلا عجبتني و
_ لا متدنيش feedback في التليفون، اطلعي بما إنك رجعتي و تعالي مكتبي احكيلي كل حاجة
_ اتفقنا حالا

أنهت معه المكالمة وعليه سأل شهاب:
_ عايز إيه؟
_ ولا حاجة بيتكلم في شغل عايز feedback المشوار اللي روحته علشان يتأكد ان كل حاجة تمام فطلع اقوله
_ كنت عايز اقولك ماهي كلفتني بأيه
_ معلش حببيي أنا عارفة انك عايز تقولي على الموضوع دا من بدري بس اديك شايف انا مشغولة ازاي، خليني اطلع اقوله اللي حصل و اقفل شغل و أكون معاك انت بقا للصبح

ابتسم و هز رأسه موافقًا، ابتسمت له وذهبت، كان يتبع أثرها في ابتسامة اختفت ما إن لمح جياد يراقبهما من شرفة المكتب وما إن علم جياد أنه لمحه حتى أخذ ينظر إليه في تحدي أما شهاب فكان متعجبًا من نظراته إليه، ولكن كل تلك الإشارات لا تؤكد له إلا ما يخشاه.... جياد معجبًا بحبيبته.
1

فتحت الباب بخفّة، ودخلت إلى مكتب جياد بخطوات هادئة تحمل ثقة لا تتكلّف. ما إن رفعت رأسها نحوه حتى بدا المشهد وكأن شيئًا تغيّر في الهواء. كانت أنيقة، متوازنة، تحمل ذلك النوع من الحضور الذي يجعل المكان يُعيد ترتيب نفسه حولها.
اقتربت من مكتبه وهي تقول بصوتٍ هادئٍ واضح:

" جياد، عايزة أطمنك... كل شيء في الموقع بقى جاهز، التنظيم ممتاز، والفريق انتهى من اللمسات الأخيرة للّقطات اللي هنستخدمها في الإعلان الترويجي. حتى الإضاءة... ضبطناها بشكل مثالي."

كانت تتحدث باحتراف، تسرد التفاصيل بدقة، وتشير بيدها برشاقة وكأنها ترسم كلامها في الهواء.
لكن جياد... لم يسمع شيئًا تقريبًا.
كان يحدّق فيها بصمت، ملامحه جامدة من الخارج، لكن ذهنه كان في مكان آخر تمامًا.
كان يراقب طريقة تحرك شفتيها وهي تتكلم...
لمعة عينيها التي تظهر حين تتحدث عن العمل بشغف...
وهدوء خطواتها التي دخلت بها المكتب وكأنها دائماً تنتمي إليه.
صوتها يتردد أمامه، لكنه لا يتلقّى منه إلا نبرة الأنوثة الهادئة.
جمالها خطف تركيزه من أول لحظة، حتى شعر أنه فقد القدرة على سماع أي كلمة بوضوح.
بعد دقائق من حديثها المتواصل، توقفت وسألته بلطف:
"حابب تشوف التقارير دلوقتي؟"

رمش جياد كأنه يعود من غفوة قصيرة، وحاول أن يجمع شتات تفكيره قبل أن يجيب.
لم يُرِد أن يظهر عليه شروده، لكنه لم يستطع منع نفسه من النظر إليها مرة أخرى... نظرة أطول مما ينبغي، نظرة بالكاد تخطئها عين امرأة حساسة مثلها.
وللحظة... شعر أنه لو بقيت في مكتبه دقيقة أخرى، لن يستطيع التظاهر بالبرود أكثر.
ولما لاحظت ذلك سكتت و شعرت بالخجل وتركت التقارير على الطاولة و تابعت:
" التقارير اهي أنا قلت اللي عندي عملت check على كل حاجة وكله تمام، هرجع بقا شغلي "

نهض وأخذ يقترب منها في خطوات بطيئة ثم نظر إلى عينيها وقال و عيناه تلمع:
_ مشكورة تعبتك معايا، بس ماكنتش عايز اي حد ينزل كان لازم حد بثق فيه و بيفهم ينزل ويقولي.. حد يكون عيني هناك و يسردلي الحقيقة كاملة من غير تزييف

ابتسمت وردت:
_ العفو معملتش حاجه... شكرا على الثقة

كان يشعر أنه يفقد التوازن على نفسه أمامها لذا أبعد عيناه عنها فجأة و قال:
_ روحي شغلك

تعجبت من أسلوبه ولكنها ردت على أي حال:
_ تمام

ثم انصرفت، كان يتبع أثرها وتمتم:
" ماينفعش اطلبك الا أما اتأكد إنك عايزاني.. مينفعش اترفض.."
**********
رحبت عبير بمجيء فاطيمة ما إن عادت من منزلها ووجدتها تنتظرها هناك، و بعدما استقرت الأوضاع و رتبت فاطيمة أغراضها في غرفتها الجديدة في منزل أخيها و الخادمات قمن بترتيب أغراض ولديها ( باسم و تالية ) في غرفة كل منهما الجديدة، جلستا في حديقة القصر تحتسيان كوب من القهوة، وتحدثت فاطيمة:
_ دا وانا بجهز الاوضة و الحاجات، لقيت حليمة بتتصل بيا و زعلانة وبتقول بعد ما قلت للبنت وفرحت يرجع يزيد يقول لا؟!
1

ردت عليها عبير في خجل:
_ والله حقها عليا أنا فضلت اعتذر لها كتير واقولها حقك عليا بس انا والله مليش دعوة كلها أوامر الشيخ اخوها وانا عرفتها دا، قولتلها هو اللي قالي روحي اخطبي البنات وهو اللي قالي خلاص يزيد رفض

_ وهو رفض ليه، هيلاقي احسن من بنت حليمة فين؟
_ والله دا رأيي، قال عايز بنت مجدي السَّلّاب
_ آه ... قولي كدا
_ يعني ايه؟

ردت عليها:
_ يعني مجدي السَّلّاب و مراته حورية لعبوها صح

اطرقت عبير محاولة أن تدرك ما يقال فتابعت فاطيمة:
_ مجدي السَّلّاب استغل قربه من الشيخ عبدالله و جوز بنته لابننا فاتح ودلوقتي عايز يجوز التانية ليزيد ومش بعيد يطمعوا يجوزوا التالتة لجياد كمان
1

تذكرت السيدة مكالمتها مع ابنها والتي كانت عبارة عن رفض قاطع لزواجه من تالية و سكتت، فتابعت فاطيمة:
_ الناس دي داخلة على طمع واضح... مجدي مكفهوش انه شغال مع أخويا و كمان مساعده و مستشاره الأول ودراعه اليمين يعتبر، لا راح دخل بناته التلاته الشركة يشتغلوا هناك و يحط كل واحدة تحت المدير اللي هتوقعه بالظبط علشان يبقى هو و بناته الورثة الوحدين للشيخ ماهو بناته بس اللي هيخلفوا و العز دا كله يكون لبناته و اولادهم، خطة متخرش المية.... والبنات حلوة خلينا نقول الحقيقة يا عبير و أولادك شباب بردو أما يلاقوا دلع و جمال و هشتكة هيوقعوا و هيقولوا طب ما فاتح عاملها و اخويا الغلبان يقع في الخية و يفتكر ان مجدي يدوب بيطيع أوامره و بناته الجميلات مجرد بيشتغلوا بس في الشركة لحد أما هو و بناته يستحوذوا على كل املاك آل الزيني و تقعدي انتي و بناتك ميبقاش ليكم حاجة خالص، أما بنات مجدي السَّلّاب يسرقوا كل حاجة و ياخدوا كل حاجة لنفسهم و يستغلوا جمالهم و وقوع عيالك في حبهم لصالحهم

نظرت إليها في خوف و ردت:
_ تفتكري دا مخطط؟
_ اه طبعا، صدفة يعني يكون واحد عنده ٣ بنات يجوزهم كلهم لتلاتة اخوات و اغنية كلهم و مديرنهم في الشغل!
ولا بردو صدفة يزيد يغير رأيه فجأة بعد ما يقول عايز رهف يرجع يقول روني! رهف اللي كانت هتحافظ على فلوسه و املاكه و بيته و انتي واثقه في دا، يرجع يقول لا مش عايز! تخطيط اهو البت مش ساكتة معاه في نفس القسم و مدورة عليه الشغل

كانت السيدة صامتة تفكر في كلامها جيدًا فكل ما كانت تخشاه هو ان يتم استغلالهم أو سلب أموالهم وتابعت فاطيمة في دس السم:
_ كمان مايا مش بتخلف الله اعلم ما يمكن أخواتها يكون عندهم نفس المشكلة.
أو يمكن عايزين يدخلوا روني علشان تخلف هي و يكون ليهم من القسمة نصيب
محدش عارف نيتهم إيه بالظبط بس الواضح لينا إنه مفيش سلكان في نيتهم خالص.
ثم انهم مش من مستوانا علشان يتجوزوا مننا، دول ناس شغالة عندنا مينفعش يتساوو بينا، أكيد كل اللي همهم الفلوس و العز اللي هيطلوه من نسب زي دا وبس وأخويا على نياته مش فاهم اللعبة كويس وواثق في اللي اسمه مجدي السَّلّاب دا..... أنا وعيتك ياختي وانتي براحتك، قارني بين رهف و روني دي و شوفي بنفسك، رهف بنت اخو جوزك اللي متربية على الغالي و العز هي اللي هتطمع في ابنك و فلوسه، ولا روني بنت مجدي السَّلّاب الجعان اللي عايش في بيت قد علبة الكبريت و أكيد نفسه يطلع على حس جوزك؟!
قارني بقا وفكري في النهاية يا عبير هانم القرار قراركم.
2

كانت عبير شاردة تفكر فيما قالته فاطمية. بينما فاطيمة تحتسي قهوتها.
***********
كانت أسيل تحكي لوالدها( السيد عبدالعزيز الكبير ) ما تريد أمها فعله، وكان السيد يسمع وهو حزين مستلقيًا على سريره مشلولًا غير قادر على الحركة اثر حادث السير الذي تعرض له، فمنذ نومته هذه وأصبحت كل الأمور في يد زوجته حليمة والتي أصبحت تفعل ما يحلو لها دون الرجوع إليه، و بينما الفتاة تشكي لوالدها، دخلت حليمة و علامات الغضب تشكل ملامحها وصرخت:
_ هتتجوزي حسان يعني هتتجوزي حسان والا انتي عرفاني

صاح عبدالعزيز وهو متعب:
_ بس يا حليمة متتكلميش مع البت بالأسلوب دا ومش هتقدري تجبريها تتجوز ابن اخوكي الدرويش دا.
بنتي تستحق الف جنتل يستاهلها و يحبها و يكون راجل ليها، ابن اخوكي دا عيل مش راجل وحرام بنتي تتظلم معاه وكل الحق أصلا على أهله اللي عايزين يجوزوه واحدة متشبهوش في أي حاجة، كل الحق عليهم لأنهم عايزين يجوزوه اصلا

صرخت السيدة في غضب:
_ عبدالعزيز اسكت انت، أنا عارفة انا بعمل ايه

ثم نظرت إلى ابنتها وتابعت:
_ بنت مجدي السَّلّاب هي اللي هتتجوز يزيد، عرفتي؟؟ سيبي ولاد السلاب ياخدوا كل حاجة وانتي قاعدة هنا لسه بتفكري تقبلي حسان ولا لا

صاح الرجل في ضيق:
_ تغور كل اموال اخوكي دي، املاكه دي لنفسه وهو وعياله احنا ملناش دعوة بيه، مش هنببع عيالنا علشان قرشين زيادة ولا جوازة و السلام عشان القعدة في القصر!
1

ردت أسيل في خضة:
_ روني؟ هيتجوز روني؟!
_ ايوا ياختي روني، لا انتي ولا اختك وأخويا العرة ماشي وراه و هيكلم مجدي السَّلّاب علشان يطلب بنته و ينفذ كلام الواد
1

بدأت الدموع تتسلل من عينيها و هي تتمتم:
" روني... كنت حاسة كأن قلبي كان حاسس"

_ افضلي انتي عيطي كدا و خليها هي واختها عايشين في عزكم و فلوسكم خلو مجدي السَّلّاب يكوش على كل حاجة يا شوية هبل

ثم أمسكت بذراع فتاتها و أخذت تجرها إلى الخارج، و عبدالعزيز يصرخ:
" سيبي البت في حالها يا حليمة متتغطيش عليها"

ولكنها لم تسمع له و استمرت في جرها حتى خرجتا من الغرفة و دخلتا غرفة أخرى و ما إن دخلتا حتى غلقت حليمة الباب وقالت في حزم:
_ اسمعي، حسان دا ماهو الا مجرد سلم هيوصلك وبس فكري فيها كدا وبطلي غباء، هتسيبي بنات مجدي السَّلّاب ياخدوا كل حاجة؟ ادخلي الحرب دي بعين قوية و استخدمي كل اللي فيها كأنهم أدوات مساعدة علشان توصلي وبس لهدفك

_ بس يا ماما أنا هتقهر اوي، هتقهر اوي لو شفته معاها هموت هيكونوا في وشي كل يوم عايشين معايا في نفس المكان و...
_ بدل ما هنتقهر و نموت نعمل كل حاجة ترجعلنا حقنا، ترجع لك يزيد و فلوسك منها.
الحرب دي بتاعتك و لازم تدخليها والا هتفضلي طول عمرك مقهورة.
أنا هقولهم انك موافقة تتجوزي حسان، انتي اللي هتطرديها من القصر، انتي اللي هتستردي منها مكانتك أما تبيني للكل أنها نصابة و طمعانة في فلوسهم

_ بس وقتها حتى لو يزيد طلقها مش هيتحوزني، أنا مرات أخوه أكيد مش هيتجوزني أنا دون عن كل البنات
_ لا وقتها هيبان انك مكونتيش عايشة مع راجل بجد و يعتبر مش متجوزة اصلا و أما تطردي بنت مجدي و يبان إنك اللي خايفة على فلوس خالك و وافقتي على الجواز دا علشان تظهري الحقيقة ولكن انتي مش مبسوطة وهما عارفين ابنهم عامل ازاي هيعوضوكي و هيجوزوكي يزيد و هيقولوا خلاص ملكش انك تختار تاني لانك كنت هضيع العايلة كلها
5

نظرت إليها الفتاة بعينين مترددة خائفة رافضة غاضبة، فتابعت أمها:
_ سيبي المشاعر و العواطف دلوقتي تماما وفكري في اللي هيوصلك وبس لأن أنا فاهمة كويس الناس دي بتفكر في إيه، انتي اللي هتبقي الأولى و الأخيرة من بعد عبير هتغطي على مايا و روني دول تماما
_ يا ماما بقولك عبيط عبيط
_ مصلحة ماهو لازم يبقى عبيط علشان نعرف نوصل للي احنا عايزينه من وراه، وافقي بقا ومتبقيش خايبة خليكي زي عيال مجدي السَّلّاب بيفكروا في مصالحهم بس الأول واديها أهو خطفت الواد منك ومن أختك..
انا والله بعد رفضك دا كنت هتصل ارفض حسان خالص واقولها قالت لا بس الاقيها بتتصل تقولي إنه كمان يزيد بيقول لا على رهف علشان روني بنت مجدي! لا كدا المسألة فيها إن و السلاب و بناته مش ساكتين

نظرت إليها الفتاة وهزت رأسها موافقة، ابتسمت السيدة وتابعت:
_ هي دي بنتي من بطني فعلا
**********
اتصل يزيد على روني وطلب منها أن تأتي إليه مكتبه قبل انتهاء موعد العمل و رحيلها، أتت الفتاة وألقت عليه التحية وقالت:
_ نعم
_ خلصتي شغلك؟
_ اه كله تمام
_ مروحة دلوقتي؟
_ اه... هو في حاجة؟
_ تعالي اقعدي

أقبلت و شدت الكرسي ثم جلست وقالت:
_ اهو قعدت

ابتسم ورد:
_ أنا بحبك

ها هي روني تجلس أمامه، ولا تزال الكلمة تتردد في أذنها كرجع صدى بعيد: "أنا بحبك ."
جملةٌ انتظرتها سنة ونصف كاملة، من التقل، والبرود، والحياد القاتل... والآن فقط نُطقت.
تجمّدت روني لوهلة، كأن الزمن اصطدم بها وتوقف. لم تعد ترى المكتب، ولا الأوراق المبعثرة، ولا ضوء الشاشة المنعكس على وجهه... صار كل شيء ضبابًا خفيفًا، بينما كلمة "أحبك" تلمع في صدرها كشرارة تهز قلبًا أنهكه الانتظار.

نبضاتها ارتفعت حتى شعرت أنها تسمعها بوضوح، وجفّت أنفاسها كمن خرج من جريٍ طويل.
ارتعشت يدها قليلًا؛ لم تكن ترتجف خوفًا، بل اندهاشًا، ارتباكًا... وشيئًا يشبه الفرح الذي حاولت كتمه طويلًا.
رفعت عينيها إليه ببطء، نظرة مُحمّلة بدهشةٍ صافية، وعينان تتّسعان كأنهما تتأكدان من أنه قالها فعلًا. بدا المكتب حولها كأنه يضيق، يقترب، يختنق معها من هول المفاجأة.
لم تعرف ماذا تقول؛ لسانها انعقد، وابتسامة صغيرة-غامضة، خجولة-تسللت إلى شفتيها رغمًا عنها.
شعرت بحرارة تسري في وجهها، وبشيء ينكسر داخلها... ذلك الجدار الذي بنته طوال شهور كي لا ينكشف ضعفها أمامه.
وبين صمتها المتوتر، وهمستها المكبوتة، كان قلبها يردد:
"أخيرًا... قالها."
كانت حالتها مزيجًا بين الذهول والارتياح، بين رغبة في البكاء ورغبة في الضحك، بين أن تركض إليه... وأن تعاتبه لأنه تركها تحترق انتظارًا كل هذا الوقت.

تابع ما إن أحس أن صمتها سيطول:
_ عارف انها متأخرة بس أنا اصلا ماكنتش متأكد من مشاعري و كنت بفكر ارجع قطر تاني و مش مستقر داخليا و مذبذب و مضغوط بسبب الشغل علشان كدا كنت ساكت لكن عيني كانت بتقول كل حاجة و طاقتك ليا كانت بتوصل، أنا دغري.
قبل ما انطق الكلمة دي لاني عارف كويس معناها و تقلها و قيمتها محبتش تكون مجرد كلمة سهلة من كام حرف يقدر أي حد يقولها، علشان كدا قلت لبابا يقول لابوكي و ياخد معاد علشان نتقدم وبكدا أكون حافظت على معنى وقيمة كلمة بحبك و استخدمتها في الصح و الحلال ... تقبليني زوج ليكي؟
2

ها هي تجلس أمامه، وما زالت تحاول استيعاب اعترافه الأول...
لكنه لم يمنحها فرصة لتتنفس، حتى فاجأها بطلبه.
فشعرت وكأن الأرض تحركت من تحت قدميها.
لم تكن الصدمة هذه المرّة صدمة حبّ فقط، بل صدمة قدرٍ تغيّر فجأة، دفعة واحدة، بلا مقدمات... ولا مهلة لتستوعب.

شعرت بأن الهواء ثقل في صدرها، وبأن صوت عقارب الساعة في المكتب صار أعلى من المعتاد-رغم أنها لم تكن تسمع شيئًا سوى كلمته الأخيرة:
" تقبليني زوج ليكي"
عيناها اتّسعتا حدّ الذهول، وتجمدت ملامحها بين صدمة وفرح وخوف جميل يشبه ارتعاشة ما قبل البكاء.
قلبها يخفق بعنف، وكأن كل نبضة تدفع دموعها إلى حافة الجفون، لكنها تحاول مقاومتها بكل ما تستطيع.
وضعت يدها على ركبتها لعلها تثبّت نفسها، فهي تشعر كأن جسدها خفيف، وكأنها لو لم تتمسك بشيء ستطير من مكانها من قوّة الخبر.
حرارة غريبة صعدت إلى وجهها، وشفتيها ترتجفان بخجلٍ واغتباطٍ لم تستطع السيطرة عليه.
كانت تريد أن تقول شيئًا... أي شيء... لكن الكلمات خانتها تمامًا، وكأن اللغة كلها اختفت من رأسها.

نظرت إليه، نظرة ممتلئة بذهولٍ طفولي... وصمتٍ أعمق من كل الصمت الذي بينهما طوال سنة ونصف.
وفي داخلها صوت واحد يصرخ:

"هو بيكلمني أنا؟... دا ليا أنا؟... دلوقتي؟... بجد؟"
كانت حالتها أقرب إلى الانهيار الجميل:
انهيار الفتاة التي صبرت طويلًا... ففاجأها القدر بكل ما تمنت دفعة واحدة.

كاد الصمت أن يقتله فهو يودها أن تبادله أحبك أنا أيضًا ولكنها لم تقل وبعدها أحس بخجلها حاول أن يستوعب لغة عيناها ما إن رفض لسانها أن ينطلق، فقرأ جيدًا لمعة الحب داخلهما وظلا ينظر إليها صامتًا يتأملها وحسب وكانت الأخرى صامتة اثر الخجل و الصدمة.
نظر إلى يديها المرتجفتين ثم وضع يده فوق يدها وأخذ يلمس أصابعها وهو يبتسم لها وقال:
_ اهدي، انتي متوترة اوي كدا ليه

سحبت يداها فجأة أثر الخضة و نهضت مرة واحدة وما إن قامت حتى شعرت بدوار وذلك لخفة جسدها و روحها وما إن رآها تكد تسقط حتى لحق بها لتقع بين ذراعيه، ومن كثرة الصدمات كانت لا تصدق أنها بين يديه فلفظت في همس:
" يزيد"
_ عيوني

اغمضت عيناها فاقدة الوعي، حملها بين ذراعيه ووضعها على الأريكة، وأخذ يشممها رائحة العطر الخاص به حتى تفيق وما إن افاقت حتى عقدت حاجبيها في استغراب وتمتمت:
" هو أيه اللي حصل"

قالتها ثم اعتدلت وأخذت تنظر حولها وتابعت:
_ هو أيه اللي حصل يا يزيد؟
_ مش عارف، قولتلك بحبك و هتقدملك و كنت مستني تقبلي او تقولي ايه لقيتك مش بتردي وبعدها وقعتي من طولك... مالك؟

نهضت وردت في ثقة بعدما استجمعت قواها:
_ مأكلتش كويس اول ما قمت حسيت بدوخة كدا مش أكتر ولا انت فاكر ايه؟

ابتسم ورد:
_ طب ابقي كلي كويس بعد كدا علشان مش حلوة توقعي من طولك كدا!
ردت في ثقة وهي ترجع شعرها للخلف:
_ نصيحة مقبولة thank you همشي بقا كدا هانيا و بابا هيستعوقوني

نظر إليها في ضيق وهز رأسه موافقًا ثم قال:
_ ماشي اتفضلي

اتجهت نحو الباب وفتحته وقبل الخروج قالت في صوت مسموع:
_ بس انا موافقة على فكرة يعني
1

نظر إليها و ابتسم، ابتسمت هي الأخرى ثم خرجت.
*********
وفي تمام الساعة التاسعة مساءً، كانت روني قد وصلت البيت و قصت على أمها و أختها ما قاله لها يزيد.
وكانت تود أن تخبر والدها ولكنه كان في الخارج مع الشيخ عبدالله ولم يأت بعض إلى المنزل، وما ان انتهت تمنت لها هانيا التوفيق و كمال فرحتها ودخلت كي تتحدث مع حبيبها عبر الهاتف قبلما تنام، بينما حورية والدة روني كانت في كامل حماسها لذا أخذت تفكر مع ابنتها فماذا سترتدي و ماذا سيفعلون وماذا سيقدمون لهم إذا جاؤوا وفي تلك الأثناء سمعتا صوت الباب، اتجهت روني كي تفتح قائلة:
_ مين؟

لتسمع صوت عبير من الخارج ترد:
_ أنا عبير هانم الزيني

ابتسمت الفتاة واسرعت جهة أمها واخبرتها ثم اتجهتا نحو الباب، وفتحت روني الباب في ابتسامة عريضة وقالت:
_ اهلا وسهلا البيت نور

وعليه ردت أمها:
_ عبير هانم زارنا النبي والله، اتفضلي اتفضلي يادي النور يادي النور

دخلت السيدة في ترحيب حار منهما الأم و ابنتها، ثم جلست فقالت حورية:
_ تشربي إيه؟
_ ولا حاجة أنا جاية اقول كلمتين و همشي ومش عايزة اتأخر لأن مينفعش ماكنش في البيت لازم اوصل قبل وصول الشيخ

جلست حورية وردت:
_ خير في إيه يا عبير هانم؟

وعليه جلست روني بجانبها وردت عبير:
_ جاية اقولك كفاية.. كفاية يا حورية انتي وجوزك مجدي السَّلّاب اوي لحد كدا، ابعدي بناتك عن ولادي وخلاص بلاش طمع بقا خدنا من عندكم واحدة ومهياش نافعة ومش بتخلف ومش عايزين نعيد التجربة تاني.
انا هنا علشان تبطلوا تلفوا على ولادي أنا واعية جدا للي بيحصل وبلاش تخربوا على بنتكم اللي عندنا ولا على شغلكم اللي بينا في شركتنا
1

ثم وجهت حديثها إلى روني وتابعت:
_ اثبتي حسن نيتك وارفضي يزيد لان اللي جاي معايا واللي الكل شايفه انكم طمعانين فينا وعلى رأي المثل إذا كان حبيبك عسل متلحسوش كله. انا عارفة انتي عايزة ايه او انتوا عايزين إيه، ودا ممكن نطلبه بهدوء من غير ما نتجاوز حدودنا و الطمع يعمي عنينا

كانت الفتاة في صدمة مما تسمعه وكذلك أمها.
لتفاجئهما عبير بفعل أبشع فقد قامت بفتح الحقيبة و أخرجت المال الذي جلبته معها و ألقته أمام الفتاة ثم قالت:
_ اهو وكل اما تعوزوا اطلبوا عادي احنا أهل المفروض لكن بفكركم الطمع وحش وبيقل ما جمع.
3

نظرت روني إلى المال الموضوع على الطاولة ثم إليها في صدمة كبيرة....
*********



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات