📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثلاثون 30 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثلاثون 30 بقلم سمارة



(مهرة أبوها وجلولي)


ظلت أمينة تدور حول نفسها في ردهة منزل الملاح، القلق ينهش أعصابها نهشاً.

مرت الساعات وكأنها أيام،

لم يصلها خبر واحد من جبل، لا برسالة ولا بمكالمة لفاروق.

غرق عقلها في دوامة من التساؤلات: هل انصلح الأمر؟

أم تعقد وزاد اشتعالاً؟ ولماذا تأخر جبل في طلبها حتى الآن؟

​كلما سمعت صوت محرك سيارة في الشارع، كانت تهرع إلىي الدرج حتى رأت سيارة جبل أخيراً تقف أمام المنزل في عتمة الليل.

​في تلك اللحظة،

خفق قلبها بشدة شعرت معه أنها ستسقط أرضاً. لم تكن فرحة،

بل كان رعباً؛ ففي قوانين  بيت الملاح وقوانين قلبها عودة جبل وحيداً دون أن يرسل في طلبها تعني شيئاً واحداً فقط..

أن الصلح قد فشل، وأن أبواب دار أهلها قد أُغلقت في وجهها للأبد.

​وقفت خلف الباب.

تنظر بذهول إلى جبل وهو يترجل من السيارة بخطواته الرزينة

وعيناها تبحثان خلفه عن أي أمل،

لكنه لم تفهم شيء

​أمينة (بهمس مرتعش ودموع تحجرت في عينيها): عملت إيه يا جبل؟

ليه رجعت لحالك؟

​خرج فاروق ودياب على صوت وصول السيارة،

بينما كانت أمينة تجمدت مكانها،

تنتظر "كلمة واحدة من جبل تحدد مصيرها.دخل جبل الدار وجلس بين والده وإخوته بهدوء غريب، بينما كانت عينا أمينة كالصقر تراقبه،

تحاول فك شفرات ملامحه؛

هل هو هادئ لأنه انتصر؟ أم غاضب لأنه فشل؟

نظر لها جبل نظرة مبهمة،

لم تستطع تفسيرها، فخرجت عن صمتها أمام الجميع.

​أمينة (بتوتر): عملت إيه؟ ورجعت ليه من غير ما تقولي؟

جبل (ببرود): خير.. مفيش حاجة.

أمينة: يعني إيه؟ طيب فهمني.

جبل (بنبرة حاسمة): روحي اطلعي دلوك.. بعدين.

​وقفت أمينة مكانها مذهولة،

لا تفهم شيئاً فكرر جبل قوله: روحي قولتلك.

تركتهم امينه

وصعدت الدرج وقلبها يهوي في صدرها فمن نبرة صوته وطريقته،

أيقنت أن الصلح قد تبخر.

ظلت تنتظر بلهفه لتفهم ما في الامر.

لم يمر الكثير حتى دخل جبل الغرفة،

فهرعت إليه وكأنها تتعلق بقشة.

​أمينة: قولي إيه حصل؟ قول أي حاجة يا جبل.. حلوة أو عفشة!"

جبل (نظر لها بحزن مصطنع): أبوكي مرضيش إنك تروحي.

​تسارعت أنفاسها،

وانفجرت في بكاء مرير: كنت حاسة إن فيه حاجة لما مرنتش..

يعني خلاص كدة

أبوي مش عايز يشوف وشي؟

جبل: خير.. كل حاجة هتتصلح في وقتها.

أمينة (بانهيار): مفيش حاجة هتتصلح خلاص.. هيعتبروني مت زي أميرة.

​توتر جبل قليلاً عند ذكر اسم

"أميرة"، لكنه سرعان ما استعاد قناعه البارد وقال: "اهدي

وإن شاء الله ليها حل. ثم تركها ودخل الحمام، اغتسل وبدل ثيابه وخرج وكأن شيئاً لم يكن.

​جبل (بكل برود):

"أنا مكلتش.. فين العشا؟

نظرت له أمينة بذهول

أهذا هو الرجل الذي وعدها بحل كل شيء؟ يراها تغرق في حزنها ولا يهمه إلا جوعه.

​أمينة (بحرقة):

"مجبتش واكل.. نسيت.

جبل: طيب انزلي هاتي عشان جعت قوي.. حتى أهلك معزموش عليّ،

هي كباية شاي وكان طعمها عفش، شكله بكر اللي كان عاملها.

أمينة (بعدم تصديق): أنت بتقول إيه.

جبل (بصوت مرتفع): بقولك جعان.. روحي هاتي واكل.. فُزي.

​قامت أمينة بخيبة أمل ثقيلة،

ونزلت لتحضر الطعام وهي تتساءل في سرها بمرارة: كيف وعدني وأخلف؟

وكيف يمزح بشأن. كوب الشاي وأنا روحي تخرج مني حزناً؟

نزلت أمينة للمطبخ بخطوات ثقيلة بدأت بجمع بعض الطعام وهي تحاول كفكفة دموعها.

وفي طريق عودتها، قابلت ملاح الذي كان يراقبها بابتسامة كأنه يعرف شيئاً لا تعرفه هي.

​ملاح (بمزاحه المعتاد):

"خير يا مرت أخوي.. حزينة ليه كدة؟ أنتي تفرحي تعيطي،

تزعلي تعيطي.. إيه حكايتك؟"

أمينة (بضيق): بتقول إيه أنت التاني؟

ملاح: بقول إيه؟

افرجيها يا ست أمينة.

​تركته أمينة وهي تشعر أن الجميع يمزح بوجعها، وصعدت الغرفة.

وضعت الطعام أمام جبل وبدأت بتسخينه، وجلس هو يأكل بشهية مستفزة.

​أمينة (بإلحاح): طيب قولي إيه حصل؟

يعني قولت إيه وهما قالوا إيه؟

جبل (وهو يمضغ الطعام ببطء): مش باكل؟

هأتكلم ولا آكل؟"

​زفرت أمينة أنفاسها بحرقة وجلست صامتة،

تنتظر بقلب محروق أن ينهي طعامه. وعندما انتهى، التفت إليها ببرود أشد.

جبل: روحي اعملي شاي.. بس بلاش شاي كيف بتاع بكر أخوكي ده.

أمينة (بانفعال): مش من قلة الحريم عشان بكر يعمل شاي.

​نهضت وتوجهت لتحضير الشاي وهي تبرطم بغيظ داخل الغرفة: له وزعل لما قولت لبكري ولد فاروق إن عمك جبل بارد ودمه تقيل..

والله كان عندي حق.

​لم تشعر إلا وجبل واقف خلفها وقد وضع صينية الطعام وقال بنبرة هادئة مرعبة:

جبل: سمعتك..

ثم خرج ببرود شديد وذهب للغرفه.

.

دخلت أمينة الغرفة وضعت الشاي على "الكوميدينو" بجوار جبل المسترخي بكل هدوء،

وقالت بنبرة يائسة: يالا.. قولي حصل إيه؟

جبل (وهو يغمض عينيه): راسي مصدعة قوي.. بكرة الصبح أجمع أفكاري وأحكيلك.

أمينة (بانفجار): أنت في إيه؟ ليه مشـ...

جبل (بحزم): قولت مصدع.

​سارت أمينة بغضب وهي تبرطم،

صعدت إلى السرير وأعطته ظهرها ودموعها بدأت تبلل الوسادة بصمت مرير.

وفجأة، قطع جبل الصمت بسؤال غريب:

جبل: "صوح.. أكل بيت أبوكي زين ولا عفش كيف شاي بكر؟

أمينة (بدون التفات وبقهر): عفش.. عشان بكر اللي بيطبخ.

​في تلك اللحظة،

لم يتمسك جبل ببروده أكثر، وانطلقت منه ضحكة مسموعة رغماً عنه،

كانت المرة الأولى التي يضحك فيها هكذا أمامها.

أمينة (التفتت له بغيظ): إيه؟ مبسوط إنهم قطعوني للأبد؟

جبل (بابتسامة): رُدي لول.. أكلهم زين.

أمينة: أيوة زين ونص.

جبل: "كويس.. عشان مبحبش آكل بره الدار.

أمينة (بحيرة): "وأنت مالك ومال أكلهم؟

هتدوقه فين؟

جبل (بكل بساطة): بكرة في العزومة.

​اعتدلت أمينة في جلستها،

ونبضات قلبها تسارعت كأنها طبول: يعني إيه؟ وعزومة إيه؟

جبل: "أبوكي عزمني أنا وأنتي بكرة على العشا.

​أمينة (بذهول وعدم تصديق):آه.. بتهزر قول ورقبة أبوك!.

تبسم جبل وأومأ برأسه تأكيداً،

فانتفضت أمينة من مكانها كأن روحاً جديدة ردت إليها.

أمينة: كنت عارفة أبوي حبيبي مش ههون عليه.. وأنت قدها وقدود يا جلولي..

​ومن فرط فرحتها التي أنستها كبرياءها،

ارتمت في حضنه وقبلته ثلاث قبلات متتالية سريعة على خده.

تسمّر جبل في مكانه من الذهول، فـ جلول البارد الجاد لم يتوقع يوماً أن تنكسر الحواجز بينه وبين أمينة بهذه القوة والعفوية.

للحظة، وهي تلف ذراعيها حول رقبته، التقت عيناهما في نظرة طويلة..

تجمدت الأنفاس، وشعرت أمينة فجأة بما فعلته، فتراجعت سريعاً بحرج واحمرار يكسو وجهها.

أمينة (بارتباك): "احم.. اااه.. معلش اصل الحماس خدني.

​ظل جبل ينظر إليها بصمت،

يتأمل هذه الفتاة التي تملك براءة الأطفال في عينيها. تساءل في سره:

"لماذا يشعر بهذه السعادة العارمة؟ وكيف لجبل، الرجل القاسي الثقيل،

أن يتوتر فرحاً من قربها المفاجئ؟

همس لنفسه: هل يعقل أن أكون عشقتُ تلك الصغيرة؟

​قطعت أمينة حبل أفكاره بتساؤل: إيه.. بتبص لي كدة ليه؟

جبل (انتبه لنفسه): له. مفيش.

أمينة (بابتسامة): طيب.. مش هتحكي لي؟

جبل: ماشي.. اسمعي.


​(فلاش باك - في منزل آل فارس)


​جبل: بس فيه حاجة كمان..

أمينة هتاجي دلوك.

ساد صمت قطعه الحاج حماد متسائلاً: هتاجي ليه؟

جبل: تستسمحك.

الحاج حماد: في إيه؟"

جبل: في اللي حصل إنها مرجعتش مع بكر.

​الحاج حماد (بهدوء غير متوقع):

أصلاً أنا مبعتش بكر يجيبها هو من وقت اللي حصل وهو عمال يتكلم في الدار إنه يروح يجيبها، أنا مديتوش إذن لا بايوه ولا له،

وراح هو من وراي يجيبها.

جبل (باستغراب): يعني إيه؟

​الحاج حماد: يعني أنا لما جوزت بنتي،

خلاص طلعت من عصمتي لعصمتك.. أنا متعداش حدود ربنا.

طاعتك واجبة عليها. واللي عملته أكد لي إني ربيت بنتي زين وعلت مقام أبوها ومقللتش مني.

والأهم من كل ده،

إن صاحب الأرض كلم فارس وحكى له اللي حصل من السمسار.

جبل: يعني عرفتوا إني مخدتهاش منك غدر؟

الحاج حماد:

آه عرفنا النهاردة الضهر أنا وفارس.

​أم أمينة (بتعجب): طيب ليه مقولتوش اللي حصل؟

الحاج حماد: أهه.. أديكي عرفتي.

جبل:  طيب خير.

يعني أجيبها ولا خلاص تكلموها في التليفون؟

​الحاج حماد (بابتسامة):

تاجوا بكرة إن شاء الله تتعشوا عندينا.. وقول لمهرة أبوها تنور دار أبوها في أي وقت،

ان كان  زعل أو رضا.. الدار مفتوحالها. طول مانا عايش.

ــــــــــــــــ/////ــــــــــــــــ

عوده للحاضر

فرحت أمينة كثيراً حين سمعت جملة مهرة أبوها وشعرت بأن جبلاً من الهموم قد انزاح عن صدرها.

​أمينة (براحة):

له طالما أبوي قال كدة يبقى راضي عني..

الحمد لله. بس صوح مقولتش ليه كل ده لما جيت؟ ليه خبيت عليا؟"

جبل (ببرود مصطنع): كنت ناسي اللي حصل.

أمينة (وهي تضيق عينيها بمكر): آه.. ناسي؟

ولا عاوز تشوفني بتشحتف قدامك؟

​اعتدل جبل في جلسته،

وتحولت ملامحه للجدية التامة ونظر في عينيها مباشرة.

جبل: في حاجتين دلوقت مهمين..

سؤال وأمر وسامعة؟ أمر مش طلب.

أمينة (باهتمام): إيه؟ قول اللي عاوزه النهارده كل حاجه متاحه.

​جبل (بتحذير):

أول حاجة.. لو قولتي 'جلولي' ديتي تاني وحد سمعها هقتلك.

أمينة (ابتسمت بخفة): والتانية؟

جبل (بنبرة هادئة وعميقة):

التانية والأهم.. كنتي هتنتحري ليه عشان مش تتجوزيني؟"

​ساد الصمت الغرفة فجأة،

وتلاشت ابتسامة أمينة. كان السؤال مفاجئاً وحاداً كالسكين،

وجبل ينتظر الإجابة وعيناه لا تفارق وجهها، وكأن كرامته كرجل معلقة بهذه الإجابة.

ــــــــــــــــــــــــــ

في شقة دياب

كان الجو مشحوناً بالتوتر. جلس دياب على حافة السرير

يحرك قدمه بحركات عصبية سريعة وعقله يغلي من ضغط عبير.

دلفت هند الغرفة بعدما انتهت من الاستحمام، وبمجرد أن رأت حالته،

أدركت أن هناك أمراً ما.

​هند (بشك): مالك؟ في إيه مش على بعضك يعني؟

وقف دياب فجأة،

وقال بصوت يحاول أن يجعله ثابتاً: أنتي عارفة إن دي كانت شقة عبير قبلك.

وهي سابتها لما اتجوزتك لأنه كان وقت زعل..

هند (ببرود): أيوة..

كمل عاوز إيه يعني؟

دياب: عبير هترجع مطرحها وأنتي هتنزلي تحت لبين ما أجهز لك مطرح..

​انفجرت هند من غيظها وصرخت فيه: أروح فين؟ وعبير مين اللي تاجي هنا؟

مش كفاية دخلت على فرش قديم يقرف ورضيت!

دياب (بتحذير وهو يضغط على أسنان): وطي حسك واتكلمي زين!

هند (بتمرد): له يا حبيبي مش هاوطي حسي.

فاكرني كيف عبير ولا أمينة هخضع وأقولك حاضر؟ دانا أطربقها على راسك أنت وعبير.

مش كفاية خدتك متجوز ورضيت بيك.

​دياب (بغضب وعيناه تشتعلان وهو يقترب منها): "ورضيتي ليه؟

هند (بصوت مرتفع مستفز): كنت فاكراك راجل وليك كلمة..

بس طلعت دلدولها مش هي بس دي هي وإخواتك كمان.

​في تلك اللحظة فُقد السيطرة تماماً.

لم يتمالك دياب غضبه وهوى بيده بصفعة قوية على وجهها أسكتتها للحظة.

هند (وهي تضع يدها على وجهها بذهول): بتضربني عشان ترضي الوس*** اللي تحت؟

​هنا جن جنون دياب

من لفظها وتطاولها على عبير، فأمسكها من شعرها بقوة وانهال عليها ضرباً.

بدأت هند في الصراخ والعويل بأعلى صوتها، صرخات هزت أركان منزل آل ملاح،

ووصلت لمسامع الجميع بما فيهم جبل وأمينة في شقتهما.



الحادي والثلاثون من هنا 

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات