رواية غموض الجبل القاسي الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم سمارة
توضيح الامور)
﷽
نزل جبل وأمينة لمائدة الإفطار
وفي هذا الجو الروتيني لبيت الملاح، كانت المشاعر أبعد ما تكون عن الروتين.
أمينة كانت تجلس وعلى وجهها مسحة من فرحة طفولية تخفي خلفها قلقاً ثقيلاً مما سيحدث اليوم في دار أهلها؛
فاليوم هو يوم الفصل.
أما عبير، فكانت تجلس كالجمرة المشتعلة،
نظراتها لدياب كانت
تقطر ضيقاً وعتاباً فهو حتى الآن لم ينفذ وعده، وهند لا تزال تتربع في شقتها وكأن شيئاً لم يكن. مر الطعام في صمتٍ ثقيل
يقطعه فقط صوت الأواني
حتى انتهوا وهمّ الرجال للمغادرة إلى أعمالهم.
عند الدرج
تعمد دياب استيقاف عبير حين رآها تقف بنظراتها الحادة التي تلاحقه.
دياب (بمحاولة للتهدئة): خير.. مالك إيه النظرات دي على الصبح؟
عبير (بجفاء وهي تحاول سحب يدها): مفيش حاجة.
أمسك دياب يدها برفق محاولاً تبرير موقفه: "اصبري.. هند كانت تعبانه، معرفتش أحدتها اليومين دول."
عبير (بسخرية لاذعة): أيوه.. تعبانة ده قدامك بس عشان حست إن فيه حاجة..
لكن لما بتطلع شغلك بتبقى كيف الحية زي عوايدها على العموم قولتلك قبل كدة براحتك.. معاك سنة
دخلت عبير المطبخ وبدأت في غسل الأطباق
بضيق
ولم تمضِ لحظات حتى دلفت هند بخطواتها المستفزة وابتسامتها الصفراء.
هند (بتهكم):
إيه يا ضرتي شايلة طاجن ستك ليه؟
عبير (بضيق ونفاد صبر):
استغفر الله العظيم يا رب!
هند (بتمثيل البراءة): وه! إيه شفتي عفريت؟
عبير (وهي تلتفت إليها بنظرة حادة): له.. شفت بومة، وهيتقفّل يومي طالما شفتك.
هند (بمكر): بتكرهيني ليه مع إني بحبك؟
عبير (بدعاء نابع من قلبها):
حبك برص متتكلميش معاي واصل."
هند (بضحكة باردة): قصدك دياب برص عشان حبني؟
ضحكت عبير بمرارة وسخرية:
بتعملي حالك عيانة قدامه.. وبعد ما يمشي تلفي في البيت كيف المساخيط.
اقتربت هند من عبير،
وانخفض صوتها لفحيص الأفاعي: ما هو ديتي كهن النسوان يا ضرتي.
تركتها هند وخرجت بخيلاء
بينما بقيت عبير تغلي وتحدث نفسها بوعيد: آه يا دياب.. آه! والله لمرر أيامك.
أما في الخارج
كانت هند تسير وهي تبرطم بغيظ مكبوت: ماشي يا دياب..
بتقف تتمحك وياها من وراي والله لسود لياليك.
انهمكت أمينة وسمية في تنظيف ردهة المنزل، لكن حركة أمينة كانت آلية.
وعقلها في مكان آخر تماماً. كانت تشرد كثيراً ثم تبتسم فجأة، مما أثار فضول سمية التي تراقبها منذ الصباح.
سمية (وهي تضع المكنسة جانباً): إيه.. مالك النهاردة خير؟"
أمينة (بانتباه مفاجئ): هه؟ عادي.. مفيش حاجة.
سمية (بغمزة): مش باين شرودك ده وراه حاجة كبيرة.
أمينة (بهمس وهي تقترب منها):
يمكن النهاردة أروح دار أبوي..
سمية (بذهول): وه رايحة كيف يعني؟
أمينة: جبل رايح هناك يحل موضوع الأرض، وقالي هيشيّع لي مع عمي أو فاروق أخوي
. صح مقلش حاجة قدامك؟
سمية (بضحكة خفيفة): له مقليش.. فاروق مبيعرفش يطلع اللي في زورو لمرته كيف الناس المهم هايعمل ايه.
أمينة (بحيرة): "والله ما أعرف.. جبل قالي كدة ومقليش إيه هيحصل
أديني مستنية بس خايفة قوي، ومش عارفة أبوي هيرضى يشوفني ولا له.
سمية (بإيجابية): ربنا يهدي النفوس
وطالما جبل هو اللي رايح أكيد فيه حل للموضوع.. اتبشري خير يا أمينة.
أمينة (بتنهيدة): يا رب..
إن شاء الله مع إني لسه مشُقتش (زيارة العروس لأهلها) عليهم بعد الفرح..
مش عارفة ينفع أروح كدة ولا إيه؟
سمية (بتفكير): صوح.. لسه مشُقتيش، معرفش امي (صفاء) هترضي ولا له بس دلوقت مش وقت عادات أكيد، هتخليكي تروحي عشان خاطر أبوكي.
هانشوف.
"كان الوقت يمر على أمينة كأنه دهر
فكل دقة ساعة تقربها من المساء كانت تزيد من نبضات قلبها اضطراباً.
لم يكن قلقاً عادياً بل كان مزيجاً من خوف المواجهة وشوق المحب والأمل.
ــــــــــــــــــــ
في مكان العمل - نهاية النهار
كان جبل يقف بهيبته المعتادة، يلف شاله ويستعد للمغادرة،
بينما يحيط به إخوته في حلقة يسودها الترقب.
فاروق (بنبرة يملؤها القلق الأخوي): يعني متأكد من اللي هتعمله يا جبل؟
أنا خايف يقابلوك مقابلة ناشفه أو الواد بكر ده يلسن بحاجة تضايقك..
أوعاك، خلي بالك لأعصابك تفلت والموضوع يتعقد أكتر عشان الواد ده بارد..
يا إما آجي معاك.
جبل (بثقة ويقين): له متقلقش كل حاجة تمام وبكر ميهمنيش.. المهم أبوه دلوك.
وبعدين زي ما قولت لك لما الأمور تهدى هكلمك تجيب أمينة.
فاروق: ماشي.. ربنا يصلح الحال.
جبل: يالا أمشي أنا عشان عواد مستنيني.. سلام.
انطلق جبل نحو دار آل فارس حيث المواجهة الكبرى، بينما عاد فاروق ودياب وملاح إلى منزل العائلة.
ــــــــــــــــــ
في منزل الملاح
- وقت العشاء
دلف الإخوة إلى الدار وبمجرد أن رأتهم أمينة يدخلون دون جبل،
شعرت برعشة سرت في جسدها وكأن الأرض اهتزت من تحتها.
تسمرت في مكانها تراقب فاروق وهو يتحدث مع والده بصوت منخفض
ثم تقدم الجميع نحو المائدة.
الحاجة صفاء (بقلق الأم الفطري): خير مال فين جبل؟
فاروق (بهدوء مصطنع): في مشوار يا أماي.
الحاجة صفاء: دلوك طيب ليه محدش راح منكم معاه.
الحاج بكري (بوقار لينهي الجدال): ليه صغير إياك كلو.. ودلوك يعاود.
ساد الصمت،
وبدأت الأيدي تمتد للطعام
إلا أمينة كانت ملعقتها في يدها لكن عينها كانت معلقة.
وعقلها خلف جبل في دار أهلها. انتبهت سمية لحالها، فنغزتها بخفة تحت الطاولة وأشارت لها بعينيها أن تأكل حتى لا تلفت الأنظار أو تثير تساؤلات الحاجة صفاء.
انتبهت أمينة
وحاولت جاهدة أن تبتلع لقيمات لا طعم لها، وهي تردد في سرها: يا رب اهدي قلب أبوي.
ــــــــــــــــــ,
امام منزل الـ فارس
ترجل جبل من السيارة ومعه رجل آخر،
اتجه نحو المنزل ودق الجرس.
خرج فارس ووجده يقف أمامه، فاستغرب بشدة من وجوده، لكن كرم الضيافة منعه من السؤال؛ فاستقبلهم وأشار لهم بالدخول.
وقف جبل احتراماً لاهل المنزل حتى يسير فارس أمامه،
دخل فارس لتهيئة المنزل، ثم أشار لهم بدخول "المندرة.
دخل جبل وجد الحاج حماد جالساً،
ألقى السلام وجلس هو والرجل الذي معه، بينما جلس فارس يترقب بفضول وقلق سبب هذه الزيارة المفاجئة.
الحاج حماد (بنبرة وقار وهو يحاول إخفاء قلقه على ابنته): خير.. مرتك زينة؟
لم يرد ذكر اسم أمينة أمام الرجل الغريب، لكن قلبه كان يسأل عنها،
فوجود جبل في هذا التوقيت ليس بالأمر العادي.
جبل: "الحمد لله زينة وبخير.
في تلك اللحظة
دخل بكر المندرة، وبمجرد أن وقعت عينه على جبل، تحدث بسخرية لاذعة: يا مرحب.. باللي خرّبها وجاي يقعد على تلتها.
التفت له جبل بنظرة باردة ولم يعره اهتماماً، لكن فارس نهره بحدة وأوقفه عند حده قائلاً: يا تتكلم زين
يا تلف نفسك وتطلع مطرح ما كنت.
صمت بكر على مضض وجلس يترقب والغيظ يأكله، ليعرف سبب حضور جبل.
جبل: المعلم عواد..
أشار جبل للرجل الذي معه وتابع:
أنا قولت كتير وحاولت أخبركم بسوء الفهم اللي حصل ومسدقتونيش..
عشان كدة جبت معايا المعلم عواد، السمسار اللي اتدخل في شري الأرض.
تبسم بكر بتهكم وقال: يا سلام خلاص كدة اقتنعنا؟
نظر له والده
الحاج حماد نظرة جعلته يصمت تماماً، ثم وجه الحاج حماد حديثه لجبل:
"كمل حديتك يا جبل..
جبل: خليه هو يكمل.
بدأ السمسار عواد يتحدث ويوضح الحقيقة:
عواد: "يا حاج حماد، يشهد الله إن جبل ملوش صالح باللي حصل.
الحكايه إن الأستاذ جبل كلمني من فترة...
استوقفه جبل بضيق قائلاً:
"أستاذ إيه يا معلم عواد؟ الغي أستاذ دي وكمل كلامك.
أكمل المعلم عواد حديثه:
جبل كلمني من فترة على أرض هنا في البلد، وأنا دورت لغاية ما لقيت الأرض اللي عليها الخلاف دي.. بس قبل ما أدخل عليها
عرفت إنها اتعربنت بس جبل كان قاليلي حط العموله اللي عاوزها وشوفلي الأرض،
أنا بالأمانة طمعت إن الأرض تطير من يدي وعمولتها تروح،
فرحت لصاحب الأرض قالي 'انباعت وإديت كلمة وعيب قولتله السعر هنعليه وإديته سعر مغري وقولتله دورها في راسك وكلمني.
صمت الجميع يراقبون اعترافه،
فتابع عواد:
"الراجل متناهاش لتاني يوم،
في نفس اليوم كلمني قالي تمام أنا موافق، كلمت جبل واتفقت معاه على كل حاجة ورحنا خلصنا فيها، من غير ما يعرف
أي حاجة من اللي حصلت واصل.
الحاج حماد (بنظرة ثاقبة): وأنت كنت تعرف إنها ليا.
السمسار عواد:
أيوة عرفت قبل الشرا علي طول بالأمانة.
. بس مرضيتش أقول لجبل،
عشان كنت عارف إنه مش هيوافق أبداً ياخدها بالطريقة دي،
سواء منكم أو من غيركم.
ساد صمت ذهول في المندرة بعد شهادة عواد. الحاج حماد بدأ يستوعب
إن جبل كان ضحية طمع السمسار وصاحب الأرض، وإنه لم يقصد ان يغدر بصهرُه.
بكر (بسخرية وعدم تصديق): إيه؟ دفعتله كام عشان ياجي معاك يقول الكلمتين دول؟
جبل (ببرود وثبات): مش كل الناس عقلها صغير زيك.
وقبل أن يفتح بكر فمه ليرد.
جاءه صوت والده الرعدي الذي لم يعد يتحمل منه أكثر من ذلك.
الحاج حماد: اطلع بره يا بكر!
بكر (بصدمة): يا بوي هاتسـ...
الحاج حماد (مقاطعاً بحزم): قولتلك اطلع دلوك.
خرج بكر من المندرة
وهو يغلي من الغضب والغل، فأكمل جبل حديثه مع الحاج حماد وفارس وكأنه لم يحدث شيء:
جبل:
"أنا معرفش كيف اقتنعتوا إني ممكن أعملها..
بس مش ده المهم دلوك.
أنا هرجعهالكم بالسعر اللي كنتوا هتشتروها بيه من الأول،
والزيادة اللي دفعتها والخسارة دي على رقبتي.
ساد الصمت في المكان،
وبدأ الحاج حماد ينظر لجبل بنظرة مختلفة تماماً، نظرة تقدير للرجل
الذي لم يكتفِ بتبرئة نفسه، بل قرر أن يتحمل الخسارة المادية
ليرمم الذي انكسر بين العائلتين.
الحاج حماد (بصوت هادئ بعدما هدأ روعه): "جيب الشاي يا فارس.
قام فارس ليدخل المنزل ويحضر الضيافة، وبمجرد دخوله استوقفته أمه بقلق:
خير يا ولدي إيه حصل جوز أختك جاي ليه؟
فارس (بطمأنة): خير يا أماي متقلقيش.. كل خير.
خرج فارس وقدم الشاي،
فارتشف الحاج حماد رشفة ثم قال: خلاص الموضوع خلص.. والأرض حلال عليكم.
جبل (بسرعة وعزة نفس): له متلزمناش، وبعدين كانت ليكم قبلنا.
فارس (محاولاً إنهاء الحرج): إحنا لقينا غيرها خلاص وعرّبنا فيها.
جبل: ومالو.. خدوهم التنين.
كان جبل يحاول بكل الطرق إثبات أن الأرض ليست ذات أهمية مقابل صلة الرحم.
الحاج حماد: اشربوا الشاي.
ساد صمتٌ رزين بينما شربوا الشاي، ثم استأذن السمسار عواد للمغادرة.
وقبل أن يخرج، قال بأسف: معلهش.. أنا اتسببت في مشكلة مكنتش حاسب حسابها، إن شاء الله ربنا يصلح بينكم.
خرج عواد ومعه فارس ليوصله إلى الخارج، وبقي جبل منفرداً مع الحاج حماد.
جبل (بنبرة صادقة): اللي بينا أهم من أي أرض، والندالة مش طبعنا يا عم الحاج.
الحاج حماد: حصل خير والموضوع خلص خلاص.. الأرض حلال عليكم.
حاول جبل الكلام مرة أخرى ليعيد الأرض، لكن الحاج حماد قاطعه بحسم:
الحاج حماد: شرينا غيرها وخلاص.. الموضوع من الأول كان كله غلط،
ومش أنا اللي أشيل حد طمع غيره إذا كان السمسار أو صاحب الأرض..
التنين معندهمش ذمة.
ــــــــــــــــــــ
في دار الملاح،
كان الوقت يمر ثقيلاً كأنه سنوات. لم تستطع أمينة الصمود أكثر من ذلك،
فكلما نظرت إلى الساعة شعرت بغصة في حلقها. تركت مكانها وذهبت
إلى فاروق الذي كان يجلس منشغلاً بسبحته، علّها تجد عنده خبراً يطفئ النار التي في صدرها.
أمينة (بصوت مرتجف وملامح باهتة من القلق): جبل مرنش عليك يا خوي.
نظر لها فاروق بهدوء، محاولاً أن يمتص توترها الظاهر: له لسه مرنش.
أمينة (بإلحاح): طيب.. مينفعش تكلمه أنت تطمن؟
فاروق (بطمأنة): يا أمينة هدي نفسك.. متقلقيش دلوك يرن.. خير إن شاء الله.
عادت أمينة لتجلس بجوار سمية.
لكن عينيها لم تفارق الهاتف و تدعو بقلبها أن تنتهي هذه الليلة على خير.
ــــــــــــــــــ
في منزلة آل فارس،
دخلت أم أمينة المندرة لتستطلع الأمر،
فوجدت جبل يجلس بهدوئه المعتاد ورزانته.
أم أمينة (بابتسامة):
ازيك يا ولدي.. منورنا.
جبل: ازيك يا حجة.. الحمد لله بخير.
الحاج حماد (بتدقيق): ازيك يا إيه؟
نظر جبل وصمت قليلاً، فهو لا يعتاد نطق كلمات القربى بسهولة،
فضحكت أم أمينة قائلة:
بيقولي يا حجة.. مكسوف يقول يا مرت عمي.
جبل (بأدب): مش القصد والله.
أم أمينة: محصلش حاجة.. المهم عامل إيه، وأمينة عاملة إيه؟
جبل: بخير الحمد لله.
أم أمينة (وهي تنظر للحاج حماد): إن شاء الله يكون الموضوع انحل..
إحنا اديناك حتة مننا ونور عنينا، هنزعل على الأرض؟ هو بس الموضوع شاط وقتها والنفوس وقفت
بس كل حاجة بتهدي بعدين.
جبل: مفيش حاجة توقف النفوس إن شاء الله."
حاول فارس تغيير مجرى الحديث قليلاً: "أنت شريت أرض هنا ليه يا جبل؟"
جبل: هنعملوا عليها شونة هنا.
فارس: بالتوفيق.. بس بعد كدة نقي الناس اللي تتعامل معاها (يقصد السمسار)."
جبل: ما هي المشكلة إنه بنعامله من زمان."
ساد صمت قصير،
استجمعه جبل ليقول الكلمة التي جاء من أجلها، فنظر للحاج حماد بجدية:
جبل: في حاجة كمان يا عم الحاج..
انتبه له الحاج حماد، فأكمل جبل:
جبل: أمينة هتاجي دلوك.