📁 آخر الروايات

رواية لقياك لي المأوي الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم اية احمد

رواية لقياك لي المأوي الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم اية احمد


الفصل الثامن و العشرون ج1



حالة من الصدمة أخرستها و جعلتها كتمثال منحوت بعينين جاحظتين ترمق بهما من يتواجد معها في هذه الغرفة التي لا تذكر كيف وصلتها...أصوات تتراشق و تتطاير فوق رأسها فالجميع يتحدث بلا استثناء... لكنها مستثناه من رفاهية الحديث... في الواقع هي لا تملك القدرة على الحديث!...ابتلعت ريقها بصعوبة و قد اهلكتها وقفتها و ألم بطنها يشتد كلما طالت...ماذا حدث معها بحق الله؟!
(انها خيانة يا حضرة الضابط و نحن شاهدتان عليها ألا يكفي هذا لترميها في السجن؟!)
لبنى في جلستها العصبية أمام مكتب الضابط تحاول جاهدة ألا تمنح فلك فرصة واحدة في قول شيء... بينما ميرنا الجالسة قبالتها تناظرها بنظرات ساهمة متوترة...رمق الضابط فلك في وقفتها البالية جوار هذا الرجل الذي القوا القبض عليه معها بتفحص... الرجل وحده يكفي لأن تُثبت التهمة و لكن هي لا تبدو ابدا كمجرمة ترتكب جرما كهذا...حسنا فليهدأ و يُخرس هذه المرأة المزعجة ليستمع الى اقوال... المتهمين!
(سيدة لبنى اصمتي قليلا و دعينا نرى عملنا فنحن لا نحتاج توجيهاتك بالمرة...)
لم يهتم الضابط بنظرات لبنى الناقمة فعاد ليولي تركيزه كله للماثلين أمامه فيسألهما بحزم شديد...
(ما هي أقوالكما في التهمة الموجهة اليكما؟!...)
الصمت الذي حل ضيفا في غرفة مكتبه لا يطيقه لذا احتد صوته و زادت خشونته ليأمرهما بقسوة...
(لا أحب هذا الصمت فلتتكلما و تقولا كل شيء... انتما متهمان بقضية زنا و هنا شاهدتين وجدتاكما في غرفة نوم زوج المتهمة!... أم نعتبر صمتكما اعترافا بالتهمة؟)
تساقطت دموع فلك بعدما منحها الصمت حولها القدرة على الانصات فجلدتها كلمات هذا الضابط... نظرت له بتيهٍ واضح لتهمس بصوت مبحوح غير مدرك ما تهمتها حقا..
(أي تهمة؟!!!... أنا مظلومة... لماذا أنا هنا؟!)
كادت لبنى تتكلم فأشار لها الضابط بحزم ألا تفعل ليعود ينظر لفلك متسائلا بصبر...
(فلتخبرينا أقوالك في محضر رسمي لنعرف إن حقا كنتِ مظلومة)
تكورت يداها على بطنها و تجعد ما بين حاجبيها بألم قبل ان تحكي ببقايا صوت تهالك...
(كنت في غرفتي و فجأة دخل علي هذا الرجل و تهجم علي... حاولت أن أهرب منه لكنه منعني فصرخت انادي على أمي و الخادمة لكن لم يظهر أحد... و حينما تمكنت من الإفلات منه ضربته فوق رأسه فسقط أرضا و بعدها... دلفت ميرنا و حماتها و رأتاه مرمي ارضا برأس ينزف!)
ضيق الضابط عينيه ليسألها...
(و كيف دخل رجل غريب الى بيتك بل لغرفتك دون علم مَنْ بالبيت؟!...و أين اختفت والدتك في هذا الوقت تحديدا لأننا وجدنا الخادمة و هي بالخارج كشاهدة)
هزت فلك رأسها ببكاء تهمس...
(لا أعرف...)
تطلع اليها الضابط قليلا حتى صدر صوت المتهم جوارها...
(ما تفعلينه لن يفيد و قد القوا القبض علينا)
اتسعت عينا فلك بجزع و هي تناظره بأنفاس تتسارع...ماذا يقول هذا الرجل؟... صوت الضابط المتسائل قذف في قلبها الرعب أكثر
(و ماذا تفعل هي؟.. يبدو أنك أكثر تعقلا و ستعترف)
ضغط الرجل على جرح رأسه بهذا القطن الذي منحوه له قبل الدخول الى هنا ليقول بندم زائف..
(الشيطان أغوانا يا حضرة الضابط لكن صدقني هي من طلبت مني القدوم الى بيتها لأن زوجها مسافر أنا كنت مكتفي برسائلنا الهاتفية)
صرخت فيه فلك بذهول مشتت...
(ما الذي تقوله أنت؟!!!... أنا لا اعرفك و لم أرك يوما!)
وزع الضابط نظراته بينهما بتدقيق بينما لبنى تربط على ابتسامتها بصعوبة و ميرنا داخلها يعاني كلما سمعت صراخ فلك... تنهد الضابط ببطء قبل أن يسأله بتمعن...
(و إن كانت تعرفك و تراسلك كما تدعي لماذا ضربتك على رأسك؟)
تأوه الرجل بحسرة ليجيب...
(هذا لأنني غشيم و قد ظننت انها ستفي بوعدها لي)
اقترب الضابط من مكتبه يتساءل بترقب...
(أي وعد؟)
نظر له الرجل مليا ليقول بعدها باستسلام...
(لن يفيد الكذب الآن... اسمع يا حضرة الضابط لقد تعرفت على هذه المرأة قبل شهر تقريبا او أقل لا اعرف لست جيدا في الحساب...ارسلت لي رسالة تخبرني انها تعاني من الملل و زوجها رجل عجوز لا يتماشى مع شبابها فلم استطع الرفض فأي مجنون يرفض امرأة عرضت نفسها عليه؟!...)
بصبر شديد حثه الضابط...
(ها أكمل...)
هز الرجل رأسه بتفهم يقول...
(بدأ الأمر بالمراسلة العادية ثم تطور برغبة منها هي حينما طلبت أحم أن نتحدث في أمور.... أنت سيد العارفين يا باشا)
هز الضابط رأسه بتفهم و بملامح جامدة نظر الى فلك التي تقاطع الرجل بصراخها المصعوق و هي تردف
(كذب... ما يقوله كذب!)
فأوقفها بأمر قاسٍ حازم ليعود بنفس القسوة الى الرجل قائلا..
(مفهوم و ماذا حدث بعد؟)
تنحنح الرجل قبل أن يقول...
(بعدها حاولت ان تظهر رغبتها في لقاء يجمعنا لأن الرسائل ما عادت تنفعها و حينما رفضت اخبرتني انها ستيسر كل شيء خاصة ان زوجها سيسافر و ستبقى بمفردها و ايضا عرضت علي مبلغ كبير...و بعدما وافقت و ذهبت اليها طلبت منها المال قبل أي شيء لكنها رفضت... اخبرتها انني سأرحل فلم أشعر بها إلا و هي تضربني على رأسي بزجاجة العطر ثم أتت هاتان السيدتان و شرفت الشرطة)
تدخلت لبنى بسرعة تقول...
(ها قد اعترف بنفسه بأنهما على علاقة محرمة)
(اصمتي و إلا ستخرجين من هنا)
أمر الضابط الحاد جعل ميرنا تنتفض في مجلسها و رعبها يتضاعف... انهما تلعبان بالنار و إن خرب كل شيء لن تحرقهما فحسب بل ستتفحمان كليا...صوت فلك الهستيري و هي تصرخ اوجع قلبها فلم تتوقع يوما ان تنزل بمستواها الى هذه الدرجة لتتهم زورا امرأة بتهمة بشعة كما فعلت في فلك... ربما حماتها محقة و فلك مثل أمها لكنها لم ترَ هذا و لم تسمعه أما الآن فهي أكيدة من أنه افتراء...
(هذا كذب أنا مظلومة... و الله كذب انا لا اعرفه و لم افعل هذا ابدا...انه يفتري علي هاتفي معطل منذ فترة من قبل سفر زوجي كيف سأراسله و أطلب منه المجيء للبيت؟!!!)
ما يميزه عن زملائه في العمل أن حدسه دوما يصيب و الآن حدسه و ضميره و خبرته يكادون يقسمون ان صرخات هذه المرأة صادقة لكن ما إن وجد الدليل بطلت صرخاتها للأبد... لذا سألها و كل نيته ان يساعدها لشيء ما بداخله...
(هل لديك شهود على ان هاتفك معطل؟)
هزت فلك رأسها بسرعة تجيب...
(نعم أمي و وردة... انها من وجدته في الغرفة كان تالفا بالكامل)
رمقت لبنى الرجل بأمر ففهم ما تريد ليتقدم من مكتب الضابط قائلا بصوت مذهول...
(انها بارعة في الكذب يا حضرة الضابط... صحيح ان كيدهن عظيم!... تفضل سعادتك هذا هاتفي عليه الرسائل التي اخبرتك عنها من رقمها)
اخرج هاتفه من جيبه يضعه على المكتب فيلتقطه الضابط و عيني فلك تكادان تخرجان من محجريهما من صدمتها... فتح الضابط الهاتف ليصل الى التطبيق المعني فيجد رسائلا عديدة بعبارات صريحة تدينهما بالخيانة... رفع عينيه لفلك يقول بترقب...
(هل رقمك هو "...."؟!)
شعرت بقدميها تهتزان من هول ما تمر به فارتعشت كليا و كادت تسقط ارضا بينما تهز رأسها له بقول مرتعش...
(نعم... رقمي)
زفر الضابط بقوة ليقول ببعض الصرامة...
(هنا توجد رسائل مرسلة من رقمك اليه كما قال)
قضمت فلك شفتيها بقوة لتنفرجا بعد قليل بينما تهمس بقهر...
(لم افعل شيئا و الله... هذا كله افتراء)
وضع الضابط الهاتف بحدة فوق مكتبه لينادي بصوت جهور على مساعده و الذي بعدما دلف أمره بخشونة...
(أدخل الحارس و الخادمة حالا)
تعلقت عينا فلك بالباب تراقب دخول منقذيها من هذا الظلم الجائر... دلف الحارس و بعده وردة التي تشيح بوجهها عن فلك... سألهما الضابط عما يعرفان فتكلم الحارس بما حصل امامه...
(لقد جاء هذا الرجل يطلب الدخول لأن السيدة فلك تنتظره و بعدما تأكدت من هذا سمحت له... هذا كل ما اعرفه)
سأله الضابط بتفحص...
(و كيف تأكدت؟)
اشار الحارس على وردة المنكمشة في وقفتها قائلا...
(وردة جاءت قبل ان اهاتفهم تخبره بأنه قد تأخر و السيدة في انتظاره)
توجهت نظرات الضابط و فلك لها فشعرت بأن دمائها تتجمد في عروقها... و مع سؤال الضابط و نظرة لبنى المهددة انسابت شهادتها الزور بكلمات مهتزة...
(لقد اخبرتني السيدة فلك بقدومه و طلبت مني ان ادخله و قد نفذت طلبها)
(وردة!!!)
اسمها الذي خرج من شفاه فلك الجافة من الظلم الواقع عليها عصر قلبها لكنها اكملت حينما سألها الضابط عن الهاتف...
(لم يحدث يا حضرة الضابط أنا لم أجد هاتف السيدة فلك و هي لم تسألني عنه اصلا)
هربت الأنفاس من بين شفتي فلك و هي تناظر وردة التي تلفق لها تهمة هي أول من تعرف انها كذب... ثم يراودها شعور بأن كل هذا مدبر من اثنتين فتتحرك عيناها اليهما و تتضح لها الصورة بعدما رمقتها لبنى بدونية و شماتة!... نكست رأسها باستسلام و لا تعرف حقا من هنا سيصدقها لتتحدث؟!...سؤال الضابط لها كان كمحاولة انعاش مريض يقف على حد فاصل بين الموت و الحياة...
(فلك هل لديك أية أقوال أخرى تودين قولها؟)
همست بأحرف تعاني...
(و هل ستصدقني و كل الأدلة ضدي؟!...أنا بريئة من كل هذا و لا اعرف لمَ يرمون علي تهما لم اقترفها)
صوت ضوضاء و صياح بالخارج لفت انتباههم جميعا حتى فُتح الباب لتطل منه هيام التي تحاول ان تدخل عنوة...
(اتركني أدخل ابنتي بالداخل بمفردها)
هدر بها الضابط بحدة...
(من أنتِ و من سمح لك باقتحام الغرفة؟!)
تملصت هيام من يد المساعد لتدلف فيهالها منظر ابنتها و يقبض قلبها... اشارت عليها مجيبة سؤال الضابط
(أنا هيام أم فلك... لقد هاتفوني يخبروني ان ابنتي هنا... لماذا هي هنا و ماذا حدث معها لتصبح بهذا الشكل المريع؟!!)
اشار الضابط لمساعده بأن يخرج و يغلق الباب فيقول بعدها لهيام...
(ابنتك هنا لأنها متهمة بالزنا و يوجد شهود و دلائل على هذا)
ذهول هيام كان واضحا في شهقة غير مصدقة و عينين متسعتين... تماسكت بكل قوتها لتتوجه الى ابنتها تناظرها بجزع ثم تقف أمامها و تواجههم جميعا حينما اردفت بثقة لا تقبل الشك...
(هذا كله كذب... ابنتي يستحيل ان تفعل هذا و كيف ستفعله و نحن معها في نفس البيت؟!...)
طالت نظرة الضابط لهيام قبل ان يسألها...
(لكنك لم تكوني في البيت حينما وصلنا...أين كنتِ؟)
يقين يجتاح هيام بأن ما يحدث لابنتها هو من صنع يد هذه المرأة الحقيرة التي تناظرها بخبث حية ماكرة... ضيقت عينيها بتركيز و كأن هناك من يهمس في أذنها بأن ما حدث لها و قصة حريق الشقة يرتبط بابنتها...
(لقد جاءني اتصال يخبرني ان شقتي في الحي احترقت فلم أفكر مرتين قبل ان أركض لأرى ما حدث... و حينما وصلت للحي لم أجد بها خدشا واحدا حتى)
لاح الاهتمام على محيا الضابط فسألها...
(من هاتفك هل تعرفينه؟!)
الهاتف الذي بقي في كفها فتحته فورا و هي تقترب من الضابط بينما تجيب...
(ولد من الحي اسمه هاني اتصل بي من رقم غير مسجل عندي يبلغني بما اخبرتك به للتو... و حينما سألت عنه أهل الحي قالوا انه كان يقف مع رجل غريب و خرجا معا من الحي و لم يعد...لا أحد من سكان الحي يعرف رقم هاتفي لأنني حصلت عليه بعدما تركت الحي و لم أزره سوى اليوم فقط)
وضع الضابط هاتف هيام ليجاور هاتف الرجل على مكتبه فيطول صمته المفكر قبل ان يقول...
(ما تريدين توضيحه هو انه ربما اجبرك احدهم للخروج من البيت حتى تبقى ابنتك بمفردها...)
هزت هيام رأسها بموافقة و قلبها ينبض ترقبا حتى قال الضابط ما افزعها...
(ربما من فعل هذا هي ابنتك كي تسهل لقاءها مع هذا الرجل)
بهتت ملامح هيام بقوة لتهمهم...
(ماذا تقول؟!!)
ربت الضابط بأصابعه على سطح المكتب ثم قال...
(هناك دلائل ملموسة و شهود لا يمكننا غض الطرف عنهم...الرسائل المرسلة من هاتفها وحدها تثبت التهمة عليها و الأكثر من هذا أنه تم القبض عليها متلبسة في غرفة زوجها عازمة النية على خيانته)
تنفست هيام بسرعة مهولة و عقلها حقا لا يستوعب ما يقال و لكنه التقط كلمة هاتف فعادت تدافع عن ابنتها الباكية بتوجع خلفها...
(كيف سترسل ابنتي رسائل و هاتفها تدمر؟!!!... إن كنت لا تصدقني اسأل وردة هي من وجدته بنفسها)
ان تنطق الأم بنفس ما نطقته الابنة يعزز من حدسه كثيرا لكن لا عليه أن ينخدع بوجه بريء و دموع قد توازي دموع التماسيح... الدليل بيّن و هذا كل ما يحتاجه لذا قال
(الخادمة تنكر كل هذا)
(ماذا؟!!!!!)
صوت هيام المصعوق كان يوازي نظرة مخيفة رمقت بها وردة ثم تزايد غضبها مما قد فهمه عقلها و بأي مكيدة وقعت فلك لتصرخ بقوة..
(يا ناكرة الجميل!!... تشهدين بالباطل على ابنتي التي احسنت معاملتك.. هل هذا جزاء عطفها عليك... و الله لأجعلنّك تندمين على افتراءك هذا)
اخترقت هيام الجميع لتتمسك بشعر وردة تجرجرها منه و هي تصرخ بها بينما وقف الضابط يصرخ فيهم جميعا بحدة و يأمر مساعديه أن يفكوا التشابك الذي يحصل... و بمعاناة تمكنوا من اخراج وردة من تحت قبضة هيام التي نالها تهديد صريح من الضابط...
(هل فقدتِ عقلك لتفعلي هذا في مكتبي و امامي؟!...يمكنني ان القيك في الحبس الآن جراء فعلتك هذه)
اقتربت ميرنا من حماتها تتهرب من نظرات هيام المتوعدة...تحدثت لبنى بتعجب
(لا أعرف ماذا تنتظر يا حضرة الضابط نحن و شهدنا خيانتها و أنت رأيت بعينك الرسائل فلتضعها في السجن و تخلصنا من واحدة مثلها لوثت سمعتنا)
(أنتِ لن تعرفيني شغلي)
صوت الضابط المحذر جعل لبنى تصمت مبتلعة كل شيء فقط لتذهب فلك الى ما وراء الشمس و تتخلص منها...بينما تهذي هيام بجزع
(ابنتي بريئة يا حضرة الضابط... هم اتفقوا عليها لأنها تزوجت طارق طلال دون رغبتهم... يريدون ان يتخلصوا منها بعدما حملت خوفا من ان ترث معهم... ارجوك صدقني ابنتي ليست كما يفترون عليها)
بحزم قاطع تكلم الضابط...
(المتهم بريء حتى تثبت ادانته و ابنتك مدانة بالدليل...و الآن سيتم حبسها حتى يعود زوجها من سفره لنرى إن كان سيقاضيها أو يسامحها)
ابتسمت لبنى بصورة واضحة فقالت...
(السيد طارق بالتأكيد سيجعلها تدفع ثمن فعلتها في حقه... من يدري ربما هذا الطفل ليس ابنه ايضا)
نادى الضابط على مساعده فدلف الأخير ليأمره الضابط...
(خذ المتهمين و ادخلهم الحبس...)
صوت بكاء فلك كان عاليا فلا تصدق بأن مصيرها سيكون مجرد سجينة بتهمة خيانة... خرج الجميع من المكتب بعدما سحبت لبنى ميرنا المتأثرة و وردة النادمة... تمسك المساعد بذراع فلك يجرها أمامه فتتوجع بصوت مسموع جعل هيام تتشبث بها طالبة الرحمة... خرج المتهم بصحبة العسكري و قبل ان تخرج فلك تكلم الضابط...
(اتركها هنا...)
نظرت له فلك ببكاء كما نظرت هيام بأمل فتكلم هو بضمير انساني...
(ستبقى هنا في مكتبي حالتها لا تسمح لها بأن تدخل الحبس)
اقتربت منه هيام بعينين دامعتين تقول...
(ابنتي مظلومة اقسم لك... انها مكيدة مدبرة لها منهم و لا اعرف لماذا افترت عليها الخادمة)
ناظرها الضابط بتضامن فلا يدخل عقله اعتراف هذا الرجل بهذه السهولة ليقول...
(لن نستطيع فعل أي شيء دون دليل و للأسف هم معهم الدليل... فلننتظر الغد ربما عفى عنها زوجها)
ضيقت هيام عينيها بتعب لتهمس..
(يعفو عنها من تهمة هي بريئة منها؟!... ربما تمكنوا من اللعب في عقله ماذا سيكون مصير ابنتي؟!)
عادت عينا الضابط للنظر الى فلك المرهقة فيقول...
(لو رفض مسامحتها سيتم حبسها لمدة سنتين)
شهقت هيام برعب بينما فلك نكست رأسها تناظر ابنها المتألم داخلها... هل ستحمله عارا ليس ذنبها او ذنبه؟!...




انتفض عزت من مكانه أمام بيت السمري حيث اعتاد البقاء أملا أن يعود داغر و يعرف بأي أرض هو... لكن توقف سيارة سليمان المراكبي هنا جعله يتأهب كليا و يتوقع مصيبة ستحدث في الدقائق المقبلة... رأى سليمان يخرج من سيارته بمعالم وجه حُفر الغضب فيها معلنا كوارث... اقترب عزت خطوتين مهتزتين تجاه سليمان الذي دفع الباب الحديدي لبيت السمري بقبضتين حادتين ثم جهر بصوته الهادر...
(داغر...)
اهتزت انفاس عزت برعب ليهمهم و هو عند بوابة البيت حيث يرى سليمان يصعد السلم الى شقة ممدوح...
(داغر!... ما الذي فعله ليثير غضب سليمان المراكبي دفعة واحدة؟!)
حك رأسه بتفكير مشوش و كل ما يريده هو ان يصل حقا لداغر و يبلغه بما يحصل كي يأخذ حذره... لكن عيناه اتسعتا بهلع فهمس بقلب وجل...
(هل عرف سليمان المراكبي عن زواجه بهدير؟!!...و الله لو هذا ما حدث سيقتلع عنق داغر بيده و لن يوقفه أحد... انه سليمان المراكبي بنفسه من أتى!!!)
و على باب شقة ممدوح كان صوت سليمان قد سبقه و اعلن عن هوية الطارق الذي يكاد يخلع الباب من شدة الطرق...و في الصالة أول من خرج كانت ام سلطان... واقفة ببسمة راضية أمام الباب المغلق و الذي يفصلها عن أسد هائج...و بعدها خرجا ولداها بملامح مماثلة كلهم يقفون يناظرون الباب و كأنهم ينتظرون ان يهدمه سليمان في أيه لحظة... و عند غرفة ممدوح جر عجلات كرسيه المتحرك ليخرج بوجه مصدوم متخوف من قدوم سليمان الى هنا... ابتلع ريقه ثم هدر في حكيم بأمر واهن...
(هل اصابتكم الصدمة بالصم؟... اذهب يا حكيم افتح له الباب)
سحب حكيم نفسا كبيرا ليهز رأسه بموافقة طائعة قائلا...
(أمرك عمي فالمكتوب علينا لن يمنعه عنا مجرد باب يكاد ينكسر تحت قبضتي سليمان المراكبي)
و على إثر حديثه توجه الى الباب يفتحه و فور فتحه تراجع للخلف مختل التوازن بسبب دفع سليمان للباب... دلف سليمان بغضبه المتفاقم يناظر ممدوح هادرا...
(أين ولدك؟)
اهتزت حدقتا عينيه بينما يجيبه بصوت متوجس...
(ماذا تريد منه يا سليمان؟)
اخرج سليمان سلاحه يشهره في وجه ممدوح هادرا بنية لا لبس بها...
(ابنك استباح حرمة بيتي و من يجرؤ على شرفنا نقتله)
تمسك ممدوح بيدي كرسيه يداري رعشته المرتعبة فيقول بصوت مخادع...
(ما الذي تقوله يا سليمان؟!... تتهم ابني الذي مد يده لكم للصلح بعد خروجه من السجن)
احمرت عينا سليمان بغضب ليقترب من ممدوح يخرسه بقوة صوته الجهور..
(ليس على سليمان المراكبي يا ممدوح فإن تغاضيت عن قذارة ابنك و هادنت خبثه فلا يعني انني صدقته...أين هو؟!)
سؤال سليمان حمل في حروفه رائحة الدماء فانقبض قلب ممدوح... داغر ان كان لا يضاهي مظهر أخيه في قوته و دمائه الحامية و إن فضل مظهر عليه لسنوات هذا لا يعني انه يكرهه... انه ولده المتبقي له و الذي حاول جاهدا ان يثنيه عن معاداة ابناء المراكبي يوم خرج من السجن... نظر ممدوح لعيني سليمان المخيفتين قائلا برجاء...
(لا نريد سلك طريق الدم مجددا سليمان فإن كان لديك بدل الولد ثلاثة فأنا لا أملك سوى داغر... اتركه و ما فعله يمكننا ان نصلحه)
احتدت نظرة سليمان ليهدر بعنف...
(أنت تعرف ماذا فعل ابنك و تدعي الجهل!... ابنك غصبا عن رغبته سيفعل ما نريد نحن و بعد ذلك... و حق لا إله إلا الله لن أرحمه)
صرخ ممدوح بعجز يتوسل الى سليمان...
(لا سليمان لا تستغل عجزي)
رمقه سليمان بنظرة جامدة ليقول بعدها...
(أنتم من لم يحترم حرمة و لا عجز... انتم البادئون و البادئ اظلم)
توقفت نظرات سليمان هذه المرة على عيني ام سلطان... كم سنة مرت منذ أخر يوم رآها فيه؟!... يوم حملته دم زوجها ظلما و ظنت انه قاتله... اشاح بنظره بعيدا عنها ليجهر بأمر تتشقق لحدة صوته الجدران...
(أين الحقير عديم الشرف داغر؟)
طال صمت سلطان قبل ان يسأل سليمان بعينين ضيقتين...
(لماذا تريده الآن و القصة مضى عليها ما يقارب سنة و ابنك الصغير تستر عليها و انتهى الأمر؟!)
توقفت انفاس سليمان للحظات يعقد ما بين حاجبيه بصمت مهيب حتى نطق حكيم محدثا اخيه...
(و ربما هو هنا لأجل ابنة عبد الصبور)
تقدم سليمان من سلطان يجذبه بقسوة من تلابيبه يرجه بقوة و ينظر في عمق عينيه فيرسل في اوصاله رعدة بينما يسأله...
(أي قصة افتعلها داغر و تستر عليها كرم؟!!!)
برم سلطان شفتيه بعدم رضا ليسبل اهدابه يناظر قبضة سليمان على قميصه... رفع عينيه الى عيني سليمان يقول بجمود...
(يبدو ان كبير عائلة المراكبي اخر من  يعلم... لكن لا تحزن يا حاج للسن حكمه و كرم ابنك بالتأكيد كان يخشى عليك حينما اخفى حقيقة زواجه من الدكتورة بعدما جعلها داغر تدفع ثمن مساعدتها لأبنك قبل سنوات فأرسل لها شباب قاموا باغتصابها)
اشتدت قبضة سليمان على قميصه و قد شعر بلهيب الغضب يحرق بشرته... اقتنص سليمان عيني سلطان يأمره بصوت مرعب...
(أين سأجده؟)
صراخ ممدوح المتوسل لابن اخيه جعل سلطان يتلكأ باستمتاع و يعرف ان أمه و اخاه يستمتعان مثله...لكن رد فعل سليمان الغير متوقع اصابهم بالرعب حينما اطلق رصاصته لتعبر من فوق رأس سلطان و تسكن الحائط خلفه ليهدر بعدها بوعيد صادق...
(الثانية ستكون في رأسك إن لم تنطق)
لملم سلطان فزعه مما حدث ليجيبه بسرعة...
(ستجده في مصنع "..." المهجور خارج المدينة الساحلية على الطريق الصحراوي)
نفضه سليمان بحدة فتراجع سلطان للخلف يتعرقل في سجاد الأرضية... و حينما تمالك نفسه التقط من اخيه نظرة متوجسة تخبره بأن ما يريدانه لم ينتهي بعد... فاعتدل في وقفته و حاول ان يصل الى سليمان يمنعه من الخروج الآن لكنه يراه يكاد يصل للباب... لن يتمكن من فعلها!... هذه الفرصة لو اهدرها لن يجدها مجددا ابدا!... و من بين ثنايا الصمت القابع في روح أمه انبثق الكلام كصرخات مُذكرة و شامتة جعلتهم جميعا يوجهون نظرهم اليها بمن فيهم سليمان...
(اخبرتكما قبل سنوات ان دماء مؤنس ستلعنكما و تحيل حياتكما لجحيم...)
بعدما التفت لها عند باب الشقة ليناظرها و هو كما هو لم يحرك ساكنا... هذه المرأة الثكلى لم ينقشع غطاء بصرها بعد؟!...و بصوت يشابه صوته قبل سنوات يخبرها بما اخبرها به حينها قال...
(أنا بريء من دم زوجك و الجحيم أنتم من أشعل ناره... حسابكم لم يبدأ بعد فقط انهيه أولا مع داغر و بعدها اقسم بالله لأجعلكم تتجرعون الويل)
رمقته ام سلطان بجمود مستهين بوعيده فلم يعطها بالا ليخرج من باب الشقة بينما يعتصر سلاحه في قبضته... داغر عاث فسادا مستغلا صمتهم عليه... لم يرد ان يهدر دماء رجال سيحاسبه الله عليهم يوم الحساب لكن الى حد العرض و كفى... الكلب لم يكتفي بهدير فقط بل وصل الى غسق!!... دون علمه و كأنه في غفلة عن الحياة أجمع!... متى و أين تمكنوا منها هؤلاء الكلاب و كيف صمت كرم و لم يعيد حقها اليها؟!...يا ويله مما سيفعله به و الله سيجعله يصرخ بعلو صوته طالبا الموت و لا يطاله...
بالأسفل...
لا يفقه عزت فعليا ما يحصل و هو يرى رجال حكيم يدلفون سيارة سليمان لبعض الوقت ثم يخرجون سريعا... ضيق عينيه بعدم فهم لكن نزول سليمان المنذر بعواصف شتوية ستقتلعهم من الجذور جعله ينوي تتبعه فربما تمكن من منع شيء من الحدوث!...شغل سليمان محرك سيارته فركض عزت في اتجاه السيارة لكنه توقف بعدما سمع صوت سلطان و حكيم القادم من بوابة البيت... دارت عيناه في كل مكان حتى اهتدى للاختباء داخل الزقاق المجاور للبيت ينصت بجدية... وصل الاخوان للخارج فنادى حكيم على رجاله يأمرهم بجلب السيارة ثم يسألهم عن مهمتهم فيجيب احد رجاله بيقين...
(كله كما اردت يا ريس... لقد نزعنا المكابح من السيارة و كلها ساعة او اثنتين بالكثير و سنسمع خبر موت سليمان المراكبي)
اتسعت بسمة حكيم ثم ربت على ذراع الرجل يقول بأمر...
(ابقوا هنا عند البيت لا تتحركون حتى يصل لكم خبر موت داغر)
جحظتا عينا عزت بهلع بعدما سمع ما قيل... سيقتلون سليمان و داغر الليلة!!!... ماذا يفعل؟!... أيذهب خلف سليمان لينقذه و يمنع مستقبل قريب ملئ بالدماء مجددا سيجمع العائلتين أم يتتبعهما ليلحق داغر؟!... داغر أم سليمان يا عزت؟!... من يمكنك انقاذه الليلة؟..
**********
ضربات قلبها الهادرة تصم اذنيها بقوة بينما تدور عيناها في كل ما يتواجد حولها برعب... لقد قاربت الساعة على التاسعة و النصف و ها هي جاءت مع الممرضة الى الشقة التي يفترض ان تجري بها العملية... بيت قديم مظلم تشع منه الرطوبة و رائحة المخدر تزكم انفها... قضمت هدير شفتها بقسوة كادت تدميها لتهمس بعدها للممرضة التي تحاول فتح باب الشقة امامها..
(هل يستطيع حقا هذا الطبيب اجراء العملية لي؟)
فتحت الممرضة الباب لتدلف و تتحسس الحائط المجاور له لتشغل الكهرباء ثم تلتفت لهدير الشاحبة تسحبها من يدها الى الداخل بينما تقول بضجر و هي تغلق الباب خلفها...
(كم مرة سألتِ هذا السؤال؟!... قلنا نعم هذه ليست أول مرة يجريها!)
ابتلعت هدير ريقها برعب و جسدها كله يتجمد من برد الانتظار قبل برد الشتاء... بللت شفتيها بلسانها و عيناها تجولان في الشقة حولها... المكان غير مرتب و غير نظيف... قفازات طبية ملوثة هنا و هناك و ادوات طبية مرمية ارضا... قبضت بيدها على صدر عباءتها تلملمها عليها بخوف... تتبعت الممرضة التي بدأت تتحرك حولها استعداد لعمليتها... ما عادت تحملها قدماها فخارت قواها و انحنت ساقيها اسفلها لتلامس ركبتها اليسرى الأرض بينما تستند بكفها على الحائط خلفها... رأتها الممرضة فأسرعت اليها تسندها لتستقيم بينما تهدر بتوبيخ
(لا و حياة والدك تجلدي و تحملي قليلا فلم تبدأ العملية بعد و لا نريد ان نُبتلى بكِ)
بكت هدير برعب تهمس...
(انا مرعوبة...)
عوجت الممرضة شفتيها بينما تصل بهدير الى كرسي بلاستيكي تجلسها عليه لتقول بجفاء...
(الآن فقط تذكرت الرعب و لم تتذكريه و أنتِ تفعلين مصيبتك هذه!)
جلست هدير على الكرسي تنخرط في بكاء مرير لم يعجب الممرضة فتركتها و ذهبت تستكمل عملها قبل ان يأتي الطبيب... بكت بكل قوتها حتى تهدجت انفاسها و خارت قواها فلم يعد مباحا الاستماع إلا لصوت xxxxب الساعة المعلقة على الحائط فوقها...كل دقة في قلبها توازي ايقاع العقرب "تك توك" فتبلغها معه ان عمرك ينساب ببطء من بين يديك... لا تعرف ما هذا الشعور الذي احتلها لكنها ادركت في هذه اللحظة انها ستهلك... ارتعشت اصابعها و هي تخرج هاتفها من حقيبتها تحاول ان توقف ايقاع الxxxxب ان تصمت دقات قلبها ان تنقذ نفسها من كل هذا الرعب... ربما سيوافق... ربما!!!... و على هذا الأمل الوليد وصلت لاسمه في قائمة الاسماء و ضغطت اتصال ليقابلها ايقاع آخر من الرنين الذي كلما طال اقتلع جزءًا من روحها... و مع اخر رنة اغمضت عينيها بجزع فسالت دموعها على خديها...همهمت بتوسل بالي
(انها فرصتي الأخيرة يا داغر... ارجوك)
فتحت عينيها الباكيتين بعدما قررت انها سترسل له رسالة...
«داغر أنا في عيادة في حي"..." سأجهض الطفل لقد انكشف أمري و عرفت أمي... انا مرعوبة داغر ارجوك كلمة واحدة منك يمكنها ان تنقذني و تنقذ ابنك»
اصبعها ضغط ارسال بأمل قُتل في مهده حينما فتح باب الشقة رجل بملامح متأففة...انقبض قلبها بعدما هرولت الممرضة اليه ترحب به و تحمل حقيبته عنه...
(اهلا يا دكتور هات الحقيبة احملها عنك)
وقفت هدير بخوف تنظر له كما ينظر لها فيسأل الممرضة بصوت مسموع...
(من هذه؟!)
اجابته الممرضة بتوضيح..
(فتاة تريد ان تجري عملية اجهاض متعجلة و ستدفع زيادة عن السعر المعروف)
هز الطبيب رأسه بتفهم يقول بأمر...
(حسنا جهزي كل شيء يلزم العملية... بعد ربع ساعة سنبدأ)
جملته الأخيرة خص بها هدير التي استقبلتها بجسد يختض و وجه هربت منه الدماء حتى ابيض كميت لا روح به... ربع ساعة قد تكون هي عمرها الباقي كله!!...
********
احتك اطار السيارة بحدة بالأرض الغير معبدة اسفله بعدما اوقفها سلطان و الشر ينطلق من عينيه كسهام حرب ضارية... ترجل مع أخيه منها ليقابلا هذا البيت القديم عند احدى الشواطئ التي باتت غير مؤهلة للسكن...تحسس سلطان خصره من الخلف يتأكد من سلاحه المعلق في حزام بنطاله قبل ان يتحرك وراء حكيم الذي وقف أمام باب البيت يدق عليه هادرا...
(داغر... اخرج من عندك)
مرت دقائق ليست بالكثيرة حتى فتح لهما داغر باب البيت بوجه اصابه الذهول بنذر يسير... وقف بالباب يسده بجسده متسائلا بترقب
(كيف عرفتما طريقي؟!)
ناظر الاخوان بعضهما قبل ان يطلقا ضحكة ساخرة للغاية فينطق بعدها سلطان ببطء...
(طريقك هذا نحن من رسمه لك و أنت كغر مطيع سرت عليه كله دون ان تنحرف حتى وصلت للنهاية بقدميك يا ابن ممدوح السمري)
ضيق داغر عينيه يناظرهما بغضب متوجس فيصيح فيهما..
(كنتما تراقباني إذًا!)
تقدم منه حكيم يهز رأسه يأسا فيقول ببسمة تقطر كرها...
(يبدو ان ابن العم لا يفقه قولنا أو يفقه لكن الصدمة شديدة.. داغر أنت لم تخطو خطوة واحدة إلا برغبتنا و علمنا... منذ دخولك السجن و حتى هذه اللحظة أنت كنت مجرد فأر دخل متاهتنا يبحث عن مخرج)
احتدت نظرات داغر و عقله حقا فيه ما يكفيه ليأتيا هذان و يتلفان الباقي!... خرج بجسده من الباب يقف لهما ندا ليهدر...
(ماذا تريدان مني بلا الغازكما هذه؟!)
تكلم سلطان بهدوء غريب...
(سليمان المراكبي عرف عن علاقتك بابنة عبد الصبور و الآن يبحث عنك ليقتلك)
هدأت حدة داغر تدريجيا لكن نظرة الغضب في عينيه لم تخبو مطلقا و هو يناظر ابن عمه سلطان...ليس حقيقيا ما يقوله و ليس بعدما اصبح قريبا من تحقيق انتقامه!...بصوت لاهث من ضراوة تفكيره وجه له سؤال صريح...
(هل اخبرتماه عن مكاني لتتخلصا مني؟)
علت ضحكة حكيم بقوة ليصيح بعدها بسخرية...
(ها هو يستخدم عقله اخيرا... لكن يا خسارة فالعقل لن يفيد و أنت على وشك الرحيل)
عقد داغر ما بين حاجبيه بعدم فهم ليكمل له ابن عمه...
(لقد حجزنا لك تذكرة على القطار المتوجه للآخرة يا ابن السمري)
تحفزت ملامح داغر بقوة فمد كفه في جيب بنطاله الخلفي يحاول سحب مدية حتى قال سلطان بأمر بعدما وجه سلاحه في وجهه...
(إياك أن تفعل و إلا فرغت طلقات هذا المسدس في جسدك كله)
ابعد داغر يده عن بنطاله منصاعا لأمر ابن عمه... هز سلطان رأسه برضا ليقول
(سليمان يبحث عنك خارج المدينة بأكملها فنحن لسنا اغبياء لنجعل غريبا يتمتع بقتلك دوننا)
اهتاجت انفاس داغر بحدة فكان كمن يقف على قدر مشتعل... أمر سلطان اخيه بينما ينظر الى البيت خلف داغر
(اخترت مكانا لا تطأه قدم منذ سنوات ليكون قبرك الليلة... ادخل حكيم فتش البيت كله و اجلب لي الولد)
ركض حكيم للداخل فحاول داغر منعه لكن صياح سلطان منعه حينما هدده بإطلاق الرصاص...التفت له داغر يهدر بغضب
(عرفت منذ زمن انكما تكرهان ممدوح السمري و ابناءه لكنني لم اتوقع ان خنوعكما لسنوات كان ستار تخفيان خلفه نيتكما في قتلي)
هز سلطان رأسه نافيا ليوضح نيتهم له...
(لا يا داغر بل قطع نسل ممدوح السمري من فوق وجه الأرض أمام عينيه فيكتوي فؤاده و يموت كمدا و حسرة)
سأله داغر بصوت مترقب...
(كل هذا لأن ممدوح تزوج امكما؟!)
هدر سلطان بقوة و غضب...
(بل لأنه أجبرها على الزواج منه... قتل أبي و هددها بنا فقط ليسرق ميراثنا و ميراث أخيه الغير شقيق)
صمت داغر يناظر غضب ابن عمه الذي يتفاقم... قبل سنوات قُتِلَ عمه في شجار بين عائلتهم و عائلة المراكبي...قيل ان والده من دفع أخاه الى النزول للشجار ثم وجدوه قتيلا في زقاق ضيق لا يحوي سوى جثته و ممدوح السمري و سليمان المراكبي... و الأثنان اصبحا متهمين بقتله و لأن ابناء السمري استبعدوا قتل الأخ لأخيه فلم يبقى سوى سليمان الذي شهد لصالحه رجال العوائل الأخرى بأنه كان معهم حتى وصله صبي يبلغه بحدوث الشجار فركض معه لينتهي المطاف به امام جثة مؤنس السمري...و بعدها اغلقت حادثة قتل عمه و قيدها كبار العائلات في المنطقة ضد مجهول!...صوت سلطان الذي يغلي في وقفته نبأ داغر ليخرج من شروده
(قبل سنوات قتلنا مظهر بنفس الطريقة و رمينا ذنبه على عاتق ابناء المراكبي... ثم ابلغنا عنك الشرطة بتهمة الاتجار في المخدرات فقضيت ثمان سنوات في السجن و قد انتظرنا خروجك بصبر اعتادنا عليه لتستكمل طريقا رسمناه لكم جميعا... و الليلة داغر وصلنا لنهاية الطريق سليمان بسيارة بلا مكابح على طريق سريع... ممدوح قلبه المريض يتمزع رعبا عليك فتخيل كيف سيتوقف هذا القلب بعدما يصله خبر... موتك)
لم يتحمل داغر كلمة اضافية من ابن عمه و هو يشعر ان حياته و سنواتها ما هي سوى هباءً ضاع من بين يديه... اقترب بحدة من سلطان غير عابئا بسلاحه لكن سلطان كان الأسرع حينما شد اجزاء المسدس و وضعه على جبهة داغر ليقتل خطواته قبل ان تكتمل... الشر المختلط بالضياع في عيني داغر كان اكثر من كافٍ لبذر الرضا في قلب سلطان... ضحك ضحكة صغيرة ليزيد الطين بلة و يؤكد لابن عمه ان كل شيء حدث لخدمة انتقامهم هم و ليس هو...
(كنت ورقة رابحة داغر أتعرف ذلك!...كرهك و غيرتك من كرم المراكبي كانت وقودنا لنستكمل...هل تذكر كيف كان كرم و كيف كنت انت منذ الصغر؟!)
اهتزت حدقتا عينيه برفض لكن سلطان لم يرحمه و هو يكمل...
(كنت ولدا مكروه من والده لأنك مجرد فاشل لم يقوَ على ان يصبح رجلا يحمل اسم السمري عكس مظهر في كل شيء... كبرت و كبر بداخلك هذا النقص فحاولت جاهدا ان تعوضه بمعاداة الشخص الوحيد الذي كنت تراقبه خفية و تود لو تكون مثله)
صرخ داغر بقوة و قد اغلق عينيه يداري انفعاله بعدما شعر ان سلطان يعريه امام نفسه...
(اخرس سلطان... اخرس و إلا قتلتك)
بقسوة ضربه سلطان بمقدمة سلاحه في جبهته ليقول...
(ستموت الليلة في كل الأحوال داغر لكن يجب ان تفهم اننا نعرف عنك كل شيء... كرم كان عقدتك رغم انه اصغر منك و حينما اردت اثبات رجولتك لوالدك اخترته هو لكنك ايضا فشلت...)
فتح داغر عينيه المهتزتين يناظر في عيني ابن عمه ماضيه المظلم... هل هناك من كان يعرف عن مشاعره المدفونة في روحه؟!...ابتلع ريقه ببطء حتى اكمل سلطان
(و حتى هذه اللحظة أنت مجرد فاشل نفذ ما أردنا و وقع في شباكنا...زواجك من هدير كان بعلمنا و نحن من اخبرنا سليمان عنه... بالمناسبة حماتك عرفت عن حمل حرمك المصون...)
اتسعت عينا داغر بقوة لا يصدق ما يقال ليختمه سلطان بخبر هدير!!... اقترب سلطان بوجهه منه يهمس بتلذذ..
(انتظر فهناك خبر اثقل من هذا... اغتصاب الدكتورة كان بأمر منا... و مكان الشابين نعرفه من البداية)
اهتاجت انفاس داغر بصورة هستيرية و كأنه مكبل باعترافات ابن عمه المدمرة... هل كان لعبة طوال الوقت يفعل ما يريدون و يظن نفسه سيد قراره!!...فيما افنى عمره؟!... يا للسخرية!! عمره!!... ألن ينتهي الآن بضغطة واحدة من اصابع ابن عمه!!!... بصوت خشن يعاني من هول الحقائق همهم...
(ماذا تقول؟!!!... أنت كاذب أنا من اراد و انا من فعل... انه انتقامي أنا لا انتم... انها سنوات عمري الضائعة و انتظار مر كالدهر علي)
تنهد سلطان بشكل يثير الغضب لكن روح داغر الآن تدق بابا مختلفا عن الغضب... انه التيه... الذهول... الوجع... كثيرا من الوجع!
(لا تحزن يا ابن عم فالحق يقال أنت وصلت للولد الذي بالداخل بمجهودك و لكننا لن نسمح بأن تصل لما هو أبعد)
صوت حكيم الذي خرج للتو من باب البيت اوقفهما عن الهمس...
(سلطان فتشت البيت كله و لم أجده)
احتدت نبرة صوته و هو يسأل داغر بأمر لاعن...
(أين خبأت الولد ايها اللعين)
و من وسط الحطام النفسي الذي يمر به داغر ارتسمت بسمة ساخرة لا روح بها ليهمهم بقصد في اثارة غضبه...
(لست فاشلا تماما يا ابن عمي فلو فتشت أسفل الحجارة تحت قدميك لن تجده)
هدر سلطان فيه بسبات نابية و لم يوقفه سوى رنين هاتف داغر... امر سلطان اخاه بأن يستخرج الهاتف من جيب داغر و حينما فعل قال بصوت متسلٍ...
(هدير تتصل...)
تحفزت خلايا داغر و حاول ان يصل للهاتف في يد حكيم لكن الأخير ابتعد للخلف ببسمة متلاعبة ليقرأ بصوت عالٍ رسالتها كاملة... هذه الرسالة التي اشعلت حرائق لم يكن يظن داغر انها داخله!...
(اعطني الهاتف حكيم... البنت ستموت لو لم اوقفها)
تحرك حكيم ليقف جوار أخيه في مواجهة داغر فيتكلم بذهول زائف...
(و أنت ألم تكن تعرف بأنها ستموت حينما طلبت منها اجهاض حفيد السمري الغالي)
مد داغر كفه له يقول بعينين تنضحان معاناة...
(كانت في الأشهر الأولى أما الآن مستحيل ان تنجو من العملية...اعطني الهاتف و بعدها افعلا بي ما يحلو لكما لتختما القصة كما حلمتما دوما)
اصدر حكيم صوت تعاطفه الساخر ليحدث أخيه بتفكير يخسر داغر المزيد من الوقت...هدير على وشك الموت بسببه هو!!...إن كانت حياته كلها مجرد اضحوكة لا قيمة لها فأي انتقام سيكمله و ما فائدته؟!...هدير و غسق شق روحهما بخنجر ثلم و يا ليت الخنجر كان في قبضته هو...بل كان كدمية خشبية يتلاعب ابناء عمه بخيوطها!!!
(ما رأيك سلطان فيما يقوله هل نعتبرها أمنيته الأخيرة قبل ان نقتله؟)
و قبل ان يتحدث سلطان سبقه صوت رسالة جديدة من هدير...
«داغر بالله عليك لا تتركني ادخل الى هذه العملية...لا تترك ابنك يموت»
ثوان قليلة و وصلته رسالة اخرى...
«الممرضة تناديني داغر اتوسل اليك قل لا تفعلي»
الكلمات كانت تنساب من بين شفتي حكيم بضحكات غير عابئة بمصير هدير الذي يلوح الموت فوقه...بينما كانت تحرق داغر و تكوي روحه بنيران لاهبة...جسده تشنج بالكامل حينما ارسل حكيم رسالة لها و هو يقرأ حروفه التي يكتبها...
«لا أنتِ و لا الطفل تهماني...فلتفعلي و تخلصي نفسك»
صرخ داغر بصوت ذبيح بينما يتحرك بجنون تجاه ابنيّ عمه يلكم حكيم بعنف في وجهه حتى سقط الهاتف منه...و قبل ان ينحني ليلتقط هاتفه كان سلطان قد اطلق سراح طلقته التي سكنت في كتف داغر قرب قلبه...تراجع داغر للخلف بتوجع صارخ و قد سب سلطان بصوت جهور حينما سمع صوت سيارة قادمة قد شوشت انتباهه فانحرفت الرصاصة عن مكانها المقصود...اسند أخاه ليتراجعا بسرعة الى سيارتهما قبل ان يراهما أحد...سأله حكيم بصوت لاهث متألم
(هل مات؟!)
شغل سلطان محرك سيارته يراقب جسد داغر الذي سقط ارضا بلا حركة ليقول بصوت مماثل لأخيه...
(إن لم نصب قلبه سيموت من النزيف فلا أحد هنا لينقذه)
ابتعدت السيارة بسرعة جنونية تاركة سراب دخان خلفته من التراب...و على الأرض كان وجه داغر يناظر السماء بعينين مرتخيتين لا تريان سوى ضباب...هل سيموت الليلة هنا؟!...و ماذا بشأن هدير هل سيتركها تموت؟!...سيترك ابنه يقتل بسببه؟!...إن كرهه والده فهو لم يكن ينوي كره ابنه ابدا!...جاهد بما تبقى فيه من قوة و اصابعه تحفر في الأرض تحته كي يستقيم و يفعل اي شيء ينقذها به لكن محاولاته كلها عبث فجسده لم يتحرك انشا واحدا حتى...كادت عيناه ترتخيان بالكامل لكن عقله لا يريد ان يرتخي...و بضعف بشر خُلق عليه شعره و هو يناظر السماء فوقه ناداه لأول مرة في حياته...بتوسل دامي
(يا رب.....)
و بعدها لم يشعر بأي شيء و كأن روحه انسلخت من جسده و تركته يطفو على سطح بحيرة مالحة...
***********
كتمت شهقتها و هي تقرأ رسالته لها...لقد حكم عليها و انتهى امرها...نداء الممرضة لها زرع في قلبها الرعب
(هيا الدكتور لن ينتظر اكثر من هذا و سيلغي العملية...نحن لا نشتغل تحت امرك)
ابتلعت هدير ريقها بألم تقفل بعده هاتفها و تتحرك الى الممرضة...التفتت للخلف تنظر لساعة الحائط فوجدتها العاشرة و عشر دقائق...انزلت بصرها عنها لتتبع الممرضة الى الداخل و قلبها يتوقف نبضه تدريجيا...و بعد دقائق كانت قد بدلت ثيابها بثياب تلائم العملية و استلقت على السرير المخصص لها تناظر سقف الغرفة الباهت و المشقق بعينين تذرفان دموع الذنب...حقنها الطبيب بالمخدر فظلت على وضعها حتى شعرت بثقل في عينيها فهمهمت بلسان ثقيل للغاية...
(سامحني يا رب و ارحمني برحمتك)
العاشرة و الثلث...
انزل سليمان بصره عن ساعة يده ليعود به الى الطريق... ها قد اوشك على الخروج من المدينة الساحلية و بعدها سيجد داغر... اسمه وحده يدفع بداخله اعاصير من الانتقام... لا يصدق انه فرط في عرض فتاتين لينتقم منهم...و كيف حدث هذا و هو موجود؟!!...ظل يردد الاستغفار كثيرا و قلبه يحترق على مصاب هدير و غسق... الاثنتان يا سليمان دفعتا ثمنا غاليا بسبب عائلتك!...انحرفت السيارة بسبب شروده فاستفاق ليعيد توازنها... ضغط على دواسة البنزين فاتسعت عيناه بصدمة جلية... يحاول ان يتفادى السيارات حوله كي لا يؤذي احد معه...و السيارة تكاد تطير من فوق الاسفلت من سرعتها و هو يفقد السيطرة بالكامل...سطع ضوء مفاجئ فاعمي عينيه عن الرؤية و ارتخت اصابعه عن عجلة القيادة فلامس قلبه خاطر بأن هنا ستكون النهاية...و بصوت ثابت رغم صعوبة الموقف ردد بقلب متقبل الاقدار و ان صَعُبت
(أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا عبده و رسوله)
و قد اختلطت اخر كلماته مع صوت الارتطام المدوي و الألم الرهيب...
الساعة العاشرة و خمسون دقيقة...
ترك الطبيب المقص الملطخ بالدماء ليناظر الممرضة الواقفة جواره بهلع ثم يقول من تحت قناعه الطبي...
(النزيف لا يقف...)
سألته الممرضة بصوت مرتعش...
(ماذا سنفعل؟!!!)
صوت ابتلاعه لريقه كان مسموعا و هو يقول...
(لماذا لم تخبريني انها حامل في نهاية الشهر الرابع؟!)
وقفت الممرضة امامه تزيل المصيبة عن عاتقها...
(و هل تحتاج لمعرفة هذه المعلومة مني... ألست دكتورا و يمكنك معرفة هذا دون ان نقول؟!!)
اشاح الطبيب بوجهه عنها فأسرعت الى جسد هدير بينما تقول...
(يمكننا ان ننقذها فهي..)
توقفت كلماتها بعدما لامست عنق هدير البارد لتشهق بهلع...
(النبض توقف أم أتوهم؟!!)
ركض الطبيب اليها يفحصها بعينين تتسعان بقوة... ثم ابعد كفه عنها لينزل قناعه عن فمه و يقول بصوت ثقيل...
(ماتت)
لطمت الممرضة وجهها بينما تصرخ برعب و تسأله...
(ماذا؟!!... كيف سنتخلص من هذه المصيبة؟!!)
تنفس الطبيب بصعوبة يلعن الممرضة و هذه التي فارقت الحياة في عيادته الفقيرة لأقل تجهيزات العمليات... لكنه اعتاد فعلها مرات كثيرة و مرت بسلام... ساعد فتيات عديدات لتتخلصن من حملهن الغير شرعي و قبض الثمن...لماذا ماتت هذه الآن؟!!... عاد ينظر لجسد هدير و يفكر جديا كيف يتخلص منها دون ان ينهي حياته المهنية و يلقى القبض عليه!!








ابعدت وجنتها عن كفها تعقد ما بين حاجبيها بهلع ثم تستقيم مبتعدة عن طاولة الطعام و التي منذ عادت من الميناء و هي ملتصقة بها دون ان تبدل ثيابها حتى... توجهت سريعا الى الشرفة تفتحها و تتطلع في الشارع الذي تكدس برجال المراكبي بوجوههم المتغضنة بالغضب... قبضت ام هدير فوق سور الشرفة بكفيها و قلبها يرتعد من ان يكون امر ابنتها انكشف...عيناها التقطتا ابناء سليمان يخرجون ركضا من باب بيتهم بملامح تنم على نيتهم في الفتك...ارتعشت اوصالها و لكنها تحاملت على رعبها فنادت بصوت خفيض لفتى اسفل شرفتها تسأله...
(ما الذي يحدث بني؟!)
رفع الفتى وجهه عاليا يجيبها بصوت عالٍ متحفز...
(أحد العاملين في الميناء قال ان الحاج سليمان ذهب الى بيت السمري و سمعوا صوت شجار عنيف و اطلاق رصاص)
ضربت ام هدير صدرها بكفها بقوة لتبتعد هاربة للداخل... هل بيت السمري لهم علاقة بوضع ابنتها؟!... يا للمصيبة لقد فتحت على الحي كله ابواب جهنم!!... قطعت الخطوات الفاصلة بين الشرفة و غرفة ابنتها التي لم تتحمل منذ عودتها النظر الى وجهها حتى فبأي قلب سوف تواجهها؟!...بداخلها تود لو تقتلع عنقها بيدها في نفس الوقت الذي تود اخفاءها بذنبها عن العالم أجمع داخل روحها هي... وصلت لباب الغرفة تفتحه بحدة بينما تصرخ...
(هدير هل.....)
شخصت عيناها بقوة و هي تناظر الفراغ في الغرفة... دلفتها بسرعة تفتشها بعينيها و قلبها يقرع بجنون في صدرها... ألم تتركها هنا و قفلت الباب بالمفتاح؟!... خرجت من الغرفة كالغريق تنادي على ابنتها بصوت يتفتت من الرعب...
(هدير... أين أنتِ؟!... هدير؟!!!!)
تتحرك بين اروقة الشقة الصغيرة بقلب سيتوقف عن الحياة... تفتش بعينيها و يديها و قلبها عن ابنتها... هذا الشعور الموجع يحرق احشائها و يقين امومتها يخبرها ان ابنتها في ورطة!... توقفت في منتصف الشقة تبكي دون شعور و تصرخ دون ان تسمع سوى ندائها المتوسل...
(أين ذهبت هدير؟!... أين اخذتك قدماك يا ابنتي؟!!!)
هرولت الى طاولة الطعام تلتقط وشاح رأسها تلقيه عليها ثم تتوجه الى باب الشقة تفتحه بأصابع ترتعش... ابنتها تحتاجها و هذا ما تشعره في هذه اللحظة... ستجدها و لو نبشت عنها في اعماق الأرض!... وصلت الى باب البيت و خرجت منه فلم تعبأ بالرجال المتبقين بعدما ذهب اولاد سليمان و بعض الرجال الى بيت السمري...انها تبحث عن فلذة كبدها حتى و ان كانت مذنبة... اصطدمت بجسد طاهر الذي اوقفها بصوته المرتعب...
(ست ام هدير لماذا تبكين أنتِ ايضا؟!)
نظر خلفها فلم يجد احد ليعود و يسألها بهلع...
(هل أصاب الست هدير مكروه؟!)
تعلقت روح المرأة قبل عينيها بالولد تسأله ببكاء...
(أين هدير؟!)
شعر طاهر بأن هناك مصاب عظيم يحدث فقال ما يعرفه...
(لقد خرجت قبل ساعتين او اكثر لا اتذكر لكنها كانت تبكي و قالت لي ان اهتم بك)
علا صوت بكاء ام هدير لترفع عينيها عن الولد تنظر حولها بينما تتكلم بنحيب محترق...
(أين سأجدك يا ابنتي؟!...عودي هدير و لا تحرقي قلب أمك بهذه الطريقة!!)
كاد طاهر ان يبكي تأثرا من بكاء المرأة و خوفا على هدير التي اختفت هكذا فجأة...تماسك الفتى يقول باقتراح كي يخفف عن المرأة وطأة الأمر...
(دعينا نذهب و نبحث عنها يا خالة)
هزت المرأة رأسها بموافقة سريعة لتتحرك مع الفتى و عيناها لا تتوقفان عن النظر هنا و هناك بأمل أن تصادف ابنتها بين وجوه المارة!... و عند مخرج الحي توقف طاهر على صوت أحد رجال المراكبي المتسائل...
(طاهر الى أين أنت و الخالة في هذه الساعة المتأخرة و الاجواء لا تبشر بالخير عودا و التزما البيت)
تولى طاهر الرد فأم هدير تقف جواره كورقة شجر بالية تقذفها الرياح...
(الست هدير خارج الحي و الخالة قلقة عليها لذا علينا ان نقابلها كي لا تعود بمفردها)
تفهم الرجل خطورة الموقف على ابنة عبد الصبور فنادى لصاحبه حتى أتى اليه فقال...
(ابقوا قرب بيت و مخازن المراكبي و أنا سأذهب مع الخالة لأمر ضروري)
و على إثر أمره خرجوا ثلاثتهم من الحي ظنا بأنهم سيجدون مفقود... قد فارق الحياة!
**********
عند بيت السمري... الحادية إلا عشر دقائق مساءً
احتدم رجال المراكبي مع رجال السمري الذين عينهم حكيم ليبقوا عند بيت عمه...لقد نفوا قدوم سليمان الى هنا و رفضوا ان يدلف ابناء المراكبي الى البيت... هدر خالد بصوت مخيف
(استماتتكم في منعنا من الدخول لن تفيد لأننا سندخل مهما حصل)
كتم احد رجال السمري جبهته الجريحة بكفه ليقف قبالة خالد يقول بتأوه....
(قلنا لم يأتِ والدكم الى هنا و لا يوجد بالبيت سوى الحريم و العجزة)
حان دور صالح ليهدر بغضب...
(و إن لم يأتِ أبي الى هنا لمَ تقفون هكذا و تحمون البيت و كأنكم توقعتم قدومنا؟!!)
زاغت نظرات الرجل فأشاح بوجهه عن ابناء المراكبي ليناظر صحبته الجريحة بلا استثناء لن يتمكنوا من صدهم أكثر بعد!...لكن كرم لم يمنحهم الفرصة للتفكير حينما دفع الرجال من طريقه بغضب يفسح له و لأخوته طريقا بالغصب... تكالب رجال المراكبي على جرحى السمري حتى دلف الأخوة الثلاثة بغضب عارم و قلوب متوجسة على والدهم... أن يأتي سليمان الى هنا و يشهر سلاحه و هو من يمنعهم دوما من المساس حتى بصغير من هذه العائلة الملعونة يعني ان الأمر جلل...كان كرم اول من يصل لباب الشقة يدق عليه بعنف بينما يهدر....
(داغر...)
و بعدما انضم له اخواه يفعلان كما يفعل بعنف و قسوة انكسر الباب معلنا انه لم يعد يحتمل غضبهم بعد... دلفوا ثلاثتهم للشقة الهادئة بشكل مريب... توسطوا الصالة فنادى صالح بعصبية...
(المتواجد هنا يخرج)
لحظات و وصلهم صوت اطار كرسي ممدوح المتحرك... رفعوا اعينهم حيث الغرفة التي يخرج منها ممدوح و خلفه هذه المرأة التي كانت يوما زوجة اخيه...تقدم خالد منه يسأله بحدة
(أين أبي يا ممدوح؟!)
ناظره ممدوح بعجز ليهمس...
(لا نعرف)
هدر كرم بصوت جهور...
(هل تمزح معنا الرجال رأوه و سمعوا صوت الرصاص و هو في شقتكم...فلتخبرنا بما حصل و إلا و حق ربي لن ارحم عجزك و لا اقيم له وزنا حتى نعرف)
راقبتهم ام سلطان بهدوء متلذذ... ترى صدورهم التي ضاقت بما حوت من غضب و خوف... عيونهم تتلألأ بوحشية و جزع على والدهم... انها نفس النظرة التي احتلت عيني ابنيها يوم قُتل والدهما...لو عليها تريد ان تفصح عن كل شيء لتستمتع بزف خبر موت والدهم لكن الأمر لم يتضح بعد و عليها الصبر قليلا ... و بصوت ثابت جامد قالت
(لم تحترموا حرمة بيت و لا عجز صاحبه و تقفون أمامنا مستعدين لقتلنا في أية لحظة و كأن والدكم ولد صغير سنخطفه و نخبأه عنكم... قلنا لكم لم يأتِ و لا نعرف عنه أي شيء فإن شئتم صدقوا و إن لا فلتشربوا من البحر)
كور خالد قبضته يعتصرها ليتقدم بجسده منها قائلا بوعيد يقصد كل كلمة فيه..
(لولا أنك امرأة لكنت جعلتك تندمين على قول ما قلته...)
ابتسمت ام سلطان بشكل مستفز لتأمرهم بنفس الصوت المثير للغضب...
(اخرجوا من البيت فأنتم غير مرحب بكم)
جز كرم على ضروسه قائلا...
(سنخرج لكن إن مُسَت شعرة واحدة من أبي لن يكفينا مئات الرجال منكم...)
خرج ابناء المراكبي من بيت السمري فتجمهر حولهم رجالهم يتساءلون حتى قال صالح...
(دعونا ننقسم و نبحث عن الحاج سليمان فهو الأهم الآن)
قاطعه بعض الرجال المتحفزين برفض...
(لكننا نعرف انه كان هنا)
تولى صالح الرد نيابة عن اخويه الغاضبين كليا ليلجم جماح رجاله فحقا ايجاد والده الآن أهم من الدنيا كلها و بعدها سيعاملون عائلة السمري بما يستحقون...
(الأمر لم ينتهي هنا و حقنا لن نغفل عن استعادته...الحاج سليمان في كفة و العالم في كفة أخرى)
بعد منتصف الليل بربع ساعة...
توقفت سيارة أجرة قرب مشفى حكومية صغيرة... خرج منها رجل شبه ملثم و تبعته امرأة تخفي وجهها بالكامل بوشاح شفاف...وزعا النظرات حولهما جيدا قبل ان تنحني المرأة الى باب السيارة تجرجر شيء ما من الداخل...انحنى الرجل يساعدها فظهرت قدمين احداهما حافية و الاخرى لا يزال حذائها بها... استكملا سحب الجسد كله حتى اخرجوه من السيارة ليسنداه بينهما و يتحركان به بخطوات لاهثة متعثرة الى جوار حائط المشفى يلقياه هناك ثم يهرولان عائدين الى السيارة مجددا فيشغل سائقها المحرك و يبتعد في غمضة عين...و بعدما ابتعدت مسافة معقولة عن المشفى التفت السائق يقول بتأكيد...
(أين باقي المال الذي اتفقنا عليه؟)
نزع الرجل ما يخبئ به وجهه كما فعلت المرأة ليأمرها بحدة...
(امنحيه ما يريد و دعينا نخلص من هذه الليلة)
اومأت له بتفهم لتمد يدها في حقيبتها تستخرج المال المطلوب و تمده للسائق...ثوان و صدح صوت الرجل بأمر لهما معا
(ها اخذت مالك كما تشاء و بعدما تقلنا الى وجهتنا انسى انك قابلتنا من الأساس و انسى هذا الاتفاق بيننا)
اومأ السائق بتفهم فحقا لا يهمه من هما أو من هي الفتاة التي تخلصا منها جوار هذه المشفى البسيطة... التفت الرجل للمرأة جواره يقول بنفس الأمر الحازم...
(و أنتِ لا تأتي الى هذه الشقة ابدا حتى اطلب منك و لا تجلبين لي أية فتاة تريد اجهاض نفسها حتى أخبرك...احذفي رقمي من هاتفك كما سأفعل أنا و سجليه في ورقة خارجية... انسي انك تعملين معي تماما فقط لنعرف هذه المصيبة الى أين ستنتهي...)
اومأت الممرضة بجزع مرعوب لتهمهم...
(الله يستر و لا تكن من عائلة معروفة فلقد كان معها أموال كثيرة... يا خوفي لو وجدوها اهلها و وصلوا لنا)
(اخرسي و انسي ما حدث هذه الليلة... لا تذكريه حتى مع نفسك)
صراخ الطبيب بها اصابها برعشة مخيفة...رغم انهما انتظرا منتصف الليل لتخلو الشوارع من الناس و قد أخذوا حقيبة هدير و تخلصوا من محتوياتها في أكثر من مكان كي لا يعرف هويتها أحد لكنهما قد تورطا في جريمة قتل و لا تعرف حقا هل انتهى الأمر أم لا يزال له بقية؟!!!...
الحي....
اسند طاهر أم هدير المتراخية كليا بصعوبة و هو يساعدها كي ترتقي درجات السلم حيث شقتها بينما يقول بصوت مرهق و قلق...
(لا تقلقي يا خالة ستكون بخير ان شاء الله... بالتأكيد نحن لم نبحث في كل الأماكن بعد غدا لن نترك حي واحد دون ان نبحث عنها فيه)
وصلا الى الشقة فأخذ طاهر المفتاح من يد المرأة المتخشبة بعينين جاحظتين تغرقهما دموعها ليفتح الباب و يساعدها على الولوج... رمقها بتعاطف و الرعب بداخلها يفتت قلبه الصغير... لقد بحثا عن هدير في كل مكان يعرفوه تقريبا و لا أثر لها... الأمر مرعب لكن عليه التجلد لأجل هذه الخالة التي تكاد تلفظ انفاسها الأخيرة و لأن غياب الحاج سليمان يؤرق الحي بأكمله... يا لها من ليلة موحشة!!
(طاهر يا ولدي هل عدتما؟!)
صوت أمه المنادي عليه من الأسفل جعله يستأذن ام هدير الغائبة عن الواقع حولها ليهرول لها بينما يجيب...
(نعم أمي...)
وصل لها بوجه شاحب فسألته أمه بتوجس...
(هل وجدتم هدير؟)
هز الولد رأسه نفيا أفزع امه التي همهمت بدعاء وجل...
(الله يسترها عليها و تعود سالمة و يصبر قلب أمها حتى تقر عينيها برؤيتها)
بالأعلى تكورت أم هدير خلف باب شقتها بملابسها دون ان تبدلها... لامست موضع قلبها و نبضه المتسارع يزداد فنظرت الى الشرفة التي تركتها مفتوحة و قد انسابت الكلمات من بين شفتيها بتوسل باكٍ...
(و أي قلب سيتحمل غيابها للغد؟!...استر يا رب و احمي لي ابنتي بحق رحمتك)
بيت المراكبي....
(لا استطيع المجيء و تركهم يا أمي… لا يوجد أحد هنا غيري فهبه ليست هنا و سهر طلب منها زوجها ان تأخذ ابنهما و تبقى عند أهلها هذه الليلة)
قرب باب غرفتها وقفت غسق تهاتف أمها عبر الهاتف تراقب صفية الجالسة على أريكتها في الصالة تنتظر أي خبر عن زوجها المفقود حتى الآن...
(ها أنتِ تقولين ان ابنهم الكبير خائفا على زوجته و ابنه و ارسلهما بعيدا عن البيت يعني ان ظني صحيح و ربما هجم احدهم على بيتهم و أنتِ به... غسق يا ابنتي اسمعي الكلام و دعيني أرسل لك والدك ليأخذك)
تنهدت غسق بتعب فيكفي حقا هذا التوتر الذي يرزحون تحت وطأته منذ ساعات و عقولهم تكاد تشيط من التفكير في غياب سليمان... تكلمت بمهادنة رغم تصميمها على رأيها
(أمي الأوضاع هنا صعبة و الجميع يقف على قدم و ساق... لا يصح ان اتركهم في هذه الحالة و اطمئني فلن يهجم أحد على البيت فهذا مستحيل)
وصلها صوت أمها الحانق و هي تصب جام غضبها في أذني غسق...
(لا يأتينا من هذه الزيجة سوى المصائب و القلق)
تعلقت نظرات غسق بحماتها و قد شعرت بالقلق عليها فهي صامتة تماما منذ عرفت بشأن غياب زوجها...ثم تحدثت مع أمها بدفاع مستميت و يقين نابع من روحها التي لامسها كرم بقوة...
(أمي رجاء لا تضعي اللوم في كل مرة على زواجي من كرم...حقا كلامك هذا يضايقني)
صوت تنهيدة أمها ابلغها ان حديثها لم يعجبها حتى قالت...
(احيانا على الأم ان تزيل الغشاوة عن عين ابناءها حتى و ان ضايقهم الأمر...هذا الشاب لا يستحقك و كل ما يحدث يؤكد ذلك)
تنفست غسق بصوت مسموع قد بلغ ضيقها اقصاه لتردف بعدها بجفاء غير مقصود...
(كرم يستحق الأفضل دوما... يجب أن أغلق الآن أمي)
انهت الاتصال مع والدتها لتزفر بغضب من فكرة امها التي لا تتغير عن كرم!... نحت تفكيرها هذا جانبا لتمنح التفكير في مصاب عائلة كرم الحق... توجهت الى حيث تجلس صفية بقلب مترقب قلقا عليها... المرأة ثابتة بطريقة عجيبة... في جلستها المعتادة شامخة بذقن مرتفع كأنها اعتادت امتصاص الصدمات على مر الزمن... كشجرة تعمقت جذورها في الأرض فلم تعبأ بمدى قوة الرياح ابدا... جلست جوارها تلامس كفها الأيمن المستريح فوق الأريكة فيفاجئها برودته و تخبرها ان صفية تمارس اقصى درجات الثبات الانفعالي على نفسها لتكبل رعبها الدفين على شريك حياتها... تنحنحت غسق قبل ان تواسيها بكلمات مطمئنة...
(سيكون بخير ان شاء الله... أنا واثقة من هذا)
دون قول حرف واحد هزت صفية رأسها تفهما و ما زالت على نفس وضعيتها... لامست حالتها قلب غسق فاقتربت منها تربت على كتفها هامسة بتأثر...
(هوني عليكِ و لا تضغطين على نفسك هكذا أمي)
الكلمة انسابت من بين شفتي غسق دون وعي لكنها حملت مشاعر صادقة حقا جعلتها تشعر و كأن صفية أمها بالفعل... صوت صفية الصادر بشموخ رزين بث في قلبها لو قليلا من الراحة...
(أبي دوما أخبرني أن سليمان ابن عمي في معية الله...و من يكن في معيته عز وجل لا خوف عليه)
شملتها غسق بتأثر مختلف هذه المرة فصفية تريها حبا من نوع مختلف جدا...هذان الأثنان كأنهما متصلان معا بروح واحدة حتى و إن كانا بسيطين في طرق تعبيرهما...في هذا البيت تعلمت الكثير و الفريد من نوعه... صوت فتح باب الشقة استرعى انتباهها فصفية لم تحرك ساكنا و كأنها تنتظر وصول خبر ما... جزعت نفس غسق حينما رأت ملامح صالح الذي دلف بمفرده و اتخذ خطواته الى حيث والدته... ابتلعت ريقها بوجل و نبض قلبها يتزايد خاصة بعدما انحنى صالح يجلس على عاقبيه أمام والدته و يتمسك بكفها الأيسر و يضغط عليه بصورة واضحة بطريقة اوحت لغسق انه يبلغها بلمسة منه ان تتهيأ لما يريد قوله... مالت عينا صفية الى عيني ابنها اللتين اغرورقتا بدموع يحبسها قسرا فأمرته بصوت هادئ... و كأنها فهمت... عرفت ما حدث... و ها هي تستقبل المكتوب عليها برحابة صدر و قوة عجيبة... و كأنها جاهزة لتسمع و تسد مكانة عظيمة قد يكون تركها زوجها...
(قل صالح و لا تخف علي... هل وجدتموه بحالة سيئة أم ما....)
شدد صالح من تمسكه بكف أمه و قد فاضت عيناه بدموعه ليمنعها من لفظ هذه الكلمة حتى و إن كانت مصير والدهم...تكلم بحروف مختنقة رغم صلابة صوته
(أبي تعرض لحادث سير و نُقل للمشفى بحالة سيئة... خالد و كرم سبقونا هناك و أنا جئت لآخذك أمي)
شهقت غسق بجزع و عدم تصديق...
(يا الهي!!!)
بينما صفية وقفت من مجلسها بشموخ يلائم اسم عائلتها...و رغم ان فؤادها يحترق خلف ضلوعها... و ان روحها تتمزع بين جوانبها... إلا انها لم تظهر شيئا على ملامحها فهي الآن اصبحت عامود عائلة المراكبي الذي لن تسمح له بأن يهتز حتى يعود لهم سليمان... سيعود هي توقن هذا بلا ريب!!
(دعنا نذهب صالح... و لا داعي لأن نخبر قمر و فاطمة بشيء الآن، كلها ساعات معدودة سيصل لهما الخبر على أية حال)
اعتدل صالح دون ان يترك كف أمه يشد أزرها و يصلب ظهرها ليتحركا معا الى باب الشقة... اوقفتهما غسق بعينين دامعتين و صوت عازم النية...
(انتظراني رجاء سآتي معكما... لن أترك كرم بمفرده الآن)
المشفى... أمام غرفة العمليات
عيناها لا يتزعزعان عن كرم في وقفته الساكنة أمام باب العمليات... يناظره بغموض ظنته زهده منذ زمن لكن الآن أسدل ستاره من جديد ليخفي خلفه مشاعره... متأكدة من أنه مرتعب على والده فعلاقتهم به قوية جدا حتى ان خالد و صالح يعبران عن خوفهما بشكل طبيعي... أما كرم فيشابه أمه التي تقف مبتعدة قليلا للخلف... صامتان يراقبان و تقسم انها تسمع صوت هدير نبضهما المترقب...رفعت كفها تلامس الحائط جوارها و تستند عليه بتعب... مرت ساعتان و أكثر منذ جاءوا الى هنا و سليمان لم يخرج بعد... الطبيب اوضح انه يعاني من كسور متعددة و نزيف داخلي في أكثر من مكان...الأمر طبيا مخيف لكنها تثق في ترتيبات الله و تأمل أن تمر هذه الليلة على خير لأجلهم جميعا... قلبها لا يطيق ان يراهم هكذا و خاصة كرم!!... انفتح باب غرفة العمليات و خرج منه الطبيب ليكون اول من يصل له هو كرم الذي تخلى عن الصمت ليسأله بعدم صبر...
(كيف هو أبي؟)
تنهد الطبيب ليقول بصدق فعليه وضعهم داخل الصورة و ان كانت قاتمة مخيفة...
(لن أكذب عليكم الحالة صعبة و لا نستطيع ابلاغكم بأي شيء حتى تنقضي الساعات المقبلة على خير...)
ناظرت صفية ابناءها و هم يتحاورون مع الطبيب... تارة بعصبية حينما يصعب عليهم بعض التفسيرات... تارة بألم متوجع و رعب رغم كونهم رجالا إلا انه يصيبهم حينما يتعلق الأمر بجدارهم الحامي سليمان... و تارة بأمل في وجه الله بأن والدهم لا يزال يتنفس نفس الهواء الذي ينعش رئتيهم...انهى الطبيب حديثه معهم و تركهم حيث غرفته ليصدر صوت خالد المتوعد...
(اقسم بالله لأجعلن عائلة السمري يدفعون الثمن غاليا...)
(خالد!!!)
صوت أمه الصارم أوقف حديثه فناظرها الجميع لتقول بصوت يشابه صوت زوجها و تريثه...
(لا المكان و لا الزمان يسمحا لأن تقول هذا... سليمان يكره هدر الدماء فلن نستغل غيابه و نفعل ما يبغضه... ما يهمنا الآن هو أن يعود لنا والدك بخير)
انصاع اولادها لأمرها ثم اولوا كل اهتمامهم لجسد سليمان الذي خرج من غرفة العمليات ليتوجه الى العناية المركزة... تحركوا خلفه إلا كرم بقي في مكانه يناظر جسد والده بعينين غامضتين... لم تتمكن غسق من استكمال خطواتها مع أهله فقررت أن تعود لتبقى معه فحالته الساكنة هذه ترعبها...و قبل ان تصل اليه كان قد تحرك مبتعدا عن غرفة العمليات سالكا طريق يؤدي الى ممر هادئ يحتوي على عدد من غرف المرضى كما يبدو... القى جسده المنهك على احد الكراسي المعدنية الملتصقة بالحائط ثم استند بكوعيه على ركبتيه ليحني رقبته للأسفل و تتعلق عيناه بالأرضية السيراميك تحته... وقفت غسق عند نهاية الممر تستند على حائطه و تراقب صورة كرم المتعبة... انه يعاني و هذا واضح إن لم يكن لعينها فلقلبها... واضح و جلي... مسحت فوق وجهها ببطء ترتب افكارها قبل ان تقرر ان تذهب اليه... لا تعرف ماذا ستقول او ماذا يجب ان تفعل لكنها ستكون جواره فربما خفف وجودها عنه قليلا... وصلت اليه تناظر رأسه المنكس فتنادي عليه بصوت خافت
(كرم....)
ظل صامتا لبعض الوقت قبل ان تهرب منه انفاسا متوترة على هيئة زفرات مسموعة... اوجعها قلبها عليه فلم تتمالك نفسها لتجلس على عاقبيها أمام جسده تلامس كفيه المتشابكين معا و تربت عليهما بحنان هامسة برجاء...
(لا بأس لقد انقضى الصعب... لا تحمل نفسك كل هذا القلق و لا تحرمها من التنفيس عنه... أنت تثابر كثيرا كرم)
رد فعله الوحيد تلخص في زفراته المتوترة فابتلعت ريقها قبل أن تعاود الهمس بصوت مختنق لأجله...
(ابكي ان شئت و لا تستحي من وجودي كرم)
تحركت كفها من فوق كفيه اللذين بدا يفركهما معا بصورة عنيفة و كأنه يتماسك بقوة... لم تشيء ان تحرمه من مؤازرتها له فظل كفها قريبا من كفيه يلامسهما بحنان يزداد... و بعدها لم تشعر بنفسها إلا بين احضانه بعدما سحبها فجأة اليه يدفن رأسه في جانب عنقها المختبئ خلف الحجاب و يزفر بصوت مهتز... متوتر... خافت... ثم ترتفع حدة الصوت و سرعة الأنفاس و تزداد شدة تمسكه بها بين ذراعيه... و رغم اتساع عينيها مما يحصل إلا انها فهمت كم يحتاجها معه فلانت و تركت نفسها طوع تصرفات قلبها... مدت كفيها تحاوط خصره بهما و تتشبث بملابسه بقوة بينما تهمس له بصوت باكٍ تأثرا بحالته...
(لا بأس والدك سيكون على ما يرام... لا تقلق أنا معك حتى نجتاز هذه المحنة..)
شعرت بأصابعه تتكور ببطء على ملابسها من الخلف فسالت دموعها ألما عليه... انه يحتاج ان يطمئن!
و عند نهاية الممر كان قد وصل صالح الذي يجيب على اتصال زوجته...
(في العناية المركزة يا هبه...الى أين ستأتين في هذا الوقت؟!... هبه قلبي محترق على أبي فلا تزيديه)
صمت صالح يستمع الى صوت زوجته الباكية و عيناه قد التقطتا اخاه الصغير و زوجته...كم هو ممتن لغسق فصمت أخيه لم يريحه مطلقا منذ وصلوا الى هنا... عاد يحدث هبه بصوت ضعيف...
(حسنا هبه فلتأتي صباحا و لكنك ستعودين مع والدك... لا تجادلين هبه فسهر ذهبت لبيت أهلها ايضا... غسق!)
عادت نظراته الى زوجة اخيه التي افلتها كرم لكنها لم تغير جلستها امامه بل ظلت تحدثه بينما تتشبث بكفيه بقوة و كرم ينظر بصمت في عينيها و كأنه حقا يريد ان يسمع مواساتها
(غسق رفضت ان تعود لبيت اهلها فكرم يحتاجها حقا)


الفصل الثامن و العشرون ج2




صباح اليوم التالي...
ألم شديد اجبره على فتح عينيه... ببطء يناسب هذا الثقل فوق جفنيه...و حينما فتحهما جعدهما مجددا يحميهما من الضوء الساطع حوله... تأوه بصوت خافت لكنه عاند ليستند بكفيه على السرير و يحاول ان ينهض عنه حتى اوقفه هذا الصوت الرقيق...
(هل استيقظت؟!... ماذا تريد أن تفعل لا يجب عليك ان تتحرك الآن!!)
عاد بإنهاك للتسطح على السرير بينما يتأوه و الألم خلف رأسه لا يطاق... فتح عينيه مجددا لتقعا على وجه لفتاة لا يعرفها!... ضيق عينيه بصعوبة ليحركهما حوله مستكشفا فيتذكر كيف انتهى به المطاف بعدما وصل لقليل الشرف الذي سرب صور الدكتورة... اهتاجت انفاسه بعصبية يود لو يسأل و يعرف من الذي ضربه على رأسه و منعه من أخذ حق الست غسق و تعليمه الأدب... و قبل أن ينطق بحرف من بحور حروفه عاد صوتها القلق لمسمعه..
(ما بك... هل تتألم كثيرا سيد؟)
ثبتت عيناه عليها بتفحص متعجب... هذه الفتاة هو لا يعرفها مطلقا فكيف لها ان تعرفه؟!... أم ان الضربة كانت قوية فأصابته بفقدان الذاكرة!!... ابتلع ريقه بتألم قبل أن يسألها بصوت ضعيف...
(هل أعرفك أنا لا اتذكرك...)
اتسعت عيناه بصدمة ليسألها بصوت متوجس...
(هل فقدت الذاكرة؟!)
هزت رأسها سريعا تقترب من السرير و تقاطع مخاوفه بقلق...
(اهدأ نحن لا نعرف بعضنا... أنا فقط عرفت اسمك من  الكتاب الذي كان جوارك على الأرض)
هدأ سيد قليلا يتذكر كتابه الذي خرج به من البيت لتطمئن أمه انه ذاهب للدرس الخصوصي...شرد في الفراغ امامه ليعود بعدها و يسألها بترقب...
(هل رأيت الشخص الذي ضربني؟!)
هزت رأسها نفيا بينما تجيبه...
(لا لم أره...لقد وجدتك في الزقاق القريب من ورشة أخي الذي ساعدك و نقلك للمشفى)
صمت سيد و بدا على ملامحه التفكير و الألم لكنه قال بعدها بشكر...
(جميلكما هذا في عنقي الى يوم الدين...أين أخاك لأشكره على مساعدتي)
ابتسمت الفتاة بحياء قبل ان تقول...
(أخي ذهب لصلاة الجمعة في مسجد المشفى)
(الجمعة!!!!!)
صوت سيد المذهول اجفلها و اوقفها عن الاسترسال... شعرت بشيء خاطئ يحدث له قبل ان يسألها بعدم تصديق...
(أي جمعة؟!!!... هل مر يومان و أنا فاقد للوعي؟)
تراجعت الفتاة للخلف قليلا و هي ترفع كتفيها بعدم معرفة لتقول...
(لا اعرف أنا وجدتك بالأمس فقط!!)
تنفس سيد بصورة متسارعة ثم اعتدل ليزيح الغطاء عنه بصعوبة... عقله لا يستوعب هذا الألم الرهيب على ما يبدو لأنه لم يتوقف عن طرح الأسئلة... كيف مر يومان عليه و ماذا بشأن أمه و كرم؟!!!... هل تسبب في قلقهما ألا يكفي أنه اخفق في الامساك بذاك الحقير!!... انزل ساقيه من فوق السرير غير عابئا باعتراضات الفتاة المتوترة...و حينما استقام بجسده تأوه بصوت عالٍ و قد تراجع للخلف إثر دوار اصابه ليجلس على السرير بملامح تشحب بصورة سريعة و واضحة...وقفت الفتاة قبالته لا تعرف ماذا عليها ان تفعل حقا؟!...يجب ان يعود اخاها حالا فهي لا يمكنها ان تحسن التدبير هنا!!!...قضمت شفتيها توزع نظراتها بين سيد و باب الغرفة عل اخاها يدخل لكنها لم تهدر مزيدا من الوقت فأسرعت نحو الباب تنادي للطبيب...و بعد دقائق كان قد اجبر الطبيب سيد على ملازمة الفراش ليقم بفحصه و الاطمئنان عليه و بعد عدة اسئلة قال...
(وضعك الآن افضل من ذي قبل لكن يجب ان ترتاح عدة أيام...)
قاطعه سيد برفض...
(أريد أن اخرج من المشفى)
و قد قابل طلبه الرفض من الطبيب الذي قال...
(غير مقبول خروجك اليوم... لا بد ان نتابع حالتك لنعرف إذا كان يوجد مضاعفات للجرح... و ايضا الشرطة تنتظر استيقاظك لتستكمل تحقيقها)
زفر سيد بقنوط و كل همه ان يصل للحي... الى كرم تحديدا!...فُتح الباب و دلف منه شاب يلقي السلام فاتسعت عيناه للوهلة الاولى بحمد حينما لمح سيد مستيقظا في سريره...
(السلام عليكم... ها قد استيقظت أخيرا حمدا لله على سلامتك سيد)
اقترب من السرير ليقف جوار أخته مستقبلا نظرات سيد المتجهمة فابتسم قائلا بتوضيح...
(أنا عادل الذي قام بنقلك الى هنا بعدما وجدتك شروق أختي في الزقاق)
منحه سيد نظرة شاكرة فقال...
(معروفك هذا لن انساه ابدا سلمت)
ابتسم عادل بخفة ليضم أخته تحت ذراعه مردفا...
(لا تشكرني انه الواجب و المهم سلامتك)
عاد سيد يوجه حديثه للطبيب عله يفك سراحه...
(أنا بخير جدا و أريد ان أخرج من المشفى ضروري)
هز الطبيب رأسه يأسا ليتركهم و يتوجه الى الباب قائلا...
(سأهاتف الشرطة لينهوا عملهم...)
خرج الطبيب من الغرفة فتولى عادل مهمة الاستفسار عما حدث لسيد...
(أنت لست من سكان الحي الذي وجدناك به إذًا ما الذي أخذك الى هناك و من فعل بك هذا؟!...هل تعرضت للسرقة فنحن لم نجد معك ما يثبت هويتك سوى  كتاب مكتوب عليه اسم سيد)
تنهد سيد بتوجع يفكر في سبب مقنع يقوله الآن و حينما تصل الشرطة...نظر الى عادل طويلا قبل ان يقول بهدوء...
(نعم على ما يبدو انها سرقة... كنت ذاهبا لحضور الدرس الخصوصي و لأن المكان قريب من حيّكم اخذت طريقا مختصرا لكن لم أكن أعرف انه قد يكون طريقي للموت لولاكما)
تدخلت شروق تردف بنفي...
(انه ليس حيّنا نحن نعيش في حي آخر)
ضيق سيد عينيه بفهم بطئ فساعده عادل بتوضيحه المسترسل...
(لم أجد ورشة تناسب حالتي المادية سوى في هذا الحي لذا استأجرتها رغم اننا نسكن في حي "..." من الجهة الأخرى للميناء)
تفهم سيد اجابته فأردف...
(أهل حيّكم أناس طيبون تشرفت بمعرفة واحد منهم الآن...)
ربت عادل فوق صدره بشكر ليسأل بعده...
(عشت يا سيد... و أنت من أي حي هنا؟!)
سحب سيد نفسا عميقا و عاد لتفكيره الذي يؤرقه قبل ان يجيب بسلاسة...
(من حي المراكبي)
ردة فعل عادل اصابت سيد بالتوجس ليكملها عادل بقوله الذي نزل كصاعقة شقت سيد نصفين...
(حقا!...لقد سمعنا صباح اليوم ان كبير حيّكم الحاج سليمان المراكبي اصيب في حادث سير و نقل للمشفى في حالة حرجة)
تجمدت الدماء في عروق سيد و قد اتسعت عيناه حتى شخصتا و الكلمات تعبر لعقله كقذائف مدوية...الحاج سليمان!!! كيف و متى؟!!!
*************
صوت الإمام يصلها من المسجد ليبلغها ان خطبة الجمعة لم تنتهي بعد...لكنها ايضا تحملت ما لم تتحمله أي ام في الدنيا...ساعات الليل مرت عليها صعبة و حينما بزغ الفجر ارسل لقلبها رعدة يعلم الله انها تحملتها حتى الآن بشق الأنفس...كيف لها ان تبقى بين جدران بيتها و ابنتها لا تدري أين مكانها؟!...نبشت اصابعها في خشب باب الشرفة التي التصقت به منذ ما يزيد عن ساعة...تنتظر ان تظهر هدير امامها في الشارع او يأتيها خبر عنها او ينهي الشيخ خطبته ليخرج طاهر من المسجد و يستكملا بحثهما...سالت دموعها المرتعبة ثم رفعت وجهها للسماء تهمس برجاء...
(يا رب حتى الحاج سليمان ينازع بين الحياة و الموت فلن يجد لي ابنتي غيري...يا رب من لي سواك و من سواك يرى قلبي و يعلم ما به من نيران...يا رب ابنتي اخطأت و ارتكبت ذنبا كبيرا لكنها ابنتي فلا توجع قلبي عليها...احفظها و برد قلبي برؤيتها سالمة...فقط أراها و اضمها الي يا رب)
لم تتحمل مزيدا من الانتظار و هواجس مخيفة تطاردها منذ ليلة الأمس عن ابنتها...ابتعدت عن الشرفة تتوجه الى باب الشقة لا لن تنتظر احدا فكل دقيقة تمر قد تكون دهرا على هدير...حتما ابنتها خائفة حيث هي الآن و تريد من يحتويها و يخبرها ألا تخاف و مصابها سيجدون له حلا بالتأكيد...و بعد لحظات كانت قد خرجت للشارع بدموعها المسكوبة و نظراتها المتلاحقة بين الناس...و قلبها النابض خوفا و أملا
مرت ببعض الجارات الواقفات خارج بيوتهن منهن من تتحدث بألم و اشفاق على ما اصاب بيت المراكبي بين ليلة و ضحاها و منهن من تقف لتلتقف كل جديد من باب الفضول...رأتها بعضهن اللائي تهامسن بصوت شبه مسموع
(يقولون ان هدير ابنة عبد الصبور لم تظهر منذ الأمس)
(أتمزحين!!!...كيف عرفتي بالخبر فالحي كله منشغلا بأمر الحاج سليمان!)
(رأيت أمها بنفسي تعود مع الولد طاهر في وقت متأخر و قد سمعتهما و هما يتحدثان بشأن غياب ابنتها)
(لا حول و لا قوة إلا بالله و أين اختفت هذه البنت... عيني عليها أم هدير انظرن كيف تسير و عقلها ليس معها)
(الله يبرد قلبها برؤيتها و يحفظ بناتنا)
تعثرت ام هدير بنتوء في الأرض و كادت تسقط امام بقالة أم أيوب لولا ان وجيدة اسرعت بالخروج لتسندها و تتحرك بها الى بقالتها...
(بسم الله ما بك يا أم هدير؟!... تعالِ للداخل ارتاحي قليلا فوجهك شاحب جدا)
اجلستها عند باب البقالة على كرسيها الخشبي ثم نادت على زوجة ابنها برجاء....
(مودة هات كوب ماء بالسكر لخالتك ام هدير بسرعة)
اتاها صوت مودة من الداخل...
(حاضر خالتي حالا....)
بكت ام هدير و خرجت كلماتها كهذر غير منظم...
(ألم تري ابنتي يا وجيدة؟!... الم تصادفينها بالأمس؟!... أنا لا أجدها في أي مكان... عقلي يكاد يتفتت من كثرة التفكير و قلبي يحترق عليها... أين سأجدها؟!!)
اتسعت عينا وجيدة بجزع لتربت على كتف المرأة فتهمس بقلق..
(لا إله إلا الله... ماذا حدث للحي في ساعات معدودة؟!... الحاج سليمان و الآن هدير!!)
نكست ام هدير رأسها ارضا و بكاءها لا يتوقف فمالت وجيدة عليها تهون من مرارة حالتها...
(وحدي الله يا ام هدير فأين ستذهب البنت... ربما عرفت بخبر حادث سليمان المراكبي و ذهبت للمشفى لتطمئن عليه و من هول الموقف نسيت ان تخبرك)
هزت ام هدير رأسها بلا حول و لا قوة فقضمت وجيدة شفتيها بخوف حقيقي على هدير... فأين ستختفي فتاة مثلها لليلة كاملة؟!!...مسحت فوق رأس المرأة تقول بتمني...
(لا تبكي و تجلبي فأل سيئا دون داعٍ... ان شاء الله ستجدينها و ستكون بألف خير)
خرجت مودة اليهما تقول بينما تمد يدها بالكوب الى حماتها...
(الماء بالسكر خالتي...)
تبادلت وجيدة و زوجة ابنها نظرات متوجسة لكنهما آثرتا الصمت لتأخذ حماتها الكوب و تعطيه لأم هدير التي و كأنها انفصلت عنهما تماما فبدأت تهذي...
(لقد بحثت عنها في كل مكان... قضيت ساعات طويلة ألف الشوارع و امحص النظر... أين سأبحث الآن و من أين ابدأ لأصل اليها!)
بدت ام ايوب كمن لا تعرف كيف تتصرف فتدخلت مودة بنصح قلق...
(ابلغي الشرطة يا خالة... صحيح لم يمضي أربعة و عشرون ساعة على اختفاءها و لكن ما يحدث في الحي ربما يعجل من اجراءات البحث عنها)
التفتت ام هدير لمودة تهمهم بتيه...
(الشرطة!)
تقدمت مودة منها تردف بأمل...
(نعم يا خالة ما دام بحثتي عنها و لم تجديها و هي لم تعد فالشرطة هي الحل)
و كأن ام هدير تعلقت بطوق النجاة فاستندت على الكرسي لتستقيم واقفة و تسأل مودة بلهفة...
(و ماذا أقول لهم؟!)
اجابتها مودة بتضامن...
(قولي لهم كل ما حدث بالتفصيل... متى اختفت و أين كنتِ وقتها و هل حدث شيء ضايقها لتخرج او لو هناك صديقة لها من خارج الحي و يمكن ان تكون ذهبت اليها)
(خالتي أين ذهبتي من دوني ألم نتفق أن تنتظريني حتى انهي صلاة الجمعة؟!!!)
صوت طاهر اللاهث من خارج البقالة جعل ام هدير تلتفت له ثم تتخذ خطواتها اليه بأمل تعلق في وجه الله بينما تقول...
(تعال طاهر سنذهب لقسم الشرطة و نبلغهم عن غياب هدير...)
تتبعتهما عينا ام ايوب حتى اختفيا من مجال نظرها فعادت تحمل كرسيها و تدلف البقالة مرددة بحسرة...
(استغفر الله العظيم و كأن كل المصائب وجدت طريقها للحي و أهله... اللهم أجرنا في مصيبتنا)
توقفت امام مودة الساهمة بحزن لتسألها...
(هل اتصلت بأيوب يا ابنتي؟)
ابتلعت مودة ريقها لتهمس...
(أحاول منذ الصباح لكن هاتفه مغلق حتى الآن)
تنهدت وجيدة قبل ان تجلس على الكرسي و تهمس...
(يجب ان يعرف ما حدث و يعود ليبقى جوار ابناء المراكبي... قلبي عندهم فمصابهم صعب)
زفرت مودة بتوتر قبل ان تتراجع للخلف حيث الداخل بينما تهمهم...
(سأحاول مجددا خالتي...)
دلفت الى الداخل تحديدا للمطبخ حيث تركت هاتفها قبل أن تعد كوب الماء للخالة...التقطته بعينين دامعتين و قلب خائف لتحاول الاتصال بزوجها مجددا...و كان نصيبها هذه الرسالة المسجلة بأن الهاتف مغلق... ابعدته عن اذنها لتزفر زفيرا مهتزا و تفكر هل يمكنها ان تهاتف اختها و تخبرها فهي الأقرب لها و قد تهدأ من خوفها المتفاقم بسبب الاحداث التي تصيب الحي بقسوة...وصلت لاسم اختها في قائمة الاسماء و قبل ان تتصل بها تركت الهاتف فوق الطاولة الرخامية للمطبخ... هذا الخوف كبير جدا و روحها لا تتحمله... ماذا لو اصاب ايوب مكروه أو حدث شيء سيء لهم!!...رفعت مودة وجهها عاليا تقضم شفتيها بقلق قبل ان تنزله مجددا و تدخل كفها في جيب عباءتها لتخرجه مضموما على شيء ما... مالت بعينيها الى كفها و قد تعلقتا بقبضتها لتفتحها ببطء تدريجي فيظهر اختبار الحمل المنزلي و الذي يحوي شرطتين باللون الأحمر!...








دلف العسكري الى المكتب يؤدي تحيته للضابط ثم يتوجه كما أمره الى الطاولة الصغيرة امام الأريكة التي قضت فلك عليها ليلة الأمس ليضع كيس الشطائر امامها ثم يخرج... ناظر الضابط فلك في جلستها التي لم تتغير منذ الأمس بعينيها الملتهبتين من كثرة البكاء و وجهها الشاحب المتغضن بالألم...طال سكونها مما دفعه لأن يزفر بتعب ثم يقول...
(تناولي الفطور لأجل ابنك على الأقل)
وخزت الدموع عينيها فرفعتهما له تقول بصوت مقهور...
(أنا مظلومة...)
تنهد الضابط قبل ان يقترب و يستند على مكتبه بمرفقيه فيقول...
(و إن قلت لك انني اصدقك لكن هناك دليل يدينك!)
ارتعشت شفتاها و شعور الظلم يخنقها بأصابعه فهمهمت...
(ماذا علي ان أفعل لأثبت براءتي؟!!!)
اجابها الضابط بقلة حيلة...
(ليس أمامنا سوى حلين إما ان يسامحك زوجك و ينهي القصة كلها و تغلق القضية أو... تحدث معجزة و ينفي احد الشهود شهادته و يزيل التهمة عنك)
نكست فلك رأسها بوجع لتهمس..
(لا أريد ان اخرج من هنا كمتهمة عفى عنها زوجها و انا بريئة!)
زم الضابط شفتيه بتفكير ليسألها...
(هل زوجك هو رجل الأعمال طارق طلال حقا ام هو مجرد تشابه اسماء؟)
دون ان ترفع وجهها له اجابته...
(نعم هو...)
ابتعد الضابط للخلف يستند بظهره على كرسيه قائلا...
(الأمر معقد جدا فبعض الصحافيين بالخارج لو عرفوا خبرا كهذا ستسوء سمعة السيد طارق و ربما تضرر اعماله)
رفعت وجهها اليه سريعا تسأله برعب...
(هل سيعرفون؟!!!)
طمأنها بقوله الهادئ....
(حتى الآن اسيطر على الأمر جيدا و لم اسمح بتسريب أية معلومات لكن...)
ابتلعت ريقها بوجل تهمس...
(لكن؟!!!)
زفر الضابط ثم صمت قليلا قبل ان يقول...
(اتمنى ان تنتهي القصة قبل انتهاء فترة دوامي اليوم فلا تتوقعي معاملة مماثلة من غيري)
احتل الخوف قلب فلك فانعكس على محياها لتنكس رأسها مجددا و تبقى فريسة مخاوفها...سؤال الضابط المتوقع زادها خوفا بل رعبا من القادم...
(هل تعتقدين سيقف معك زوجك و يصدقك؟!)
من اعماق قلبها تدعو ان تفلح هيام في مقابلتها مع طارق اليوم... ان يصدقها و ينفي هذه التهمة عنها... ان يعاملها بحنانه و لطفه المعهودين منه... لكن الحياة علمتها ألا تأمن مكر الأيام و الناس...
(في حياتي كلها لم يقف في صفي أحد غيره...لكني لا أعرف هل سيتغير الوضع الآن أم لا)
قصر طارق طلال....
فتح الحارس بوابة القصر بسرعة حينما توقفت سيارة طارق معلنة عن وصوله من المطار... ترجل طارق من سيارته بوجه متجهم الملامح بشدة بعدما فتح له السائق الباب… و على عجلة جاوب الحارس الذي سأله عن حقائبه...
(الحقائب لا تزال في المطار)
دلف الى حديقة القصر يقطع المسافة الى الباب الداخلي بقلب وجل... منذ هاتفته ابنته بالأمس تطلب منه العودة في الحال لسبب مصيري يتعلق بهم و بفلك...و كم كانت متكتمة على الإفصاح عن اي تفصيل يخفف من حدة قلقه عنهم جميعا... يا الهي هل اصاب فلك مكروه أو هل... فقدت الطفل؟!!!...عقله لم يرحمه منذ هاتفته ميرنا فلم يجد بد سوى ان يحجز تذكرة على اول طائرة عائدة للوطن... و ها هو يقف امام باب قصره بتردد لا يليق مع عمره خوفا من ان يدلف فيجد خبرا يفتت قلبه!... دق الجرس و انتظر حتى فتحت له الخادمة بملامح لا تنم على خير... تخطاها للداخل فقابلته ابنته بوجه ذابل متخوف و عينين يعرفهما جيدا... هذه النظرة منهما تعني انها مرت بتجربة سيئة لكن ما هي؟!!...توقف طارق امامها يناظر المتواجدين حوله... لبنى و الخدم فيرفع رأسه للأعلى حيث غرفة زوجته متسائلا...
(ماذا حصل ميرنا؟!... و أين فلك و أمها؟!... هل فلك بخير؟!!)
اشاحت ميرنا بوجهها عن عيني ابيها اللذين تعلقا بها و ارسلا لها قلقه على زوجته... ابتلعت ريقها لتهمس بصوت مهتز
(أبي بالأمس... فلك كانت... كانت في غرفتك و... نحن شهدنا....)
ضيق طارق عينيه و الترقب بداخله يبلغ اقصاه... ارتعش صوته و هو يسأل برجاء ان يطمئنوه على فلك...
(ما بها فلك ماذا اصابها؟!)
اغمضت ميرنا عينيها و ضعفت نفسها بأن تنطق بهذا الذي اتفقتا عليه هي و حماتها... انه صعب للغاية ان تجرح والدها و تضعه في مثل هذا الموقف القاسي و الذي تتأكد من انه موقف باطل من اوله لأخره... طال صمتها و تصاعد قلق طارق و غضب لبنى لتتقدم هي متخذة مكانة ميرنا في القول لتتحدث بثقة لا تهتز...
(يجب ان تسأل ماذا اصاب سمعتك انت من وراء ابنة الخادمة... زوجتك المحترمة التي اجبرتنا جميعا على قبولها وسطنا بالأمس القت الشرطة القبض عليها بتهمة الزنا سيد طارق)
احتدت نبرة طارق لينطق بعنف يخرس لبنى بنظرة مخيفة...
(سيدة لبنى انتبهي أنتِ تتحدثين عن زوجتي و صاحبة المكان الذي تقفين به)
رفعت لبنى ذراعيها عاليا لتهبط بهما جانبا و تهز رأسها يأسا... ثم تقترب من طارق و تبتسم بسخرية قائلة
(بل انتبه أنت سيد طارق فمن جعلتها زوجتك و صاحبة هذا المكان ادخلت الى غرفتك رجل غريب و كانت تنوي خيانتك)
ناظرها طارق بغضب ليقول بيقين تام..
(أعرف جيدا انك لا تحبين فلك و انك دوما تسببين لها المشاكل لكن لم اتخيل يوما ان تأخذك الجرأة لاتهامها تهمة دنيئة كهذه)
وقفت لبنى ندا له تقول بصوت راسخ...
(أنا لا اسبب المشاكل يا سيد طارق بل انا الوحيدة التي عرفتها على حقيقتها منذ اول مرة و كشفت لكم وجهها الحقيقي لكنك رفضت ان تصدق و بدلا من طردها من القصر جعلتها سيدته...إن كنت لا تصدقني و لا تصدق ان زوجتك الآن في قسم الشرطة متهمة بخيانتك بالدليل بعدما شهد عليها الخدم فبالتأكيد ستصدق ابنتك التي رأت و سمعت كل شيء)
تسارعت وتيرة تنفس طارق بينما يولي ابنته وجهه منتظرا ان تكذب كل ما قيل فعقله لا يفقه حقا ان فلك قد تخون... مستحيل ان تفعلها فلك ابدا... هو يعرفها جيدا!
(ما قيل حقيقيا يا أبي... فلك كانت على علاقة مع رجل آخر و قد وجدناه معها في الغرفة بالأمس)
و كأنه يصارع موج مهلك بجسد ضعيف... ما الذي يقال بحق الله؟!...تماسك بكل قوته يعيد كلمات ابنته ببطء و يزن كل حرف منهم حتى قال بشك واضح...
(كيف وجدت رجلا غريبا في بيتي و أنا اخبرتها بزيارتك لها قبلها بليلة...كيف ستفعلها و هي تعرف انك قادمة لزيارتها؟!)
شحبت ملامح ميرنا بصورة مفرطة و قد دق ناقوس الخطر عقل لبنى...تبا لقد هاتفها ليخبرها بزيارة ميرنا!!... ماذا يجب ان تقول الآن؟!... كيف تمررها دون ثغرات فيبدو ان طارق لا تكفيه هذه الجرعة حتى بعد قول ابنته و التي ظنت ان قولها وحده سيكون وافيا إلا انه لا يزال يتحرى و يتساءل نافيا بكل قوته هذه الفعلة عن فلك...
(ميرنا هاتفتها لتخبرها أنها لغت الزيارة)
بكل جدية و ثقة نطقت حجتها التي ما زادت طارق غير شكا و عدم اقتناع ليتساءل مجددا...
(و لماذا تبلغها بإلغاء الزيارة كذبا ما دام أتت لزيارتها و لماذا كنت معها سيدة لبنى من الأساس؟!!...و كأنكما كنتما تتوقعان وجود احد معها!!)
اهتزت حدقتا لبنى و قد بهتت ملامحها بقوة... ماذا فعلت فلك بطارق حقا لينسى كل ماضيها و ماضي والدتها الحقير و يتغافل عن شهادتهم بخيانتها... انه يدافع عنها و بقين ظنت انه سيتزعزع مع اول جملة يقولونها له...ابتلعت ريقها ببطء كبطء تفكيرها فلا يجب ان تخسر هذه الجولة ابدا فإن فعلت ستخسر اللعبة كلها دون استثناء...تكلمت بذقن مرفوع بعدما عقدت ذراعيها حول خصرها لتقول ساخرة..
(حقا اشفق عليك سيد طارق فبعد ان اخبرتك ابنتك بنفسها لا تزال رهينة لصورة غير حقيقية وضع عقلك بها هذه الفتاة النكرة و فرضتها على نفسك لدرجة انك لا تصدق عليها كلمة!... لكن لا بأس فيبدو ان الفتاة تمتلك نفس خطة والدتها في تغييب عقول الرجال حتى يصبحوا خاتما في اصبعها)
التفتت للجانب تناظر وردة الواقفة بوجل و تأمرها بقوة...
(هات الهاتف وردة و دعي السيد طارق يرى بعينيه خيانة زوجته له عله يصدق...)
انكمشت اصابع وردة على تنورتها قبل ان تهز رأسها بموافقة و تبتعد عنهم الى غرفة فلك بالأعلى... و بعد دقيقتين كانت قد عادت و وقفت امام طارق الصامت بتأهب تام تمد يدها بهاتف فلك... في الواقع بعدما عادوا بالأمس من قسم الشرطة و قد سارعت لبنى في شراء هاتف نسخة طبق الاصل من هاتف فلك ثم امرتها بوضع شريحة فلك بداخله و تفعيل البرامج كلها و استعادة نسخة كاملة من كل الرسائل التي ارسلوها هم!!... لبنى بالأمس برهنت لها انها شيطان متلبس وجه الرقي... لا تستطيع ان تعاديها فأكيدة من هلاكها ان فعلت لكن فلك لا تستحق كل هذا و الله لا تستحق...التقط طارق الهاتف و الذي تعرف عليه فهذا فعلا هاتف زوجته و قبل ان يفتحه وصله صوت لبنى الذي يستفز دواخله...
(افتح هاتف زوجتك سيد طارق لترى بنفسك كم رجل هاتفت و كم رسالة وقحة ارسلت لهم... ان كنت لا تقيم لشهادتنا وزنا فأعتقد رؤيتك لخيانتها بعينيك ستغير رأيك)
ما يقال الآن صعب جدا على أي رجل...هذه التهمة التي يلصقونها بفلك ليست هينة بالمرة...و بين قلبه و عقله ينازع ليصل الى انهاء كل هذا... فلك ليست سيئة و هو أكيد من هذا...ما يحدث ان لم يكن ظلما فهو سوء فهم وقع فيه المحيطين به...و رغم يقينه تسلل الترقب الى روحه فأصابها لوهلة فقط مجرد وهلة بالاهتزاز...و حينما تهتز الروح تأكد بأن صاحبها قد خانه قلبه و تكالب عليه عقله فبات ضحية لرأي الآخرين...اتسعت عينا طارق بعدم تصديق و هو يقرأ بهما دون صوت تلك الرسائل المقززة...يتمزع بين مشاعر عدة فالرجل بداخله يحترق مما يرى و الأب بداخله مطعون... هل هذا دليل خيانتها؟!... خيانة فلك!... هز رأسه نفيا ليهمهم بما تبقى له من قوة...
(مستحيل... هذا غير حقيقي)
حركت لبنى رأسها تأمر ميرنا بأن تتدخل الآن فانصاعت الأخيرة لها لتقترب من والدها و تهمس بصوت مختنق...
(حينما رأيتها الأمس بعيني ظننت ان الأمر غير حقيقيا)
(ميرنا!)
صوت والدها المندهش حمل لها مأساته و ما يمر به من معاناة لكنها لا تستطيع ان تتراجع فماذا سيحصل له لو عرف انها متواطئة مع لبنى في شيء قذر كهذا؟!...
(لكنه حقيقيا بالكامل أبي... فلك قامت بخيانتك)
تسارعت انفاس طارق بشكل ملحوظ و الهاتف بين اصابعه يعاني من قبضته القاسية...ما الذي يحدث حقا؟!...لمَ قد تفعل فلك شيئا مثل هذا؟!...لقد كانت صادقة معه حتى اخر لحظة قبل سفره... عيناها و فرحتها و قربها منه... كل شيء كان نابعا من روحها!!!...عاد ينظر لوجه ابنته فيلمح الدموع في مقلتيها فتضربه بسياط غليظ... ان بلغ كره ميرنا لفلك اقصاه فلا يصدق انها ستكذب في امر شديد الخطورة كالخيانة...لكن فلك لا يستوعب عقله انها قد تفعلها حتى!!
(هل صدقت الآن سيد طارق... انها مجرد فتاة تلهث خلف المال فلا تقنعني ان شابة مثلها ترضى بحياة مع رجل في عمر والدها سوى لأجل المال...)
رفع طارق لها عينين حادتين رغم تألمه البادي على ملامحه فأغضبها تمسكه بهذه الفلك حتى بعدما رأى الرسائل... تكلمت بدونية و تحقير تكشف كل الأوراق دفعة واحدة لتحرق اخر حبل قد يربط فلك بطارق...
(لا تنظر هكذا لي سيد طارق فأنت لم تعرف ما عرفته أنا... فلك كانت على علاقة بشاب في حيّها كانا متفقين على الزواج حتى ظهرت أنت فتركته و لهثت خلفك لكنها للآن لم تقطع علاقتها به بل تذهب و تقابله في الحي و ايضا... تراسله كغيره من الرجال ستجد رسائلهما عندك... اسمه أيوب)
صوت الطرقات العالية المصاحب لصوت هيام الهادر لفت انتباههم جميعا و اخرس لسان لبنى ليمنح طارق متنفسا يخلص نفسه فيه مما سمع للتو...
(افتحوا هذا الباب... سيد طارق اعرف انك وصلت من السفر يجب ان اتحدث معك)
تصدرت لبنى الصورة لتأمر وردة بأن تفتح لهيام الباب فهي باتت أكيدة أن يقين طارق تزعزع قليلا و عليها ان تختم القصة كما ارادت...فتحت وردة الباب فنالتها نظرة وعيد من هيام لتبتعد بسرعة للداخل و تترك هيام في وقفتها المتحفزة تناظر الجميع ثم تختص طارق بنظرة رجاء بينما تهرول نحوه قائلة...
(سيد طارق انقذ فلك و ابنك و لا تسمع منهن لقد خططن للتخلص من ابنتي)
وقفت لبنى حائلا بينهما لتتولى الرد على هيام بقسوة...
(ابنتك التي سارت على خطاك اوقعت نفسها في شر اعمالها)
هدرت هيام فيها بقوة و عدائية...
(اخرسي ابنتي اشرف منك على الأقل هي لا تخطط و تدبر لتسرق رجل من زوجته مثلك)
اسودت نظرة لبنى لتقترب بوجهها من هيام و تقول...
(أليست هذه حيلك أنتِ لكسب لقمة عيشك؟!)
اهتاجت انفاس هيام و النار تشتعل في صدرها و ترغمها على التوحش لتحمي ابنتها من هؤلاء الناس...اردفت لبنى بسرعة و لكن بنبرة اهدأ
(هل تنكرين ان ابنتك كانت على علاقة بأيوب من حيّكم؟)
ضيقت هيام عينيها بجهل فلا تعرف من أين لهذه الحية ان تعرف أيوب أو لماذا تم ذكره الآن و هنا امام طارق... لكنها جاوبت بحمائية تدافع عن ابنتها...
(العلاقات تُركت لكم أنتم فابنتي يشهد لها الحي كله بأخلاقها)
عادت لبنى برأسها للخلف تختص طارق بقولها...
(ها هي لم تنكر ان هناك شابا اسمه أيوب في حياة ابنتها)
جزعت نفس هيام من فحوى حديث لبنى فأسرعت الى طارق لكن ذراع لبنى الذي امتد منعها بقسوة لتدفعها بعدها للخلف قائلة بتحذير...
(حذاري ان تتجرئي و تتعدين خطوطا تفصلك عن اسيادك...إن كان سيد طارق مسح لكما هذه الخطوط ذات مرة فلا تحلمي بأن بعد فعلة ابنتك ستُمحى الحدود من جديد)
تماسكت هيام كي لا تتعثر بسبب دفع لبنى لها لتهدر عاليا...
(بأي حق تتدخلين بين الرجل و زوجته ها؟!... من أنتِ هنا لتقفين و تتكلمين في بيت ابنتي؟!)
ضحكت لبنى بسخرية لترد عليها...
(انظروا اليها كيف لا تزال تقاوم بعدما فُضح امرهما... اسمعي يا أنتِ السيد طارق عرف كل شيء و رأى بعينيه رسائل ابنتك و من ضمنها رسائل لهذا أيوب... حبيبها القديم)
اتسعت عينا هيام تزامنا مع شهقتها العالية لتتجه بعدها الى طارق الصامت كليا كحال ابنته فتصرخ فيه بتوسل...
(لا تصدقها سيد طارق انها تخلط الحقائق لتوقع بينك و بين زوجتك... انها تكره فلك من البداية و تريد أذيتها لأنها طامعة في الزواج منك... صدقني فلك مظلومة و يستحيل ان تفعل هذا... أنت نفسك تعرف ان فلك لم تفعلها فلا تميل لكذبهن... ارجوك سيد طارق ابنتي تعاني في قسم الشرطة و تحتاجك)
تمسكت لبنى بقسوة بذراع هيام تجرجرها للخلف بينما تهدر هي ايضا لتغطي على صوتها فلا يجب ان يسمع طارق و ان سمع لا يجب ان ينصت...
(للخارج ايتها الحثالة... أنتِ و ابنتك مجرد طفيليات التصقتما بنا)
نزعت هيام ذراعها من لبنى بحدة لتجابهها بعينين متقدتين فتصرخ لبنى بصوتها الجهور...
(أين الحارس و الخدم ليلقوا هذه الى الشارع؟!!!)
حاولت هيام ان تتخطى لبنى لكن الأخيرة بذلت جهدها كله كي لا تمررها... و في غضون لحظات وصل الحارس و الخدم ليتمسكوا بهيام و يسحبوها للخارج… ما يحدث يرفضه طارق تماما حتى و ان كان لم يعد يفهم حقا ما يحدث فكاد يتحرك الى هيام و يمنعهم عنها لكن قبضة ابنته فوق ذراعه اوقفته... التفت لها ليجدها تطلب منه بعينين باكيتين ألا يتحرك ثم تهمس بنحيب...
(يكفي أبي دعهما ترحلان من حياتنا... هذا أفضل لنا و لهما أرجوك)
صوت هيام الذي يضعف و يبعد لم يسمع منه سوى جملة واحدة قبل ان يغلقوا الباب في وجهها... جملة اخترقته و هزته بقوة...
(لقد اعطيتك ابنتي امانة في عنقك فهل هكذا تصون الأمانة سيد طارق؟!... فلك مظلومة و الله و أنت متأكد من هذا)
احيانا تكون الفواجع أكبر منا... من عمرنا... من خبرتنا... من صلابتنا و تقبلنا للقدر شره و خيره...تأتي هكذا فجأة فتضرب بقسوة روحنا و توجعها فيلتهي العقل بالألم و يتشوش لينحرف عن مسار التفكير السليم... قد يدوم التشوش للحظة او ربما لأطول من هذا بكثير فيصيبك الشك و تتساءل هل ما يحصل صح أم خطأ... لكن في النهاية مهما طالت مدته فالنتيجة واحدة...فيكفي ان يساورك الشك ليقتل كل شيء في مهده و يبقى الندم بعده مجرد كلمة لا تملك صلاحية التعبير....
قسم الشرطة...
وقفت فلك بسرعة و تأهب حينما دلفت امها من الباب فسألتها بلهفة و تمني...
(أين طارق يا أمي؟!)
سالت دموع هيام بقهر على وجهها و هي تناظر ابنتها بألم تراه فلك لأول مرة في عيني أمها... اهتزت في وقفتها لتتراجع للخلف و تسقط جالسة على الأريكة تتنفس ببطء يسلب روحها... طارق لم يصدق أمها!!!... حتى هو تخلى عنها مثل الجميع!!!...لم تشعر بشيء سوى بصوت هيام الذي اقترب كثيرا منها و هي تصرخ باسمها بينما الضابط يهمهم بكلمات غير مفهومة تماما... اغلقت فلك عينيها رغما عنها و لسانها يود لو يطلق صرخة اوجعت روحها... لماذا تفعل بها الحياة ما تفعله؟!!!!...
بعد نصف ساعة...
وصلت هيام للحي بوجه مرهق للغاية فبعدما فقدت فلك الوعي طلب لها الضابط طبيبا و قد اعرب عن سوء حالتها و ضرورة نقلها للمشفى لكن لسوء الحظ قد انتهى دوام الضابط و استلم زميله مكانه و لم يكن رحيما ابدا بابنتها رغم توصيات الضابط له... لم تجد حلا سوى ان تأتي لسليمان كي ينقذ ابنتها فطارق كما يبدو تمكنوا من عقله تماما... توقفت هيام عند بيت المراكبي تدق عليه حتى وصلها صوت صبي المقهى من خلفها...
(لا يوجد أحد هنا...)
التفتت له هيام بدهشة فسألته...
(لمَ و أين ذهب أهل البيت يا حمو؟!)
تنهد الصبي بحزن ليجيب...
(الحاج سليمان اصيب في حادث و هو بالمشفى الآن و قيل ان حالته خطيرة جدا يا ست هيام)
شهقت هيام بعدم تصديق بالمرة... لقد اعتادوا ان سليمان حمايتهم كلهم و لم يفكروا يوما ماذا سيحدث لو اصابه مكروه... ابتعدت عن البيت بقلب ثقلت همومه اكثر فلا يمكنها ان تعود لفلك خالية اليدين... لن تسمح بأن تبيت ابنتها ليلة جديدة في القسم... توقفت عند باب بيتها لتستند على حائطه و تلتقط انفاسها بصعوبة... ما تمر به فلك هو من صنع يديها هي... هي من انجبتها للحياة لتوصمها بعار ليس عارها... اغمضت هيام عينيها بألم و حياتها تمر بين جفنيها و تذكرها أي هوان تحملت لتعيش... استقامت فجأة بعدما توقفت عند ذكرى بعينها رمشت بتفكير لتسحب نفسا عميقا مقررة ان لا شيء ستخسره بعد خسارة ابنتها الوشيكة...عليها ان تصل اليه و عليه ان يساعدها و سيفعل!




المشفى... منتصف اليوم
جلست صفية على احدى الكراسي في الممر المؤدي للعناية المركزة... كما هي ثابتة راسخة كجبل شامخ تتوسد فاطمة كتفها الأيسر ببكاء لم ينقطع منذ أتت لهم في بداية اليوم و على الجانب الآخر جلست قمر بعينين حمراوين دليل على بكاء مرير لكنها الآن تبدو تماسكت لتصبح عونا لأمها فها هي تتشبث بكفها لترسل لها مؤازرتها في مصابهم... و على الكراسي المقابلة جلست غسق بمفردها بوجه مرهق تتابع حالتهم التي تؤلمها...كم هو صعب ان تنقلب الحياة في غمضة عين و هي قد جربت هذا الشعور من قبل...قدوم حسام زوج فاطمة جعلها ترفع بصرها سريعا لنهاية الممر علها ترى كرم الذي اختفى مع أخوته منذ وقت طويل ينهون اشياء تتعلق بالمشفى و يجيبون اتصالات رجال الحي و من يريد ان يطمئن على والدهم...لكنه لم يأتِ فقط حسام و خالد من ظهرا...انتبهت الى جلوس حسام على عاقبيه امام زوجته يواسيها بلطف و قلق على حالتها...في هذه اللحظة قلبها نبض لأجل كرم فكم كان مرهقا مهموما و خائفا لكنه يتجلد بطريقة توجعها هي... فقط تتمنى ان تبقى جواره كما حسام الآن و تخفف عنه حمله...وقوف حسام السريع و نظراته المتفحصة حوله اخبرتها ان هناك خطأ فوقفت سريعا تتوجه اليهم و تتساءل بقلق حقيقي...
(هل هناك خطبا ما؟!)
اردف حسام و قلقه يتصاعد...
(ابحث عن أي طبيب او ممرضة لأجل فاطمة)
التفتت صفية الى ابنتها المجاورة لها تسألها بترقب...
(ما بك يا ابنتي؟)
بكت فاطمة بخوف و لم ترد ان تقلق والدتها لكن حسام اجاب عنها ببعض التوجس...
(الطفلة لم تتحرك ابدا منذ الفجر)
تعلقت عيونهم جميعا ببطن فاطمة لتقول قمر بقلق...
(ربما حركتها بطيئة و أنتِ لم تشعري بها)
هزت فاطمة رأسها نفيا لتهمس بصوت مبحوح...
(لا يا قمر لم تتحرك ابدا منذ فجر اليوم)
مدت صفية كفها لتضعه على بطن ابنتها تحركه بلطف و لسانها يهمس بذكر الله ثم قالت لابنتها بهدوء...
(منذ جئت و أنتِ جالسة هنا تبكين انهضي و تحرك قليلا و ان شاء الله ستشعرين بحركتها)
اسند خالد أخته من يد و حسام من الأخرى لتستقيم فيهمس لها خالد بحنان كي يخفف خوفها الذي يراه...
(لا تخافين حبيبتي ستكون بخير ان شاء الله)
تركها لزوجها الذي حاوطها من خصرها ليتمشى معها بحذر في الممر و قلبه يضطرب لأجل زوجته و طفلته...ابتعدت غسق عنهم لتخرج من الممر فتصادف صالح و هبه التي اوقفتها بتساؤل...
(الى أين غسق هل حدث شيء؟!)
تعلقت نظرات غسق خلفهما بحثا عن كرم و حينما لم تجده قالت بهدوء...
(سأشتري شيئا حلوا لفاطمة فطفلتها لم تتحرك منذ الفجر و هي قلقة)
تكلم صالح مقترحا...
(و لمَ لا تسأل احد الأطباء هنا)
تنهدت غسق بتعب واضح لتهمس...
(احيانا لا يتحرك الجنين بسبب سوء تغذية الأم و نقص بعض العناصر الغذائية و خاصة الأطعمة المحلاة... الأمر هينا ان شاء الله)
تمتم صالح بالدعاء لأخته الصغيرة فقالت هبه لغسق...
(انتظري سآتي معك)
هزت غسق رأسها نفيا تقول...
(لا هبه ابقي حول أمي صفية حتى أعود فهي قلقة على فاطمة)
اومأت لها هبه بتفهم فسألتها غسق بلهفة و قلق لم تتمكن من تلجيمه...
(أين كرم لماذا ليس معكما؟!!)
اجابها صالح متفهما هذا القلق على أخيه...
(كرم بخير لا تقلقي فقط يجيب على الهاتف فالجميع يود الاطمئنان على أبي)
همهمت غسق بضيق جلي...
(عليه ان يرتاح قليلا فلم ينم منذ الأمس ابدا)
ربتت هبه فوق ذراعها بحنان تقول..
(و أنتِ ايضا يجب ان ترتاحي غسق تبدين مرهقة جدا)
تنهدت غسق بصمت فكيف لها ان ترتاح و كرم يعاني...و الله تشعر بألمه نابع من قلبها هي...همست بخفوت بينما تتخذ خطواتها بعيدا عنهما...
(أنا بخير... سأذهب و أعود سريعا)
تابعها صالح بعينيه حتى نزلت السلم فهمس لزوجته...
(منذ الأمس و هي تقف جوار الجميع خاصة أمي و كرم)
تمسكت هبه بكفه تشد عليه بمؤازرة لتقر حقيقة توقنها عن غسق...
(غسق انسانة لا مثيل لها تحب الخير لغيرها و تقف مع من يحتاجها حتى لو لم يسألها العون)
اطبق صالح اصابعه حول كف زوجته يردد بحنان..
(و كأنني ارى كرم بها..)
نظرت هبه لجانب وجهه بحزن لم يتبدد... تريد ان تخبره عما مرت به على مدار سنوات و معاناتها و ان غسق ايضا مرت بمثله...هو و كرم حُرما من نعمة الابناء بسبب خبث سهر و افعالها الإجرامية... لولا ان أريج اكدت عليها اكثر من مرة أن تصبر و لا تفصح لأحد لكانت صرخت تنعي حالها و موت ابناءها...عيناه اللتان التقفتا وجهها الحزين اجبراها على الابتسام لتهمس بخفوت...
(الأرواح تتآلف و المرء يتطبع بطبع من يحبه)
خارج المشفى...
عادت غسق تحمل في يدها كيسا بلاستيكيا صغيرا بعدما تبضعت من المتجر القريب للمشفى...دلفت من بوابة المشفى لكنها توقفت على نداء كرم لها...التفتت بسرعة اليه تتفحص وجهه و تبحث في ملامحه على ما يريح قلبها...
(أين كنتِ بمفردك؟)
اسبلت اهدابها تنظر للكيس في يدها و تجيبه بخفوت...
(كنت في المتجر القريب اشتري بعض الأشياء لفاطمة)
امسك الكيس من يدها بيد و بالأخرى تمسك بكفها ليتحرك بها حيث الداخل متسائلا بصوت يفوح منه التعب...
(و أين خالد و صالح ألا يوجد غيرك ليفعلها؟!...)
كورت اصابعها حول كفه تمنحه دفئها كما منحها دوما دفئه فتجيب..
(أنا من خرجت بنفسي لأشتري فالجميع حول فاطمة قلقين)
صعدا السلم معا حيث الطابق الخاص بوالده لكنه توقف يسألها بترقب ملهوف...
(ما بها فاطمة؟!)
تعلقت عيناها بعينيه الغامضتين ثم مدت يدها الأخرى تحاوط كفه الذي تتعلق به و تلامسه بحنان قبل ان تطمئنه...
(خير ان شاء الله لا تجزع...انها خائفة لأن طفلتها لم تتحرك من فترة)
سؤاله حمل لهفته و حنانه و همه الذي اختلط بوجع يتسرب من بين كلماته فيبلغها انه يتضور احتياجا للأمان رغم ثباته و احكامه الطوق على مخاوفه...
(و هل هذا طبيعي أم تحتاج لأن يراها الطبيب؟!!)
اقتربت منه و كل همها ان يفهم انها هنا معه و لن تتركه... ان تمنحه حرية التعبير عن قلقه و هي ستحمله عنه...رفعت وجهها له تقول بحنان جارف...
(ستكون بخير كلنا معها و لن نتركها...و أنا معك و لن اتركك كرم)
نظرته لم تتغير مطلقا لكنها شعرت بضمة اصابعه حول كفها ليبلغها ان رسالتها وصلت له...تنهد بإرهاق يقول
(دعينا نصعد أريد ان اطمئن على فاطمة)
هزت رأسها بموافقة لتستكمل معه خطواتهما للأعلى...و بعدما وصلا أخذت منه الكيس لتسرع الى اخته و تستخرج قالب شكولاتة و علبة عصير لتعطيهما لها قائلة بنصح..
(تناولي بعض السكر فاطمة بالتأكيد ابنتك تشعر بالخمول و لا تملك القوة لتتحرك)
تناولت فاطمة من غسق ما بيدها تأكله بلهفة كي تشعر بنبض ابنتها من جديد...ظلت غسق واقفة جوار كرسي فاطمة تطمئن عليها حتى انهت كل ما جلبته...و تحت نظرات الجميع و بالأخص صفية برهنت غسق انها تحمل لهم حبا كبيرا صادقا...توجهت غسق بعدها لحماتها و قمر تمنحهما علبتين من البسكويت بينما تردف باهتمام...
(لم تأكلا شيئا منذ الصباح...)
تناولا منها ما تحمله ثم تمسكت صفية بكفها تربت عليه بحنان شاكر و تكتفي بهذه الحركة فقد عبرت عيناها عن مشاعرها لغسق في هذه اللحظة...و بعدما منحت هبه علبة مماثلة وقفت امام كرم تعطيه الكيس و تقول...
(لأجل خالد و صالح و زوج فاطمة فلتعطيهم لهم...)
اخذه منها متفهما ليبتعد عنها لكنها اوقفته تؤكد عليه...
(و لك ايضا... أنت لم تأكل منذ الأمس)
لو تعرف ما الذي تفعله بقلب يتأرجح بين الخوف و الأمل كقلبه بأفعالها هذه لشعرت بالفخر من نفسها...ببساطة انها تقف في ظهره تسنده و تشد أزره في مصابه...ليس بالجديد عليها و لكن كل هذا جديد عليه هو فاليوم ما تفعله يصدر منها لأنها زوجته...زوجته التي تُسطر في قلبه شعورا جديدا نحوها...
بعد ما يقارب ربع ساعة...
وقف كرم يستند برأسه على الحائط و يغمض عينيه بإنهاك...قبل دقائق خرج الطبيب من عند والده يخبرهم بحالته و التي ترجمتها غسق لهم بحروف بسيطة فخوفهم عليه اوقف عقولهم جميعا...و كم كان يموت ترقبا ليسمع من فمها جملة ان والده تخطى المرحلة الحرجة... و كم كان حامدا بكل كيانه حينما نطقتها غسق...همهم بصوت خفيض كما يفعل كل كم دقيقة
(الحمد لله حمدا كثيرا... اللهم عجل بشفاء أبي)
(أخي كرم...)
فتح عينيه فجأة حينما وصله صوت سيد!... و بدهشة التفت يناظره خلفه فتتسع عيناه بدهشة اكبر... تحرك اليه بسرعة يتفحص هيئته المتعبة و ضمادة رأسه الكبيرة فيتساءل بجدية...
(سيد ما الذي اصابك؟!!)
ترقرقت عينا سيد بضعف ليجيب سؤال كرم بسؤال مختنق...
(هل ما سمعته صحيح و الحاج سليمان اصيب في حادث؟!!)
لامس كرم وجنة سيد يربت عليها بأمان فيقول...
(الحاج اصبحت حالته مستقرة الحمد لله لا تخف... و الآن اخبرني من فعل بك هذا؟!!)
نكس سيد وجهه للأسفل يهمس بخزي...
(وصلت له أخي كرم و قبل أن أعرف منه أي شيء ضربني احدهم على رأسي و افقدني الوعي... لم استيقظ سوى اليوم لأجد نفسي في مشفى و قد نقلني شاب و أخته اليها بعدما وجداني بجرح نازف)
طحن كرم ضروسه بضراوة و قد اسودت عيناه بشدة...همهم سيد مجددا دون ان يرفع وجهه..
(سامحني أخي كرم لقد فلت مني بعدما تعبت في ايجاده بنفسك لكن و الله لن يغمض لي جفن حتى اجده و...)
اوقفه كرم عن الاسترسال بعدما ربت على وجنته بحنان رغم تجهم ملامحه ليقول...
(هون عليك سيد و لا تفكر في شيء سوى ان تُشفى تماما)
(لكن حق الست غسق...)
رفض سيد الجامح قاطعه صوت كرم المتوعد...
(حق زوجتي أنا كفيل به و ها قد رأيت بنفسك يوم احتاجتك طلبت منك مساعدتي)
رفع سيد عينيه النادمتين لكرم يبلغه أسفه...فبعدما وصف شباب الحي له شكل من سرب لهم صور غسق و قد ابلغ كرم عنه... و كرم يشهد له انه لم يغفل يوما عن البحث بسرية تامة عن هذا الشاب اللعين حتى وصل له بعد جهد جهيد ليطلب من سيد التدخل كي لا يثير الشك ان دخل حي ليس حيّه و ها هو بكل غباء يضيع تعب كرم و يطمس رغبته في استعادة حق زوجته...
(سامحني أخي كرم...)
ابعد كرم كفه عن وجه سيد يقول بهدوء...
(إن اردت ان تطمئن على الحاجة صفية اذهب اليها لتعود الى بيتك سريعا و ترتاح)
ابتعد سيد عن كرم بخطوات لا تزال غير منتظمة و وصل الى الجمع في الممر فيستقبله الجميع بلهفة و حزن على ما اصابه... و يضطر ان يستخدم نفس العذر الذي منحه للشرطة لقد تعرض للسرقة...اما عند كرم فقد منحهم ظهره ليكور قبضته بحدة و اسنانه تصدر صريرا غاضبا... صوتهم السعيد خلفه ابلغه ان طفلة اخته تحركت اخيرا... مجددا بمساعدة غسق التي لم تتوان لترسم بسمة لأهله وسط الخراب...
بعد قليل...
بعدما اطمئن على سيد داخل سيارة اجرة اوصى سائقها ان يوصله للحي عاد لهم... راقب المكان حوله فلم يجد غسق بينهم...دنا من والدته يسألها بلهفة
(أين غسق؟)
اشارت له صفية على نهاية الممر تقول...
(كانت متعبة فطلبت منها ان ترتاح قليلا... ستجدها عند المنعطف الايمن لنهاية الممر)
انحنى يقبل رأس أمه شاكرا ثم يتحرك الى حيث غسق...وصل الى المنعطف الايمن فوجدها جالسة على احد الكراسي تسند جبهتها على كفيها المتشابكين...اقترب منها ليجلس جوارها بحذر كي لا يقلقها... لكنها رفعت له وجهها سريعا و كأنها تخاف ان تنام فتتركهم بحاجتها...ضيقت عينيها الحمراوين لتسأله بصوت ناعس...
(هل أنت بخير كرم؟!)
كل شيء تكالب ضدي في يوم واحد يا غسق... لو تسمحين لي بمساحة صغيرة في قلبك فقط ارتاح بها قليلا و التقط انفاسي لأعود بكامل قوتي لاستئناف الحياة...كم احتاج لأن القي رأسي فوق كتفك مغمض العينين فتمتصين خوفي و قلقي دفعة واحدة...أنا احتاجك!!
زفر بهم فخرج بوح روحه مع انفاسه فلم تسمع منه حرفا...مد كفه الى وجهها يلامسه بدفء تشعر و كأنه يحتاجه لا يعطيه فينطق قلبها قبل لسانها بدعوة صادقة...
(ارتح فوق كتفي إن أردت)
توقفت اصابعه فوق وجهها لوهلة و كأنه لم يصدق عرضها لتعود و تلامسه مجددا قبل ان يحرك كفه الى رأسها فيسحبها بلطف حيث كتفه هو و يسندها عليه هامسا...
(نامي قليلا غسق أنتِ متعبة)
رفعت له عينيها لأعلى كتفه تسأله بقلق...
(و أنت؟!)
اسند رأسه على الحائط خلفه ليغمض عينيه و يهمس بخفوت...
(و أنا ايضا متعب...)
بتردد رفعت كفها الى صدره قرب رأسها تربت عليه بخفة و تهمس بنعس...
(أنا هنا...)
صمت دون ان يغير من وضعه حتى انتظمت انفاسها فتأكد انها نامت...حرك كفه الحر يلتقط كفها المتشبث بملابسه فوق صدره ثم يرفعه الى فمه يقبله ليعود به حيث قلبه هامسا...
(فليديمك الله لي هنا حبيبتي)
**********
الساعة السادسة مساءً....
وضعت أريج اقلامها الملونة ارضا جوار  كتاب التلوين الخاص بيائيل الذي يجاورها الجلسة و يبدو مندمجا في الوانه...حركة مؤيد الى الباب جعلتها تسأله بتعجب
(هل هناك زائر قادم؟!)
اجابها مؤيد بهدوء دون ان يوقف خطواته...
(انها ديما...)
وقفت أريج لتتوجه خلفه حيث الباب فيلحق بهما يائيل بفضول اصبح من صفاته مؤخرا...فتح مؤيد الباب قبل ان تدق جرسه ديما فاتسعت عيناها تردف بدهشة...
(العائلة كلها تعرف عن قدومي!!)
اجابها مؤيد ببرود شديد...
(جيد أنك لا زلت تعرفين انه يجب ان تعرف العائلة التي ستزورينها بزيارتك...)
عوجت ديما شفتيها بنزق لتعدل من العلبة الكبيرة التي تحملها بين ذراعيها فتهمس...
(يا الهي على سوء الاستقبال!...آسفة مؤيد انني لم ابلغكم بقدومي لكن حقا ليس لي مكانا غير هنا)
ضحكت أريج بينما تتخذ مكان مؤيد و تمد يدها الى ديما تسحبها للداخل قائلة...
(تعالِ حبيبتي تفضلي أنتِ مرحب بك دوما)
دلفت ديما فأغلقت أريج الباب خلفها ليقول مؤيد بسخرية مقصودة...
(صحيح انه بيتك سيدة أريج)
رمقته أريج بنظرة محذرة جعلته يبتسم بخبث...لكنهما انتبها لصوت ديما المرح
(يائيل حبيبي كم اشتقت اليك أنا!)
مالت تقبله بشقاوة ثم تعتدل لتمنحه العلبة التي في يديها قائلة..
(انها هدية عيد ميلادك الذي لم احضره معك للأسف...)
ما فعله يائيل بعدها دفع ديما للانبهار... لقد مد يديه يأخذ منها هديتها و يتفحصها بفضول طفولي... عادت ديما الى مؤيد و أريج برأسها تهمهم بصدمة...
(هل ما أراه حقيقة؟!!)
ابتسمت أريج بحنان و شملت يائيل بنظرة سعيدة لتجيبها...
(نعم...)
ابتسمت ديما بسعادة لتلتفت الى الصغير و تنحني تقبله بفرحة كبيرة بينما تقول بإصرار...
(سأعلمه اسمي كي يكون اول اسم ينطقه)
تنهد مؤيد بخفوت ليوقف لعب ابنة عمه مع ابنه بسؤاله...
(لماذا هربت من بيت والدك و أتيت هنا؟)
اعتدلت ديما تناظره بضيق بينما أريج بصدمة فتسألها...
(هل هربت حقا من بيتك ديما؟!)
نكست ديما رأسها بلا جواب فأجاب عنها مؤيد...
(قالت انه ليس لها مكانا سوى هنا و اعتقد اليوم ستزورهم عائلة كاظم ليطلبوا يدها)
زفرت ديما بحنق لتهتف...
(أخبرت أبي أنني لا أريد الارتباط بهذا الكاظم و لكنه اتفق معه على موعد و كأن رأيّ ليس مهما!)
اقتربت منها أريج تقول بتعقل...
(قبوله او رفضه متروك لك ديما لكن لا يصح ان تتصرفي بلا تفكير و تفعلي هذا... ستحرجين والدك و عائلة كاظم بالتأكيد!)
عادت ديما لتهتف بتأفف...
(انا لا أطيق كاظم هذا)
تدخل مؤيد ببروده المعروف قائلا...
(لأنه الشخص الوحيد الذي حرك قلبك)
احمرت ديما خجلا و تلعثمت حروفها بينما أريج توبخه بغضب..
(ما الذي تقوله مؤيد؟!!)
برم شفتيه ببساطة يقول..
(انها الحقيقة... كاظم ليس فتى الأحلام الذي حلمت به و لكنه يعجبها و يؤثر بها و هي ترفضه عنادا)
(مؤيد!!)
صوت ديما الذي يذوب خجلا جعله يرد عليها باستفزاز...
(انكري إن كنت مخطئا)
قضمت ديما شفتيها بخجل لتهمهم...
(لست متأكدة من مشاعري انه فقط التصق بي و لا يتوقف عن ارسال رسائل يعبر فيها عن حبه العجيب بي...بالتأكيد كل هذا سيؤثر في الأنثى داخلي)
ردد مؤيد خلفها ببرود...
(هذا تعريف لمصطلح الإعجاب)
كبحت أريج ضحكتها و هي ترى مناوشات عائلية بين مؤيد و ديما لتقترب منها تضم كتفها اليها و تقول بنصح...
(يمكنك ان تتأكدي من مشاعرك اثناء فترة الخطبة و أنا متأكدة انك ستجدين في كاظم الرجل المناسب لكل احلامك.... انه يحبك ديما ألا يكفي هذا؟!)
زفرت ديما بتردد حتى صدح رنين هاتفها فأخرجته من حقيبتها... ابتلعت ريقها بخوف تهمس
(انه أبي لقد اخبرتهم انني سأذهب لصالون التجميل قبل ثلاث ساعات)
أخذ مؤيد الهاتف منها يجيب على عمه بهدوء....
(مرحبا عمي... ديما عندي في البيت... لا تقلق لا يوجد شيء... حسنا سأوصلها بنفسي... نعم أحتاج يوسف في شيء هام)
اغلق الهاتف ليعطيه لها قائلا بعملية...
(سأبدل ملابسي و أعود)
اخذته منه ديما بعصبية تداري بها خجلها و تهتف...
(أنتم تجبروني هكذا و لا يوجد مأذون سيتمم هذه الزيجة ما دمت مجبرة)
لم يمنحها مؤيد ادنى اهتمام بينما أريج تفهمت حرجها فحثتها على التحرك للداخل ثم قالت...
(انها مجرد جلسة تعارف ديما لا تكبري الأمر... تعالِ نشرب القهوة حتى ينهي مؤيد تبديل ملابسه)
جلست ديما على الأريكة بينما أريج توجهت الى المطبخ تعد لهما القهوة... تعلقت عينا ديما بيائيل الذي عاد يجلس ارضا جوار الوانه و كتبه و يتلاعب بالعلبة التي منحتها له قبل قليل...ابتسمت لطفولته التي بدأ يعبر عنها طبيعيا اخيرا...تنهدت بصمت و شرود فالجميع حولها يساير الحياة و يتخذ خطوات مصيرية... فمن كان ليصدق ان مؤيد سيتزوج و ينعم ببيت هادئ و زوجة كأريج... برمت شفتيها بخجل حانق حينما حاد تفكيرها عن مؤيد لتوليه لكاظم... هل حقا هذا هو الرجل المقدر لها...الرجل الذي ستعيش معه في بيت واحد يتقاسمان بين جدرانه ادق تفاصيل الحياة!...زفرت بصوت مسموع تغمض عينيها و تلقي رأسها للخلف على ظهر الاريكة... كانت تحلم بمواصفات خاصة جدا لفتى احلامها... تمنته دوما كرجال حي غسق... ككرم و صحبته مثلا!... انتفضت بعيدا عن ظهر الأريكة تفتح عينيها و تهمهم بتفكير...
(غسق يجب ان آخذ رأيها فربما تفكر مثلي و تؤيدني في قراري!)
و دون اهدار المزيد من الوقت اخرجت هاتفها لتتصل بغسق...انتهى الرنين دون رد فأبعدت الهاتف عن اذنها تناظره بتعجب...زمت شفتيها لثوان ثم عاودت الاتصال مجددا حتى فُتح الخط...
(غسق حبيبتي كيف حالك؟!... هل أنتِ منشغلة او سأعطلك عن شيء؟!)
لملمت عفويتها سريعا حينما وصلها صوت أجش رزين...
(عفوا أنا زوجها...)
توردت وجنتي ديما بإحراج لتتنحنح قائلة...
(مرحبا استاذ كرم كيف حالك؟... أين غسق؟)
وصلت أريج تضع كوبي القهوة على المنضدة امام ديما فتصادف سؤالها الثاني... ضيقت عينيها و هي تستقيم في وقفتها و تسمع بقية الحديث...
(لا ليس شيئا هاما فقط إن كانت متواجدة هل استطيع ان اكلمها؟)
في المشفى...
التفت كرم الى رأس غسق المستريح على كتفه... انها غافية بعمق و تعب بعد ارهاق جسدي و نفسي مرت به معهم ليومين... عاد ينظر امامه فيجيب على ديما بهدوء..
(لا تؤاخذيني نحن بالمشفى و هي متعبة قليلا)
انتفضت ديما واقفة فأفزعت أريج حينما سألت بلهفة و قلق...
(أي مشفى ما بها غسق؟!!)
لم تتحمل أريج الانتظار فأخذت الهاتف منها تحدث كرم بقلق..
(كرم انا أريج لماذا انتما في المشفى؟!)
قلق ملامحها اخذ منحنى مختلف حينما اخبرها كرم عن السبب فلمعت عيناها بحزن على ما اصابهم لتردف بتضامن...
(يا لها من اخبار مؤسفة!!... اتمنى ان يعجل الله بشفاء والدك)
وصل مؤيد اليهما فعقد حاجبيه بعدم فهم حتى همهمت له ديما بما تعرفه... عاد ينظر لزوجته التي ملأتها الجدية حينما عرضت مساعدتها...
(و كيف هي اموركم الآن كرم؟!...إذا كنتم تحتاجون اي مساعدة لا تترددوا في ابلاغي)
هزت رأسها تفهما قبل ان تقول...
(لا دعها مرتاحة و غدا سأهاتفها لأطمئن عليكم...حسنا كرم و عليكم السلام)
انزلت الهاتف ثم نظرت الى ديما و مؤيد تقول بأسف على حال اهل كرم...
(والد كرم تعرض لحادث سير و نقلوه للمشفى)
سألها مؤيد باهتمام...
(كيف حالته؟)
هزت رأسها جهلا لتقول...
(لا اعرف فقط قال ان حالته صعبة)
صمتت قليلا لتقول بتأكيد...
(يجب ان اكون جانب غسق اعتقد ستحتاج مساعدتي)
وقف مؤيد جوار ديما ليمنح أريج نظرة ذات مغزى قائلا..
(ليس الآن....)
تنهدت أريج متفهمة ما يقصده فموعدها مع هذه الطبيبة بعد ايام و عليهم التريث في كل خطوة حتى و ان كانت بسيطة...هزت رأسها موافقة ليحدث مؤيد ابنة عمه بهدوء...
(دعينا نتحرك نحن ايضا فيجب ان نصل قبل العريس)
ودعت أريج ببؤس لتتحرك خلف ابن عمها الى حيث كاظم ساهر!....
في بيت فؤاد والد ديما...
بعد جلسة عائلية ودودة و لطيفة خاصة مع عفوية كاظم و والدته و العدد الكبير من عمات و خالات كثيرات...طلب مؤيد من يوسف ان يخرج معه الى الحديقة ليتناقش معه في امر يخص تلك الطبيبة...
(اعتبر هذا الأمر تم و اترك الاجراءات القانونية علي)
عرض يوسف للمساعدة كان متوقعا لمؤيد لكنه اراد ان يؤكد على مدى حساسية هذا الشيء فقال...
(يوسف لا اريد مجال لأي خطأ فالأمر حساس للغاية و العائلة المعنية به تمر بأزمة حاليا و سيكون صعبا عليهم معرفة الحقيقة)
طمئنه يوسف ببسمة صغيرة...
(لا تقلق مؤيد كل ما تحتاجه هو إذن من الشرطة لتقم بالتسجيل و أنا هنا لأيسر هذا...)
هز مؤيد رأسه متفهما حتى لمح ديما و كاظم يخرجان الى الحديقة ثم يتبعهما افراد العائلتين فقال يوسف مازحا...
(ها قد افرجوا عن ديما اخيرا... لا اصدق ان هذا منظر عروس الفتاة حاولت جاهدة ان تُقصي كاظم عنها حتى انها هددته بأخيها الضابط!)
تكلم مؤيد بهدوء و ببساطة...
(اختك معجبة به...)
ضحك يوسف غامزا ليؤكد على حديث ابنه عمه...
(أعرف يا ساحر لكن دعها تتدلل قليلا فأظن ان كاظم التصق بها بغراء كما تقول هي)
ابتسم مؤيد بخفة و عيناه لا تبرحان ابنة عمه و كاظمها الذي تلكأ في خطواته عمدا ليسبقهما الجميع و يتيحون له وقتا اضافيا مع ديما...
(أمي احبتك كابنها تماما)
اشاحت ديما بوجهها بعيدا عنه رافضة ان يرى تأثرها بكلامه هذا... حقا لا تعرف لماذا تشعر و كأنها تود ان تتعبه معها و لا تريحه... ربما بسبب احراجها امامه اول مرة تقابلا او لأنها حقا اعجبت به لدرجة انها تخجل من قول هذا لنفسها و تكسر مرايا احلامها بفتى احلامها المختلف عنه!...
(ديما أنتِ صامتة من بداية الجلسة ألا تريدين قول اي شيء؟)
تنحنحت بمبالغة لتلتفت له قائلة بجفاء مصطنع...
(دكتور كاظم اظن انك حصلت على موافقة أبي لإقامة الخطبة فلن يفرق صمتي من حديثي)
توقف يناظرها بجدية جعلتها ترى جانبا مختلفا منه حينما قال...
(لا أريد سوى موافقتك أنتِ ديما... تعرفين انني احبك لكن ان كنت غير راضية عن ارتباطنا لا يمكنني ان اجبرك على شيء...)
رفعت له عينيها سريعا تناظره بغضب لتقول بدهشة...
(هل ستتخلى عني بهذه البساطة؟!!)
ابتسامته المشعة و الهالة الوردية التي احاطته لونت وجنتيها بلونها فأسبلت اهدابها تقضم شفتيها و تلعن غباءها الذي جعلها تهذي بما قالت... اقترب كاظم منها يتساءل بخبث سعيد...
(إذًا لا تريدينني ان اتخلى عنك!)
طال صمتها فدفعه خجلها الى قطع وعدا سينفذه غصبا عنها هي شخصيا...
(لا تخافي فأنا لن اتخلى ابدا...)
رفعت له وجهها تهتف بعصبية مفتعلة...
(افعل ما يحلو لك...)
ثم تحركت امامه لتسبقه في خطواتها الى حيث يقف الجميع... و على بعد قد ابتعد يوسف عن مؤيد ليجيب على هاتفه تاركا إياه يشاهد مسرحية معتوهة من تأليف ابنة عمه... ابتسم مؤيد بسخرية متذكرا أريج بكل ما بها من تخبط و خوف من خوض علاقة جدية معه رغم انه يرى حبها له في عينيها...العنيدة تتعطش للحب و ترفض التجربة...ابتسم بجذل يهمهم بوعد
(اعتقد لم اوضح لها كفايةً انني رجل لا يلائمه الانتظار)









الساعة السابعة و النصف...
فركت هيام كفيها بعدما اشتدت برودة الأجواء حولها في هذه الحديقة الشاسعة...وقوفها هنا لكان يُعد عجيبا لولا هؤلاء الناس الذين يدلفون امامها من بوابة هذا القصر الكبير...وخزة اوجعت قلبها و كادت تفرط في دموعها و هي ترى أين ابنتها الآن و أين من تنتظره...يحتفل و يهلل بعدما اراح ضميره قبل سنوات بحفنة من الاوراق النقدية... لن تزيل الذنب الاعظم عن عاتقها و ترميه كاملا عليه لأنها تعترف بذنوبها التي اغرقتها و اغرقت ابنتها معها بلا رحمة... لكنه ظلمها و استغل ما يعرفه عنها ليتملص منها و من طفلهما...شعرت بخطوات احدهم تقترب منها فرفعت عينيها تجاه مصدرها بشكل دفاعي فغريزة الأم بداخلها تهتاج...و قد صدقت غريزتها فها هو يقف امامها بحلته الرسمية باهظة الثمن يناظرها بصدمة جلية يختلط الغضب بها رويدا...اقترب منها ينظر حوله فالناس يتوافدون بلا توقف فيختار انسب فرصة لا يراهما فيها احد و يسحبها من ذراعها الى مكان منعزل في الحديقة...اوقفها قرب حائط ليخفيها عن الناس ثم يهدر بها بجنون...
(كيف واتتك الجرأة لتأتي الى هنا بعد كل تلك السنوات؟!)
رمقته بقهر تقبض على روحها به كي لا تهرب منها آهاتها امامه... احتدت نظرتها كنبرة صوتها حينما قالت بقوة...
(لولا ان كل ابواب الدنيا اغلقت في وجهي ما كنت طرقت بابك ابدا)
ناظرها بضيق قائلا...
(هيام لم اتوقع ان تظهري امامي بعدما انتهى الأمر و الآن تحديدا بعد هذا العمر المنصرم لذا اخبريني كم من المال تحتاجين و أنا...)
(و أنت ستدفع أليس كذلك؟!... ستشتري صمتي و خنوعي كما فعلت سابقا... ستقايضني بالمال مجددا لأتحمل عواقب زيجتنا بمفردي)
صوتها حمل من الألم قدر كبير و كأنها كانت تختزنه منذ سنوات طوال... تربط على قلبها بحبل غليظ كي تعيش ببيع نفسها لزوج مؤقت جديد بعده!... لكنها و رغم كل شيء تتوجع
(و كأنها اول او اخر زيجة لك هيام!!)
تعجبه الساخر جلدها بحقيقتها المرة...تماسكت لتقف امامه بقوة علمتها لها الدنيا فتقول...
(لا ليست اول او اخر زيجة لي... لكنها الزيجة التي جعلتني أما يا رأفت)
شحبت ملامحه و زاد توتر نظراته و التي على رغم من ظلمة المكان و بعده عن اعين الناس جعلته يتلفت حولهما كي لا يسمع اي مخلوق عن هذا...عاد ينظر لها بقسوة فيقول...
(لم أكن اظن انك طويلة نفس هكذا... بعد كل تلك السنوات ما زلت تحاولين اقناعي بأن هذا الطفل ابني!)
حان دورها هي لتبتسم بسخرية و تعري حقيقته امام نفسه فتقول...
(لا تحتاج محاولاتي رأفت لأنك تعرف ان الطفل لك أنت...و لكنك وجدتها حجة فعالة لتتخلص مني و منه بعدما اكتشفت زوجتك حقيقة زواجنا)
ابتلع ريقه امامها و اخرسته كلماتها فتحولت بسمتها من ساخرة الى متألمة... لا يهم اي شيء هي هنا لأجل ابنتها و ستفعل المستحيل لتخلصها مما هي به... ستحاول بكل جهدها ان تكون لها أما و لو لمرة...زفرت نفسا موجوعا قبل ان تقول بأمر لا طلب...
(ابنتك واقعة في مصيبة و تحتاج مساعدتك بعدما تخلى عنها الجميع)
اتسعت عيناه على اخرهما ليردد بصدمة...
(ابنتي!!!... هيام هل فقدتي عقلك؟!...مستحيل ان اضحي بحياتي و عائلتي و افعل اي شيء يؤذي استقرارهم)
قست عينا هيام و توغل الخطر في صوتها بعدما تمسكت بسترته الغالية لتهدر بتهديد صريح...
(و أنا لن أضحي بابنتي بعد اليوم... لن ازيد من وجعها و احتقارها لنفسها قبل احتقارها لي... ابنتي وحدها من دفعت ثمن استقرار عائلتك و حقها ان تنقذها من مصيبتها...اقسم بالله العظيم يا رأفت ان لم تأتِ معي لتخرج ابنتك من قسم الشرطة لأدخل حالا الى بيتك و اخبر كل الناس بماضينا و كيف تخليت عني و عن ابنتك و لتحترق أنت و عائلتك كما احترقت ابنتي لسنوات)
حاول ابعادها عنه دون ان يثير ضجة تلفت لهما النظر لكنها كانت متشبثة به بقوتها...هي لا تقبض على سترة هي تقبض على سنوات فرت من بين يديها تشربت فيهم الألم و تذوقت الوجع... تلبست الذل و اتشحت بالهوان...بين قبضتها حق فلك التي خلقها الله من رحم لا يستحق الأمومة و لن تتنازل عنه مهما حصل...
(ابنتك متهمة بقضية زنا لُفقت اليها ليبعدوها عن زوجها طارق طلال...قضت يومين في قسم الشرطة تعاني الظلم و البرد مع طفلها في احشائها...)
ساد الصمت بينهما و الذهول كان نصيبه حتى نطق بخوف على سمعته...
(هل تسمعين نفسك هيام؟!!...تطلبين مني ان اغامر باسمي في امر كهذا حتى طارق طلال تركها خوفا على اسمه... ثم لا يمكنني ان اساعدها ما دام ثبتت عليها التهمة زوجها فقط من يملك القرار في هذا)
صرخت به تجبره و تلزمه بالتصرف...
(اسمك الذي تخشى عليه ليس اهم من مصير ابنتك... تصرف رأفت و استغل منصبك و اموالك... افعل اي شيء لتخرج ابنتك من هذه التهمة و إلا ستندم و علي و على اعدائي)
جنونها امامه قيده فلا يستطيع ان يوازيه وسط المدعوين لبيته و لا يمكنه ان ينهيه فيبدو ان هيام بعد الصمت انفجرت و لن يخرسها شيء!...
الساعة الثامنة و ثلث....
تحركت مع العسكري بخطوات بطيئة متعبة حتى اوقفها عند باب غرفة الضابط ليقول لها بخشونة...
(تحركِ للداخل...)
دلفت فلك الى الداخل بعدما تم نقلها الى غرفة مختلفة بعد توصية الضابط لزميله عليها...هذا الرجل ارسله الله رحمة بها...صوت هيام المسيطر على الاجواء غلب بقية الاصوات... و على كل حال ليست اصوات مألوفة فلم تعد تأمل ان يأتي طارق و يخلصها بعدما تخلص منها...يا لها من حياة ساخرة حقا!!...هل صدق ما قيل له عنها؟!...هل كل وعوده و حنانه كان كذبا؟!...الاصوات تتداخل مجددا فلا تمييز منها شيء فهمهمت بتقبل لواقع مرير...
(و من أنتِ ليصدقك و يكذب ابنته يا فلك؟!..)
(فلك ستخرجين الليلة بكفالة)
صوت امها السعيد جعلها ترفع وجهها بجهل اليها فتصادف هذا الرجل الغريب و الذي يتحدث مع الضابط...ثم تعود هيام و تحتل الصورة بملامح بالية لكنها مرتاحة فتقول...
(الضابط سمح بخروجك لأن حالتك الصحية صعبة...)
لم تكد تنهي هيام جملتها حتى قاطعها الضابط بصرامة...
(ستخرجين على ذمة التحقيقات القضية لم تغلق بعد حتى يأتي زوجك و نعرف قراره)
التمعت عينا فلك بقهر فقرار طارق بات معروفا لها...لامست بطنها بكفيها تعتذر لابنها عما يراه معها من قسوة الدنيا حتى قبل ان يأتيها... حركة هذا الرجل الغريب لفتت انتباه حواسها خاصة اسمه الذي سمعته من الضابط...
(لا تقلق سيد رأفت نحن نعرف حساسية القضية و الصحافة حتى الآن لم تصل لشيء)
تحرك رأفت مبتعدا بعدما شكر الضابط فحانت منه نظرة لفلك و اخرى لبطنها البارز...اما الثالثة فكانت من نصيب هيام و لكنها كانت كنظرة محذرة تمنعها حتى عن النطق...هذا ما فسرته فلك بعدم فهم لتسأل امها بعدما خرج رأفت...
(من هذا الرجل و لماذا يدفع لي كفالة الخروج؟!)
خبأت هيام عينيها عن عيني فلك لتتمسك بكفها و تخرج بها من غرفة الضابط تثرثر بسعادة مفتعلة...
(الحمد لله انك ستبيتين الليلة خارج هذا المكان... سنعود معا الى بي...)
(هيام… من هذا الرجل؟!)
سؤال فلك المرتجف تسبب في رجفة هيام... رفعت وجهها لابنتها و عيناها تحكي كل شيء قبل ان تنطق...
(هذا هو... والدك)
اتسعت عينا فلك تدريجيا و كأنها تستوعب حروف امها البسيطة بصعوبة بالغة...ارتعشت بقوة و اهتزت روحها من العمق و هي تهمس بعدم تصديق...
(أب... أبي... هذا أبي!!!!)
و قبل ان تؤكد هيام شيء او تنفيه بلغت اللهفة اقصاها في قلب فلك...هذا الرجل اباها الحقيقي!...بعد عمر مقفر من الأب تمطر سماء حياتها ظهوره فترتوي الروح به!!...اخترقت فلك الناس حولها تسرع في خطاها الى حيث ستجد والدها...سالت دموعها دون وعي فرفعت كفيها تمسح بهما عينيها فقط كي لا تتشوش الرؤية و تحرمها منه!...تصطدم بهذا و ذاك فلا تهتم بمن يوبخ و من يعتذر...انها تهرول لتصل اليه و تناديه فقط أبي فتتذوقها و لو لمرة و هي تنظر في عينيه...خرجت من قسم الشرطة و توقفت بصدر يلهث و قلب مضطرب من كثرة ما يمر عليه من مشاعر...ها هو والدها يقف على مقربة منها فلا يفصله عنها في هذا الكون سوى مجرد خطوات... و ها هي تختزلها بشوق بأمل و باحتياج... اقتربت منه تمد كفها لتلامس كتفه و تناديه لكنها توقفت على صوته الحنون حنانا تفتقده عمرا بأكمله...
(منذ متى و بابا يغيب عن حفل عيد ميلاد أميرته...ثلاثة و عشرون حفل كنت جانبك حبيبتي و سأكون في الرابع و العشرون ايضا...تالا لا تحزني اخبرتك كنت مضطرا لمساعدة امرأة في مأزق...لا تعرفينها و لا أنا لكنها توسمت فيّ خيرا فلا يصح ان اتركها في محنتها...فقط عدي الى عشرة و ستجدين بابا جوارك يطفئ معك الشموع)
كورت فلك اصابعها بألم رهيب و هي تبعد كفها الممتد في الهواء و تعيده اليها... اغمضت عينيها تسمح لهذه الدموع الملتهبة بأن تسيل و تنطفئ على شطآن خيبة املها... لا عجب مما يحدث فماذا كانت تنتظر من رجل لم يلقي لها نظرة اشفاق حتى...فقط تريد شخصا واحدا يبلغها بأي ذنب تُعاقب في هذه الحياة؟!!...فتحت عينيها بعدما سمعت خطواته تبتعد متوجها الى سيارته فهمست بما يعتمل صدرها من أنين مضنٍ و عذاب لا ينتهي و ألم يفتت جدار روحها...
(لست امرأة غريبة... أنا ابنتك ايضا... اميرتك مثلها... أنا فلك أبي)
شهقت بصوت يعاني فخرج بكاءها موجعا... ضمتها هيام من الخلف تبكي على حال ابنتها فتهمس بندم...
(سامحيني فلك...سامحيني يا ابنتي)
قصر طارق طلال....
خرج من غرفة مكتبه بعدما اختلى بنفسه داخلها و معه الهاتف...لا يعرف كم مضى من الوقت و هو يترحل بين الرسائل...يقسم انه لا يوجد رجل مهما بلغ رشده سيتحمل ما رآه و سمعه من اقرب الناس اليه...الأمر لا يحتمل ابدا فبداخله يغلي و رغم كل هذا لا يدخل عقله ما يحدث...الكلمات الفجة و الايحاءات الصريحة في الرسائل لا يصدق انها من فلك...لذا عليه ان يسمع منها كما سمع من ابنته و الشهود...و قبل اي شيء عليه ان يخرجها من قسم الشرطة فهو ادرى الناس بحالتها الصحية...
(الى اين سيد طارق؟!!)
ظهرت لبنى امامه بملامح متحفزة تفرض سؤال ينتظر التفسير...رمقها طارق بحدة ليعبرها دون ان يكيل لها وزنا بينما يقول...
(ليس من شأنك...ابتعدي عن طريقي)
تابعته بعينيها حتى خرج من الباب فالتفتت الى ميرنا الجالسة بشحوب في الصالة لتهتف بعصبية...
(هل سيذهب اليها؟!!)
وقفت ميرنا من جلستها تصرخ بهستيرية متعبة من التفكير...
(لا أعرف و لا تسأليني عن أي شيء مطلقا...أنتِ صاحبة الفكرة لا أنا)
افضت ما في جوفها لتهرول بعدها الى غرفتها بالأعلى تاركة لبنى بوجه مصدوم و عقل لا يتوقف عن وضع خططا تحسبا للقادم...
قسم الشرطة...
(لقد خرجت بكفالة و قد طلب الشخص الذي دفعها ألا يُذكر اسمه)
ضيق طارق عينيه بتفكير في هوية الشخص...من هو و لماذا يساعد زوجته؟!!...تروى في تفكيره فيشعر انه لن يفيد و سيزيده تخبطا...عاد ينظر للضابط فيقول..
(أريد أن تُغلق هذه القضية)
هز الضابط رأسه متفهما ليقول موضحا بعدها...
(حسنا سيد طارق...لكن عليك ان تعرف ان شرط اغلاق القضية هو استمرار حياتكما معا بصورة عادية دون انفصال)
صمت طارق قليلا ثم تنهد بتعب ليقول...
(أعرف حضرة الضابط...)
تراجع الضابط للخلف يستند على كرسيه قائلا...
(جيد...)
ثم نظر لمساعده الجالس جواره فيقول بروتينية...
(اكتب بعد اقوال السيد طارق و تنازله اغلق المحضر في ساعته و تاريخه...)




اليوم التالي...
وصلا الى المشفى بملابس الصيد و بملامح مترقبة مفزوعة...اقترب ايوب من عاملة الاستقبال يسألها بترقب..
(في أي غرفة الحاج سليمان المراكبي؟!)
توجهت العاملة الى حاسوبها تبحث عليه ثم تعود لأيوب و تجيبه...
(لقد خرج من العناية المركزة صباح اليوم الى غرفة رقم 30 الطابق السابع)
شكرها أيوب و توجه مع انور الى الطابق المقصود بقلوب متوجسة...فبعد عناء وصلت اليه مودة و اخبرته عما حدث فقررا العودة دون تفكير و ها هما وصلا قبل ان يُقبل الليل...لا يصدقا حقا ما حدث و ان سليمان المراكبي تعرض لحادث كاد يودي بحياته!...و عند غرفة سليمان وجدا خالد واقفا خارجها بجري اتصالا فتقدم منه انور بقلق...و عندما لمحه خالد اسرع في انهاء مكالمته ليعقد ما بين حاجبيه يتفحص هيئة ايوب و انور قائلا...
(هل اتيتما من البحر الى هنا؟!)
سأله انور بلهفة و ترقب...
(كيف اصبح الحاج الآن؟!)
ربت خالد على كتفه مجيبا بهدوء ليطمئنهما...
(الحمد لله على كل حال...الدكتور قال تعدى مرحلة الخطر لكنه لم يستيقظ بعد)
خرجت غسق من الغرفة فاندهشت من وجود صاحبي كرم اللذين من المفترض انهما في البحر...اقترب منها ايوب يسألها بخوف على صاحبه...
(أين كرم؟!)
لمحت غسق خوفه فأرادت ان تهون عليه في اجابتها...
(انه يشتري الدواء اللازم لوالده...و هو بخير)
اشاح ايوب عينيه بعيدا عنها يقول بتأكيد...
(كرم يخبئ مشاعره و لا يُحَمل همه لغيره)
(ايوب...انور!!!)
صوت كرم المتعجب خلفهما دفعهما الى ان يسرعا اليه يؤازراه في مصيبتهم جميعا...تكلم انور بحزن صادق
(الحاج قوي و سيخرج من هذه المحنة ان شاء الله)
هز كرم رأسه بتفهم لصاحبه حتى سأله ايوب دون مواربة...
(هل حقا ابناء السمري تشاجروا معكم قبل حادث الحاج...هم السبب أليس كذلك؟!)
تدخل خالد قائلا بتأني...
(لكل واحد منهم دوره فلا تتعجل أيوب)
اشتعلت روح ايوب ليهتف بغضب...
(الحاج بين الحياة و الموت بسببهم و الله لأقتلع رؤوسهم بيدي)
مد كرم كفه يضغط على كتف صاحبه و يلجم غضبه قائلا...
(الحاج أهم الآن أيوب... فقط يعود لنا كما كان و بعدها حقنا سنأخذه)
زفر ايوب بحدة يمسح فوق وجهه و يستند على الحائط حتى خرجت صفية من غرفة زوجها تتساءل...
(ما هذه الاصوات؟!)
اعتدل ايوب يناظرها قائلا...
(لا تؤاخذيني يا حاجة...)
تفحصت صفية هيئة ايوب و انور لتقول بعدها بنصح...
(أتيتما من البحر الى هنا بعد رحلة صعبة يجب ان ترتاحا)
قال انور بجدية...
(نحن لسنا متعبين يا حاجة سنظل هنا لنساعدكم)
صدح رنين هاتف غسق فلفت انتباه الجميع اعتذرت منهم بينما تبتعد عنهم قائلة...
(انها أمي...)
تتبعتها عينا كرم المشفقتين عليها...التفت الى امه التي تبدو امرت ايوب و انور بالعودة فامتثلا على مضض لأمرها و الآن تناديه هو... اقترب منها مستفسرا فهمست له بخفوت...
(زوجتك لم تنم و لم تأكل منذ ليلة الحادث إلا قليلا...اختاك و زوجة صالح رجعن لبيوتهن و هي الوحيدة المتبقية هنا كي لا ابقى بمفردي...والدتها لا تكف عن مهاتفتها و تبدو قلقة على ابنتها و هذا حقها بني... و حق غسق علينا ان ترتاح في بيتها معززة مكرمة لقد حملت معنا حملا ثقيلا... خذها و عد للبيت كرم)
تنهد كرم ليحدث امه بهدوء...
(سأوصلها الى بيت اهلها لتبقى معهم و اعود اليكم كي اطمئن على أبي...)
اقتراحه لاقى الرفض من صفية التي قالت...
(زوجتك رفضت ترك بيتك في محنتك بني فلن تقبل ان تذهب لبيت والدها...و والدك تخطى الخطر الحمد لله بقاءك هنا لن يزيد سوى تعبك و انت ايضا تحتاج ان ترتاح لتواصل كرم)
نداء انور اليه جعله يرد على والدته بما يريحها..
(سأبقى معكم حتى الليل أمي و بعدها يفعل الله ما يريد)
التفت الى انور الذي قال...
(كرم سنعود نحن للحي كي لا نزحم المكان هنا و لكنني سأبقى يقظا و لن أنام...إن احتاجت لأي شيء فقط هاتفني ستجدني عندك)
ربت كرم على كتف انور يشكره...
(عشت انور...)
التقت نظرته بنظرة ايوب الذي اقترب منه بعدما ابتعد انور فيهمس له...
(انت لست بخير كرم...)
زفر كرم بخفوت يقول...
(لا تحمل همي ايوب الله كبير)
الساعة العاشرة مساءً...
(هيا كرم خذ زوجتك و عد للبيت و سأبقى هنا مع خالد حتى يأتي صالح من بيت اهل زوجته)
امر صفية الرزين خرج حنونا تحث به ابنها المرهق و زوجته الى ان يرتاحا...قاطعتها غسق برفض عفوي
(نحن بخير هنا...لا يجب ان نترككم بمفردكم)
وهبتها صفية نظرة دافئة لتقول...
(لا حرمنا الله من وجودك يا ابنتي لكن عليكما الذهاب لتنالا قسطا من الراحة و في الصباح ستعودان...)
كادت غسق ان توضح وجهة نظرها فأشفق عليها كرم ليقاطعها طائعا لأمه بقوله...
(كما تريدين أمي...ان حدث شيئا هاتفوني و انا مع اول خيط للصباح سأكون هنا بإذن الله)
و مع دعوات صفية لهما بطريق سالم تمسك بكف غسق متحركا بها للخارج...
العاشرة و النصف....
(ما الخطب؟!)
في طريق العودة و بعدما توقفت السيارة فجأة سألته غسق بتعجب... نزع حزام الأمان بينما يفتح الباب و يترجل من السيارة قائلا...
(لا أعرف سأرى المحرك)
مدت اصابعها لتنزع حزام امانها فأوقفها كرم بحركة يده قائلا..
(لا تنزلي من السيارة فالجو باردا عليك...)
اومأت له بتفهم لتتابعه برأسها حتى استقر عند الغطاء الخلفي للسيارة يرفعه و يختفي وراءه لبعض الوقت...و بعدما غلبه عطل السيارة انزل الغطاء ليعود الى باب السيارة الأمامي يدخل ليأخذ هاتفه من جانب عجلة القيادة...تابعته غسق بجهل لهذه الأمور فهي لا تعرف اي شيء يخص السيارات او صيانتها لكن الشحم الذي لطخ ملابس كرم و كفيه يبلغها بأن هناك عطلا صعبا...
(السلام عليكم أنور تعطلت السيارة و انا عائد للحي في منتصف الطريق هلا جلبت لي سيارة غيرها فغسق معي و لا استطيع تركها بمفردها لأصل الى أي ورشة ميكانيكا)
انهى مكالمته ليفتح باب السيارة و يجلس في كرسيه قائلا بصوت متعب ببحة ناعسة...
(انور سيصل قريبا... لا تؤاخذيني دوما اتعبك معي)
اسرعت غسق بقولها الصادق لتخفف عنه..
(لا تقل هذا كرم انه واجبي و افعله و انا راضية بل و اريد ان افعل المزيد لأجلك)
اراح رأسه على الكرسي خلفه ليميل لجانبها و يناظر وجهها المرهق... عيناها المتعلقتان بعينيه و صدقها المرسوم فيهما ربتا عليه فتهمس روحه بين جانبيه...
(لا اريد المزيد غسق فكل ما اريده هو أنتِ...ان اطمئن معك أنتِ و ابوح بقلقي على أبي لك أنتِ...)
الساعة الحادية عشرة و الربع...
فتح باب الشقة ليدلفا فيتوجه الى غرفتهما سريعا بعدما قال...
(احتاج ان اغتسل و ابدل هذه الملابس)
اومأت له غسق بهدوء لتغلق الباب بعدها و تنحني تخلع حذائها فتتوجع بصوت مسموع...اصابعها تورمت قليلا من المدة الطويلة التي بقيت فيها بالحذاء...تحركت على مهل حتى وصلت للمطبخ فأشعلت الموقد على قدر متوسط من الماء ثم تركته لتتجه الى الغرفة تبدل ثيابها حتى تسخن...فتحت باب الغرفة فوصلها صوت المياه المتدفقة من الحمام و التي دفعتها الى ان تأخذ ثيابها و تبدلهم بالخارج لتمنح كرم مزيدا من حرية التصرف فعلى كل حال لا يوجد غيرهما هنا...
بالخارج...
بعدما بدلت ثيابها و اطفأت الموقد على المياه غسلت بها قدميها بلطف لتخفف من هذا الألم...و بعدما انهت عملها توجهت للبراد تجهز لكرم كوبا من الحليب فهي أكيدة انه سيرفض تناول اي شيء...همهمت بعدما وضعت الحليب على النار بتفكير...
(هل يحب اللبن أم لا؟!!)
بداخل الغرفة...
من فرط التعب و الاجهاد دخل الحمام يغتسل دون ان يأخذ ملابسا نظيفة...فاضطر لارتداء بنطاله المشحم و الخروج به حتى يأخذ ملابس بيتية نظيفة من خزانته...فتح الخزانة يقلب فيها بعقل مرهق حتى سمع صوت الباب يُفتح فالتفت يناظر غسق التي تحمل كوبا من اللبن و تنظر اليه بحرج واضح...اشاحت وجهها بعيدا عنه تتوجه الى طاولة الزينة و تضع عليها الكوب بينما تقول بحرج...
(آسفة ظننتك ما زلت في الحمام... لقد حضرت لك كوبا من اللبن اشربه دافئا سيساعدك على النوم)
اقتربت من باب الغرفة تلامس مقبضة و تهمس...
(سأنتظر في الخارج حتى تنهي...)
(لا تبتعدي غسق...)
صوته ما به؟!...يبدو متألما و تلك البحة قد زادت فيه كثيرا...التفتت له و قد غلب قلقها عليه خجلها منه فاصطدمت بهذه النظرة التائهة في عينيه...لأول مرة تراه بتعبير كتعبير وجهه هذا...كولد صغير يثابر و يعاند الصعاب و لكنه حقا يحتاج لكتف أمه لا أكثر ليلقي رأسه عليه و يبكي!...اقتربت منه تتساءل بخوف...
(كرم هل أنت بخير؟!)
سرعة تقدمه منها لم تسعفها حتى لتستوعب متى و كيف اصبحت محمولة بين ذراعيه يضمها اليه بقوة و يدفن رأسه في عنقها...تسارعت انفاسها بضراوة فحالته توجعها كما ان قربه يؤجج بداخلها مخاوف لا حصر لها...تهيأت نفسيا لهذا لكن عمليا هذه اول مرة من بعد السطح تشعر بحاجة كرم لها كرجل!...بقيت ذراعاها معلقتان قرب عنقه و لا تعرف ماذا عليها ان تفعل...صوته المختنق الذي يداعب خلاياها دفع بها رغبة عارمة في احتواءه...
(انا... احتاجك غسق...)
ان يطلب العون منها بهذه النبرة المتألمة انساها مخاوفها و منح احتياجه الرتبة الأولى...انزلت ذراعيها تلفهما حول عنقه و تضمه اليها كما يفعل فتهمس بتأثر به و له...
(انا معك و سأظل معك كرم... لن اتركك ابدا و لن ادعك تحمل همومك وحدك ابدا...اخبرني بكل ما تريد و افصح عن مشاعرك التي تؤرقك)
زفر بتعب فلامست انفاسه بشرتها فانكمشت بخجل و ترقب...همس اسمها قرب اذنها برجاء وصلها كاملا قبل ان يلثم عنقها بحرارة... خائفة!!
رغم انها لا تفقه شيئا عما يحدث إلا انها تفهم ان ما يفعله الآن نابع من خوفه!!...كرم يخشى ان تفقده الأيام احبائه...شفتيه لا تقبلان عنقها بطريقة مخيفة رسمها عقلها مرات بعد حادثها انه يكسر كوابيس حاكاها عقلها و وضعها بداخلها حبيسة...كرم متوتر مثلها و ليس مخيفا مثل الشابين اللذين دمرا حياتها...اجفلت على حركة يده فوق ظهرها و ارتعشت بشكل ملحوظ فتوقفت حركته دون ان يفلتها او يبعد شفتيه عن بشرة عنقها ليهمس ببحة راجية...
(أنتِ متوترة... و أنا مثلك... خائفة و انا ايضا... تحتاجين للاطمئنان و انا لا ابحث سوى عنه هذه اللحظة...كلانا يشبه الآخر الآن غسق... لكن الأكيد انني احتاجك اكثر بكثير من احتياجك لي)
خفت رعشتها بين ذراعيه لكن بقيت انفاسها تعدو قرب اذنه بصوت مسموع...يداها تتشبثان ببشرته و انفاسها تلامس خلاياه فلا يريد سوى ان يذوب مع خوفه و قلقه بداخلها... يتوق لأن تمنحه هدوءً من بين حنايا روحها...لو تعرف كم يحتاج هذا الآن!!!...همس بسؤال حنون
(أنتِ تشعرين بالنفور مني؟!)
هزت رأسها نفيا قرب عنقه فابتلع ريقه بترقب ليسألها مجددا..
(حينما قبلتك هل تذكرتي الحادث؟!)
مجددا هزت رأسها نفيا فزفر براحة يشدد من ضمه لها...تصلبت اصابعها فوق عنقه حينما شعرت به يتحرك بها تجاه السرير... همست اسمه بتوسل بعدما اراح جسدها على السرير...تحرك كفها من حول عنقه الى صدره توقفه بخوف يطل من عينيها فكل شيء يحدث بسرعة جنونية...
(كرم!)
نظرته لها اوضحت حقا احتياجه للشعور بالأمان فهمس برجاء لامسها...
(امنحي نفسك و إياي القبول غسق...)
انفرجت شفتاها لتزفر اخر نفسا متوترا قبل ان ترتخي اصابعها فوق صدره و تستقر كفها جوارها...كرم و هي يحتاجان هذا...يرغبان في اجتيازه لينهيا ألمهما معا...
السادسة و النصف صباحا...
فتح عينيه ببطء لم يدم حينما وجد مكانها خاليا جواره فاتسعتا برعب جعله ينتفض من نومته...قلب بصره في الغرفة حتى توقفت عيناه عند باب الحمام...ابعد الغطاء عنه و توجه اليه سريعا ينادي بقلق واضح في اهتزاز نبرة صوته...
(غسق أنتِ بالداخل؟!!!)
الصمت الذي يسود يقتله فدق على الباب مجددا قائلا...
(غسق سأفتح الباب)
و بأصابع تهتز فتح باب الحمام فقابله الفراغ بداخله...دار في الغرفة حتى توقف عند الشرفة ينادي بصوت متوتر...
(غسق... غسق!!!)
لكنها ليست بالداخل مما اجج بداخله الرعب و الذنب!...توجه الى هاتفه يحمله بحركة عصبية و يتصل بها فيصله رنين هاتفها من حقيبتها التي تركتها بالأمس فوق طاولة الزينة...شد على شعره يغمض عينيه بتأنيب لنفسه... بالأمس هل اجبرها؟!!...لكنها كانت هادئة... هادئة للغاية على عكس كل توقعاته لليلة كهذه!!!...قلبه يعربد في صدره خوفا عليها فنحى كل توقعاته جانبا ليخرج من الغرفة سريعا ينادي عليها في الشقة فلا يصله صوتها ليطمئنه...عاد الى غرفته كالمجنون يلتقط اي قميص يقابله و يضعه على جذعه بلا اهتمام ليهرول الى باب الشقة غير عابئا بالبرد او بهيئته... و قبل ان ينزل السلم لا يعرف من اوحى له بأنها قد تكون بالأعلى...لم يفكر مرتين و هو يصعد السلم ركضا حيث السطح... و عند بابه وقف يتنفس بصعوبة و يغمض عينيه بألم و كأنه يزيح حجرا كبيرا من فوق قلبه بعدما رآها تقف قرب السور...هدأ قليلا ليدخل اليها بحذر حتى دنا منها فنادى اسمها بترقب قلق...
(غسق!)
التفتت له فرفرف وشاحها الأبيض الغير معقود ليظهر له شعرها الندي... تعلقت عيناه بملامحها الهادئة فلم يصل لتعريف محدد لمكنون صدرها الآن... ابتلع ريقه ليقف امامها فيقول بصوت مضطرب...
(غسق أنا... انا... بالأمس...)
اوقفت كلماته بعدما رفعت اصابعها الرقيقة لتضعها فوق شفتيه ثم تمنحه نظرة يتلألأ فيها النجم القابع في سماءها السوداء في عينيها لتهمس بصوت شديد الهدوء...
(بالأمس أنت كنت كجراح تجميل نجح في ازالة تشوه اصاب روحي ليعيدني الى فطرتي السليمة...)
التمعت عيناها بالدموع التي سالت مدرارا في لحظات دون ان تغير من هدوءها فتردف...
(أنت لا تعرف كم كنت مرعوبة من هذه التجربة... كم قصة مخيفة و مؤلمة صورها عقلي بعد الحادث... كم هاجس احتل روحي و ارعبني... كنت شبه متيقنة انني بت انثى غير طبيعية... بي نقص كبير و لكن... بالأمس فقط اريتني من أنا)
اسبلت اهدابها تشهق بنعومة متألمة تحت نظراته المتسعة بذهول و وجع... لم يتمكن من أسر دموعه في سجون كبريائه اكثر من هذا... فسمح لبعضهم بالخروج ليخففوا من رعبه عليها و يؤازروا مشاعرها التي تعبر عنها بحرية أمامه...
(بالأمس اخذت بيدي و منحت روحي المنهكة حريتها...بالأمس شعرت بالأمان معك...شعرت بالسعادة عندما كنت تهمس في اذني بصوت حنون...)
رفعت وجهها له و ابعدت اصابعها عن فمه لتمنحه اجمل ابتسامتها على الاطلاق... من بين دموعها و اعترافها بهواجسها... من خلف روح تلاحمت معه و سمحت له بأن يعرفها...من فوق شفتين ستكرران الآن كلماته العاشقة لها... تطاير وشاحها مع هواء الشتاء فتزحزح ليظهر شعرها الكحيل و يذكره بيوم رآه فيه اول مرة...يوم لحقت صديقتها في الازقة الخلفية... فتزيد جمالها امامه بصوتها الهامس باعترافه لها أمسا...
(أنتِ جميلة غسق...)
انزلق الوشاح عن شعرها لكنه التقفه بسرعة كما فعلها يومها... يعيده فوق رأسها و هو بهذا القرب من وجهها... وجه غسق روحه و زوجته...و لكنه لن يتمكن من غض البصر عنها كما فعل من قبل بوضع الوشاح حول رأسها بإحكام بل رفعه قليلا ليدخل معها تحته و يأسر نظراتها الخجولة و المندهشة له وحده... رغم يقينه ان لا أحد يستطيع رؤيتهما إلا انه لا يريد حتى للطير المار صدفةً فوق منزل والده ان يشاركه شعوره بهذه القبلة التي يقبلها لها الآن...انه يفضي لها اسراره... خوفه... راحته... و عشقه... يلامس شفتيها و كأنه محارب خاض لأجلهما حروبا شرسة و اخيرا يرفع راية انتصاره على ارضهما... ابتعد عنها يتعمق في ملامحها من هذا القرب فيبتسم بعشق و رضا... كثير من الرضا ليهمس ببحة تحبها...
(كنتِ و ستبقي أجمل امرأة رأتها عيني غسق...)
عيناهما تتعانقان من اسفل وشاحها و تحكيان لكل منهما عن مشاعر فاضت من الروح و لامست القلب...صدح رنين هاتفه فمدت يدها تسحب وشاحها عنه و تضعه فوق رأسها ببسمة خجولة... بينما هو يجبر عينيه على ترك جمالها و النظر الى الهاتف فيجد اسم خالد عليه... فتحه بسرعة و تحفز لتمر ثوان و ترتخي ملامحه بفرحة فيعود و ينظر لها بنظراته بينما يحدث أخاه...
(أبي استفاق...)




مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات