رواية ظل البراء الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم آية احمد عرفة
هل أغفل الغيث عني؟
أم أنني مقدر علي أن أحارب في ميادين الحياة بلا هوادة؟ ففي كل معركة أخوضها، أخرج منها خاسرًا منكسرًا، أجر أذيال هزيمتي، فمتى سأخرج من حروبي منتصرًا، أرفع راية نصري عاليًا لتعانق السحاب، ولتعلن للعالم أنني قد تغلبت على الصعاب.
ـــــــــــــــــــــــــ
كانوا يجلسون حول المائدة يأكلون في هدوء، أما هند فكانت تختلس النظرات إلى سكن دون أن تنتبه إليها، وتنتظر أن تشرب العصير. فقد أعدت العصير للجميع، ولكن كوب سكن يحتوي على تلك المادة التي وضعتها فيه. انتهت سكن من الطعام لتنهض، فاغتاظت هند قائلة:
"اشربي العصير، ولا مش بتحبي عصير الجوافة؟ أنا عملت لينا كلنا"
نظرت لها سكن لتجيب:
"أنا فعلاً مش بحب عصير الجوافة، ولا بحب أكل الجوافة حتى"
قالت ذلك وذهبت، ليظل براء ينظر إلى هند ببعض الشك، فهو لا يثق بها منذ أن تأذت فريدة بسببها. حاول إبعاد الشك الذي استحوذ عليه بأنها قد تعلمت من خطئها، وأن كل ما فعلته قبل ذلك ليس إلا غيرة ستزول مع الأيام.
نهض حمزة أيضًا، يليه مهاب، لكن أوقفه براء متسائلًا:
"حمزة ماله؟"
نظر إليه ورفع كلتًا كتفيه على عدم معرفته، ثم قال: "هو من ساعة ما جيه من الكلية ساكت، بجيب منه الكلام بالعافية"
أومأ له، وكاد أن يذهب أوقفته سكن التي خرجت من المطبخ للتو، فقالت:
"مهاب، أنا هعمل شاي، هتشرب؟"
نظر لها وقال:
"مش عاوز أتعبك"
أردفت:
"فين التعب؟ أنا بعمل ليا أنا وبراء"
اغتاظت هند قائلةً بنفاد صبر:
"بس براء مش طلب شاي"
كاد أن يجيب عليها، لتسبقه سكن تجيب بكل رزانة: "مش محتاج يطلب، أخدت بالي إنه بيحب يشرب الشاي بعد الأكل، فمش لازم أسأله طالما دي عادة عنده"
قال مهاب وهو يتصنع النظر داخل الهاتف:
"يا كسفتك يا حازم"
1
أردف براء محذرًا له:
"مهاب"
رفع نظره يبرر جملته:
"واحد صاحبي بيحكيلي موقف حصل معاه، دخل في ما لا يعنيه فاتكسف، فأنا مكسوف ليه دلوقتي؟ هو حرام أتكلم يعني مع صاحبي؟"
قال ذلك وكاد أن يمضي ليغسل يده، ليتوقف وينظر إلى سكن:
"طالما مش فيها تعب يا مرات أخويا، كوباية شاي معاكي"
أومأت لها ليذهب ويدلف إلى الحمام. فتح الحنفية لينسدل الماء، ليتمتم وهو يغسل يده:
"زوجة أخ تكرهك في الجواز، وغيرها تحسسك إن الدنيا لسه بخير"
"وإيه كمان يا فيلسوف عصرك"
قال ذلك براء الذي يقف أمام الباب، نظر له ليغلق الحنفية، ثم جذب الفوطة المعلقة ينشف كلتا يديه، يجيب:
"فيلسوف مرة واحدة؟ هو أنا أجي جنب بنت عمي حاجة"
نظر له يحذره بحده خفيفة:
"مهاب، مش تنسى إنها مرات أخوك، بطل طريقتك وتلقيحك للكلام عشان مش بحبه"
نظر له بحزن يدرك خطأه، أردف:
"أنا آسف، مش قصدي أزعلك، بس مش هقدر أوعدك إني هبطل عشان اللي في داء صعب يغيره"
وضع المنشفة بمكانها، ثم تقدم خطوة ليكون أمام أخيه، ثم قال:
"افتكر كلامي يا براء، اللي في داء مش بيغيره، وأكيد فهمت قصدي"
تركه وذهب لينظر إلى أثره، نعم قد أوصل له ماذا يقصد، يلمح على هند بهذه الجملة، وأنها من المستحيل أن تتغير، لكنه أيضًا لا يريد أن يظلمها، يكفي كل هذه السنوات تحملت معه أنه لا ينجب، ولا مرة قررت أن تتركه، فكل مرة تتمسك به أكثر من ذي قبل، لهذا يبرر أفعالها بأنها مجرد غيرة تحق لها.
1
غسل يده وخرج، ذهب إلى الشرفة ليستنشق بعضًا من الهواء، عقله شارد في عمار وحالته الغامضة، إحساسه يقول إن هناك أشياء أخرى مازال يخفيها، وهذا أكثر ما يقلقه، ويفكر في فريدة وما تعرضت له، يفكر في علاقته بسكن، وهند التي سيظل الوضع متوترًا كلما اجتمعوا مع بعضهم. قاطع شروده دخول سكن تحمل الصينية عليها كوبين من الشاي، وضعت الصينية على الطاولة الصغيرة، ثم حملت الكوب ومدت يدها به متسائلة:
"بتفكر في إيه؟"
أجاب:
"في كل حاجة"
أخذ الكوب منها، لتحمل هي أيضًا كوب الشاي الخاص بها لتضمه بين كفيها لعلها تخفف من البرودة ونسائم الهواء. ارتشف منه ثم نظر لها:
"ده بالنعناع؟"
أومأت له قائلةً:
"مش بتحب النعناع؟"
ابتسم إليها يجيب بألفة:
"بحبه، بس بحبك إنتي أكتر"
نظرت أمامها بخجل، ليستند هو أيضًا على السور، ثم قال:
"عارفة إيه أحلى حاجة في الجواز؟"
نفت برأسها، ليجيب وهو يطالع المباني والمارة: "هي كوباية الشاي اللي بتكون معمولة بنفس، من أول بوق منها تحسي بالدفا فعلاً"
ثم نظر لها يتابع:
"والوقفة بتاعتنا دي، والكلام اللي كل حد فينا هيقوله بكل أريحية، أهو ده الجواز فعلاً، ودي بتكون أكتر لحظة حقيقية فيه، أنا وإنتي والشاي بالنعناع تالتنا"
ضحكت عند آخر حديثه، أردف بهمس:
"مش تضحكي بصوت عالي عشان بغير"
ثم أضاف بألفة وهو يطالعها بنظراته:
"يا سكنًا أذاب قلبي، ونعناعًا يشارك همي، وشايًا دافئًا يروي الروح، في ليالٍ باردة. كان السكن لي هو الحضن الدافئ، والنعناع هو النسيم العليل"
1
ابتسمت له بإعجاب قائلةً:
"كلامك حلو أوي، ومش أول مرة تقول كلام معرفش أرد عليه"
قالت ذلك لترتشف من الكوب، ليجيب:
"مش مهم تردي، المهم إنه عجبك"
أردفت مؤكدة:
"عجبني"
ثم أضافت:
"براء، أنا عارفة إنه مش وقته، بس قولت إيه في موضوع الشغل؟
ظهر الضيق على قسمات وجهه يذكر أنه قال لها سيفكر في هذا الموضوع، لكنه لا يريد لها أن تعمل. أردفت بتمعن:
"مش بترد ليه؟ براء، أنا بحب شغلي ومش هرتاح كده، صدقني هقدر أوفق بين البيت والشغل، أنا أصلاً مش بتواجد في المستشفى غير خمس ساعات بس، من عشرة لاتنين"
نظر لها يريد أن يرفض، لكنه لا يريد أن يحزنها، وأيضًا لأنها تحب مهنتها بعلم النفس وتريد أن تعمل بها. ظل على صمته بضع دقائق، أردف أخيرًا: "موافق"
نظرت له بسعادة لتعانقه، ثم ابتعدت بخجل فقد تناست أنهم بالشرفة من شدة سعادتها، أردفت: "شكرًا بجد، شكرًا، فرحتني أوي"
ابتسم لسعادتها، ثم قال:
"يارب دايمًا تفضلي فرحانة، أنا مش عاوز غير كده"
ابتسمت له، لا تعلم أن هذا الزواج الذي بدأ بمحض الصدفة، كلما تذكرته شعرت بالبغض والاختناق، ولكن كلما اختنق قلبها، يأتي براء بمواقفه ليلينه، كعادته، بكلامه اللين ومواقفه التي تسبقه.
داخل الغرفة، كانت هند تتآكل من شدة غضبها لأن سكن لم تحتسِ ذلك العصير، فتلك كانت جرعةً قد أعدّتها بعناية فائقة، وكانت تعتزم المداومة عليها حتى تبلغ مبتغاها وتتيقن من عدم حملها على الإطلاق. لكن سكن كسرت توقعاتها حين رفضت احتساء العصير. ومع ذلك، فإن هند لن تتراجع عن مسعاها، وستحاول مرةً أخرى، فهي ترى أن الكف عن هذا الأمر مستحيل.
1
ــــــــــــــــــ
داخل فيلا راشد العمري، وفي الطابق العلوي، داخل إحدى الغرف، كانت تجلس على الفراش، تضم ساقيها إلى صدرها، وتتذكر كل كلمة ألقاها باسل في وجهها. انهمرت عبراتها وهي تتذكر أنها ليست بالنسبة له سوى هدف وانتقام يريد تحقيقه. أتت إلى هنا منذ بعض الوقت، ولكن كالعادة، لا يوجد أحد هنا. لا أب يتساءل أين كانت، ولا أم تحاول أن توجهها للصواب، ولا أخ يكون رفيقًا لها.
نهضت من على الفراش لتتوقف أمام المرآة، وقد أطالت النظر إلى نفسها، ثم أمسكت بأحد التحف الصغيرة الموضوعة على التسريحة وألقتها بالمرآة لتتهشم وتتساقط... كما تتهشم روحها داخلها. ظلت تنظر إلى شظاياها بضياع، كأنها باتت لا تعرف نفسها ولا تدري ماذا تريد من هذه الحياة. جلست على الأرضية وأخذت تبكي، وعلا صوت شهقاتها، ولكن من سيستمع لها؟ فهي وحيدة بين جدران غرفتها، أو بالأحرى داخل هذه الفيلا بأكملها. منذ طفولتها وهي وحيدة، وإلى الآن لم تذق سوى طعم الوحدة.
ـــــــــــــــــ
داخل البناية التي يسكن بها عمران، دلف إلى غرفة أخيه الذي كان لا يزال نائمًا منذ آخر حديث بينهما. اقترب وهزّه برفق قائلًا:
"عمار... عمار"
فتح الآخر عينيه بانزعاج، ثم اعتدل وأمسك رأسه بألم. أردف عمران:
"إنت نمت كتير، قلقت عليك، وكمان إنت مكلتش حاجة. يلا قوم ناكل في الصالة، كفاية قعاد في الأوضة"
نظر إليه ثم أومأ على مضض، ليزيح الغطاء وينهض. خرج من الغرفة ليدلف إلى الحمام، ليقترب عمران ويخرج الطعام من الأكياس. نعم، فقد طلب طعامًا جاهزًا، وأيضًا أيوب قد طلب له. اقترب وسحب الكرسي ليجلس عليه، رمقه عمران بضيق ليجلس هو الآخر، ليخرج عمار ويجلس هو أيضًا. تمتم أيوب بفظاظة:
"آخرتها أقعد على سفرة واحدة مع مدمن وديلر قد الدنيا"
غضب عمار منه لكنه التزم الصمت، أردف عمران بضيق لا يخلو من الغضب أيضًا:
"أيوب، لو سمحت متدخلش في حياتنا، خليك في سبب وجودك هنا وبس"
تنهد ليشرع في الأكل ثم قال:
"أي حياة عندكم؟ أخ مشبوه وأخ مدمن وواحد متوحد وإنت"
توقف عن استرسال حديثه ثم قال:
"لا، بلاش عشان هيبة إنك الأخ الكبير وكده"
"زودتها أوي"
قال ذلك عمران بنفاد صبر، ولكن قابله الآخر ببروده المعتاد. أردف بتهكم:
"عشان بتكلم عن الأمر الواقع، إخواتك كلهم بقوا رد سجون"
ضرب عمران الطاولة بقبضة يده، تنفس بعنف يحاول التحكم بنوبة غضبه، ثم رفع سبابته يهتف:
"إلا إخواتي، ملكش دعوة بيهم، فاهم؟"
"أنا مليش دعوة بيهم هنا، اللي بيظهروا في طريقي"
أردف بذلك وهو يتابع طعامه ببرود طاغٍ على شخصيته السمجة. زفر عمران يستغفر بسره لعله يهدأ، أما عن عمار فكان فقط يتابع الموقف. لينهض أوقفه عمران قائلًا:
"رايح فين؟ إنت مكلتش حاجة"