رواية ظل البراء الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم آية احمد عرفة
"مليش نفس"
قال ذلك وكاد أن يغادر، لكن أجلسه عمران يهتف بنفاد صبر:
"كل عشان تقدر تحارب ألم جسمك، مش هنقضيها صيام، تعال على نفسك وكل، يلا"
أومأ له ليجبر نفسه على الطعام حتى يدلف إلى غرفته بعيدًا عن هذه الزيجة وعن هذا المسمى أيوب، فهو لا يطيق حتى النظر إليه.
بعد بضع دقائق قليلة، نهض ليدلف إلى غرفته كأنه يحتمي بها. نظر عمران إلى أيوب بضيق، لينهض هو أيضًا واتبع أخيه ليدلف إلى الغرفة. نظر له باستغراب، كان مستلقيًا على الفراش ويضع الغطاء عليه. أردف بعدم تصديق:
"عمار، إنت هتنام تاني؟"
أومأ دون أن يفتح عينه. اقترب ووضع يده على جبينه ليتأكد أن حرارته طبيعية، ليتركه ويخرج من الغرفة. وعند خروجه كانت الصالة خالية، ليتفهم أنه دلف إلى الحمام. أخذ متعلقاته على عجل وفتح باب الشقة وذهب قبل أن يأخذ أيوب باله ويأتي معه. لا يحب هذه الأشياء التافهة، فهو ليس مقتنعًا بفكرة حمايته. أوقف تاكسي ليصعد به قائلًا:
"الشيخ زايد لو سمحت"
أومأ السائق وأدار السيارة. أما داخل الشقة، قد خرج من الحمام وتفهم أنه بجانب أخيه بالغرفة، لهذا جلس دون أن يدري أن عمران ليس داخل الشقة من الأساس وأنه قد غادر.
أما عن الآخر فهو قد تقصد الذهاب وحده لا يريد لايوب أن يأتي معه ويستمع إلى حديثه مع والدته يكفي حتي لا يشمت بهم أكثر
ــــــــــــــــــ
داخل حي الدرب الأحمر، وداخل البناية التي يسكن بها، كان يجلس على الأريكة شاردًا، يفكر في فعلته، يتذكر حديثها الذي قالته بالمشفي، فهو يثق أن كل ذلك ليس إلا قناع ارتدته حتى لا يشاهد ضعفها. نظر إلى هذه الصورة التي تضع داخل إطار صغير، كان هو وأخته بها، يتذكر متى، التقطوها عندما نجحت في الثانوية العامة وعلم أنها ستدخل كلية الطب، يتذكر فخره بها عندما تأكد أن تعبه بتربيتها قد حصد. ليشرد بالماضي، يتذكر أحد المواقف التي من المستحيل أن ينساها، كان يجلس على الأريكة وهي تجلس بالأرض تعطي له ظهرها، فهو يمشط شعرها مثل ما تعودت على ذلك منذ كانت صغيرة وكل ما حبت تتدلل عليه تطلب منه أن يمشطه. انتهى أخيرًا بعد أن ضفره لها قائلًا:
"إي طلبات تانية يا ست أهله؟"
نهضت لتجلس بجانبه لتقبل وجنته ثم قالت:
"لا كفاية عليك كده، لازم أخلي عندي دم، أخويا طول اليوم في الورشة وأنا بدل ما أخليه يستريح بقوله يضفر شعري، حسيت أني أنانية شوية، صح؟"
ابتسم لها بحب ليمسك يدها ويقبل باطن كفها قائلًا: "بالعكس، بحس أن أهله الصغيرة لسه موجودة، مش كبرت وكام سنة وتكون دكتورة قد الدنيا... ثم أضاف: قوليلي عاملة إيه في الدراسة؟"
"أختك مش يتخاف عليها في الموضوع ده"
قالت ذلك بثقة. أردف:
"قولي الله أكبر يا بنتي"
نظرت له ببعض من التردد ليأخذ باله كيف لا فهي تربيه يده يعلم متى توتر أو تريد قول شئ، هتف متسائلًا:
"شكلك عاوزة تقولي حاجة يا قلب أخوكي، صح؟"
أومأت له وقسمات وجهها لا تخلو من التوتر، أردف برفق:
"اتكلمي يا أهله، من أمتي بتخبي عني حاجة؟"
نظرت له ثم قالت:
"مش كده بس يعني حابا أتكلم معاك في موضوع مهم، إنت عارف مقدرش أخبي عنك حاجة أبدًا"
انعدل على الأريكة ينظر إليها بانتباه يحسها على استرسال حديثها، أردفت:
"باسل في شاب في الكلية هو بيدرس بردو بس هو في سنة التخرج، بصراحة هو يعني هو بيحاول كتير أنه يتكلم معايا مع إني صديته وبكل مرة أصدّه وكتير هزقته يعني عارف بس هو مع كل ده بيكون مصمم يفتح مجال للكلام و"
صمتت عندما لاحظت نظراته لها ووجهه الذي تهجم وعبس، أردفت:
"باسل مش قصدي أضايقك أنا"
قاطعها بهدوء:
"إنتي إيه دي أول مرة تتكلمي معايا في حاجة زي كده، كتير كنتي تتعرضي للمدايقات بس طول عمرك قدها، أول مرة تحكيلي عن حد، عارفة ده معناه إيه؟"
أومأت له تجيب بصراحة:
"عشان كده بحكيلك، أنا بحسه هو غيرهم، كلامنا بيكون في إطار الدراسة وبس وكمان مش اتكلمنا غير مرة واحدة إنما قبل كده كنت بسيبه وأمشي، صدقني"
مرر يده برفق على رأسها قائلًا:
"أنا مصدقك يا أهله وبثق فيكي وفي تربيتك بس بردو إنك تتكلمي معاه غلط، إنتي مش عارفة نيته إيه تجاهك، خليكي على موقفك صديه بردو مش تسمحي ليه يتكلم معاكي ولا يتعدى حدود مش من حقه حتى لو مجرد كلام مش من حقه تمامًا، لو عاوزك هيجي يتقدم ليكي وسعتها أنا أقرر إذا كان ينفعك ولا لا وهو لو بيخاف عليكي فعلًا مش هيسمح لنفسه يتكلم معاكي عشان اللي بيحب حد بيصونه حتى من نفسه لغاية ما يكون حلال ليه"
أومأت له بابتسامة قائلة:
"عندك حق، أنا فعلًا غلطت لما اتكلمت معاه، أنا أسفة"
ضمها إلى أحضانه ليقبل رأسها ثم قال:
"مش تتأسفي، المهم إنك عارفة بتعملي إيه... ثم أضاف بمرح: اسمه إيه بقى اللي خلاكي والأول مرة تيجي تكلميني في حاجة زي كده؟"
ابتسمت ورفعت نظرها له:
"اسمه عمار الزيني، اللي عرفت عنه إنه من طبقة اجتماعية عالية عشان كده مكنتش حابا أتكلم في الموضوع ده بس هو مش بييأس عشان كده قولتلك بالذات إني يعني"
صمتت بخجل ليتفهم ما تريد قوله إنها باتت معجبة أيضًا به، اختنق كثيرًا وغار عليها لكنه حاول جاهدًا أن يسيطر على غضبه من فكرة أن بات قلبها يتعلق بأحد آخر لكنه يثق بها ويعلم أنها تعلم حدودها تصل إلى أين. عاد من شروده وعبراته تنهمر على وجنته، مد يده وأمسك الإطار ينظر به ثم قال:
"إمتى هتقومي؟ إمتى حد يكلمني ويقولي إنك فوقتي؟ أنا بسبب حالتك بقيت إنسان تاني، اتخليت عن مبادئ وتربيتي، نسيت كل حاجة وبقت حالتك هي اللي شغلاني واللي وصلك ليها، ومع كل اللي عملته حاسس إنه ولا حاجة قدام حالتك اللي بتقهرني كل أروح أشوفك مش قادر أصدق إن دي أختي اللي أنا أعرفها، أرجوكي يا أهله عافري عشان تقومي وبلاش تستسلمي، وبوعدك هسجن عمار وهيدفع تمن جريمته مش هسيبه غير لما يكون في السجن ويتحكم بحكم يستاهله، سعتها بس هقول إني ارتحت"
أيها الألم، كيف تسللت إلى قلبي كنسمة باردة في ليلة شتاء قارسة؟ أتذكر كلماتها كالسكين الذي يقطع الوريد، أتذكر نظراتها كالسهام التي تخترق الروح. أختي، يا من كنت أظنها قوية كالجبال، ها هي الآن تتهاوى كأوراق الخريف. أين أنا من كل هذا؟ أين ذهبت قوتي التي كنت أستمدها من عينيها؟ لقد أصبحت كالطائر الذي فقد جناحيه، لا أستطيع الطيران ولا حتى السير. أتأمل صورتك، أتذكر ضحكتك، أتذكر كل لحظة جمعتنا. وأتساءل، هل سأستطيع يومًا أن أعيدك إلى ما كنتي عليه؟ أم أنني سأظل أتألم بصمت، كالشمعة التي تذوب في الظلام؟
ــــــــــــــــــــــــ
توقف التاكسي أمام الفيلا، ترجل منها ودفع للسائق الحساب، ثم فتح أحد الحراس له البوابة بعد أن علم من هو. دلف إلى الداخل، كان البهو خاليًا من أي أحد. اقتربت منه إحدى الخادمات قائلة:
"حضرتك محتاج أعملك حاجة؟"
نظر لها وأردف:
"فين ماما؟"
أجابت:
"مش هنا، محدش هنا غير مروة بس، وهي في أوضتها."
أومأ لها لتذهب، ليتمتم ساخرًا:
"كالعادة، مش هنا."
فكر قليلًا، هل يصعد إلى الأعلى ويتحدث مع أخته أم ينتظر والدته هنا أفضل؟ قاطع تفكيره صوت خطوات تترجل الدرج. رفع نظره، كانت مروة، لكنها بكامل أناقتها، حالها قد تبدل، ترتدي فستان سهرة أنيق لكنه لا يتناسب مع عمرها، أردف بضيق بعد أن باتت أمامه:
"إنتي رايحة فين؟"
أردفت بلا مبالاة:
"خارجة مع صحابي."
كادت أن تمضي، لكنه قبض على ذراعها بنفاد صبر: "خارجة دلوقتي، الساعة ١٢ ونص، وخارجة بالقرف ده؟"
" أنت مالك؟"
قالت ذلك بضيق، لتنزع ذراعها منه، ليقبض على معصمها يصيح بغضب:
"مفيش خروج دلوقتي، ولو مفيش حد يحكمك، هاخدك أظبطك أنا. اتفضلي اطلعي غيري القرف ده ونامي، وراكي مدرسة بكرة، يلا."
ليترك معصمها، أغمضت عيناها بألم، فهو قد ضغط على جرح يدها. رفعت نظرها له تصيح بغضب مماثل: "مالكش دعوة بيا، الوحيد هنا اللي يتكلم معايا بابي وبس، إنما إنت مالكش دخل أساسًا لا بيا ولا بحياتي"
كادت أن تمضي، ليوقفها بيد وباليد الأخرى انسل بصفعة على وجهها لعلها تفيق. نظرت له بغضب، أردف بتحذير:
"اطلعي على أوضتك، وإلا قسما بالله ما هكتفي بقلم، يلا."
ظلت ترمقه بغضب لتصعد إلى الأعلى. ليجلس على الأريكة، وضع يده حول رأسه، أردف بقهر:
"ليه يا ماما، ليه بالطريقة دي؟ مش عمار بس اللي ضاع، إنتي حتى مش موجودة في حياة بنتك."
في الأعلى، دلفت إلى غرفتها، الغضب يتصاعد داخلها، ثم أمسكت بالهاتف الذي ألقته على الفراش منذ ثوانٍ، لتفتح تطبيق التيك توك وتفتح صفحتها التي أوقفت البث بها عندما طلب منها باسل، ولكن الآن بات كل شيء ما هو إلا كذب، فلتفعل ما يحلو لها، هكذا تفكر. لتفتح البث وتعلق الهاتف، لتتوقف أمامه قائلة:
"هالو جايز، بقالي فترة مش فتحت، بس خلاص من النهارده هنرجع زي الأول ونرجع لفيديوهاتي اللي وحشتكم."
كانت التعليقات تنسدل عليها خلف بعضها، وأكثرها من الشباب الذين يشيدون بجمالها، ومنهم من يعبر عن قد إيه قد اشتاق لها ولمحتواها.
في عالم افتراضي مليء بالأوهام، نبحث عن حياة مثالية نعرضها على شاشات صغيرة، ننسى أنفسنا ونغرق في بحر من الإعجابات والتعليقات. نعيش في عالم من الصور المزيفة، نرتدي أقنعة لنخفي حقيقتنا، ونبحث عن التقدير في عيون الآخرين. لكن، في خضم هذا الزحام الرقمي، نفقد أنفسنا، نفقد هويتنا، ونصبح أسرى لشاشات تتحكم في عواطفنا وأفكارنا.
السوشيال ميديا، سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون نافذة على العالم، لكنها أيضًا يمكن أن تكون سجنًا يحد من حريتنا. نحن نعرض أجمل لحظاتنا، لكننا نخفي أعمق جراحنا. نضحك ونبتسم في الصور، لكننا نبكي في الظلام. نحن نبحث عن الحب والتقدير في عالم افتراضي، لكننا نفقد الحب الحقيقي في حياتنا الواقعية.
مروة، تبحث عن الهروب من واقعها المؤلم في عالم التيك توك، تفتح بثًا تبحث عن الإعجاب والتعليقات لتشعر بالتقدير. لكن، هل هذا هو الحل؟ هل هذا هو الطريق للخروج من الألم؟ أم أنها مجرد هروب مؤقت، يزيد من عمق الجرح؟
في هذا العالم الرقمي، نحن بحاجة إلى التوقف والتفكير، إلى النظر في المرآة ورؤية أنفسنا الحقيقية، إلى البحث عن الحب والتقدير في داخلنا، وليس في عيون الآخرين. نحن بحاجة إلى أن نكون صادقين مع أنفسنا، إلى أن نعيش حياتنا الحقيقية، وليس حياة افتراضية مليئة بالأوهام.
ـــــــــــــــــــــــــ
داخل الشقة، كان أيوب ما زال جالسًا بعد أن حدث والدته وأغلق الهاتف معها. استغرب كل هذا الوقت الذي قضاه عمران داخل غرفة أخيه، فهذه ليست عادته. نهض عندما أحس بارتياب، فتح الباب ليدلف، كان يوجد عمار فقط نائمًا. خرج من الغرفة مسرعًا ليدلف إلى غرفة عمران، أيضًا لا يوجد شيء. تفهم أنه ليس هنا منذ وقت طويل وهو ليس على دراية بهذا. فتح هاتفه، اتصل عليه، لكنه لم يرد عليه. تمتم بضيق، فهو الآن مستهدف، ولكن الآخر يتصرف بطيش عند خروجه دون علمه. أخذ متعلقاته وغادر أيضًا، وهو يحاول تتبع المكان الذي به الآن. نعم، هذه الترتيبات تبع الحماية، يراقبوا هاتفه حتى يعلموا أين هو عندما يفعل مثل هذه المواقف السخيفة.
___________
داخل الفيلا، كان ما زال جالسًا ينتظر قدومها، فقد حان الوقت للمواجهة. مر بضعة أيام وما كلفت نفسها لتسأل عن عمار أين هو، هل لهذه الدرجة باتت بلا مبالاة اتجاه ضناها؟ زفر بضيق لتدلف أخيرًا بعد أن مر بعض الوقت. أردفت بزهول وهي تقترب منه: "عمران، أنت هنا من إمتى؟"
نهض ليتوقف أمامها، يجيب بتهكم يعبر عن مدى ضيقه:
"حوالي ساعتين مستني حضرتك عشان لازم نتكلم، بس هسأل سؤال واحد، عمار فين؟"
قال ذلك بهدوء ينتظر لو تعطيه إجابة مقنعة عن برودة أعصابها وعدم سؤالها عليه. أردفت:
"مش عارفة، تلاقيه مع صحابه أو نايم فوق، أو ممكن يكون قاعد عند حد من صحابه"
"وهو ده عادي"
قال ذلك بضيق ثم أردف:
"عمار عمل حادثة من كام يوم، عربيته حرفيًا ادمرت، ودخل عملية فضل فيها ساعات، وحضرتك ولا على بالك، كأنك مش عندك ابن تسألي عليه."
أردفت بزهول لا يخلو من الصدمة:
"حادثة؟ طب هو فين، خليني أروح أشوفه، أنا أول مرة أعرف منك."
ابتسم ببرود:
"ولا كنتي هتعرفي غير مني، أنتي مش فارق معاكي ولادك أساسًا، سايبة شاب مش شاف التوعية بيروح أماكن مشبوهة ويسهر ويشرب ويعمل ما بداله، ومش بعيد بنتك زيه بردو وبتعمل كل ده."
قال ذلك وهو يقصد مروة ليتابع حديثه:
"عمار مدمن، كان عندك خلفية عن الموضوع ده؟"
جلست على الأريكة بصدمة لتنظر له:
"إيه اللي عرفك؟"
أردف بضيق:
"إيه اللي عرفني؟ ده كفاية تدققي بشكله، وكمان منتظرة منه يكون أمام جامع، وأنتي سايباه يصاحب اللي هو عاوزه ويروح الأماكن اللي مليانة إسفاف، كنتي منتظرة منه إيه؟ أنا لغاية دلوقتي مش مصدق، أنتي ضيعتيه، ياريتك كنتي سبتيه لاخواته ومش كابرتي، على الأقل كان هيتربا."
أضاف بغضب:
"أنا كل ما أكون عاوز أمد إيدي عليه أفتكر أن أنا السبب، أنا اللي سبته ليكي وكنت فاكر هتكوني أمينة عليه أكتر منهم عشان هو ابنك، بس غلط عشان ده محصلش، أنتي دمرتيه، عمار النهارده اتمسك عشان مش كان مدمن وبس، لا ديلر بيبيع كمان، والله أعلم لحساب مين عشان أكيد مش لوحده، ولولا أنه خرج بكفالة كان زمانه لسه بالحبس، ودلوقتي أنا عايش في خوف أنهم يمسكوا عليه حاجة ويخدوه."
ثم أشار إليها:
"أنتي خسارة فيكي كلمة أم، دمرتني ابنك بإيديك، أنتي حتى مش فاضية تسألي عنه بيعمل إيه، عايش إزاي، أه كلكم عايشين هنا بس كل واحد في وادي غير التاني."
ليضيف بضيق:
"انتظرت منك تليفون واحد تسألي على عمار، بس ده محصلش، أنا بجد مصدوم فيكي، صحابك أهم، سهراتك أهم، عامة أخويا معايا ومش هسيبه، وبعد ما حالته تتحسن هيجي يعيش معايا في السيدة زينب جنب أخواته."
ثم أشار إلى الأعلى:
"خلي بالك بقى من بنتك بدل ما تضيع هي كمان، اسألي عليها وشوفيها بتعمل إيه بدل المسخرة اللي هي بتلبسها، أنا مش هساعد غير عمار وبس، إنما بنت راشد العمري مش تلزمني، أنا رجعت من أمريكا على كابوس، بس هفوق منه والحق أخويا اللي أنا ضيعته لما سبته ومشيت."
قال ذلك وغادر لتظل تنظر إلى أثره بصدمة، أين هي بالفعل داخل حياة أولادها، فهي لا تعلم عنهم شيئًا.
أمٌّ تخلّت عن أبنائها، فتركتهم يواجهون العتمة وحدهم، يتخبّطون في الإدمان والوحدة والضياع. أبناؤها يبحثون عن الحب في عيون الآخرين، بينما هي مشغولة بحياتها الخاصة، تاركةً إياهم ليواجهوا مصيرهم المظلم.
ـــــــــــــــــــــــــ
كان يسير بضيق وقد أخرج لها كل ما بقلبه من أول ما أتى واكتشف هذا الوضع المزري. كان يريد هذه المواجهة، لعلها تفيق وتلحق ما يمكن الحاقه إذ كان يوجد باقية. لتتوقف سيارة أمامه، ترجل منها أيوب يطالعه بغضب قائلًا:
"انت إزاي تخرج من غير ما تقولي؟"
أردف الآخر:
"بقولك إيه، أنا مش طايق نفسي أساساً."
كاد أن يمضي ليوقفه قائلًا:
"ده شغلي، ولو كان حصلك حاجة أنا اللي كنت هتجازا بسببك. كان لازم تعرفني إنك خارج، مش تسبني أكتشف أنا."
نظر إليه:
"تمام، أنا كويس أهو، يعني مش هتتجازا بسببي ولا أي حاجة. ممكن بقى تسبني في حالي؟"
وما إن أنهى حديثه مرت سيارة سوداء من جانبهم، وبالكنبة الخلفية يجلس شخص يخرج السلاح عبر النافذة ليطلق النار عليهم. دفع أيوب عمران بعيدًا وأخرج سلاحه وأطلق على السيارة، لكنها سارت مسرعاً وألقت لهم زجاجة. تنفس أيوب بعنف والتقط الزجاجة، قام بفتحها كان بداخلها ورقة ملفوفة أخرجها وفتحها، كان مكتوب جملة واحدة فقط: "احذر من القادم."
جذب عمران الورقة لينظر بها، أردف أيوب:
"كان تحذير بأن اللي جاي أسوأ."
هتف الآخر:
"كده الورق اتقدم وبدأ يتم القبض على المسؤولين، وأكيد حد منهم قاصد يعمل كده"
"ده أكيد."
هكذا أردف ثم أخذ الورقة ونظر له:
"ممكن تركب وممكن مش تروح مكان تاني من غير ما أعرف، أديك شوفت حصل إيه."
أومأ الآخر على مضض وهو يفكر من فعل ذلك، أي مسؤول منهم؟ يوجد واحد فقط يعلم من هو، وإن حذره الآن فالخطوة القادمة سيقتله لا محالة.
ــــــــــــــــــــ
داخل الشقة، كان يجلس على الأريكة، حاول المغادرة لكنه اكتشف أن الباب مغلق من الخارج. نعم، أيوب قد قفله بالمفتاح قبل أن يذهب، حرصاً على أن لا يذهب هو. زفر بضيق شديد ليتكأ بظهره إلى الخلف، ليشرد بها التي سلبت عقله عندما وقع نظره عليها لأول مرة.
كان يقف أمام بوابة الكلية ينتظر أن تأتي. مر بعض الوقت لتأتي بالفعل، أردفت متسائلة: "واقف كده ليه؟ مش عندك محاضرات؟" أجاب بهدوء: "عندي، بس مش عاوز أدخل غير لما أطمن إنك جيتي ودخلتي محاضراتك." تنهدت ثم نظرت له: "عمار، عاوزه أتكلم معاك بس مش دلوقتي، بعد المحاضرة، باي." تركته ودلفت ليدلف هو أيضاً، وكل واحد منهم يذهب إلى المدرج الذي يخصه.
وبعد قليل، كانوا انتهوا، جلسوا داخل الكافتيريا. نظرت له: "كلمت أخويا عنك." نظر إليها بعدم تصديق قائلاً: "بجد؟ قالك إيه؟" تنهدت ثم قالت: "بصراحة، حكيت ليه عن كل حاجة، وقالي مش أتكلم معاك تاني. هو معاه حق، وأنا عارفه إن ده الصح، بس اعتبر دي آخر مرة هنتكلم فيها. عاوزك تركز في دراستك وتوعدني تبعد عن صحابك زي ما اتفقنا." أومأ مؤكداً: "مش بتكلم معاهم ولا بخرج معاهم، صدقيني، بقالي دلوقتي تلات شهور مش بفكر غير فيكي أنتي وفي الدراسة وبس." اخفضت نظرها بخجل ثم قالت: "عارف يا عمار إن غلط نتكلم مع بعض، وغلط تقولي كلام زي ده، عشان أنا مش من محارمك. ممكن تقرب من دينك شوية؟ لازم تعرف إن الإنسان ساعات بيكون في غفلة، شايف إن متاع الحياة حاجات كتير أوي، بس بيكون ناسي إن متاع الحياة الدنيا مش تساوي حاجة في الآخرة
ثم أضافت بهدوء:
"عارف يا عمار، ربنا بيقول في القرآن: 'وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ' يعني إن الحياة الدنيا دي، بكل اللي فيها من فلوس ومناصب وشهوات، ما هي إلا حاجة مؤقتة وزائلة. زي ما تكون لعبة أو حاجة بتغر الإنسان وتخليه ينسى إن في حياة تانية أهم وأبقى، وهي الحياة الآخرة. لازم تعرف أن الدنيا دي مش هي الغاية، وإن الإنسان لازم يفكر في الآخرة ويعمل لها. يعني إحنا مش عايشين عشان نتمتع بالدنيا وبس، إحنا عايشين عشان نعمل أعمال صالحة تقربنا منه في الآخرة ما تخليش الدنيا تاخدك وتنسيك إن في آخرة لازم تفكر فيها. خليك قريب من ربنا، وابعد عن صحابك لو أنا مهمة عندك زي ما بتقول.
كم كان حديثها مريحًا، ألقته على مسمعه مثل نسمات الهواء العليلة في يوم حار، فشعر بالراحة والطمأنينة. كلماتها كانت كالبلسم على جرحه، تلامس قلبه وتشفيه من ألم الغفلة. شعر بأنها تريد له الخير، وتريد أن ترشده إلى الطريق الصحيح.
غادرت بعد أن أكدت عليه ضرورة الالتزام بالحدود الشرعية وعدم تكرار الحديث بينهما، لما في ذلك من مخالفة لأوامر الله تعالى. كما أشارت إلى حرصها على عدم خيانة ثقة أخيها، وقد لاحظ تغيرًا في سلوكه وقد بدأ اجتنابه لأصدقائه القدامى. لقد أدرك الفرق الشاسع بينها وبين الفتيات الأخريات اللاتي عرفهن في حياته، فهي تمثل الجوهر النقي المحصن بالحياء والاحتشام، بينما الأخريات يفتقرن إلى الأخلاق والقيم. إنها تمثل نموذجًا للمرأة الصالحة التي تسعى لرضا الله تعالى، وتجسد الأخلاق الإسلامية في سلوكها وملبسها وهذا الجوهر النفيس، لا بد من صونه وحفظه، لتبقى نقيّة وطاهرة، بعيدة عن كل ما يدنسها أو يخدش حياءها.
عاد من شروده عندما فُتح باب الشقة ودلف أخوه بصحبة ذلك السمج الذي يُلقب بأيوب. اقترب عمران وجلس بجواره قائلًا:
"صحيت إمتى؟"
نظر له... "من شوية."
أردف أيوب وهو يجلس:
"تلاقيه حاول يهرب بس معرفش."
رمقه عمران يهتف بضيق:
"ليه شايفه في سجن؟"
نظر عمار إلى أخيه:
"عاوز موبايلي."
أجاب بهدوء:
"موبايلك راح في الحادثة، أحمد ربنا إنها جت معاك على قد كده، ولو على الموبايل هجيب ليك واحد واسترجع خطك من الشركة."
أومأ له على مضض ثم دلف إلى غرفته. لينظر أيوب إلى عمران قائلاً بتهكم:
"اقطع دراعي أخوك لسه وراء مصايب كتير بس هنكتشفها مستقبلًا."
رمقه بضيق ثم نهض ودلف إلى غرفته، أغلق الباب واتكأ بظهره عليه، فهو بالفعل بات خائفًا، يحاول إنكار هذا الإحساس لكنه يراوده شعوراً أن هناك شيئًا أكبر من أنه ديلر ويخفيه عنهم.
فهو بالفعل يخفي كثيرًا، يخفي أكثر مما لا يمكن للعقل تحمله، أسرارًا ثقيلة كالجبال، إذا أفصح عنها، فهو أول من سينتهي، كمن يفتح صندوقًا مليئًا بالرياح العاتية، فتُدمر كل شيء حوله.
ــــــــــــــــــــــ
داخل أحد الملاجئ التي تأوي الأطفال اليتامى، في مكتب المدير، كان يجلس راشد خلف مكتبه الفاخر على كرسي جلدي مريح. نظر إلى أحد رجاله ثم قال: "عمار فين؟"
أردف الرجل:
"بقاله فترة مش بيجي."
اتكأ راشد إلى الخلف، يمعن النظر به:
"ماشي، روح انت وأمن على العيال، لما أشوف البيه فين."
أومأ الرجل له وغادر المكتب. ثم فتح راشد أحد الأدراج المغلقة بالمفتاح، ليخرج صندوقًا صغيرًا. نظر بداخله، فلم يجد إلا مسدسًا. تنهد بارتياح، ثم أغلق الصندوق وأرجعه إلى الداخل، وأغلق الدرج ثم قفله بالمفتاح أيضًا.
كانت حياة عمار مرهونة بين يدي راشد، لذا كان يتحكم به ويفعل له ما يشاء دون أن يرفض. وإلا، كان يعلم ماذا سيكون مصيره، إذ أن هذا السلاح الذي بحوزته يحمل بصمات عمار، التي تعتبر دليلًا قويًا ضده على ارتكاب جريمة قد غطى عليها راشد. ليس لحمايته، بل ليكون تابعًا له، ينفذ ما يريد دون أن ينبس بالرفض.
ــــــــــــــــــــــــــــ
تفتكروا إيه الجريمة؟
هنتظر رأيكم.