📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثلاثون 30 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثلاثون 30 بقلم آية احمد عرفة

30 "متيمًا بكِ"

أحببتك دون حساب، ووقعتُ لفؤادي الذي أسرني منذ النظرة الأولى، لكنّي كنت أجهل المبتغاة، ولم أدرِك أن قلبي سيظل أسيرًا لشوقك، متيمًا بكِ يا ملاذ فؤادي وسأظل أهيم فيكِ حتى آخر أنفاسي.

وفي بحر حبك غَرِقتُ دون شراع،
وأصبحتُ بين موجيكِ أسيرًا بلا قرار.
ـــــــــــــــــــــ

كان مستلقيًا على الفراش يحاول أن يغفو، لكن كل محاولاته باتت بالفشل الذريع، إذ كان عقله هائمًا لدى تلك التي سلبت فكره، صاحبة العينين البنيتين، العميقتين كالقهوة حين تغمرها الغمامة، ويحلو يومه عندما يلتقي بها، ويشتاق إليها بشدة، ويتمنى لو يلقي عليها نظرة ليرتاح قلبه المشغول، ليأخذ قراره
أزاح الغطاء لينظر إلى هند الغارقة في النوم، ثم نهض بخفة ليخرج من الغرفة، ليدلف إلى الغرفة الأمامية وأوصد الباب خلفه. أردفت سكن بلهفة: "أنت لسه صاحي؟"

نظر إليها، كانت جالسة على الفراش، فاقترب وجلس بجوارها متسائلًا:
"انتِ اللي لسه صاحية لغاية دلوقتي؟"

ثم أضاف:
"رجعتي في كلامك، مش هتروحي الشغل؟"

أجابت نافية:
"هروح طبعًا، بس يعني مكنش جايلي نوم."

نظر إليها ثم انعدل ليستلقي، ليمسك يدها ويجذبها لتستلقي هي أيضًا أردفت:
"بس كده هند لو صحيت هتضايق."

قاطعها قائلًا:
"عارف، بس مش قادر أسيبك، وفكرة إنك هتروحي الشغل خنقاني لوحدها."

رفعت نظرها له تجيب:
"ده كام ساعة بس، وكمان مش بتكون في البيت في وقت شغلي."
"هل ده مبرر؟"

قال ذلك متسائلًا، لتبتسم وتضع رأسها على صدره مرة أخرى، ثم قالت:
"لا، بس بحاول أقنعك أكتر عشان مش تتراجع."

مرر يده على شعرها برفق يجيب:
"لما بقول بوافق على حاجة مش بتراجع فيها."

ثم أضاف:
"هوصلك الصبح."

أومأت ومازالت على وضعها. أما عنه، كان يريد أن يحدثها بأنه لا ينجب، لكنه صمت في كل مرة يريد الاعتراف لها، شيء بداخله يوقفه، يشبه الخوف من أن تتركه يومًا ما بسبب ذلك. لكنه يؤنب نفسه مرارًا، كان ولا بد أن تعلم قبل أن يحدث بينهم شيء، لكي يترك القرار لها. والآن يحس بالأنانية لصمته وخوفًا من القادم عندما تتساءل عن عدم حدوث الحمل.

"أُحِبُّكِ حُبًّا لَو تَراهُ لَعَذَرتِني،
حُبًّا وتَزهو بِهِ الأَشواقُ وَتَسمو،
وَيَعلو بِهِ العِشقُ وَيَعلو."

ـــــــــــــــــــــــــ

داخل العمارة التي يسكن بها وليد، دلفت والدته إلى الغرفة، وأردفت متسائلة:
ــ لسه صاحي؟
ثم أضافت بغيظ:
ــ مش قادرة أصدق اللي أدهم عمله... مهما كانت المشكلة، مش توصل إنه يعمل كده!
وتابعت بغضب:
ــ حتى إنت ساكت ليه؟ فهمني عملت إيه، عشان أنا ناوية بكرة أروح لأخويا علوان وأقوله على اللي أدهم عمله و

.
قاطعها بضيق قبل أن تكمل:
ــ لا... مش تروحي ولا تشتكي. لو سمحتي يا ماما، اقفلي الموضوع ده.
ازدادت دهشتها من عدم اكتراثه، وحاولت أن تفهم ما حدث:
ــ قصدك إيه يا وليد؟ يعني يصح ابن خالتك يضربك؟ مش على الأقل نفهم بدل ما إنت قافل على نفسك من ساعتها؟
أردف بنفاد صبر:
ــ قافل على نفسي عشان مش عارف أوريكم وشي إزاي.
نظرت إليه بعدم فهم، ليتابع بعدما أدرك أنه لم يعد قادرًا على إخفاء فعلته:
ــ الصور اللي نزلت لسكن... أنا اللي عملت كده. أنا اللي هكرت تليفونها، وأنا اللي تلاعبت فيهم، وأنا اللي نزلتهم على النت.
شهقت، ترمقه بعدم تصديق. أهذه تربيتها له؟ حاولت إنكار ما قاله، لتصيح:
ــ إنت بتقول إيه يا دكتور؟ يا عاقل يا متربي!

ودفعته بيدها وهي تصرخ:
ــ قول إن اللي قلته ده مش حقيقي... قول إنك ما عملتش كده في بنت أخويا! رد... قول حاجة!
لكنه قابل كل هذا الصياح بالصمت، لتفهم أنه بالفعل قد فعلها.

كانت تعلم أنه يحب سكن ويريدها زوجة له، لكنها رفضت، وأدهم أيضًا رفض زواج الأقارب...
لكن آخر ما كانت تتوقعه أن يصل ابنها إلى هذا الحد.
أردفت بأسى:
ــ ليه تعمل كده فيها؟

ثم أضافت بحسرة:
ــ وأنا رحت أشمت فيهم... وابني هو السبب! دمرت حياتها.

ثم صرخت به:
ــ كنت فاكر إيه؟ هتجوزها لك يعني؟ ارتحت دلوقتي؟ وأنا اللي كنت بقول الكبير العاقل... سَنَدي أنا وأخته! معقول ما فكرتش إن ليك أخت قبل ما تعمل كده؟

ــ مش ارتحت...
قالها بنبرة تحمل بين طياتها ندمًا، ثم تابع بضيق:
ــ ندمت على اللي عملته. أنا بدل ما أرضى بنصيبي، قاومت وحاولت آخده بالغصب. أنا قرفان من تصرفي... مستحقر نفسي أوي إني وصلت للمستوى ده. صدقيني، كنت فاكر إني كده صح، وهقدر أخليها تتجوزني... بس نسيت إنه نصيب.

نظرت له بغضب، ثم قالت:
ــ كنت عاوزة أروح لأخويا أشتكي أدهم... دلوقتي بقيت مش عارفة أشكي على إيه غير على خيبتي في تربيتي.

قالت ذلك وغادرت الغرفة.
ظلّ ينظر إلى أثرها، وعقله يضجّ بالحقيقة التي لم يتوقع يومًا أن يعلمها أدهم...
فحبل الخفاء كان أقصر مما تخيّل.

أقسى الندم أن تكتشف متأخرًا...
أنك كنت أنت الكارثة في حياة من أحببت.
ــــــــــــــــــــــــ

في حيِّ الدرب الأحمر، وداخل شقته، كان مستلقيًا على الفراش ينظر إلى الهاتف بضيقٍ بعدما شاهد ذلك الفيديو الذي نشرته بتلك الملابس.
ألقى الهاتف إلى جواره، بينما كانت علامات العبوس ترتسم على قسمات وجهه. لم يكن يعلم سبب هذا الاختناق الذي يجتاح صدره فلتفعل ما يحلو لها؛ هي وحدها من تُلحق الضرر بنفسها، وبكامل قواها العقلية ومع ذلك، كان يختنق حقًّا كأنه المسؤول عمّا تفعله من تصرّفات طائشة حاول أن يهرب من هذه الفكرة، لكنه لم يعد يحتمل حمل همٍّ فوق همه وكأنَّ صدره صار سجنًا ضيّقًا، كلّما حاول الهروب منها وجدها تسكنه أكثر.
ـــــــــــــــــــــــــ


جاء الصباح عليهم، خرج عمران من غرفته ليدلف إلى غرفة أخيه يريد أن يلقي نظرة عليه، لكنه استغرب؛ إذ كان يجلس على الفراش. اقترب قائلًا:
ــ صاحي بدري ليه؟

أجاب بهدوء:
ــ يمكن لأني قضيت امبارح نوم.

جلس أمامه ينظر إليه، ثم قال:
ــ قاعد هادي...

ليضيف بمزاح:
ــ لا سمعت صوت تكسير ولا تخبيط، مش واخد على كده منك يا عموري... فين العاصفة اللي أنا أعرفها؟

ضحك على حديثه، لينعدل عمران بجلسته ليكون بجواره، ورفع قدمه على الفراش ثم أردف:
ــ حاسك أحسن النهارده؟

أومأ له بنعم، ثم قال:
ــ يمكن بقيت أحسن في نظرك... بس معرفش إزاي هكون أحسن في نظر نفسي.

تنهد عمران، فحديثه يخيفه أكثر ويزيد قلقه عليه، هتف بهدوء:
ــ قولتلك لو عندك حاجة قولها، وأنا في ضهرك... مش هسيبك لا أنا ولا براء.

حاول التهرب من الإجابة قائلًا:
ــ هو فين براء؟

تفهم أنه استقصد أن يتذاكى عليه، فأجاب:
ــ تلاقيه مش فاضي... ربنا يعينه، جوز الاتنين بقى.

نظر إليه بعدم تصديق:
ــ بجد هو متجوز اتنين؟

أومأ بنعم، ثم قال:
ــ آه اتنين... عقبالك.

قال ذلك وهو ينغزه بخفة، يحاول أن يصلح علاقته به؛ فالغضب وإلقاء اللوم والعقاب لا يفيدون بحالته، فهو محتاج أن يشعر ببعض الأمان، وهذا ما يحاول عمران فعله. ليضحك الآخر على طريقته ويجيب:
ــ لا، مش هتجوز اتنين... حد قالك مستغني عن عمري؟

ليشاركه الآخر الضحك قائلًا:
ــ على كده بقى في واحدة في حياتك، صح؟ قول قول... مش تتكسف، إحنا إخوات زي بعض.

نظر له ثم شرد بأهله؛ كانت المواقف تمر بعقله كشريطٍ زمني من أول مقابلة إلى أن توقف عقله عندما أطلق الرصاصة... ليفيق من شروده على يد أخيه الذي يعيد سؤاله للمرة الثانية:
ــ يلا رد... في حد في حياتك؟

تنهد بثقل، ثم أجاب بلا روح:
ــ لا... مفيش حد.
ــ متأكد؟

هكذا ألقى عليه السؤال بعد أن أحس بالعكس، لكنه ظل على موقفه:
ــ لا... لو فيه هخبي ليه.

أومأ بعدم اقتناع، ليحاول استدراجه بخفة:
ــ بما إن دي أول مرة نتكلم زي أي اتنين طبيعيين... ممكن تحكيلي عن نفسك شوية؟

نظر إليه بعدم فهم:
ــ عاوز تعرف إيه؟

ثم أضاف:
ــ معنديش حاجة أحكيها أكتر من اللي أنت عرفته.

تفهم أنه ليس من السهل سحب الحديث من داخله؛ فهو ليس هينًا كما يبدو، فأردف عمار متسائلًا:
ــ اللي اسمه أيوب ده يقربلنا إيه؟ مش تقول إنه أخويا هو كمان؟

ضحك عمران على تفكيره، نافيًا مسرعًا:
ــ لا لا، هو مش أخونا ولا حاجة الحمد لله... بس مقدم في أمن الدولة، وبسبب مشاكل أنا فيها مع ناس كبار في أمريكا، متواجد معايا هنا لفترة صغيرة.

تنهد عمار براحة قائلًا:
ــ كنت فاكره قريبنا بجد هو شخصيًا لا يُحتمل.

أومأ عمران مؤكدًا:
ــ عندك حق في دي جدًا.
ــ والله؟

هكذا قال أيوب الذي دلف للتو؛ فعمران عند دخوله ترك الباب مفتوحًا، لذلك كان من السهل سماعهم عندما كان يبحث عنه خوفًا من أن يكون قد غادر مرة أخرى وحده. أردف عمران بتهكم:
ــ أكدب يعني؟ أنت فعلًا لا تُحتمل نهائيًا.

توقع أن يثور ويغضب، لكنه قابل حديثه ببرود، يقول بنبرة ساخرة:
ــ هو أنا مقولتلكش... أنا السيّئ في حياة الجميع.
2

ابتسم عمران يجيب:
ــ ده اكيد طبعا مفيهاش كلام

القاه بنظره ساخرة ليغادر الغرفة ليتمتم عمار بهمس:
ــ سمج
ــــــــــــــــــــــــ

داخل بيت الزيني، وداخل غرفتها، كانت تقف أمام المرآة بعد أن تجهّزت للذهاب إلى المشفى. التقطت حقيبتها وخرجت من الغرفة، لتقع عيناها على مهاب الجالس يحتسي الشاي.
تساءلت بهدوء:
ــ هو براء فين؟
أجابها دون أن يرفع عينيه عن الكوب:
ــ مع هند جوّه.
أومأت له، ثم ألقت نظرة سريعة نحو الغرفة قبل أن تجلس على الأريكة، والضيق يكسو ملامحها.

في الداخل، كان براء قد أنهى استعداداته أيضًا. ألقى نظرة على هند، التي كانت تقف بجواره، عاقدة ذراعيها، تنظر إليه بضيقٍ واضح.
أردف مستفهمًا:
ــ ممكن أعرف مالك؟

أجابت بحدةٍ:
ــ يعني إنت مش عارف؟ سيبتني نايمة ومشيت! صحيت ملقتكش جنبي... هو مش إمبارح كان يوم خاص بيا أنا؟

التقط متعلقاته، ثم نظر إليها:
ــ هند، خلاص... محصلش حاجة لكل ده. ماكنتش ليلة يعني.

قالها وغادر الغرفة، لتظل واقفة تنظر إلى أثره، تتمتم بتوعّد:
ــ ماشي يا براء... بكرة أخلّص منها. واضح إن الست سكن ما خدتش قلبك بس... ده خدت عقلك كمان.

في الخارج، نظر إلى سكن قائلًا:
ــ خلصتي؟

أومأت برأسها، وهمّت لتنهض.
خرج حمزة من الغرفة في تلك اللحظة، فهتف براء:
ــ إيه؟ ما روحتش الكلية ليه؟

أجاب وهو يجلس:
ــ ما عنديش محاضرات مهمة. هفطر وأنزل مع مهاب المحل.

ابتسم له برفق:
ــ اللي تشوفه يا حبيبي. أصلًا كنت عاوز أتكلم معاك... خليها بالليل لما أرجع.

أومأ له بابتسامة، بينما أمسك براء يد سكن قائلًا:
ــ يلا.

ابتسمت له ومضت معه. خرجا من الشقة، وهبطا إلى الأسفل. فتح لها باب السيارة لتجلس، ثم أغلقه، واتجه إلى مقعد القيادة، وأدار المحرك.
وبينما كانا يشقان طريقهما خارج السيدة زينب، قال بهدوء:
ــ أبقى أعدّي أخدك لما تخلصي شغل.

نظرت إليه معترضة برفق:
ــ بلاش تتعب نفسك هرجع في المواصلات.

ابتسم، وهو يمد يده يمسك يدها:
ــ تعبك راحة على قلبي.

ثم رفع يدها، ولثم كفها برفق.
احمرّ وجهها خجلًا؛ فكثيرًا ما يقول كلماتٍ تعجز أمامها عن الرد، فلا تجد حديثًا يليق بحديثه، ، ولا قلبًا يضاهي دفء قلبه.

"وفي حضرةِ قلبٍ يُحبُّكَ بصدقٍ، يصبحُ التعبُ طمأنينة، وتغدو الحياةُ أخفَّ مما كانت"

ترجَّلت من السيارة لتدلف إلى الداخل، وكاد هو أن يُدير المحرّك وينصرف، غير أنه انتبه فجأةً إلى أنها قد نسيت هاتفها. التقطه سريعًا، ثم ترجَّل من السيارة ودلف خلفها.
في الداخل، كانت تسير مُخفِضةً بصرها، تحاول تجنّب الجميع. كانت تلك أول مرة تأتي إلى هنا منذ آخر موقف تعرّضت له. وبينما هي غارقة في أفكارها، قطع طريقها صوتٌ مألوف:
ــ المستشفى نورت.

رفعت إليه نظرها قائلة بهدوء:
ــ شكرًا.

كادت أن تمضي، لكنه أوقفها مردفًا:
ــ سكن... أنا آسف.

نظرت إليه بعدم فهم:
ــ بتتأسف على إيه يا وليد؟
ابتلع ريقه، وأدرك أن أدهم لم يُخبرها بما حدث. تنحنح مستعدًا للرد، لكن براء كان قد اقترب، وعلامات الضيق بادية على وجهه. نظر إلى سكن ومدَّ يده بالهاتف:
ــ نسيتي موبايلك.

أخذته منه قائلةً:
ــ افتكرت إنه موجود في الشنطة.

أجاب بهدوء:
ــ حصل خير.

ثم وجَّه نظره إلى وليد متسائلًا:
ــ حاسس إني شوفتك قبل كده؟

زاغ وليد بنظراته بينهما قبل أن يجيب:
ــ فعلًا، اتقابلنا في بيت سكن ساعة الظرف اللي حصل

ثم مدَّ يده قائلًا:
ــ أنا وليد ابن عمتها.

صافحه براء متسائلًا:
ــ بتشتغلوا هنا مع بعض؟

أومأ وليد مجيبًا:
ــ آه، بس أنا طب بشري قسم جراحة، إنما هي

قاطعه براء بحدّة:
ــ قسم نفسي أكيد عارف مراتي بتشتغل إيه، مش مستني منك تعرفني.

أنهى حديثه بتلك النبرة الحادّة، فتنحنح وليد بحرج، ثم استأذن وانصرف.
لينظر براء إلى سكن قائلًا:
ــ متعود يتكلم معاكي؟

ثم أضاف بنبرة أخف:
ــ عارف إنه قريبك... بس

قاطعته سريعًا:
ــ متقلقش، في حدود حتى لو قريبي.

ابتسم لها، فقد فهمت ما لم يُكمله. أردف بهدوء:
ــ خلي بالك من نفسك

قالها ثم غادر، لتتنهد هي وتُتابع سيرها. دلفت إلى مكتبها، تتأمله باشتياق ها هي قد عادت إلى عملها من جديد.
ـــــــــــــــــــــ

داخل عمارة الزيني وفي الطابق العلوي كانت تجلس بصحبة والدتها تسرد عليها ما حدث لتنهي حديثها بتأففٍ واضح:
ــ المزغودة قدرت تقنعه إنه يخليها تشتغل، لا وحظها كان حلو امبارح ومشربتش العصير، قال إيه؟ مش بتحب الجوافة!

قالت آخر حديثها وهي تقلدها بطريقة ساخرة، ثم أضافت بحقدٍ دفين.....
ــ بس صبرها عليّا، نزولها الشغل ده في صالحي وسهّل عليّا اللي بخطط له، وبقى أسهل مما أتخيل. مبقاش أنا هند الزيني إن ما خليت براء ذات نفسه هو اللي يطردها ويطلقها ويعرف الفرق كويس أوي.

طالعتها والدتها بضيقٍ واضح، فهذه هي ابنتها وقد تمكّن الشر منها، باتت تصمت على أفعالها خوفًا عليها معتقدةً أن صمتها سيصلحها، لكنها لم تدرك أنها بذلك كانت هي من أفسدها.

ــــــــــــــــــــ

كان يجلس داخل الغرفة غارقًا في أفكاره، ماضيه الذي بات مُلاحقًا لحاضره، ليُغرق عقله داخل دوامةٍ يغوص بها، مسترجعًا مشهدًا آخر... حين كان يجلس وحده، فأتاه أصدقاؤه ليجلسوا بصحبته، ليهتف أحدهم:
ــ إيه يا عمّنا؟ بقيت كارف لينا ولا كأننا موجودين؟ هو إحنا مش صحاب برضه؟
أغلق الكتاب الذي بين يديه، ثم نظر إليهم مجيبًا:
ــ مش كده، بس أنا مركز في الدراسة، وإنتوا عارفين أنا في كلية طب، محتاجة مذاكرة كتير وتركيز.
نغزه أحدهم بخفة، هاتفًا:
ــ مش تحور علينا... إنت بعدت عشان البت الجديدة اللي بتعلّقها، صح؟
غضب من حديثه قائلًا:
ــ اتكلم عنها بأسلوب أحسن من كده... وكمان أهله مش شبه البنات اللي عرفتهم.
ليردف الآخر بضيق:
ــ إنت نسيت يا صاحبي ولا إيه؟ إنت قربت من البت دي عشان تجيب حق القلم اللي ضربتهولي والبهدلة اللي بهدلتها لي قدام كل الطلبة!
قال ذلك لؤي... نعم، هو نفسه لؤي الذي يتحدث مع نور تحت مسمى الصداقة. نظر إليه عمار قائلًا:
ــ إنت لسه ما نسيتش؟ بصراحة يا لؤي أنا تراجعت عن اللي قولته. أهله مالهاش علاقة بالبنات اللي نعرفهم. انسى بقى، عشان أنا مش هعمل لها حاجة.
ضحك الآخرون على حديثه، ليهتف أحدهم:
ــ عمار شكله وقع في حبها يا لؤي! بدل ما يجيب حقك حبّها!
ثم نظر إليه مردفًا:
ــ بس بصراحة ليك حق... البت تستاهل برضه بشوكها.
نهض وأمسك بتلابيب ملابسه قابضًا عليه، وصاح بغضب:
ــ بقولك إيه... ما تجيبش سيرتها خالص، فاهم؟
دفعه بضيق، ثم أخذ متعلقاته يتمتم بنفاد صبر:
ــ كان عندها حق لما طلبت مني أبعد عنكم.
قال ذلك وكاد أن يذهب، لينهض لؤي الذي لمح أهله تجلس مع أصدقائها يذاكرن في مكان قريب، ليعلم أنها فرصته، فهتف بنبرة مرتفعة:
ــ في إيه يا عمار؟ إنت نسيت إنه كان رهان بينا؟ إنت قولت هتخليها تحبك عشان تجيب لي حقي، وبصراحة عملتها يا صاحبي... وهي حبتك فعلًا!
نظر إليه بضيق وكاد أن يرد، لكنه تعلثم عندما وقع نظره عليها، فقد تناسى أنها تجلس على الطاولة المجاورة.
نهضت واقتربت منه، تردف بعدم تصديق:
ــ رهان؟
أردف لؤي مؤكدًا لها:
ــ آه رهان... عشان يجيب لي حقي منك لما بهدلتيني. ولا نسيتي؟
حاول أن يُنقذ الموقف قائلًا:
ــ أهلِه صدقيني، ده كان في الأول، إنما بعد كده أنا...
صرخت به بغضب:
ــ إنت تسكت خالص! إنت أسوأ إنسان قابلته! يعني كل كلامك ليا كان كدب وتمثيل عشان تاخد حق صاحبك؟ وأنا الهبلة اللي صدقتك، صح؟
حاول التحدث معها:
ــ أهلِه أنا هفهمك، أنا بس كنت...
ارتدت خطوة إلى الوراء قائلة:
ــ أوعاك تفكر تلمسني حتى، فاهم؟ أنا بجد مصدومة فيك.
قالت آخر حديثها وهي تبكي، ثم حاولت التقاط أنفاسها، لتقترب إحدى صديقاتها:
ــ أهلِه، خلينا نمشي يلا.
أردف عمار بقلق وهو يشاهد حالتها:
ــ شكلها تعبانة... خلينا نوديها المستشفى.
صاحت صديقتها بغضب:
ــ هي عندها ضيق تنفس، وطبيعي تتعب بعد اللي سمعته. وهي مش محتاجة مساعدتك، بس ابعد عنها وملكش دعوة بيها!
أمسكت بيد صديقتها وغادرت، لتُلقي عليه نظرة ستظل محفورة بداخله مهما مرّ الوقت.
نظر إلى أصدقائه قائلًا بمرارة:
ــ عجبكم كده؟ إنتوا أسوأ ناس عرفتها... مش عاوز أعرفكم تاني.
عاد من شروده عندما فُتح الباب، فدلف براء قائلًا بابتسامة:
ــ طمني عليك... شكلك أحسن بكتير من آخر مرة شوفتك.
جلس أمامه ليجيبه الآخر:
ــ أنا فعلًا أحسن، الحمد لله.
أردف متسائلًا:
ــ قاعد لوحدك ليه؟ اطلع اقعد مع أخوك بره بدل قعدة الأوضة دي تخنق.
امتعض وجهه مجيبًا:
ــ مش طايق اللي اسمه أيوب، فخليني هنا أحسن.
تنهد براء قائلًا:
ــ والله ما حد طايقه، مش إنت لوحدك، بس معلش استحمله... وجوده مؤقت.
ــ ده اللي مصبرني عليه.
قال ذلك ثم نهض قائلًا:
ــ قوم يلا اقعد معايا بره، هو أساسًا ميقدرش يكلمك.
أومأ له، ثم نهض معه ليخرجا من الغرفة. جلسوا، ليهتف أيوب بسخرية:
ــ أخيرًا خدت إفراج يا عمار!
ــ هو كان محبوس؟
قالها عمران الذي جلس للتو، ليجيبه براء:
ــ هو سيادة المقدم مش عارف ينقي كلامه.
ليجيبه عمران وهو يلتقط كوب القهوة:
ــ طريقته طريقة سجون... اتعودوا على كده.
ترك أيوب الهاتف متسائلًا:
ــ خدتوني كبري ولا إيه للدرجادي؟ فارسكم، صح؟
أردف براء:
ــ وجودك لوحده كاتم على نفسنا.
ابتسم بتهكم يحدق به مجيبًا:
ــ كاريزمتي إنتوا مش قدّها.
ثم نهض قائلًا:
ــ بما إنكم لميتوا الشمل، هوصل مشوار وارجع.
ثم نظر إلى عمران:
ــ لو طلعت من البيت عرفني.
ليغادر، لينظر براء إلى عمران متسائلًا:
ــ مستحمله إزاي؟
ــ بحاول... أعمل إيه؟
قال ذلك، ليتنهد براء ثم نظر إلى عمار قائلًا:
ــ مالك؟ ما نطقتش بكلمة واحدة. أنا مش طلعتك عشان تفضل ساكت.
وزّع نظراته بينهم ثم قال:
ــ أنا عاوز أعرف هخرج إمتى. زهقت من الحبسة دي... عاوز أمشي.
نهض عمران يصيح به بغضب:
ــ تمشي تروح فين؟ عاوز ترجع عند أمك تاني؟ الحكاية دي تنساها تمامًا، فاهم ولا لأ؟
هتف الآخر بضيق:
ــ مش فاهم، وهرجع، عشان إنت مش هتقرر أعيش فين.
كاد أن يقترب أكثر منه، ليتوقف براء في المنتصف بينهما قائلًا بضيق:
ــ بس بقى، في إيه؟ هتتخانقوا؟
ثم نظر إلى عمران:
ــ اقعد مكانك يا عمران، هتمد إيدك عليه قدامي؟
أردف عمار ساخرًا:
ــ يعني لو من وراك مفيش مشكلة؟
ابتسم براء على حديثه ليهتف:
ــ لا طبعًا، اقعدوا ووحدوا الله، مش كل حاجة تتخانقوا عليها.
جلس كل منهما، ليهتف عمران بضيق:
ــ هو اللي عصّبني، مش شايف طريقته عاملة إزاي؟
ثم نظر إليه مردفًا:
ــ لازم تفهم، مدام قولت ملكش رجوع عندهم يبقى خلاص خلصت.
كاد أن يرد، ليوقفه براء قائلًا:
ــ عمار، خلاص.
نهض يصيح بضيق:
ــ خلاص إيه؟ أنا مش صغير عشان يقرر عني أعيش فين!
ثم ذهب إلى الغرفة وصفع الباب خلفه.
نظر عمران إلى براء بغيظ قائلًا:
ــ هو مش بس محتاج يبطل، ده محتاج يتعاد تربيته من أول وجديد.
زفر براء بدوره وقد سئم من كل ذلك، وأردف بهدوء:
ــ عمران، مش كل حاجة تتاخد بالخناق. قولتلك جرّب تصاحبه، بلاش تكابر بقى.
أردف بنفاد صبر:
ــ حاولت أصاحبه، اتكلمت معاه كذه مرة، بس قلبي بيقولي إن الواد وراه حاجة أكبر والموضوع مش موضوع ديلر وإدمان وبس، لا ده أكبر من كده بكتير. وسكوته وحرصه بيأكدوا لي ده. بس خلاص خلقي خلص، مش هفضل أطبطب كتير. لازم يصارحني يقول اللي عنده، عشان لو في إيدينا نلحق حاجة نلحقها.
نظر إليه براء بضيق، فقد أقلقه حديثه كثيرًا. فكرة أن عمار يُخفي شيئًا تعني أن الأمر بالفعل أكبر مما علموه. غرز يده في شعره يشده بنفاد صبر، ثم نهض ودلف إلى الغرفة قائلًا:
ــ عمران بيقول إنك مخبي حاجة... لو كده اتكلم وقول مخبي إيه، خلينا نلحق نتصرف.
1

حاول عمار التهرب، هاتفًا بثقة:
ــ مش مخبي حاجة اللي عندي قولته هيكون في إيه مخبيه؟
1

ثم نهض وتوقف أمامه مردفًا:
ــ كل اللي بطلبه إني أخرج، اتخنقت من الحبسة دي محتاج أرجع لحياتي.

ــ اللي هي إيه بقى؟
قالها عمران الذي دلف، ثم أضاف بتهكم:
ــ رد عليّ، فين حياتك اللي عاوز تخرج ليها؟ ماما اللي مش سألت عنك؟ ولا صحابك اللي شبهك؟ ولا عاوز ترجع توزع مخدرات تاني؟ ولا الصنف وحشك؟

ثم ارتفعت نبرته يهتف بغضب:
ــ يلا رد عليّ! أنهي حياة فيهم اللي عاوز تخرج ليها؟

هتف الآخر ببرود:
ــ أنا فعلًا عاوز أخرج لكل دول.

نفد صبر عمران، فانقضّ عليه ينهال عليه بالضربات، ليحاول براء إبعاده عنه، ثم دفعه بعيدًا ونظر إلى عمار قائلًا:
ــ قوم معايا، خلينا نمشي.
1

أردف عمران بغضب:
ــ وخده على فين؟ هو مش هيخرج من هنا!

نظر إليه براء قائلًا بإرهاق:
ــ كفاية بقى، أنا تعبت. هلاقيها منكم ولا من البيت ولا مشاكل جوازي؟ هتجننوني! هاخده بره نتكلم شوية بعيد عن عصبيتك، عشان أنا مش عارف أتكلم معاه كلمتين على بعض بسببك.

ثم نظر إلى عمار:
ــ اخلص غير هدومك، مستنيك بره.

ليغادر الغرفة، لينظر عمران إليه متوعدًا قائلًا:
ــ اصبر عليا، كلامي معاك لسه ما خلصش.

ثم خرج هو أيضًا، لينظر إلى براء متسائلًا:
ــ هتخدوه ورايح فين؟

تنهد ثم أجاب:
ــ هاخده أتكلم معاه بره.
ــ على أساس هتعرف تطلع الكلام صح؟
قالها بسخرية، لكن تحولت نظراته إلى الصدمة عند إجابة أخيه:
ــ هطلع الكلام فعلًا، عارف ليه؟ عشان هنا كل ما أحاول أخليه يتكلم هتدخل دخلتك وترجعني لنقطة الصفر تاني، فيفضل ساكت وعلى فكرة دي طريقة مجربة... بتعامل بيها مع مهاب وحمزة لما يرفضوا يتكلموا، لما أحس إنهم عاملين مصيبة.

أومأ عمران بتفهم، ثم قال:
ــ مهاب وحمزة بيعملوا مصايب برضه؟
ــ ده أكيد.
هكذا أجاب براء ليتابع:
ــ بس مش زي عمار. ده عدى ليفل المصايب. إنما مهاب آخره لما أقول عامل مصيبة يكون متخانق وضارب حد، يبقى كده عمل مصيبة بالنسبة لي.
ــ عندك حق.
قالها عمران، ليخرج عمار، فأردف براء:
ــ يلا خلينا نمشي شوية من البيت الكئيب ده.

ذهبوا، وبقي عمران ينظر في أثرهم، ثم تمتم:
ــ ربنا يستر... يا رب ما تكون واقع في حاجة أكبر. ربنا يخيب ظني فيك.
1

بعضُ الرهاناتِ لا نخسرها حين تنكشف بل حين نكتشف أننا كنّا نحن هذا الثمن.
ـــــــــــــــــــ

داخل عمارة الزيني، وفي الطابق الثاني، بأحد الغرف، كانت تجلس بجانب ابنتها، ثم أردفت برجاء:
ــ فريدة... عشان خاطري قولي أي حاجة... ردي عليا... ريحي قلبي.

أشاحت بوجهها بعيدًا، لتتنهد أميرة بحزن. كانت تريد استرجاع فريدة التي تعرفها؛ تلك الطفلة المرحة التي لا تفارقها الابتسامة ولا صوت الضحكات الذي كان يملأ البيت. أما هذه العابسة الصامتة، فليست ابنتها التي كانت تضفي على المكان حياة.

ـــــــــــــــــــ

أوقف السيارة بعد قليل، ثم نظر إليه:
ــ تعالا نصلي العصر وبعد كده نتكلم.

أومأ على مضض، فترجلا من السيارة. نظر براء إلى ملامح أخيه؛ علامات التردد بادية على وجهه، فدفعه ذلك للتساؤل، إذ بدأ يتوقع أن هناك شيئًا أكبر:
ــ عمار... بتعرف تصلي؟

أومأ بنعم، ثم قال:
ــ عندي فكرة عن الموضوع ده.

كم كان يتمنى أن ينغمس في الضحك لا سخرية، بل دهشة من هذه الخيبة التي يراها في أخيه. قال وهو يسير:
ــ طيب كويس... أنا برضه هقولك ملخص سريع قبل ما نتوضأ.

قالها بقلة حيلة. لو أخبره أحد يومًا أنه سيعيش هذا الموقف، لضحك بصخب لكنه الآن بداخله شعور مختلف.
بعد قليل، انتهوا من الصلاة، خرجوا من المسجد ساروا بجانب بعضهم، وقد ترك السيارة تصطف أمام المسجد وفضل أن يسير معه. قال بهدوء:
ــ مش عاوز تتكلم معايا؟ أنا خرجتك من البيت وبعدتك عن عمران... قول اللي جواك. عمار، لازم تفهم إني خايف عليك وقلقان تكون واقع في مشكلة أكبر من اللي عرفناه. صارحني وأنا معاك.

نظر إليه عمار بتردد وظل صامتًا، فتابع براء يحاول فتح باب الحديث:
ــ لما بحاول أقارن تصرفاتك بتصرفات إخواتك بلاقي فرق كبير. بس أنا بعذرك. مهاب وحمزة كبروا على إيدي من زمان. كنت متابعهم، وصاحبهم. لو غلطوا كانوا بيسألوني. لكن أنت ما كانش عندك ده عشان كده بحاول أفهمك. لو في حاجة، قول عشان نلحقها قبل ما فوات الأوان.

توقف عمار عن السير، ونظر إليه:
ــ لو قلتلك اللي عندي مش هتقدر حتى تبص في وشي.

نظر إليه براء بعدم فهم، يختلط القلق بملامحه:
ــ احكي... افتح قلبك. مش هقدر أوعدك إني هكون ثابت، بس أوعدك إن مهما كان اللي هتقوله أنا في ضهرك.

تردد عمار لحظة، ثم قال:
ــ راشد العمري... حرفيًا دمرني.

ظل براء صامتًا يستمع، تاركًا له المجال ليكمل. فتابع عمار:
ــ أهله الشهاوي البنت الوحيدة اللي حبيتها بجد من وسط اللي كنت فيه. كل حاجة كانت ماشية تمام، وبسببها غيرت حاجات كتير فيا للأحسن.

صمت لبضع ثوانٍ ثم أضاف، وصوته يحمل ثقلًا:
ــ اليوم ده مش عاوز يطلع من دماغي عامل زي وصمة هتفضل ملاحقاني.
ــ يوم إيه؟

هكذا تساءل براء بهدوء، فرفع عمار نظره إليه وقد غمره شيء من التردد. لم يكن الحديث سهلًا، لكنه شعر أن براء أقرب إليه من عمران، فقرر أن يبوح.
أردف أخيرًا:
ــ أنا معرفتش أصون الحب ده هو أتلوث بسببي، هما حبوا ينتقموا مني أنا؛ عشان بعدت عنهم. مكنتش أعرف إني هكون السبب في تدمير حياتها.

صمت لوهلة، ثم تابع:
ــ هما حاولوا يبوظوا علاقتنا، بس أنا صلحتها.

شرد في الماضي، واسترجع ذلك اليوم الذي اقترب منها فيه:
ــ أهله عاوز أتكلم معاكي.

نظرت إليه بغضب:
ــ في إيه؟ لتكون عامل رهان جديد مع صحابك؟

أجابها بسرعة، وكأنه يتمسك بأي خيط يبرئه:
ــ لو سمحتي متقوليش كده. أنا مش هنكر إنك كنتي بالنسبة لي كده في الأول، بس بعدها تغاضيت عن الموضوع وحبيتك بجد. بعدت عن صحابي عشان طلبتي مني، ركزت في دراستي وبدأت أنتظم في أمور ديني عشانك، بلاش تهدمي كل حاجة.
قالت بحدة:
ــ إنت بتعمل كده عشان نفسك يا عمار، قبل ما يكون عشاني. مفيش حد بيحب يكون وحش.

كادت أن تذهب، فتقدم أمامها:
ــ أنا مستعد أكون وحش في نظر الدنيا كلها، إلا في نظرك إنتِ. صدقيني، مش يفرق معايا حد غيرك. يا أهله، أوثقي فيا. أنا بعد الترم ده هروح أتقدم لأخوكي.

تنهدت ثم أومأت:
ــ أنا هروح عشان أتأخرت.

كادت تغادر، لكنها توقفت وقالت:
ــ اثبتلي عشان أقدر أثق فيك. صعب أثق في حد بالذات لو كنت إنت.

تركته ومضت، فظل ينظر إلى أثرها، ثم غادر، يذهب إلى راشد فهو قد طلب إن يأتى له، وصل إلى الملجأ الخاص براشد العمري، وأوقف سيارته. ترجل وسار نحو المكتب. كاد يدلف، لكنه توقف حين سمع ما يدور بالداخل.
كان أحد رجاله يقول:
ـــ جهزت العيال اللي هنسفرها يا باشا، والعميل حول الفلوس على حساب البنك مباشرة.

أردف راشد:
ــ حلو أوي. خد العيال واطلع بيهم على الميناء. يدوب تتحركوا، ومش تلغبط. هما عشر عيال خمسة للعملاء هناك، وخمسة هيوصلوا للتجارة.

صدمة احتلته، ماذا يقول هذا؟ يعني أن هذا الملجأ ليس إلا وجهًا يداري به أعمالًا غير شرعية، بل ليست مجرد أعمال... إنها تجارة بأطفال ما زالوا يحاولون فهم هذه الحياة.
كاد أن يغادر، لكن الباب انفتح بعد أن رأوه من خلال الكاميرا وعلموا أنه يتصنت. ابتسم راشد وقال:
ــ تعالا يا عمار ادخل.

دلف وهو يوزع نظراته بينهم وبين الرجل. كان يريد الفرار ليبلغ عنه. نظر راشد وقال للرجل:
ــ روح انت اعمل اللي قولتلك عليه.

أومأ الرجل وغادر. نظر راشد إلى عمار:
ــ قولي بقى سمعت إيه؟
ــ مش سمعت حاجة.

قالها مسرعًا، فضحك راشد بصخب، فهو يعلم أنه يكذب:
ــ سمعت إيه؟ بلاش تتلاعب معايا... انت لسه صغير ومش عارف أنا ممكن أعمل إيه.

تنهد ثم قال:
ــ أنت طلبتني كنت عاوز مني إيه؟

نظر إليه راشد بتمعن:
ــ بترد السؤال بسؤال؟ جاوبني الأول... سمعت إيه؟

نفد صبره، فقال بغضب:
ــ أنا عرفت إنك أسوأ إنسان شوفته في حياتي كلها! بتاجر في الأطفال يعني الملجأ اللي فاتحه ده مش خير زي ما بتقول. ده وجهه لعملك... بس أنا مش هسكت! هبلغ عنك. ذنبهم إيه الأطفال دول عشان تعمل فيهم كده؟
1

صدح صوت هاتفه. أخرجه، كان أحد أصدقائه. فصل الخط، ثم حاول الاتصال مرة أخرى، لكنه لم يجب. نظر إلى راشد:
ــ اوعاك تكون فاكر إني هسكت. أنا لسه فاكر كل حاجة عملتها فيا ولو كان سكوتي ضعف وخوف، مش هسمحلك تستغل الأطفال.

جاءته رسالة أصدرت صوت إشعارًا، نظر بالهاتف:
«عمار اطلع على الشقة اللي بنسهر فيها بسرعة. لؤي ومصطفى خطفوا أهله وهي خارجة من الكلية. ولؤي مصمم ياخد حقه والفكرة كبرت في دماغه بعد ما قلت إنك بتحبها.»

أحس وكأن العالم يدور به. مصيبة أخرى يريد أن يلحقها الآن.
فتح الباب وركض، نادي راشد أحد رجاله:
ــ روح وراه عرفني في إيه. اوعاك يفارق عينك.

أومأ الرجل وذهب خلفه. كان عمار يقود بخوف، يتصل بأهله الهاتف مغلق في كل مرة. وضع الهاتف بجانبه وزاد السرعة محاولًا الوصول في أقل وقت.
توقف أمام العمارة. فتح التابلوه وأخذ السلاح الذي بداخله صعد الدرج على عجل، لا يعرف كيف كان يركض ولا كيف يضبط أعصابه. طرق الباب بغضب، لكن لا أحد يجيب ضربه الباب بقوة عده مرات مرة في أخرى حتى فُتح. دلف إلى الداخل كانت الصالة خالية، لكنه استمع الى همهمات تأتي من أحد الغرف، ركض مسرعًا فوجد مصطفى يرتدي ملابسه على عجل، وعلى السرير كانت أهله يدها مقيدة إلى أعلى بشباك السرير، وعلى فمها قطعة قماش تمنعها من الصراخ. نظرت إليه وهي تبكي بقهر، تحاول أن تصرخ بلا جدوى.

تجمد في مكانه كان صديقه يقف خائفًا ينظر له ليرفع السلاح وأطلق الرصاصة دوت أن يرمش له جفن، أصابت مصطفى فسقط ميتًا في الحال، وفي اللحظة نفسها ظهر لؤي من الخلف، فقد كان مختبئًا. حاول انتزاع السلاح منه، فتبادل الاثنان العراك، هذا يريد انزاع السلاح والآخر يقبض عليه لتخرج رصاصة أخرى وهذه المرة أصابت أهله نظر إليها بصدمة. تركه لؤي وهرب مسرعًا. ظل عمار واقفًا، عيناه معلقتان بها، غير قادر على تصديق ما حدث. في لحظة انقلب كل شيء.

جاءه أحد من الخلف وضربه بأداة على رأسه، ففقد الوعي على الفور. آخر ما رآه كان أهلها غارقة في دمائها.

نظر براء إليه بصدمه، كان يتوقع أنه يخبئ مصيبة أخرى، لكن ليس إلى هذا الحد. اتسعت عيناه وقال بزهول:
ــ وبعدين... إيه اللي حصل؟

ادمعت عيناه، ليتابع:
ــ لما فوقت مش لقيت غير راشد قدامي... لا كان فيه أهله ولا مصطفى... ولا حتى السلاح اللي قتلتُه به. وراشد هددني إني أسكت عن اللي عرفته.

أردف براء:
ــ وطبعا سكت.

نفى عمار قائلًا:
ــ مش سكت بس... أنا كمان اشتغلت معاه.

اتسعت عيناه بزهول؛ كم مصيبة يريد أن يسردها عليه؟ هتف بصدمة:
ــ اشتغلت معاه في إيه بالظبط؟

ابتلع ريقه ثم قال:
ــ هددني إنه هيقدم السلاح... ويدخلني السجن، وهيخلي لؤي يشهد ضدي كمان. مش بس كده... قال هيقول إني اعتديت عليها، ويدبسني التهمة. في الأول أنا رفضت... بس لما عرفت إن أهله دخلت في غيبوبة، وافقت على عرضه. اشتغلت معاه... وهو مش هيقدم بلاغ. واللي عرفته إنه خفى جثة مصطفى.

تنهد براء بثقل ثم هتف:
ــ وانت سكت خوفًا من السجن؟

أومأ له يجيب:
ــ مين هيشهد باللي حصل معايا؟ أهله في غيبوبة... ولؤي هيكون في صف راشد. اضطريت أسكت وطلب مني أشتغل معاه كمان... غصب عني، ماكنش بمزاجي.

كم كان يريد أن ينقض عليه بالضرب، لكنه امتثل الثبات ثم قال:
ــ يعني انت شغال ديلر لحساب جوز أمك؟

أومأ بنعم ليضيف:
ــ مش ديلر بس... أنا كمان اشتغلت معاه في تجارة الأطفال. الموضوع كبير مش مجرد تجارة أعضاء. فيه أطفال بيتنقلوا لبره عشان يتباعوا لرجال أعمال كبار هناك ماكنتش عارف حجم القرف اللي بيحصل كنت فاكرها تجارة، طلع الموضوع أبشع من كده.

ظل براء يتنفس بعنف يحاول السيطرة على غضبه كي لا يقتله بيده الآن. رفع يده، وانسدل بكفه على وجهه كصفعةً قوية لعلها تخفف نوبات الغضب التي تعصف به. صاح:
ــ أعمل فيك إيه؟! حتى القلم مش هيكفيك... قولي أعمل إيه؟ اتصرف إزاي في الحفرة اللي انت واقع فيها؟ قولي إزاي أنقذك من كل ده!
أنهى كلامه وهو يصرخ، فبكى الآخر... لا تبرير لديه، ولا قدرة على الدفاع عن نفسه أمام الحقيقة. جذبه براء إلى صدره وعانقه. ارتفعت شهقاته، فربت براء على ظهره وهمس:
ــ هتتحل... بإذن الله هتتحل.

كان عناقًا لا يبرئ الذنب، لكنه يفتح بابًا صغيرًا للأمل
الإنسان يسقط، لكن قيمته في قدرته على النهوض،
لا في بقاء قيود على روحه.

ـــــــــــــــــــ

كانت سكن قد عادت إلى البيت منذ وقت طويل، فذهبت تساعد أميرة في المطبخ. قالت:
ــ فريدة عاملة إيه النهارده؟

تنهدت أميرة بثقل:
ــ زي ما هي يا سكن... مش عارفة أعمل إيه.

هتفت سكن بمواساة:
ــ هتكون أحسن... معلش، الموضوع مش سهل. طبيعي يأثر على نفسيتها.

انهمرت دموع أميرة:
ــ وحشني صوتها... وحشني اسم «ماما» منها. معقول أكون بتمنى أسمعه من بنتي؟ الموضوع قهرني أوي.

عانقتها سكن:
ــ صدقيني هتتكلم... بس يلا نضغط عليها شوية. وانتي لازم تكوني قوية قدامها.

ابتعدت أميرة تمسح دموعها وأومأت لها.
في الخارج، كانت هند تراقب المكان. دخلت مسرعة إلى غرفة سكن، وكان بين يدها وردة حمراء وضعتها داخل حقيبتها بحيث يظل بعضها ظاهرًا، ثم خرجت سريعًا تتمتم بوعيد:
ــ اصبري عليا... الشك هو اللي هيخلق المشاكل بينكم، وده اللي هلعب عليه.

ـــــــــــــــــــ

دلف أيوب إلى الشقة ليوصد الباب خلفه، فأردفت والدته بلهفةٍ عاتبة:
ــ إيه يا حبيبي، بقى كده كل ده ومتيجيش؟

اقترب وقبّل يدها قائلًا:
ــ معلش يا ست الكل، شغل.

ثم أضاف:
ــ أعمل إيه؟ أنا جيت أبص عليكم وهخد كام غيار عشان شكل الموضوع مطوّل شوية.

ثم أردف متسائلًا:
ــ فين نور؟

أجابت وهي تنهض:
ــ في أوضتها. أنا هدخل أحضّر الأكل، هتتغدّى معانا قبل ما تمشي؟

أومأ لها، ثم اتجه إلى غرفة أخته. طرق الباب ودلف. استغرب أنها نائمة في هذا الوقت، فاقترب وجلس على الفراش، ثم أردف برفق:
ــ نور... نووور...

فتحت عينيها بانزعاج، ثم اعتدلت على الفراش لتعانقه قائلة:
ــ أيوب، بقالك كتير مجتش.

تلاعب بخصلات شعرها مجيبًا:
ـــ معلش، مشغول. طمّنيني عليكي وعلى المذاكرة عاملة إيه؟

ابتعدت قليلًا ثم هتفت:
ــ متقلقش، كله تمام.

أومأ بارتياح، ثم نهض قائلًا:
ــ هقوم أغير هدومي عقبال ما ماما تحضّر الغدا. قومي عشان تاكلي معايا.

ــ أوكي.

قالتها ليخرج من الغرفة. أمسكت رأسها ببعض الألم، ثم نهضت واقتربت من المكتب الصغير الذي تدرس عليه. فتحت الدرج الآخير، وأخرجت شريط برشام مأخوذًا منه حبات كثيرة. تناولت حبة، واحتست بعض الماء.
ليصدح صوت هاتفها. التقطته فابتسمت تلقائيًا، وأجابت واضعة الهاتف على أذنها، ليأتيه صوته:
ــ وحشتيني.

أردفت:
ــ وإنت كمان، بقالي فترة مش شوفتك.

هتف الآخر:
ــ معلش، مشاغل... بس علطول بالي مشغول بيكي يا نور.

ابتسمت ثم قالت:
ـــ لؤي، البرشام اللي إنت ادتهولي، أنا لما ببطل آخد منه راسي بتوجعني أوي، وكمان حاسة إني مبقتش بعرف أركز من غيره، وقرب يخلص.

أردف الآخر ببساطة:
ــ هجيبلك تاني ولا يهمك. البرشام ده يا روحي بيساعد على التركيز، عشان كده تلاقيكي خدتي عليه بس.

أردفت بتردد:
ــ وهي دي حاجة حلوة؟ أكيد لا.

هتف الآخر:
ــ متقلقيش يا حبيبتي، الموضوع بسيط، متشغليش بالك.

تنهدت ثم قالت:
ــ هقفل عشان أخويا هنا، باي.
قالت ذلك، وحذفت الرقم، وأغلقت الهاتف، وخرجت من الغرفة حتى تجلس معه.

كم هي ساذجة يتلاعب بها وقد وضعها على أول طريق الإدمان، وهي ما زالت مسلِّمةً له حياتها.

كانت تظنّه ملاذًا، وما كان إلا بابًا مفتوحًا على التيه
غير مدركةٍ أنّ الطرق التي تُضاء بالكلمات المعسولة
قد تنتهي بعتمةٍ لا يُنقذ منها أحد.
ـــــــــــــــــ

طُرِق الباب، فتوجّه عمران ليفتحه، ليجد براء وعمار يقفان أمامه. كاد أن يتحدّث، لكن عمار اندفع سريعًا إلى غرفته، أشبه بمن يفرّ من مواجهةٍ يخشاها، وأغلق الباب خلفه بإحكام.
تبادل عمران نظرةً سريعة مع براء، الذي ولج إلى الداخل وأغلق الباب، ثم جلس على الأريكة، وقد بدا عليه الإرهاق والتعب.
أردف عمران بفضول:
ــ قالك في إيه؟

نظر إليه، لا يعلم من أين يبدأ. ما قيل له ليس سهلًا أن يُحكى، لكنه يدرك أنه لا بد أن يعرف عمران كل شيء، حتى يكون معه في الصورة، وحتى يفكّرا معًا كيف يُنقذان أخاهما من تلك الحفرة التي أُغلقت عليه بإحكام.
تنهد طويلًا، ثم أومأ له بالموافقة، ليجلس عمران قائلًا:
ــ قال إيه؟
ظلّ براء صامتًا، لا يعلم ماذا يقول، أردف اخيرا:
ــ الموضوع اكبر من تخيلنا ليه عمار واقع واقعة
وغارز فيها يؤسفني اقولك فكرة أنه ديلر كانت اهون بكتيييير من اللي عرفته

انقبض قلب عمران بسبب حديثه الغير مُبشِّر، فأردف بقلقٍ ظاهر:
ــ قول في إيه، أنا هحاول ما اتفاجئش، لأن كلامك واضح إنه عامل مصيبة.

زفر براء بضيقٍ شديد، ثم أجاب:
ــ ياريت ده كلمة مصيبة قليلة أوي يا عمران، أنا مش عارف أبدأ منين ولا إزاي.

تنفَّس بضيق، فقد كان صدره يختنق منذ انتهى من حديثه مع أخيه. جلس أمام عمران يسرد عليه كلَّ شيء؛ وكلما أفصح عن تفصيلٍ جديد، اتَّسعت عينا الآخر صدمةً، كأنَّ مصيبةً تلو أخرى تُلقى فوق رؤوسهم دون رحمة.
أنهى براء حديثه أخيرًا، ثم قال بصوتٍ مثقلٍ بالحيرة:
ــ أنا مش عارف أعمل إيه.

نهض عمران يخطو يمينًا ويسارًا، يحاول استيعاب ما سمعه لتوِّه، لكن الكلمات كانت أثقل من أن تُحتمل. فجأةً ركل الطاولة بكل ما أوتي من قوة، فتناثر الزجاج في أرجاء المكان، واندفع نحو غرفة عمار. وضع يده على المقبض فوجده مُحكم الإغلاق من الداخل، فطرق الباب بعنف وهو يصيح:
ــ افتح الباب! ده أنت يومك مش فايت معايا!

في الداخل، كان عمار جالسًا ينظر إلى الباب في صمتٍ مشوبٍ بالترقُّب؛ فقد توقَّع ردَّ الفعل هذه، ولذلك أغلقه.
تقدَّم براء سريعًا وجذب عمران بعيدًا عن الباب، ثم قال محاولًا تهدئته:
ــ اهدى، مفيش حاجة هتتحل كده. فوق بقى! عاوز تعمل فيه إيه؟ تضربه؟ تموته؟

استدار إليه عمران بعينين تقدحان شررًا، وهتف:
ــ هو ده يكفيني فيه موته! ده بيشتغل مع راشد! يحط إيده في إيد راشد ويشتغل معاه! عارف ده معناه إيه؟ يعني بدل ما يلبس جريمة قتل بغبائه، لبس قضية تجارة أعضاء وتهريب أطفال وبيوزع مخدرات! ده لو كان راح اعترف على نفسه باللي عمله كان أهون من الوكسة دي! طب إيه رأيك بقى؟ هروح أقتل راشد!

كاد أن يندفع خارجًا، لكن براء أمسكه بقوة، ثم لكمه فجأة وهو يدفعه صارخًا به بنفاد صبر:
ــ خلاص بقى! جننتوني! هلاقيها منك ولا منه؟ عاوز تروح تقتله عشان أجري وراك إنت كمان؟! ده بدل ما تفكر في حل للمصيبة دي، رايح ترمي نفسك في مصيبة تانية!
ثم أضاف بنبرة أعلى وقد بلغ به الغضب مداه:
ــ خلصنا يا عمران! وقف غضبك ده وفكّر هتحل كل ده إزاي، عشان أنا خلاص طهقت! مصايبكم لا تُحتمل! يا عم فين أيام مصايب إخواتي اللي كان آخرها حد نسي يصلي فرضه ويتعاقب؟! ده إنتوا هتجننوني!

ثم أضاف بصوتٍ مبحوحٍ من شدَّة الانفعال:
ــ جناني على إيدك إنت وعمار! في بنت اتأذت بسببه!
ومش بس كده... تم الاعتداء عليها، والبيه ضرب عليها نار من غير قصد، غير صاحبه اللي مات! على الأقل البنت دي لو فاقت تثبت براءته في موضوع القتل لما تقول السبب. إنما شغله مع راشد؟ ده ملوش حل... خصوصًا إن واحد زي راشد، زي ما مسك عليه السلاح، أكيد ماسك عليه حاجات تانية تثبت إنه شغال معاه.
تنفس ثم هتف:
ــ إنتوا عاوزين مليون دماغ تشتغل لكم! أنا مش عارف إيه الدايرة اللي عمار واقع فيها... مش باين لها ملامح أساسًا!
اتجه نحو الأريكة يلتقط متعلقاته بعصبية، ثم قال وهو يتجه إلى الباب:
ــ أنا ماشي... دمي محروق ومش قادر أفضل هنا. وبلاش تروح تطلع عفاريتك عليه، عشان إنت برضه السبب في كل ده.

ثم أشار إليه بإصبعٍ متَّهم:
ــ لو كنت معاه، مكنش واحد زي راشد اتلاعب بيه بسهولة كده.

قال كلمته الأخيرة وغادر، صافِعًا الباب خلفه بقوة.
بقي عمران في مكانه، يضع يده حول رأسه، وأنفاسه تتسارع، وعقله يدور في دائرةٍ مغلقة لا يجد لها مخرجًا، يتساءل بداخله.
كيف يُنقذ أخاه من هاويةٍ سقط فيها بقدميه؟

ــــــــــــــــــــ

كان يجلس داخل مكتب المدير في مدرسة ناشونال الثانوية ينتظر أن يعرف سبب استدعائه. دلف المدير أخيرًا قائلًا:
ــ بعتذر عن التأخير يا دكتور.

أجاب بهدوء:
ــ ولا يهم حضرتك... بس إدارة المدرسة كلمتني، فجيت أفهم في إيه.

جلس المدير ثم قال:
ــ حضرتك كنت باعت الـCV بتاعك عبر الإيميل من فترة، وكنا منزلين إعلان محتاجين دكتور لقسم الرعاية الطبية.

أومأ بتفهم، محاولًا تذكر وقت الإرسال. تذكّر أن سكن هي التي أخبرته سابقًا أنها أرسلت الـCV لعدة أماكن. قال:
ــ بعتذر من حضرتك... أنا حاليًا بشتغل في مستشفى.

قاطعه المدير بهدوء:
ــ وإيه المشكلة؟ المدرسة محتاجة وجودك ساعتين آخر اليوم، ومفتكرش ده هيأثر على شغلك. وفي النهاية القرار ليك.

صمت أدهم يفكر. كان المدير محقًا؛ الساعتان لن تعرقلا عمله الأساسي. قال:
ــ أنا موافق... بس عاوز أعرف التفاصيل.

أخرج المدير العقد ووضعه أمامه:
ــ كل التفاصيل هنا.

تفحص العقد لبضع دقائق ثم رفع نظره:
ــ أنا موافق.

أمسك القلم ووقّع. ابتسم المدير قائلًا:
ــ مبارك عليك. تقدر تروح قسم الرعاية الطبية تشوف الوضع هناك.

أومأ أدهم وخرج من المكتب متجهًا إلى القسم، لكن الدوام كان قد انتهى سيبدأ عمله الحقيقي غدًا

ـــــــــــــــــــ

دلف براء إلى الشقة ثم دخل الغرفة ليبدّل ثيابه. جلس على الفراش، وما زال عقله مشغولًا بأخيه. لاحظ شيئًا يبرز من حقيبة سكن؛ وردة حمراء نصفها ظاهر. أخرجها ونظر إليها... وردة حمراء. تساءل بداخله من الذي أهداها لها؟ توقّع أنها من أحد أصدقائها في العمل بمناسبة زواجهم، فتركها على الفراش ونهض ليبدّل ملابسه.
دلفت سكن بعدما علمت بعودته، فقالت:
ــ حمدالله على السلامة.

أجاب بهدوء:
ــ الله يسلمك.

سألته بفضول:
ــ كنت فين؟ اتأخرت برا.

أجاب:
ــ كنت عند إخواتي.

انتهى من تبديل ملابسه ثم نظر إليها:
ــ يومك كان عامل إيه؟

ابتسمت له:
ــ كان حلو الحمدلله... مش متخيل الشغل كان وحشني إزاي.

أومأ لها ثم قال بهدوء:
ــ أهم حاجة إنك مرتاحة.

ليخرج من الغرفة. كادت أن تخرج خلفه، لكنها توقفت حين وقعت عيناها على الوردة. التقطتها، قربتها من أنفها بابتسامة هادئة، وظنّت أنه هو من أحضرها. أحضرت فازة صغيرة ووضعتها فيها.
عاد براء ليأخذ هاتفه، فتوقف عند الباب حين لمحها واقفة تتأمل الوردة بعينين هائمتين وهي تضعها في الفازة. ابتعد عن الغرفة بصمت، وقد تناسى أمر هاتفه، وعاوده السؤال من الذي أهداها الوردة؟ ولماذا لم يشعر بالارتياح تجاه قريبها الذي التقى به؟

وما بين الثقةِ والغفلةِ خيطٌ رفيع
إن انقطع، سقطنا دون أن نشعر.

ــــــــــــــــــ

كان عمران ما زال جالسًا على وضعه، ثم نهض أخيرًا وتوجه إلى غرفة أخيه، وطرق الباب برفق. لم يجب عمار، فطرق مرة أخرى وهو يقول:
ــ عمار... افتح الباب. مش هعمل لك حاجة... صدقني، ما دام قولت لك مش هقرب منك. افتح محتاج أتكلم معاك.

ظل صامتًا. تنهد عمران وطرق للمرة الثالثة:
ــ عمار، أنا لو عاوز أكسر الباب ده هكسره وأدخل أكسر دماغك كمان... بس أنا بقول لك افتح. محتاج أتكلم معاك بهدوء.

فتح عمار الباب أخيرًا. نظر إليه عمران ثم دخل وجلس على الفراش:
ــ تعالا اقعد.

تقدم عمار وجلس على مسافة منه، وكأنه يتحاشاه. فهم عمران ذلك، فتنهد بضيق:
ــ خايف مني؟ ومش خايف من كل المشاكل اللي أنت واقع فيها؟ يا أخي أنت داخل في مصيبة ورا التانية. موضوع إنك ديلر ده طلع حاجة على الهامش جنب اللي أنت فيه.

ثم أضاف:
ــ موضوع الملجأ... كنت بتروح مع الرجالة الميناء؟

أومأ عمار. تنهد عمران بضيق:
ــ نفسي أعرف عقلك كان فين وإنت بتوافق على تدبيسة زي دي وتسكت! فين قلبك وضميرك وإنت شايف اللي الأطفال بيتعرضوا ليه وساكت؟ بحاول ألاقي مبررات، بس بلاقي نفسي بلوم نفسي إني سيبتك توصل لكده.

استمع إلى أخيه، انهمرت عبراته، ثم أردف بحزن:
ــ أنا ندمان على اللي عملته... عارف إني كان لازم ما أسكتش، بس كنت أناني وخايف من السجن. هو استغل خوفي. صدقني، عمري ما تمنّيت أبقى كده. بس أنا مرعوب... مرعوب لحد النهارده؛ مش عارف إيه اللي هيحصل فيا بكره. اكتشفت إن راشد أسهل حاجة عنده القتل. كنت هتكلم بس مع مين؟ ماما عايشة في دنيا لوحدها، عمرها ما جت تسألني مالك؟ أنا اتعرضت لحاجات وأنا صغير... كنت بتمنى إنها تقعد معايا وتسمعني، بس عمرها ما حاولت تديني أهمية. ساعات بقول لنفسي خلاص أنا ضعت. وأخرتي إني هموت... يمكن ده آخره أي حد زيي سكت عن كل اللي حواليه. أنا بستحقر نفسي... بدل ما أحاول أتعدل، شربت كل حاجة وتعاطيت عشان أنسى اللي بشوفه وأنسى فكرة إني متستر على جرائم بتتحصل في حق عيال ملهاش ذنب.

علت شهقاته، فاقترب منه وعانقه قائلًا:
ــ كل حاجة هتتحل... اهدا. هتتحل. اللي لازم تعرفه دلوقتي إنك هترجع لراشد تاني وتقوله إنك كارهني؛ عشان كنت حبسك. لازم يفضل عنده ثقة فيك لحد ما ناخد السلاح، وكمان تمسك عليه كام حاجة تثبت شغله عشان نقدّمها. وساعتها هتبقى شاهد في موضوع الملجأ؛ عشان ده مش بسيط. صدقني، اعترافك بالقتل كان هيبقى أهون من إنك تقع في فخ زي ده، بس كله هيتحل. أنا معاك... اتفقنا؟
أنا مش عاوزك تعيط طول ما أنا على وش الدنيا.

أومأ عمار، ومسح دموعه ليبدو متماسكًا ثم قال برجاء:
ــ عمران... أوعى تتخلى عني. أنا مكنش ليا حد قبل ما ترجع إنت ولا يظهر براء. خليكم معايا متسبونيش.

ــ ده أكيد.

قالها مؤكدًا ثم أضاف:
ــ استحالة. لا أنا ولا براء هنتخلى عنك لغاية ما نطلعك من كل ده.

طرق الباب ليعلم أن أيوب قد جاء ، فتنهد. ونظر إلى عمار:
ــ امسح دموعك وبان طبيعي. عايش معانا ذئب مستني غلطة. وأنا مش هسمح إنه يلمسك؛ ساعتها أنا اللي هدخل فيه السجن.
1

ضحك عمار بخفة، ثم خرج من الغرفة، فتح عمران الباب. قال أيوب بضيق:
ــ إيه؟ ساعة عشان تفتح الباب؟

قال ذلك ودلف، فأغلق عمران الباب خلفه، ثم قال:
ــ كنت قاعد مع أخويا قاعدة أخوية. بس إنت جيت قطعتها علينا كالعادة.

أحيانًا يثقل القلب حتى يظن صاحبه أنه لن ينهض مرة أخرى.
لكن كل جرح يترك درسًا أصعب مما يتخيل.
ومع الوقت نفهم أن القوة لا تأتي من غياب الألم، بل من القدرة على الاستمرار رغم وجوده.

ــــــــــــــــــ

مر شهر عليهم؛ فمنهم من سيتخذ قرارًا مصيريًا، ومنهم من ستتبدل أفكاره، ومنهم من سيكشف المستور كثيرٌ مما سيحدث اليوم سيحوّل حياتهم... وسنعلم أسيكون إلى الأسوأ أم إلى ما هو أشدُّ سوءًا

كان يجلس على الأرض، متكئًا بظهره إلى الحائط، شاحبًا منهكًا. شهرًا قد مضُ عليه وهو حبيس هذه الغرفة الضيقة، لا يرى شمسًا ولا يسمع صوتًا من الخارج. لا يعرف أين هو، ولا كيف جاء إلى هنا، كل ما يدركه أنّهم يريدون منه مبايعة بلدٍ وخيانة وطنه.

لم يكن يريد ذلك، لكن الإنهاك قد نخرا روحه؛ شهرًا بلا نور ولا بشر، سوى ذلك الشاب الذي يدخل في توقيتٍ ثابت، يضع الطعام ويرحل في صمتٍ كأنه آلة، لا يجيب سؤالًا ولا يمنح نظرة.

لكن هذه المرة...سيتحدث، سيتفوه
سيقول ما يريدون سماعه فقط ليخرج من هذا القبر المظلم، ويطلب النجاة من أخيه.

دلف الشاب واضعًا الطعام كعادته، وما إن همّ بالمغادرة حتى هتف ابصوتٍ متحشرج:

ــ "أريد أن اقابل....دافيد لأمر ضروري"

توقف الشاب لحظة، أومأ برأسه وغادر. لم تكد تمر ثوانٍ حتى دلف دافيد، بابتسامةٍ واثقة ترتسم على ثغره، رمقه قائلا:

ــ "ماذا بك أيها الشاب؟ قل لي... أَلَم تُعجبك ضيافتُنا؟"

نهض أويس ببطء، حدّق فيه طويلًا، صمته كان أثقل من الجدران التى تحاوطه، ثم أجاب:

ــ قد سئمتُ كثيرًا من هذا المكان... أريد الخروج، وسأفعل ما تريد. كان معك كل الحق. لو بقيتُ هنا للعمر كله فلن يسأل عني أحد.
أنا معك يا سيد دافيد... أوافق على الانضمام اليكم، وسأفعل ما تطلب."

مدّ يده مصافحًا، فازدادت ابتسامة دافيد اتساعًا:

ــ "كنتُ أعلم أنك ذكي، وتعرف أين تكمن مصلحتك.
لانك منحتني موافقتك... تعال معي.
مكانك بالخارج الآن، لقد زال الحصار عنك أيها البطل."

تبعه خارج الغرفة، ليُصعق بما رأى؛ الشقة واسعة، مفروشة بكل شيء... إلا تلك الغرفة التي عاش بها شهرًا كزنزانة تطبق حوله.
تقدّم دافيد وفتح باب الشرفة ودلف، فتردد الآخر ثم تبعه، والدهشة ترتسم على ملامحه.

هتف دافيد وهو يشير إلى المدينة الممتدة أمامهما:

ــ "أهلًا بك في تل أبيب."
أنت هنا منذ أن اتينا بك... ومن اليوم ستكون أحد رجالها."

تيبس جسده.
يحاول استيعاب ما يلقيه عليه.
لم يكن يتخيل انه تحت رحمتهم.
كان يظن أنه سيخدعهم ويهرب... ليعود لأخيه، ليصرخ مستنجدًا به.

لكنه لا يعلم أنه في قلب المصيدة منذ البداية، وأنه لا يتذكر كيف أُخذ، ولا كيف وصل...
ولا يعلم أن خروجه الآن ليس بمثابة حرية، بل بداية الأسر الحقيقي له معهم

جلس في الغرفة، لتدلف رحيل وتضع أمامه جهاز اللابتوب. نظر إليها بغضب، لو كان بيده لقتلها الآن. أما عنها، فكانت تحاول التهرب من نظراته التي تخترقها.

أردف ديفيد:
"هناك أشياء نريد اختراقها، وأنت من سيفعل ذلك بالسيستم الذي تعمل به."

وزع نظراته بينهم، ثم نظر داخل الجهاز يفكر. هو لا يريد خيانة بلده، لا يريد فعل ذلك، لهذا سيوهمهم. ظل يفعل بعض الأشياء، ثم قال أخيرًا:
"غير قادر على أن أفعل ذلك، هم يضعون سيستم صعب الاختراق."

مال ديفيد بجزعه، ثم قال:
"إذن ستحاول مرة واثنان وثلاثة لتصل إلى ما أريد. بالتأكيد خائف على حياتك، أليس كذلك؟"

ابتلع ريقه، ثم أومأ له بنعم، قائلًا:
"سأحاول مرة أخرى."

قال ذلك، ثم سرب لهم بعض المعلومات التي تبقيه حيًا لبعض الوقت. لينظر له ديفيد بإعجاب، قائلًا: "هذا هو يا رجل، مازال أمامنا أعمال كثيرة قادمة."

لينظر إلى الرجال:
"اذهبوا به إلى مكاننا الخاص يا رفاق."

ثم نظر له:
"اعتذر منك، أويس، مازال لا يوجد لدي ثقة بك، لهذا ستظل حبيسًا تحت أعيننا."

أخذه الرجال ليذهبوا به إلى وكرهم، ليقوموا بحبسه داخل إحدى الغرف التي تشبه غرف المساجين، نعم، فهم يضعون بها الأسرى.
جلس وحيدًا يشعر أن الثقة قد انعدمت وأنه صار أسيرًا بالفعل، كيف انتهى به الطريق إلى هنا؟ وهل سيجد فرصة للخروج دون أن يفقد نفسه؟

نَعيشُ في عالَمٍ اختَلَطَ الحَقُّ بِالباطِلِ،
وَبَينَ كُلِّ هَذا نَبحثُ عَن أَنفُسِنا،
وَنَجِدُ الطَريقَ في ظُلمَةِ الواقِعِ،
فَنَستَمسِكُ بِالحَقِّ كَالطَودِ الراسِخِ لا يَميلُ.

قل لي: أيُّ مأزقٍ وضعتُ نفسي فيه؟
أهذه نهايتي... أم بدايةُ رحلةٍ أخرى؟
..
..
..

دلف مسرعًا إلى حجرةٍ صغيرة، ونظر إليه وهو يتلفت حوله خوفًا من أن يكون قد شاهده أحد. أردف مسرعًا وهو ينظر إلى الذي يجلس على الفراش، والبؤس يكسو وجهه، وقد نحف عن ذي قبل، والتهم الحزن والأسى ملامحه كما تلتهم السنوات من العمر.
صاح على عجل:
ـ هيا، انهض يا فتى، أنت لست شبيههم، هذا ليس مكانك.

نظر إليه بعدم فهم، نهض قائلًا:
ـ ماذا تقصد بحديثك؟

ابتسم إليه بخفوت، وكأن الذي أمامه ليس شبيهًا لهم، فهو يعرف كيف يبتسم، كم بدا عليه أنه اقترب من التناسي، كأن لو وُجد ابتسام في هذه الحياة.
اقترب الشاب خطوة ليكون مقابلًا له، وقال:
ـ سأساعدك على الفرار من هذا الجحر، فهذا وكر التعابين لا يليق بك، لعنهم الله.

جحظت عيناه بعدم تصديق، قائلًا:
ـ أليس أنت واحدًا منهم؟ أقصد... أليست ديانتك يهودية أيضًا؟

نفى حديثه مسرعًا:
ـ ليس كذلك.

ثم أردف بهمس:
ـ أنا مسلم مثلك يا فتى، هيا لا تضع الوقت، ليس مناسبًا أن تضيع فرصة أتتك على طبقٍ من ذهب.

ازداد عدم فهمه ليتابع هذا الشخص الذي يدعى يامن قائلًا:
ـ هيا يا أويس، لا يوجد وقتٌ للحديث.
ليخرج سكينًا من أسفل ملابسه ويوجهها له، ثم أردف:
ـ ستفعلها يا فتى.

رمش عدة مرات ينظر إلى هذا السكين الذي يوجهه له، متسائلًا:
ـ ماذا سأفعل؟
ـ ستطعنني.

ارتد خطوة إلى الخلف مشدوهًا، صاح بعدم تصديق:
ـ ماذا تقول؟ أتريد أن أطعنك؟ هل فقدت عقلك يا صاح؟ هل تعلم ماذا تقول؟

تجاهل حديثه، أمسك بكفه ووضع به السكين، ثم هتف:
ـ إذا أردت الخروج من هنا والفرار من هذا الوكر، افعل ما أقوله لك، فقط ثق بي. افعل ما أقول، اطعنني، واترك الباقي لي أنا.

نفى برأسه:
ـ لا، لا، غير قادر على فعل ذلك، تطلب مني أن أطعنك أيها المختل؟ تريد أن تضيعني، أليس كذلك؟

ابتسم الآخر ساخرًا:
ـ هل يوجد ضياع أكثر مما أنت عليه الآن؟

ثم أردف بنبرة حادة:
ـ فوق أيها الفتي، انظر حولك، أنت بتل أبيب، ماذا تنتظر؟ أجبني الآن، هل تعتقد أنه سيتم إنقاذك وأنت تجلس بمكانك؟ هذا ليس صحيحًا. لقد صرت تابعًا لهم، فعلت ما أمروك به بالإجبار، هل تريد خيانة بلدك؟

نفى برأسه قائلًا:
ـ بالتأكيد لا، ليس كذلك، لكنهم...

صمت، لا يعلم ماذا يقول، ليهتف الآخر متهكمًا:
ـ ثم ماذا؟ أأجيب عنك؟ أقول لك: لكنهم سيجبرونك؟ هيا افعل ما أمرتك به، اطعنني.
ـ لا أقدر أن...

ولكن بُتر حديثه عندما أمسك يامن بقبضته اليد التي تحمل السكين، وغرزها بقوة لتصيبه. شهق أويس بصدمة، ثم خفض نظره ينظر إلى يده التي تقبض على السكين وقد غرزها يامن بنفسه عنوة.
تأوه يامن بألم، ثم أخرج السكين ليهتف الآخر بذهول:
ـ لقد أوقعتني بذنبٍ آخر أيها الأحمق!

ثم أضاف:
ـ هل أنت حي؟ أجبني، هل ما زلت على قيد الحياة؟
هتف بنفاد صبر وهو يضغط على الدماء التي تسيل بقبضة يده:
ـ أيها الأحمق، هذه ليست إلا إصابة سكين فقط، يكفي هذه الترهات.
الآن جاء دورك.

وما كاد يستوعب حديثه حتى غرز السكين به أيضًا، لتخرج تأوهة من الآخر، وعيناه تجحظان بصدمة. نزع السكين ليسقط أويس على الأرض فاقدًا للوعي، والدماء تسيل منه.
هتف يامن وهو يلقي بالسكين على الأرض:
ـ قد بدأت أول خطوة، وسيليها خطوات خروجك من هذا المكان، وأيضًا من هذه البلدة بأكملها.
..
..
..

وفي اللحظة التي ظننتُ فيها أن الدم إعلان النهاية،
أدركتُ أن بعض الطرق لا تُفتح إلا بالجراح،
وأن النجاة أحيانًا... تبدأ بطعنة.

ـــــــــــــــــ

"أتقولُ مُدَّ يدَكَ إليَّ وأنتَ غارقٌ في الوحل؟"

داخل شركة راشد العمري، كان يقف في المكتب الخاص بالمدير.
أردف راشد وهو يرمقه قائلًا:
ــ كنت فين يا عمّار كل المدة دي؟ اختفيت فجأة.

نظر إليه وأجاب بهدوء:
ــ كنت مع عمران...
ثم أضاف:
ــ كان حابسني لغاية ما أبطل، بعد ما عرف إني بتعاطى.

أومأ راشد بتفهم، ثم قال بنبرة ساخرة:
ــ عمران رجع بمبادئ ما كانتش لايقة عليه وهو في أمريكا.

وأضاف أخيرًا وهو يحدّق فيه:
ــ بس عالجك من المخدرات... هيقدر يحرّرك من جريمتك؟ هيقدر يحميك من القانون؟

قطّب وجهه؛ إذ كان يتعمّد تذكيره ليُبقيه خاضعًا لطوعه، خادمًا له، وكاتمًا لأسرار عمله الدنيء. كم راوده الرجاء مرارًا أن يمضي فيبلّغ عنه، غير أنّه كلما استحضر عقله ذلك السلاح الذي بحوزته تراجع، إذ لا يريد أن يقضي ما تبقّى من عمره خلف القضبان، وهكذا قرر الصمت عن الحق، ودفن ضميره، ليصطفّ مع الباطل وينحدر في دروبه

أحيانًا نظن أن الطريق مغلق، وأن كل الأبواب قد أُوصدت في وجوهنا. لكن الحقيقة أن الحياة لا تسد الأبواب؛ نحن من نتوقف عن البحث عن نافذة صغيرة للنور.

ــــــــــــــــــــ

كان يقود سيارته والغضب يتصاعد بداخله، كل شيء كان ينقلب إلى الأسوأ، والخطر يزداد عليه مع مرور الأيام. ما زال تحت حماية أيوب، لكنه سئم من هذا الشعور بالحصار. انتبه إلى شاحنة تحاول اعتراض طريقه، فانحرف إلى المسار الآخر، إلا أنها لحقت به واصطدمت بسيارته من الخلف.فجأة فقد السيطرة على السيارة بعدما اصطدمت بها الشاحنة بقوة، وانحرفت عن الطريق. حاول عمران أن يتماسك، لكن السرعة والارتطام جعلا السيارة تتقلب عدة مرات قبل أن تستقر على جانبها ليوضع داخل مصير مجهول.

"بعض النهايات ليست نهاية، بل بداية لا نعرف شكلها مصيرٌ مجهول، لكنه يحمل احتمالًا جديدًا، ولو كان غارقًا في الضباب."

ـــــــــــــــــــــــــــ

داخل بيت الزيني، دلف إلى الغرفة لينظر إلى سكن متسائلاً:
ــ غريبة مش هتروحي المستشفى؟

نظرت إليه ثم نهضت وتقف أمامه:
ــ حساك متغير معايا الفترة اللي فاتت مش عارفة ليه.

تهرب من نظراتها قائلًا:
ــ لا أبداً... تلاقي بس عشان مضغوط شوية في الشغل، وفي طلبيه اتأخرت علينا.

أومأت بتفهم، ثم قالت بنبرة أكثر دفئًا:
ــ عندي ليك خبر حلو.

نظر إليها متسائلًا:
ــ إيه؟

ابتسمت، وأمسكت يده برفق، ورفعتها لتضعها على بطنها، ثم نظرت داخل عينيه قائلةً:
ــ أنا حامل.

وقعت الكلمة على أذنه كالصاعقة. أبعد يده عنها، وطالعها بزهول يحاول استيعاب ما سمعه. كم تمنى أن يسمع هذا الخبر يومًا، لكنه يعلم الحقيقة التي تثقل قلبه أنه لا ينجب، ولا يوجد أمل في ذلك.

اما عنها نظرت إليه بصدمة، فهذه ليست ردة الفعل التي كانت تتخيلها.
ــ براء... في إيه؟ أنت مش مبسوط إني حامل؟

رفع عينيه إليها، والدهشة تمتزج بالغضب والحيرة:
ــ إزاي؟

ثم تابع بصوت غاضب:
ــ حامل إزاي يا سكن... قولي! حامل إزاي وأنا مبخلفش؟!

توسعت عيناها بعدم تصديق. كانت الجملة كافية لتقلب المفاجأة إلى سؤال أكبر، يفتح بابًا من الشك و
لم تكن مستعدة له.
ارتعدت وتراجعت خطوة إلى الخلف، وعلامات الذهول ملأت قسمات وجهها. حاولت إخراج صوتها قائلةً:
ــ أنت بتهزر صح؟

لكنه أردف بحده:
ــ موضوع زي ده يكون فيه هزار؟

ثم ذهب إلى الخزانة ليفتحها، ويخرج بضع أوراق كانت مختبئا أسفل الملابس. أمسك يدها ووضعهم بها قائلًا بغضب:
ــ شوفي، اقرأي عشان تصدقي إني مش بخلف. إزاي بقى بتقولي حامل؟ دي اللي أنا محتاج أفهم دلوقتي. حامل إزاي؟

ثم قبض على ذراعها ليصرخ بها:
ــ اللي قدامك ده متجوز بقاله سبع سنين، ولف على الدكاترة لأدوية لاشاعات لتحاليل، وده كله مجبش أي فايدة. إزاي أنتي مش كملتي شهرين وحامل؟ أعقلها إزاي أنا دلوقتي؟"

قال آخر حديثه بغضب. أردفت بصدمة:
ــ أنت قصدك إيه؟ رد عليا، عاوز توصل لإيه بكلامك ده؟ أنا معرفش ومش فاهمة إزاي مش بتخلف، وأنا عملت تحليل امبارح واتأكدت إني حامل.

ثم أضافت:
ــ أكيد فيه حاجة غلط، يمكن خفيت أو الأدوية جابت نتيجة.

قاطعها بغضب:
ــ أنا موقف الأدوية يا سكن من آخر مرة الدكتور قال إن مفيش فايدة. إزاي حامل بقى؟ إجابة السؤال ده عندك أنتي.

تفهمت حديثه لتنظر إليه بغضب:
ــ مش هسمح ليك تتكلم عليا نص كلمة فاهم. أنا معنديش إجابة برضه ليك. لو أنت مش بتخلف زي ما بتقول، إزاي أنا حامل دلوقتي؟ أنا من رأيي تروح تكشف قبل ما تقول كلام تندم عليه.

ابتسم بتهكم ثم قال:
ــ أنا مش طايق أبص في وشك ولا حتى عارف أقول ليكي إيه.
2

ليضرب كفه بالحائط بغضب، ليخرج من الغرفة. لتدلف أميرة وتنظر إليها:
ــ إيه اللي حصل؟ في إيه؟"

كانت سكن تبكي لتقول من بين شهقاتها:
ــ أنا لازم أمشي من هنا، مش هسمح أفضل بعد اللي قاله عليا.

ــــــــــــــــــ

كان يقف في الشارع يحاول التقاط أنفاسه، بعد أن غادر البيت بأكمله حتى لا يُقدِم على تصرّف يندم عليه. كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وكأن الهواء نفسه يرفض أن يدخل رئتيه.
فكرة أنها حامل كانت تشعل داخله نارًا لا تنطفئ. أسئلة كثيرة تضرب رأسه بلا رحمة، ولا يجد لها إجابة واحدة. كيف؟ متى؟ بأي منطق يحدث ذلك وهو الذي عاش سنواتٍ يطارد أملًا لم يتحقق؟
مرّر يده في شعره بضيق، ثم حسم أمره أخيرًا... سيكشف مرةً أخرى، سيتأكد بنفسه من صحة حديثها. لكنه في قرارة نفسه كان واثقًا أنه لا يُنجب... هكذا يعتقد، أو هكذا أقنع نفسه طوال تلك السنوات.
لم يعد يعلم أين الحقيقة، وأين الفخ الذي ربما سقط فيه دون أن ينتبه. سبع سنوات مرّت عليه وهو يتشوّق ليحمل قطعةً منه بين يديه، طفلًا يشبهه... يحمل ملامحها، ويمنحه ذلك الشعور الذي انتظره طويلًا.
والآن... جاءه الخبر الذي تمناه عمرًا، لكنه بدلًا من أن يفرح، يقتله الشك.

صدح هاتفه، فأخرجه من جيبه ليجد رقمًا غريبًا يطلبه. أجاب قائلًا:
ــ ألو؟

جاءه صوتٌ من الطرف الآخر يسأله:
ــ حضرتك تعرف عمران الزيني؟

انقبض قلبه، فأجاب مسرعًا:
ــ آه، أخويا... في حاجة حصلت؟

أتى ردّ الممرضة بنبرةٍ يغلّفها الأسف:
ــ اتعرّض لحادثة واتنقل على المستشفى، بس مع الأسف... البقاء لله. مستنيين حضرتك تيجي عشان تتعرّف عليه.
2

وقعت الصدمة على رأسه كالصاعقة، فحاول أن يستوعب حديثها وهو يقول بتلعثم:
ــ بتقولي إيه؟ البقاء لله في مين؟ أخويا؟

نطق كلمته الأخيرة بعدم تصديق، وعيناه تلمعان بدموعٍ تأبى النزول، كأنهما ترفضان الاعتراف بحقيقةٍ لم يحتملها قلبه بعد.

لتؤكد له حديثها قائلة:
ــ أيوه، عمران الزيني اللي كان في العربية. هبعت لحضرتك عنوان المستشفى.

أغلقت الخط، وما زال يقف مصدومًا في مكانه. اقترب منه مهاب قائلًا بقلق:
ــ براء، في إيه؟ سكن لمّت هدومها وكلمت أدهم ييجي ياخدها... إنتوا اتخانقتوا؟

ظل على وضعه، ثم نظر إلى مهاب وقال بصوتٍ متحشرج:
ــ كلموني من المستشفى
وتابع بتلعثم:
...بيقولوا عمران... عمل حادثة ومات. هما أكيد بيهزروا، صح؟ أكيد آه... أنا كلمته من شوية، كان متعصب بس. أكيد لأ، مش هو اللي عمل الحادثة... ممكن يكون تشابه.

نظر إليه مهاب بصدمة، ثم قال بهلع:
ــ خلينا نروح طيب عشان نفهم.

وكأن كلماته كانت إنذارًا أعاده للحركة. أومأ له، فاتجه إلى السيارة، وصعد مهاب خلف المقود ليدير المحرك وينطلقا في طريقهما إلى المستشفى.
لم يخلُ الطريق من خوفٍ ينهش قلبه؛ أن يكون الأمر حقيقيًا، أن يكون هذا أخاه بالفعل. فحتى إن كان يبغضه أحيانًا، يظل أخاه الذي لا يتحمل عليه شيئًا

توقفت السيارة بعد قليل أمام المشفى، فترجّل كلٌّ منهما على عجل، ودلفا إلى الداخل بخطواتٍ متسارعة. وما إن وصلا حتى تفاجأ بعمار هو الآخر، يبدو أنه أتى للتو، فاقترب من براء قائلًا بخوف:
ــ حد كلمني وقال إن عمران عمل حادثة.

أومأ براء برأسه وهو يقول:
ــ كلموني أنا كمان.

اتجهوا إلى الاستقبال يسألون بلهفة، فتقدّم إليهم طبيب ينظر إليهم باستفهام:
ــ تقربوا له إيه؟

أردف براء محاولًا ضبط أعصابه:
ــ إحنا إخواته.

أومأ الطبيب قائلًا:
ــ اتفضلوا معايا.

مضوا خلفه في صمتٍ ثقيل، حتى توقف بعد لحظات وقال بنبرةٍ عملية:
ــ مين فيكم هيتعرف عليه؟

تبادلوا النظرات، ثم قال عمار بثباتٍ متوتر:
ــ أنا... عشان واثق إنه مش أخويا. أكيد مش هو، أكيد في لبس في الموضوع.

أردف براء سريعًا وكأنه يتشبث بالأمل:
ــ ده أكيد.

أومأ مهاب في صمت، فقال الطبيب:
ــ تمام، اتفضلوا... بس تماسكوا. عشان العربية ولعت، ومع الأسف ملامحه صعبة جدًا بالنسبة لكم.

ولجوا إلى الداخل، حيث فتح أحد العاملين ثلاجة الحفظ، وضع يده على السحّاب ومرّره ببطء ليُظهر الوجه فقط. ثم نظر إليهم قائلًا:
ــ اتفضلوا، قولوا هو ولا لأ... على ما الممرضة تجيب لكم متعلقاته تتعرفوا عليها.

تقدّم براء بخطواتٍ مترددة، ونظر إليه لثوانٍ بدت كأنها دهر، ثم ابتعد إلى الخلف يستند إلى الحائط، واضعًا يده على فمه من هول المنظر وألمه.
اقترب عمار، ألقى نظرة سريعة، ثم ابتعد وهو يهز رأسه رافضًا:
ــ لا... لا، مش أخويا. هو مش أخويا!

ثم نظر إلى براء برجاءٍ يائس:
ــ ساكت ليه؟ حزين ليه؟ مش هو، صدقني مش عمران... قول لهم إنه مش هو!

اقتربت الممرضة تحمل متعلقاته بين يديها قائلة:
ــ اتفضلوا، دي الحاجات اللي كانت معاه. هي متبهدلة برضه بسبب الحادثة، بس دي محفظته.

أمسك عمار المحفظة بيدٍ مرتعشة، فنظر إلى براء. أومأ له براء بصمتٍ يعلم في قرارة نفسه أنها تخص أخاه. لكن عمار أردف بإصرارٍ ممزوج بالانكسار:
ــ بقولك مش هو... بلاش تقولوا إنه هو... مش هو!

اندفع خارج المشرحة، وضرب بقبضته الحائط بغضبٍ وألم، مصرًّا على جملةٍ واحدة: أن هذا ليس أخاه.
اقترب مهاب يحاول تهدئته، فاحتضنه بقوة، لا يدري أكان يهدئه أم يحاول أن يهدئ نفسه. كان يبكي، وعمار يبكي، بينما ظل براء على حاله، صامتًا، كأن الصدمة جمّدته وهو يحاول استيعاب تلك الفاجعة.
التفت إلى الطبيب وأومأ برأسه مؤكدًا أن الجثمان لأخيه؛ فمن غيره تكون هذه متعلقاته؟
خرج من المشرحة ليجدهم جالسين على الأرض بجوار بعضهم، يبكون، ومهاب ما زال يحتضن عمار. اقترب براء وجلس بينهما، يضمّهما إليه بصمتٍ
ولا أحد منهم يعلم أي مفاجآتٍ أخرى ستقذفهم بها الحياة بعد هذه اللحظة.
4

"وهنا انتهى فصل الحكاية، لكن الحكاية لم تنتهِ بعد."



الحادي والثلاثون من هنا 
مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات