رواية لقياك لي المأوي الفصل التاسع والعشرين 29 بقلم اية احمد
الفصل التاسع و العشرون
ناظرتها بتردد بعدما وصلت لباب البقالة الداخلي ثم زفرت نفسا مهموما قبل ان تقول بخفوت...
(خالتي تعالِ ارتاحي قليلا بالداخل و أنا سأقف مكانكِ)
التفتت وجيدة الى مودة تراقب شحوب وجهها فتنهدت بتعب لتقترب منها قائلة...
(لا حبيبتي غير أن ايوب لا يحب وقوفك في البقالة فأنتِ تبدين مرهقة منذ أيام)
سحبت مودة نفسها بتثاقل لتردف بخوف...
(الحي انقلب رأسا على عقب في أيام...أشعر بالخوف و أنا اتخيل كل ليلة أن أصحو على خبر سيء كوفاة أحدهم)
اتشحت وجيدة بالحزن قائلة...
(الأمر كله بيد الله ابنتي و في النهاية هذه أعمار...لا تخافي فأنتِ لست بمفردك نحن معك و زوجك لن يسمح بأن يصيبك مكروه)
دمعت عينا مودة لتهمس برعب...
(ماذا لو أصابه هو مكروه؟!...لست خائفة على نفسي يا خالة أنا مرعوبة على زوجي...اشعر بالفزع كلما تخيلت أنهم سيدخلون مناحرة انتقاما للحاج سليمان قد اخسر بها أيوب!)
تغضنت ملامح وجيدة بخوف مشابه فاقتربت من مودة تضم كتفها اليها قائلة بيقين تزرعه فيهما معا...
(لا تفكري في السيء يا مودة هكذا ستتعبين يا ابنتي...الحاج سليمان لا يحبذ التناحر و الرجال لم يتأكدوا بعد من تورط السمري في الأمر...اتركِ الغد لله و تأكدي بأنه رحيم بنا حبيبتي)
قضمت مودة شفتها تداري ارتعاشها و كل تفكيرها منصبا على طفلها في رحمها...اغمضت عينيها في حضن وجيدة تهمهم بصوت باكٍ...
(يا رب احميه لي و لأبنه..)
بعد دقائق كانت قد تركتها وجيدة بعدما ألحت عليها مودة فوافقت تخبرها بأنها ستعد الفطور فأيوب بعدما عاد بالأمس من المشفى و هو نائم لم يتذوق الطعام ابدا...رفعت مودة كفها تكفكف دموعها من فوق وجنتيها و تتوجه الى الكرسي في منتصف البقالة لكنها قبل أن تفعل لمحت سيارة اجرة تتوقف قبالة البقالة...نبض قلبها بترقب متوجس فاقتربت من الباب تبتلع ريقها بينما تتطلع في راكبيها...ضيقت عينيها بجهل و هي ترى هيام تخرج من الباب و تسرع الى الآخر تفتحه و تسند ابنتها لتخرج و فور معرفة هويتها شخصتا بعدم تصديق...فلك ما بها و أين كانت بمنامة البيت هذه؟!...ملامحها ذابلة و عيناها غائرتان و كأنها عادت للحي قسرا؟!...بطنها الممتلئ نال من قلب مودة فظلت تحدقه طويلا...تحركت اصابعها الى بطنها تحسس عليه بقلق كبير...لماذا فلك هنا بهذه الهيئة المزرية؟!...اختفيا من امامها فعادت لوعيها و ازالت اصابعها عن بطنها تفكر ماذا ستكون ردة فعل أيوب لو عرف بوجود فلك هنا؟!!!...
في شقة هيام...
فتحت الباب بيد و بالأخرى تتشبث بابنتها المرهقة...بعد بكاء الأمس على والد لم يهتم بها كادت تسقط ارضا مغشيا عليها فلم تفكر هيام مرتين و هي توقف سيارة اجرة و تأخذها لأقرب مشفى...و هناك قضيتا ليلة متعبة حتى سمح الطبيب لهما بالخروج في الصباح مشددا على فلك ان تهتم بصحتها فوضع جنينها غير مطمئنا...اغلقت الباب بصعوبة فجسد فلك متراخيا على صدرها تقريبا...توجهت بها الى غرفتها تساعدها كي تستلقي على سريرها و بعدما فعلت همست بقول خافت...
(سأنزل اشتري بعض الأشياء للفطور و سأعود)
صوت فلك الضعيف جعل هيام تغمض عينيها بألم...
(لا أريد أن آكل فقط...لا تتركيني)
فتحت هيام عينيها الدامعتين لتنحني بجسدها و تصل الى ابنتها تمسح فوق شعرها المشعث تهمس...
(يجب أن تأكلي لأجل ابنك فلك)
لكن فلك بدت كمن لا تسمع و لا تفقه حينما همهمت من جديد...
(كلهم تركوني إلا أنتِ)
فرت دموع هيام بوجع على ابنتها...ارتاح جسدها جوارها و قد مدت كفيها تلتقط رأس ابنتها المستسلمة و تضعه فوق حجرها تمسح على شعرها و تهمس بصوت مختنق...
(لن أسكت حتى اخبر زوجك بالحقيقة عليه أن يعرف انك بريئة)
تعلقت عينا فلك بنقطة وهمية امامها لتهمس بخفوت ذابل...
(لماذا انجبتني هيام؟!)
اعتصر سؤالها قلب أمها بقوة فتماسكت هيام لتجيبها ببكاء...
(كان نصيبك أن تولدي و أن أكون أنا أمك)
سألتها فلك مجددا بنفس الصوت الباهت...
(هل سيكرهني ابني حينما يولد للدنيا و يجدني أمه؟)
سالت دموع هيام بقهر على حال ابنتها فأجابتها بيقين...
(أنتِ لست هيام)
تنهيدة وجع فلتت من فلك دون ارادتها لتهمس بعدها بصوت اهتز بغصة الظلم...
(لكنهم جعلوني أبشع من هيام...ألصقوا بي عارا لن يغفره لي إن عرفه...سيكبر و يحتقرني)
مالت هيام تلثم شعر ابنتها ببكاء و تهمس...
(لم أكن أما تمنتِها يا فلك لكني اقسم بالله لن ادعك تعيشين هذا الظلم كثيرا)
اغمضت فلك عينيها على دموعها لتهمهم بوجع...
(ما عاد ينفع هيام فبعدما اهتزت الثقة لن تعود ابدا...)
قاطعتها هيام برفض من أن تستسلم ابنتها...
(لكن طارق إن عرف الحقيقة س....)
هذه المرة قاطعتها فلك بصوت فاتر مرهق...
(احتاج أن أنام...)
شعرت بأصابع والدتها تتخلل خصلات شعرها ببطء و حنان
...تشعر بضيق تنفس كلما فكرت في أي وضع هي...أمها تظن أن ثقة طارق هي ما اهتزت و لكنها لا تعرف انها قصدت ثقتها هي...يا إلهي لقد سلمته مقاليد حياتها و اخبرته عن مخاوفها و ما مرت به...قالتها له مرارا انه بات كل شيء فلمَ صدق افتراءهم...لمَ حتى لم يمنحها حق الاستماع و الدفاع عن نفسها امامه...فلتت من بين شفتيها آهة محترقة لترفع بعدها كفها و تلامس قلبها المتقلص تمسد عليه بارتعاش لم يدم طويلا حتى ركلها طفلها لأول مرة...فتحت عينيها فجأة فانهمر الدمع المحتجز فيهما على خديها...حركتهما في كلا الاتجاهين لتبتلع ريقها بصعوبة و تتحرك يدها من فوق قلبها الى بطنها تلامس طفلها بعدم تصديق...ركلة اخرى منحها لها فاهتزت انفاسها و انفجرت دموعا جديدة كانت تحمل معها الندم...همهمت بصوت مختنق بغصته تبرأ نفسها لابنها فلابد من أنه يعرف الحقيقة و قد شهدها معها...
(لست سيئة و الله فلتسامحني لأن نصيبك معي...)
في بيت رجب...شقة أيوب
دخلت مودة غرفتهما لتوقظه بعدما انهت وجيدة تحضير الفطور...توقفت خطواتها قرب السرير تتطلع الى جسده الغافي بتعب واضح...جلست على عاقبيها جوار السرير تتفحص ملامح وجهه من هذا القرب...هل من الممكن أن تفقدها الأيام أيوب؟!...انقبض قلبها بهلع من مجرد التفكير فنفضت عن بالها هذا الاسلوب في التشاؤم...مدت اصابعها بخفة تلامس وجهه الحبيب بينما تهمس بنداء رقيق...
(أيوب استيقظ الفطور جهز)
بعد لحظات من المحاولة فتح عينيه الناعستين لها ليضيقهما قليلا و يحدق في وجهها و كأنه يتذكر شيئا ما و حينما استجمع عقله قواه في التذكر شخصت عيناه بجزع لينتفض من نومته متسائلا بصوت متلهف...
(مودة ماذا هناك...هل الحاج سليمان بخير أم....)
انتفضت من مجلسها لتسرع في الجلوس جواره تربت على ذراعه قائلة بسرعة...
(بسم الله اهدأ أيوب كل شيء بخير لقد ايقظتك لتتناول الفطور)
زفر انفاسه القلقة بصوت مسموع ليغمض عينيه و يمسح فوق وجهه فيصله صوتها المتأسف...
(آسفة لم اقصد اخافتك و الله...)
ابعد كفه عن وجهه ثم فتح عينيه يناظرها بتعب قائلا بينما يضم جسدها اليه...
(لا تتأسفي...ذهني مشغول على الحاج فليس ذنبك)
وضعت يدها فوق صدره فوصلها نبض قلبه الهادر و الذي دفعها للقلق...
(أيوب قلبك ينبض بعنف يا إلهي كل هذا بسببي...انتظر سأحضر لك كوبا من الماء)
كادت تبتعد عنه لكنه شدد على تمسكه بها متنهدا بذهن شريد فيهمس...
(لا يكن قلبك خفيفا هكذا يا بنت أنا بخير..)
تنفست بخوف من القادم لتسأله بما يؤرق روحها...
(أيوب هل لو عرف ابناء الحاج سليمان عن هوية مفتعل الحادث و أرادوا الانتقام ستكون معهم؟!)
عقد ما بين حاجبيه ينظر لرأسها قرب صدره متسائلا...
(و هل تنتظرين مني ان أقف متفرجا و اترك حق الحاج سليمان؟!)
ابتلعت ريقها تهمس بقلق...
(و لمَ لا تبلغوا الشرطة؟!)
تكلم أيوب بحدة متأثرا بما حدث لسليمان...
(نحن قادرون على استعادة حقنا بأنفسنا)
بكت بصوت مسموع مما جعله يتفاجأ من رد فعلها حتى قالت برعب...
(ألا تفكر بأنه لو اصابك مكروه سأموت من قهري عليك...ألم تفكر كيف سأعيش بعدك و ماذا سيحدث لي و ل...)
توقفت كلماتها عند هذا الحد و عاد صراعها يشتعل بداخلها...هل تخبره بحملها الآن أم الأحداث الجارية لا تناسب...لكن ربما لو أخبرته ستجعله يتمهل في قراراته لأجل طفله...سمعت صوته الهادئ و كأنه يربت على مخاوفها...
(لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا لا تخافي فلم نتأكد بعد من أي شيء يخص الحادث...و ايضا هذه ليست اول مرة ادخل في مشاجرة)
ابعدها عنه قليلا ليناظر وجهها الباكي فيميل يقبل وجنتها برفق لتردف هي برجاء..
(من قبل كنت بمفردك أيوب أما الآن فنحن مسؤولون منك)
ابتعد عنها يربت على وجنتها قائلا...
(افديكم بروحي يا مودة أنتِ و أهلي دوما في اعتباري و لا اتخذ خطوة قبل أن افكر فيكم أولا لا تقلقي حبيبتي)
تنهدت بصوت مرهق ثم امسكت كفه تقربه من فمها و تقبله هامسة...
(لا أوجع الله قلبي عليك ابدا)
ابتسم لها بحنان يقول بمرح ناقص...
(أنا جائع جدا دعينا ننزل و نتناول الفطور مع أم أيوب و أبي أيوب)
اسبلت اهدابها تومئ له بموافقة و بداخلها تخبر نفسها بأن تتريث قليلا في اخباره...لا تعرف متى ستخبرهم جميعا لكنها حقا مرتعبة كما أنها تريد أن يكون الجميع متأهبا لسماع مثل هذا الخبر فمن حقها ألا تنتقص الظروف الحالية من فرحة خبر كهذا!...استقام ايوب ليبتعد عن السرير متجها الى الحمام و مودة فعلت المثل لكنها فور استقامتها خلفه ترنحت بقوة ليلتقفها أيوب بجزع بين احضانه متسائلا بقلق...
(مودة ما بكِ؟!)
امسكت برأسها تغمض عينيها كي يزول هذا الدور الشديد...اسندت رأسها على صدره تهمس بصوت متقطع...
(لم أنم جيدا الأيام الماضية...أنا بخير لا تقلق)
ابتعدت عنه بعدما تمالكت نفسها تبتسم بتعب ثم تدفعه للأمام قائلة...
(هيا الى الحمام لقد تأخرنا على خالتي و العم رجب بالفعل)
تحرك معها حيث الحمام يناظرها بقلق و يسألها مئة سؤال عن صحتها حتى اقنعته انها بخير و عليه ألا يخاف...توقفت
بعدما دلف تتشبث بالحائط جواره تسند رأسها عليه و تتنفس بتعب...همهمت بدعاء متوسل...
(يا رب أنت من خلقته داخلي في هذا الوقت فأحفظه و أجعل مجيئه لنا خيرا)
عيناه معلقتان بجسد والده الساكن فوق سريره فعاد ينظر لوالدته بتساؤل قلق...ابتسمت صفية له تهمس بنبرة مطمئنة..
(لقد فتح عينيه صباح اليوم و حينما حدثته كان منتبها لكنه عاد ليغلقهما و الدكتور قال انه سيستعيد وعيه تدريجيا فقط نصبر و ننتظر...)
تنهد كرم بتفهم رغما عنه اصابه اليأس...لقد قطع الطريق من البيت الى هنا بلهفة و شوق لرؤية والده واعيا لكنه حينما وصل وجده كما كان و هذا أحبطه...حدّث والدته بخفوت
(سأبقى معه الليلة و أنتِ أمي عودي للبيت كي ترتاحين قليلا)
لامست صفية ذراعه بحنان مبتسمة المحيا لتقول بتأكيد..
(لن اتحرك من هنا إلا معه بني...)
رفضه كان واهيا امام اصرار والدته التي تحركت معه لخارج الغرفة بينما تقول...
(ستعودون جميعا للبيت مع زوجاتكم هذا ما اخبرت به اخواك صباحا...الحمد لله والدكم يتحسن و سيعود لنا قريبا فيجب ان يجد كل شيء على ما يرام سواء حياتكم او العمل)
تأهبت غسق المنتظرة بالخرج فور خروجهما من الغرفة فنظرت لها صفية بحنان و هي تستمع لاعتراض ابنها...
(لا يمكن أن نتركك وحدك أمي!...فليعود خالد و صالح فهما هنا منذ أيام و سأبقى أنا معك مادام لا تريدين ترك أبي)
تنهدت صفية بخفوت لتعاود و تفرض أمرها متعللة بما تراه بعينيها...
(يا كرم لا تكن عنيدا و اسمع كلامي...إن بقيت هنا ستبقى غسق معك و بقاؤها هنا مشقة عليها...ألا ترى بعينيك من ليلة واحدة قضتها في بيتها و على سريرها عاد وجهها يُشرق حفظها الله)
اتسعت عينا غسق بخجل من ملاحظة صفية لتغيرها...منذ الصباح و على مدار الطريق الى هنا و تفاصيل ليلة الأمس لا تبرح عقلها و غصبا تؤثر على ملامحها فهي تشعر بحرارة وجنتيها الدافئتين...لقد كانت ليلة فاصلة في حياتها...وجهت بصرها الى كرم الذي ناظرها ببسمة زادت ارتباكها فتنحنحت بصوت مسموع لتتحدث بحرج...
(كرم محق فمن الصعب أن تبقي هنا بمفردك حتما ستحتاجين مساعدتنا...و أنا لست متضررة أو متعبة من البقاء هنا فلا تحملي همي أمي)
ابتسمت لها صفية بتقدير حاني فقالت...
(سلمتِ يا ابنتي لكنني سأكون مرتاحة إن سمعتم كلامي و عدتم للبيت لتباشروا حياتكم)
هزت غسق رأسها رفضا و قد اقتربت من صفية لكنها لم تتمكن من قول شيء حينما صدح صوت سهر المزعج..
(صباح الخير أمي الحاجة لقد سمعت أن أبي الحاج استفاق...كيف هي صحته الآن و الله لولا طلب خالد ان ابقى في بيت اهلي لكنت جئت و قضيت الليالي معكم لأساعدكم)
توقفت خطواتها جوار غسق لترمقها بطرف عينيها بينما تقول...
(فالدكتورة ليست وحدها من تعرف الأصول)
ألتزمت غسق الصمت التام فحقا لا تريد أن تؤثر سخافة سهر على حالة الهدوء و السعادة التي تعيشها...بينما صفية تولت الرد ببسمة صغيرة...
(لا بأس يا سهر كلكن واحد)
هزت سهر رأسها تردف بتفهم...
(بالطبع يا أمي الحاجة)
وقع خطوات يقترب منهم جعلهم يلتفتون لها فيصادفهم وجه خالد الذي يضيق عينيه بترقب حينما وجد زوجته هنا...اقترب منهم يسألها بصوت مرهق...
(ما الذي تفعلينه هنا يا سهر؟!)
وقفت قبالته تتحدث بصوت متضايق...
(لأقف جانب زوجي و اهله يا خالد ألا يكفي أنك منعتني عن القدوم رغم أن هبه و غسق كانتا هنا طوال الوقت)
اغمض خالد عينيه يلجم نفسه عنها ثم يفتحهما ليردف بغضب مكتوم...
(و كنت محق في منعكِ لأن الوضع لا يسمح ابدا لمشاكلك مع الجميع ثم ان هبه لم تأتِ إلا مرة واحدة لتطمئن على زوجها...و الدكتورة معنا تساعدنا بتواصلها مع الأطباء هنا)
ارتفع حاجبها عاليا لتردد خلفه بسخرية...
(هكذا إذًا أصبحت أنا الغير مرغوب فيها بينكم)
زفر خالد بعصبية يرفع وجهه الى أمه التي حثته على التريث بنظرتها فيعود لزوجته متسائلا...
(من أين عرفتي أن الحاج استفاق؟!)
التفتت سهر تناظر كرم و غسق طويلا قبل ان تبتسم بسماجة و تقول...
(رأيت كرم في الصباح يخرج من البيت بصحبة الدكتورة فأخبرت أبي كي يخرج و يسألهما عن الأحوال و حينها عرفنا أن أبي الحاج عاد له الوعي)
بهدوء غير عابئ بثرثرتها تحرك كرم مبتعدا عنهم...و دون ارادة غسق تحركت روحها معه لتتشبث به متسائلة بعينيها الى أين و عندما سمعتها منطوقة من والدته تلهفت لتعرف الإجابة...فلن تخفي على نفسها أنها حقا تريده معها...أمامها في كل لحظة...
(الى أين كرم؟!)
اجاب أمه بهدوء بعدما توقف...
(الى الحديقة فرأسي يؤلمني قليلا)
اومأت له أمه فتدخلت سهر لتقول بضيق بعدما فهمت مغزى كلامه و انها ستسبب له الصداع...
(سلامتك يا كرم)
هز رأسه متفهما ليبتعد عنهم و تلاحقه عينا غسق برفض لبعده هذا...ظلت على وضع الرفض للحظات زادت فيهم ثرثرة سهر و حشر انفها فيما لا يعنيها حتى دخلت صفية الى غرفة زوجها و قد قررت غسق اللحاق بزوجها...تحركت مبتعدة عن خالد و سهر لتهرول في خطواتها الى مكان كرم...
بالأسفل...حديقة المشفى
وقفت على بعد خطوات منه تتطلع اليه بطريقة مختلفة...تتفحصه و تحفظ تفاصيله التي اختلطت معها أمسا...عيناها تعلقتا بكفه المستريح على كرسي الحديقة الخشبي...يبدو خشنا لكن بالأمس كان حانيا رقيقا!...نبضات قلبها تتعالى مع كل ذكرى تراودها...قضمت شفتها بخجل سعيد من كونها تتأثر كأي انثى طبيعية بلا خلل...فكت سراح شفتها متذكرة قبلته لها صباحا...لا تزال حية حتى هذه اللحظة...انها تشعر بملمسها و كأنها حدثت للتو!...اهتاجت نبضاتها فأسرعت تضع كفها فوق قلبها و تكوره ببسمة ترتسم ببطء خجول...وجنتاها تحترقان حتى انها تظن أن أذناها سيطلقان صفيرا مدويا مصاحب بدخان بعد لحظات!...يا لها من مشاعر رائعة لأنها معه و له...انها تعشق كرم بكل ما فيه...ابعدت كفها عن صدرها و مالت عيناها الى كفها الآخر الذي يحتوي على حبة مسكن جلبتها له...زفرت لتتخلص من خجلها قليلا و تتقدم نحوه...ألتفت لها بعدما وصلت فيبتسم في وجهها...تنحنحت ترفع حبة المسكن قائلة...
(جلبت لك حبة مسكن)
اتسعت بسمته كثيرا ليزيح كفه و يربت به جواره كي تجلس بينما يقول...
(رأسي لا يؤلمني قد كانت حجة لأتخلص من ثرثرة أم مازن)
ترحلت عيناها على ملامحه المبتسمة لتهمس روحها بعشق نابض من قلبها...
"أعرف و الحبة أيضا حجة لأبقى معك"
لكنها استعاضت عن البوح بهذا بقول خجول...
(جيد انك بخير...)
وصلها صوته الأجش قريبا عميقا للغاية...
(و أنتِ معي سأكون دوما بخير)
غزا الدفء روحها كما وجنتيها اللتين شعتا بحمرة قانية جعلتها ترفع كفها تلامسها لتُهدأ من حرارتها...لاحظها كرم و قد لفت نظره حمرة وجنتيها فمد كفه يلامس وجنتها الحرة قائلا...
(وجنتاك حمراوان منذ فترة!)
اجفلت من حركته هذه بعدما حاوط كلتا وجنتيها كما أن تعابير وجهه الجدية غصبتها على التحديق في عينيه منصتة لكلامه القلق...
(غسق وجهك دافئ جدا...ربما اصابك البرد بعدما صعدتي للسطح صباحا و كنتِ قد انهيتِ حمامك للتو!)
كفاه يحيطان وجهها و يقربانه من وجهه المتفحص بلهفة ملامحه...باردتان كبيرتان تدغدغان مشاعرها بطريقة عجيبة...اغمضت عينيها تركن بوجنتها اليمنى الى كفه و كأنها تتمرغ فيه هامسة ببسمة ابهجت روحه...
(كفاك باردتان...أحب هذا الشعور)
تعرقلت انفاسه في صدره للحظات يطالع امرأة خُلقت لتكون عشقه الوحيد...ابتسم برضا لكل ما تقوله و تفعله كزوجته...بالأمس تخطيا معا ذاك السد بينهما...بالأمس وصل اليها اخيرا...همسها الناعم بين كفيه بعدما فتحت عينيها جعل روحه تعانقها...
(أنا بخير لا تقلق...)
ضحكت بخفوت خجول لتردف بمزح...
(حتى والدتك لاحظت ان وجهي مشرقا)
حرك ابهام كفه الأيسر على وجنتها ليعبر عن سعادته حينما قال...
(ناديتها أمي)
منحته عينيها الواسعتين تحدق فيه بصمت قبل أن تهمس بصدق...
(حينما شعرت بها قلتها...والدتك امرأة عظيمة تستحق الثناء فيكفي انها اضافت للدنيا ابناء مثلكم)
غامت عيناه بفيض من حنان و عشق فشعر بحرارة وجنتيها تحت كفيه تزداد...غسق تخجل من ملامسته...تتفاعل معه...أي سعادة هذه التي يعيشها؟!...لكنه قرر أن يخفف من خجلها قليلا فقال مازحا...
(لم أكن أعرف أنني إضافة للدنيا...ظننت أنني همجي و قليل الذوق)
رمشت عيناها مرات متتالية قبل ان تضيقهما بصدمة لتهمهم بحرج نادم...
(تختار اوقات غريبة لتوبخني بها!)
رنت ضحكته الرجولية عاليا يناظر عبوسها اللذيذ قائلا ببراءة زادت حرجها...
(أنا أوبخك!...أنا فقط اتذكر رأيك عني من قبل)
برمت شفتيها بنزق لتنفرجا بهمس آسف...
(كنت مخطئة...حسنا؟!)
ضحك مجددا قبل ان يميل مقبلا وجنتيها بالتتابع على مهل ثم يفك سراح وجهها من بين كفيه ناظرا في عينيها اللامعتين قائلا بموافقة...
(حسنا...)
ابتلعت ريقها ببطء و صورته تُحفر في قلبها...هل يُعقل أن يوجد حبا كالذي تحبه لهذا الرجل؟...كرم لو تعرف كم أنا ممتنة لقدري لأنه جمعني بك!...
********
توقفت عن النزول تنظر في هاتفها الصادح و تضغط عليه بعصبية ترفض مكالمة باهر لها...منذ الأمس و لم يكُف عن الاتصال...و هي لا تقوى على الكلام ابدا فماذا ستقول له؟!...اكملت نزولها للأسفل حتى توقفت عند باب مكتب والدها...الضوء لا يزال مضاءً!...اسرعت الى الباب تفتحه بعدم تصديق حينما وجدت والدها كما هو منذ تركته ليلا...لقد اصرت على البقاء معه خوفا من الحالة التي عاد بها ليخبرها انه ذهب لبيت فلك و لم يجدها به...تقدمت منه بقلب متوجع على ما وضعته فيه بنفسها لتهمس بغصة مختنقة...
(أبي...هل ما زلت مستيقظا منذ الأمس؟!)
رفع طارق رأسه لابنته بملامح مرهقة للغاية يقول...
(كيف أنام بعد كل ما حدث؟!!)
قضمت شفتها بندم لتجلس على عاقبيها جوار كرسيه تلامس كفه بأيد ترتعش و تهمس...
(لقد ابتعدت بنفسها عنك فلا تفكر بها أكثر يا أبي)
ناظرها بتعب وخز قلبها بخوف قبل أن يقول...
(فلك لا تزال زوجتي ميرنا)
استقام واقفا لتستقيم بعده بتساؤل لم يدم حينما رأته يسحب سترته من خلف الكرسي ليرتديها لكنها نطقت سؤالها من باب التأكيد...
(الى أين أبي؟!)
ارتدى سترته يتحرك الى الباب قائلا...
(الى بيت فلك...)
صرخت بعصبية غير مقصودة فحقا كل ردود فعلها باتت خارج سيطرتها...
(لكنك ذهبت امسا و لم تجدها...لقد اختارت ان تبتعد خوفا منك يا أبي و أنت ما زلت متمسكا بها!...و ماذا إن ذهبت و لم تجدها ايضا هل ستبحث عنها في الشوارع؟!!)
دون ان يلتفت لها قال بإرهاق...
(ان تطلب الأمر ان افعل هذا سأفعل لأنه ابسط حقوقها ان اسمعها)
خرج من الغرفة فشدت ابنته على شعرها بحدة مرتعبة بينما تهمهم..
(ماذا لو عرف الحقيقة؟!!...يا الهي سأخسر أبي للأبد!!)
الحي...
خرجت هيام من بيتها بعدما خلعت عنها رداء الطبقة الثرية و عادت تتشح بعباءة سوداء...لقد استغلت نوم فلك لتشتري بعض الطلبات للبيت...مرت ببقالة أم أيوب و لكنها كانت مهمومة لدرجة انها لم ترَ سوى الطريق امامها أما وجوه البشر مطموسة...اسرع أيوب و الذي كان يقف في البقالة منتظرا قدوم أنور الى الباب غير مصدقا ان هذه هيام!!...عاد برأسه للداخل يسأل أمه بتعجب
(هل عادت هيام للحي؟!)
ضيقت وجيدة عينيها مجيبة بنفي...
(ما الذي جعلك تذكرها الآن فمنذ تزوجت ابنتها و لم أراهما ابدا!)
عاود أيوب النظر في الشارع يتتبع ظل هيام المتروك...من رآها هي هيام لكن لمَ عادت و الأهم لماذا ترتدي ملابسها القديمة؟!...ترحلت عيناه الى بيتها يرفعهما حيث شرفة غرفة فلك...يا الله كم مر من الوقت زهد فيه النظر الى هذه الشرفة...ترى بأي وادٍ صاحبتها دون أمها؟!...صوت سيارة تتوقف قرب البقالة استرعى اهتمامه فتوجه بنظراته اليها لتضيق عيناه ثم تتسعا بتأهب حينما خرج طارق منها...أليس هذا زوج فلك؟!...شعر بجسد أمه تقف جواره تحدق السيارة بتفحص ثم تتساءل...
(لمن هذه السيارة الفخمة؟!!)
تتبع أيوب خطوات طارق الى بيت فلك و عقله يطرح العديد من الأسئلة فيجيب أمه بخفوت شارد...
(هذا زوج فلك)
برمت وجيدة شفتيها بنزق لتتمسك بكمه و تسحبه للداخل قائلة...
(لا دخل لنا أيوب...)
توقف أيوب عن الحركة يقول بجدية...
(كيف لا دخل لنا أمي...فلك ابنة حارتنا و نحن بمثابة اهلها)
لكزته وجيدة في ذراعه تقول بتأنيب...
(زوجتك لو عرفت عن فلك ستسبب شرخا بينكما)
تنهد أيوب يناظر أمه بصمت قبل أن يقول...
(مودة عرفت كل شيء يا أم أيوب...)
شهقت امه بجزع تقترب منه متسائلة بقلق...
(و ماذا حدث يا معدول؟!!)
تأثرت عينا أيوب بما مرا به معا في هذه الفترة الصعبة و التي أوجع فيها مودة بقصد و بدون ليقول...
(تحملتني و صبرت علي و اخفت عنكم وجعها...ساعدتني لأعرف حقيقة ما في قلبي لفلك)
حديثه كان يمر على وجيدة صعبا دون استيعاب...فتتسع عيناها بهلع على علاقة ابنها بزوجته و على قلب مودة مما عرفت...سألته بترقب خائف
(و ما الذي في قلبك لفلك يا أيوب؟!)
ابتسم أيوب بحزن متذكرا ظلمه لفلك آملا أن تسامحه فهمس...
(شعور بالمسؤولية بعد كل شيء هي ابنة حارتي و نحن سندها)
شقة هيام...
تعلقت قبضة طارق في الهواء أمام باب الشقة...قلقا ألا يجدها و خائفا إن وجدها...صعب ما يعيشه و لم يتوقع يوما ان يمر به...زفر نفسا مصحوبا برعشة عجز رجل تخطى الخمسين قبل أن يقرر دق الباب و الانتظار...مرت لحظات ليعاود الدق و قلبه يخفت نبضه كلما طال الانتظار...ألم تعد هنا بعد؟!!!
بالداخل...
كانت تغط في نوم عميق هاربة من كل شيء عاشته لعمر طويل...رمشت بعينيها حينما وصل لإدراكها صوت الدق على باب الشقة...فتحتهما بصعوبة تنظر حولها بتيهٍ فتتذكر انها في شقتها القديمة...بللت شفتيها الجافتين بلسانها لتزيح عنها الغطاء و تنزل من على السرير منادية بصوت خافت للغاية...
(هيام أين أنتِ...أمي احدهم يدق الباب!)
الصمت القابع بالشقة ألزمها الخروج من غرفتها...وقفت لثوان في الصالة تبحث عن أمها و حينما فطنت انها خرجت ظنت انها هي من تدق الباب...استندت على الجدران تتحرك ببطء لتفتحه و في كل خطوة ينال منها التعب...كلها متعب من شعرة رأسها و حتى وتين قلبها...وصلت اليه تفتحه فيطل عليها وجه طارق المرهق...لا تعرف لماذا لم تهتز لرؤياه ربما لأنها تيقنت من لقاء كهذا...ليس مهما السبب ابدا...لم يعد يهم أي شيء!...ابتعدت عن الباب تناظره بصمت يصرخ من خلفه وجعها فيستقبله هو بسؤال قلق...
(أين كنتِ بالأمس لقد جئت الى هنا و لم أجدك؟!!)
اسبلت اهدابها للأسفل تتراجع للخلف بينما تقول بخفوت ذابل...
(و هل يهمك أين كنت حقا؟)
دلف للشقة يغلق الباب خلفه قائلا بجدية..
(لدي أسئلة كثيرة لك فإن جاوبتِ سؤالي بسؤال لن نصل للحقيقة ابدا)
رفعت وجهها في وجهه تسأله بجدية مماثلة رغم انهاكها...
(و هل تريد معرفة الحقيقة؟!)
اهتزت حدقتاه لوهلة جعلتها تبتسم بمرارة قائلة...
(إن كنت مهتما و لو للحظة ما كنت تتركني في قسم الشرطة دون حتى ان تسمع مني)
ارتعشت شفتاها بقهر ليعلو صوتها قليلا تؤشر على نفسها...
(حينما كنت مجرد خادمة تعمل في قصرك انصفتني و استمعت لي أما الآن...)
قاطعها بصوته المتعب...
(الأمر صعبا على أي رجل و رغم كل شيء سعيت الى ان أسمعك)
اتسعت بسمتها الساخرة تقول بحدة...
(متأخر جدا يا طارق...سعيك قد فات عليه الأوان)
نكست رأسها أمامه تقضم شفتيها تمنع دموعها المقهورة لتقول...
(تأخرك يعني انه روادك الشك...يعني انك مِلتُ لتصديق هذا علي...لم تشفع لي عندك عشرتنا على الأقل)
رأت في عينيه تيه قتلها في الصميم قبل أن يردف بما يصدقه و لا يصدقه في قرارة نفسه...
(فلك لقد تنازلت عن القضية قبل أن أسمع منك حرفا ألا يعني هذا أنني...)
(تشك بي و لكنك تعاند نفسك كي لا تصبح الرجل الذي حذره الجميع من شباك فتاة لعوب و لكنه سقط فيها على الرغم من نصحهم)
قاطعت قوله بما يجيش في صدرها من وجع...لم تتمكن من كبح دموعها اكثر فنزلت ملتهبة على خديها و هي تردف...
(لقد عشت حياة تدفعني دفعا لبيع نفسي...حفرت في الصخر لأبقى بطهري و ألا افتعل ما سأحتقر نفسي بسببه...و حينما غلبتني الدنيا دققت بابك و دخلت حياتك بفستان ابيض لم يُدنس و الآن اخرجتني منها بتهمة قذرة)
شهقت بألم تصرخ في وجهه...
(لقد اخبرتك عن حياتي و عن نفسي...اخبرتك طارق بكل شيء و لم أخفِ عنك حتى ما يخجلني...قلت لك مرارا أنك بتُ أبي قبل زوجي...رجوتك ألا تخذلني و وعدت ألا تفعل...انظر الآن أين نحن و أين وعدك!...صدقتهم طارق أليس كذلك صدقت أن ابنة خادمة تتزوج بعقد مؤقت و تأخذ ثمن زيجاتها ستخونك في غرفة نومك و تُدخل لبيتك رجلا غريب...تخليك عني يا طارق لم يدهس ثقتي بك فقط بل دهس كل شيء بيننا...)
علا صوته من فرط التفكير الذي لا يرحمه يبرر لها ما مر به...
(الكل شهد ضدك يا فلك حتى ابنتي...شهادتهم شلت تفكيري و رغم ما مررت به كنت ادافع عنك حتى و إن مال جزء مني لتصديق ما أسمع و أرى...ما وُضعتُ به كان قاسيا و مشتتا لأي رجل يا فلك فأنتِ لا تعرفين معنى أن تُخان من شخص تحبه فما بال أنتِ زوجتي)
حديثه و إن كان صادقا...و إن كان معبرا عن تخبطه و صعوبة اتخاذ قراره إلا انه زادها بكاءً...أكثير عليها أن تجد شخصا يؤمن بها و يدافع عنها مغمض العينين مهما كانت تهمتها...رفعت كفيها تمسح دموعها فتتساقط غيرها بينما تقول...
(أنت محق فلقد رفعت فلك الخادمة سقف توقعاتها و ظنت انها شخص يُحق له العيش بأمان و كرامة كسائر البشر)
اغمض طارق عينيه يبتلع ريقه بصعوبة بالغة فيزفر نفسه المختنق ثم يسألها بفضول زوج لا يزال متأرجحا...
(فلتخبريني أنتِ بالحقيقة...من هو أيوب يا فلك هل هو نفسه الرجل الذي دفع لك كفالة الخروج من قسم الشرطة؟!!)
من بين دموعها المتساقطة رنت ضحكتها التي اصابته بالجمود...يتطلع اليها بترقب مذهول...تبكي و تضحك في آن واحد...ناظرته بعينين تعكسان خذلان روحها فتردف...
(صدقني يا طارق لو اخبرتك عن هويته لن تصدقني حتى و ان اقسمت لك لأخر عمري...حينما تنتهي الثقة بيننا ينتهي معها كل شيء)
نطق اسمها بنبرة مصعوقة...
(فلك!)
فأوقفته بقولها الباكي...
(فليعد كلا منا لحياته الطبيعية...مكانك في قصرك و مكاني هنا في شقة هيام...إن أردت أن تتأكد من نسب الطفل انتظر ولادته و قم بالفحوصات اللازمة فلن أمنعك)
فتحت هيام الباب على قول ابنتها الأخير فأصابها الهلع من ان حياة ابنتها الزوجية ستنتهي...راقبت طارق الذي يقترب من ابنتها قائلا بصوت تسمعه منه لأول مرة...صوت رجل متعب و ممزق بين افكاره
(فلك ما الذي تقولينه أنا لا أريد خسارتك بل اردت..)
ابتعدت عنه فلك تقول بانكسار...
(لم يعد ينفع يا طارق...حينما تزوجتك كنت ابحث عن أب و دفء لا أنكر منحتني إياه لكن حال شككت فيّ كزوج سيظل شكك دائما بيننا...)
تدخلت هيام بلهفة بينهما تهدأ ابنتها برجاء...
(اهدئي يا فلك فالسيد طارق جاء ليعيدك الى بيتك)
اوقفتها فلك بقولها المقهور...
(لا تتدخلي أمي هذا بيني و بينه)
قال طارق بجدية تامة...
(أنا لا أسعى للطلاق يا فلك...أعرف انه يوجد سوء فهم و علينا حلّه!)
هزت فلك رأسها تفهما تقول...
(طلقتني أم لا حياتنا انتهت طارق...)
سحب طارق نفسه بصعوبة ووهن غادر يزداد بداخله يكبله...يناظر زوجته المنهكة فيقرر ان حالتها حقا لا تسمح بمزيد من الجدل لكنه قال بإصرار...
(لم ينتهي حديثنا هنا...)
تركهما و خرج من الشقة و بقيت هيام متجمدة بذهول في مكانها قبل ان تهرول الى ابنتها تتشبث بها قائلة بتوبيخ...
(هل أنتِ غبية يا فلك زوجك جاءك الى بيتك ليعرف الحقيقة و أنتِ تطلبين الانفصال!!!)
سالت دموعا جديدة من عينيها قبل ان تقول بحرقة قلب..
(طارق جاء ليعرف من أيوب و من الرجل الذي أخرجني من قسم الشرطة...طارق جاء ليتأكد من شكه يا هيام)
تراخت اصابع هيام المتمسكة بابنتها تنظر لها بحزن متألم على حالتها فهمست باقتراح واهٍ...
(الخيانة أمرا ليس هينا على الرجل كما ان العقربة لبنى و ابنته اتفقتا مع الخدم و حبكوا التهمة عليك...حقه أن يتأكد من صدقك لذا دعينا نطلب من أيوب أن يقابله و...)
(مستحيل هيام...)
صرخت بها فلك برفض متوسل جعل أمها تتوقف...اقتربت منها فلك تقول بجدية...
(أيوب ليس له ذنب لنخرب حياته مع زوجته فكما قلتي قبل لحظات الخيانة ليست هينة)
عادت تبكي دون رغبتها لتهمس بتساؤل تعب من ان خانة اجابته دوما فارغة...باردة...و قاسية للغاية
(ألا يحق لي أن أجد شخصا يثق بي لكوني فلك التي حقا تموت و لا تفعل ما يحرمه الله...لماذا دوما يضعوني في خانة الرفض و يلفظوني خارج حياتهم مع أول خطأ لست السبب فيه حتى؟!...يكفي يا هيام ما عشته حتى هذه اللحظة ما فعله طارق لم يكن جديدا فها هو يضيف شرخا جديدا في روحي اضافت الدنيا و الناس قبله مئات الشروخ...قتلتني شكوكهم و سوء ظنهم...قتلوني جميعهم و دفنتني الحياة في وحلها للأبد)
صمتت هيام تتطلع الى ابنتها بندم و وجع...روحا جلبتها للدنيا لتذوق معها اضعافا من الظلم و الذل...
...يتبع...
هرولت الى باب شقتها بجسد انكمشت حيويته و بقي خاويا منذ أيام...فقط أيام جعلتها تموت و تحيا مرات عدة...تخطو الى الباب و تدعو بأمل ان يكون الطارق ابنتها...فتحته بلهفة ليموت أملها و يجزع قلبها حالما رأت عسكري بملابسه الرسمية...تقبضت على خشب الباب تناظره بهلع ازداد بعدما سألها...
(هذا بيت عبد الصبور حقي المراكبي؟!)
اومأت له و قلبها يعتصر بخوف فنطقت بتساؤل مهتز...
(هل...هل هناك أي اخبار عن ابنتي؟!)
جاوبها العسكري بعملية...
(ليس لدي أية معلومات...الضابط طلب حضور فهمية عبد السلام الى قسم الشرطة...هل هذه أنتِ؟)
خبت انفاسها برعب لتهز رأسها بنعم و تهمس...
(انتظر قليلا بني سأرتدي عباءتي و آتي معك..)
اومأ لها متفهما فدلفت للداخل تسحب عباءتها السوداء ترتديها بينما تهمهم بتوسل أم تحترق خوفا على ابنتها...
(اجعل العواقب سليمة يا رب)
في قسم الشرطة...
وقفت أمام الضابط بجسد يتجلد كي لا تنهار...تعقد حاجبيها بشدة و على ملامحها يرتسم عدم الفهم الكامل...سألت الضابط بصوت مرتعش يعاني الجهل...
(لا تؤاخذني يا حضرة الضابط أنا لم أفهم هل وجدتم ابنتي أم لا؟!!)
تنهد الضابط بتعاطف ليعيد ما قاله قبل قليل لكن مع بعض التريث كي تفهم...
(يا حاجة قلت لكِ وصلنا بلاغ من مشفى "..." بأنهم وجدوا فتاة تقارب مواصفات ابنتك لذا يجب عليك المجيء معنا و التأكد من هويتها)
شعرت بأن اقدامها تهتز فأسرعت تتمسك بالكرسي القريب من مكتب الضابط و تهمس بسؤال مستنكر...
(لماذا ستكون ابنتي في المشفى؟!...لقد كانت بخير قبل أن تترك البيت!...هل اصيبت بضرر أم ماذا حدث بالضبط؟!)
زفر الضابط بخفوت ينفث عن مشاعره المتعاطفة مع هذه المرأة...انها تكاد تلفظ انفاسها الأخيرة بعدما عرفت انها ستذهب للمشفى لربما صادف و كانت ابنتها من تم الإبلاغ عنها...ماذا سيحدث لو عرفت الحقيقة الكاملة و الى أي قسم تحديدا سيأخذها؟!...صدقا و من اعماق قلبه يتمنى ألا تكون هذه الفتاة ابنتها!...
المشفى...
تسير خلفه في هذا الممر الباهت...رغم الاضاءة المنيرة فيه إلا انها تشعر و كأنها تسير في كهف مظلم...لا أحد غيرهما في الممر و هذا الممرض الذي يرافقهما...توقفوا جميعا أمام باب فناظرت ظهر الضابط بترقب حتى سمعته يطلب من الممرض...
(افتح الباب...)
همهمت بأسنان تصطك متسائلة....
(هل ابنتي بالداخل؟)
التفت لها الضابط قائلا بترقب...
(أنتِ من سيخبرنا هل هي ابنتك أم لا...)
و بخطوات ثقيلة يلفها العجز و الرعب دلفت خلف الممرض...تلكأ الضابط في خطواته خلفهما فقد تعلقت عيناه باللوحة المعلقة جوار باب الغرفة "ثلاجة الموتى"...القادم سيكون صعبا هذا حدسه...دلف الغرفة ليستمع لسؤالها المتوجس...فربما لم تسعفها أُميتها لتقرأ لافتة الغرفة لكن يبقى قلبها الأمومي فاهما...
(أين هي ابنتي؟!)
توجه الممرض الى الثلاجة يفتح بابها و يسحب بعد ذلك شيئا يشابه الدرج هكذا فسره عقلها...ضيقت عينيها بترقب مميت و هي ترى الدرج يتحول الى سرير عليه شخصا ما مغطى بشرشف أبيض!...تقلص قلبها بينما تنظر للممرض متسائلة بصوت بدا حادا...
(ما هذا؟!...ما الذي ستفعله ابنتي هنا بالتأكيد أنتم مخطئون!!)
نظر الممرض للضابط الواقف خلفها منتظرا أمره أيزيل الشرشف الآن أم ليس بعد...رفع الضابط كفه اليه طالبا الانتظار ثم اقترب من ام هدير قائلا...
(عليكِ أن تري الجثة لنعرف هويتها)
هزت المرأة رأسها استنكارا و هستيرية لتقول...
(من دون أن أرى أنا أكيدة أنها ليست هي...ابنتي لا تزال فتاة صغيرة لم تعش من الحياة إلا قليلا...مستحيل أن تموت)
اهتز صوتها باختناق يفتت روحها فسالت دموعها المرتعبة و هي تردد...
(مستحيل...مستحيل أن ادفنها أنا قبل أن تدفنني هي!!)
و في لحظة خيم فيها الصمت حولها هناك شيئا خفيا سحبها من يدها الى هذا السرير...شيء لا تراه لكنها تشعره...ارتعش كفاها من عظم ما تمر به و ثقل نبض قلبها من رعب تخشى عيشه حينما لامست قماش الشرشف...لم تمنح للممرض فرصة المساعدة و قد سبقتها دموعها قبل كفيها ليرفعوا الشرشف عن جثمان فرت منه الدماء و زهدته روحه لتصعد الى بارئها...صوت صرختها العالية ابلغ الضابط هوية القتيلة الحقيقية...
(هدير!!!!!!)
مالت على رأس ابنتها ترفعه الى صدرها و تضمه بقوة جنونية و هي تصرخ بشيء من عدم الاستيعاب و رفض الواقع...
(هدير يا قلب أمك افتحي عينيك حبيبتي...استيقظي يا ابنتي لنعود سويا الى البيت...لا تحرقي قلبي عليكِ...لا ترحلي قبل ان اراكِ عروسا و احمل اولادك...لا تجعليني أعيش وجيعة دفنك تحت التراب و أنا على قيد الحياة...بنيتي عودي الي و سنصلح كل شيء...)
قبلت وجهها مرات لا تحصى و دموعها تغسل وجه ابنتها بينما تحايلها بشتى الطرق لتفتح عينيها...
(أنتِ حزينة لأنني ضربتك أمام أم عيد أليس كذلك؟!...فلتُقطع يدي التي طالتك يا ابنتي و الله لن اكررها و لن اسألك عن شيء فقط افتحي عينك و ردي علي...هدير أتهون عليكِ أمك تقتلينها بنومتك هذه....و الله لا أتحمل رؤيتك هكذا قلبي سيقف فلا تفعلي هذا...و الله سأموت قهرا عليكِ...هدير...هدير!!)
اقترب الضابط منها يتمسك بكتفيها و يبعدها عن جثمان ابنتها آمرا الممرض بإعادته لمكانه...اخرجها من الغرفة يساعدها كي تجلس على كرسي الممر قائلا...
(البقاء لله...يجب ان تتماسكي حتى نعيد حقها فقد وجدوها جوار المشفى ميتة و الأطباء قالوا وفاتها إثر عملية اجهاض)
رفعت وجهها له بعينين منغمستين في دموعهما لتهمس بتيهٍ..
(اجهاض!!...لماذا هدير لماذا تفعلينها؟!...يا حسرتي عليكِ أنا من قتلتك...أنا السبب في موتك)
تأهب الضابط كليا ليسألها بترقب...
(كيف أنتِ السبب؟!...هل حملها كان خارج إطار شرعي أم تعرضت للاغتصاب؟!)
سالت دموع ام هدير و هي تناظره...ماذا ستقول و سليمان ليس هنا...هل ستفصح عن امر ابنتها الآن؟!...عادت تنظر لباب الغرفة فتزداد دموعها و نحيبها و يتخلل صوت الضابط حرقة قلبها..
(إن كنتِ تعرفين شيئا فلتساعدي الشرطة به لنعيد حق ابنتك)
نكست رأسها تضعها بين كفيها و تبكي بمرارة مؤلمة...فأي حق مهما بلغ قدره سينفع هنا...
*******
زاغت عينا صالح بألم لا يوصف بعدما وصله اتصال من الشرطة يبلغه فيه بأن هدير ماتت!...مسح فوق وجهه و استند بظهره على حائط غرفة والده الخارجي يردد بذهول..
(لا إله إلا الله... إنا لله و إنا إليه راجعون)
صوت أخيه خالد المتسائل بتعجب جعله يعتدل في وقفته...
(من توفي؟!!)
اشاح صالح بعينيه بعيدا عن أخيه...يشعر و كأنه سببا فيما حدث...لو اطاع والده و تزوج هدير لربما كان مصيرها غير هذا...استغفر ربه بصوت مسموع جعل خالد يضيق عينيه بقلق فأجابه صالح بصوت حزين...
(اتصلوا بي من قسم الشرطة يبلغوني أن ابنة العم عبد الصبور في ذمة الله)
(ماذا؟!!...البنت أم أمها؟!...و لماذا تتصل بك الشرطة لتبلغك عن هذا؟!!)
تساؤلات خالد الكثيرة و المصدومة خرجت تباعا فما يُقال عجيب...زفر صالح بصوت مسموع يخفف من حدة الأمر قائلا...
(البنت من توفيت...الشرطة هاتفتني لأن أمها قدمت بلاغ باختفائها بعد حادث الحاج و اليوم وجدوها ميتة في مشفى بعيدة عن الحي...الضابط اخبرني ان والدتها من منحتهم رقمي و يحتاجوني لأن حالتها سيئة كما أن هناك اجراءات قانونية و تصريح دفن)
شعر بغصة مريرة تمر في حلقه فتوقف عن الحديث...سبحان من له الدوام ففتاة في مقتبل العمر تموت بشكل فجائي يفجع القلب...ردد بهم ثقيل
(لا حول ولا قوة إلا بالله...اللهم ارحمها و اغفر لها)
هز خالد رأسه متفهما يردف...
(دعنا نذهب اليها لننهي كل شيء و نوصل البنت الى مثواها الأخير فنحن اهلها و لا يصح أن تظل في المشفى...اكرام الميت دفنه)
اغمض صالح عينيه بوجع على روح فارقت الحياة في غمضة عين كان من المحتمل ان يصونها هو...همهم بصوت خفيض...
(علينا أن نبلغ أمي قبل الذهاب)
رفض خالد اقتراح أخيه موضحا...
(لا تخبرها الآن فأنت تعرف مكانة ابنة العم عبد الصبور عندها يكفيها خوفها على أبي)
قاطعه صالح بعدم موافقة...
(لكن...)
صوت فتح باب غرفة والدهما و خروج امهما منه اوقف صالح عن الاستكمال...اقتربت منهما صفية تتفحص ملامحهما فترى في انعكاسها شيء جلل...سحبت نفسا عميقا قبل ان تسألهما ما المصاب الجديد...
(ماذا حدث؟)
امتنع خالد عن الحديث خشية عليها لكن صالح نبذ الصمت بعد فترة وجيزة ليقول بحزن...
(هدير ابنة المراكبي...ماتت)
بعد صلاة العصر...
صلوا عليها صلاة الجنازة عقب صلاة العصر و حمل ابناء المراكبي بمساعدة أيوب نعشها...كان خفيفا و كأنهم يحملون ريشة انفرطت من جناح الدنيا فنفضتها عنها غير عابئة...كانت ساعات طويلة و متعبة منذ ذهبوا الى قسم الشرطة...قصمت الحقيقة ظهورهم في الواقع لكنهم لا يزالون قائمين بتحدٍ للظروف...البنت ماتت بسبب عملية اجهاض...كانت حامل سرا!!...عدّل كرم من موضع خشبة النعش بملامح باهتة فلا يصدق حقا بأنه يحمل جثمان فتاة تصغره قد كبرت امام عينيه و قد قُتلت في سبيل ان تتخلص من امر كحملها...الضابط اخبرهم ان يطمئنوا فالقضية مستمرة و لن تُغلق إلا بعدما يصلوا للجاني...لكن بلا دليل فالجاني سيظل مجهولا...صوت النسوة الصارخ يغطي على الأجواء فيجعله يتمتم بدعاء صادق فلا يملك سوى ان يدعو لها و قد اصبحت بين يدي الله...
(اللهم اعفو عنها و سامحها وحدك تعلم حقيقة الأمر و أنت خير العالمين)
توقف الرجال بنعشها بعدما وصلوا الى المدفن...انزلوه برفق ارضا ليبدأ الشيخ عثمان بقراءة بعض آيات القرآن و يدعو لها بالرحمة و هم يرددون خلفه و امامهم يحفر العامل المسؤول عن المقابر قبرها...و بعد الانتهاء حُملت بكفنها الأبيض لينزلوا بجسدها الى حيث سترقد للأبد...هرولة أمها الصارخة اليها جعلت النسوة يتشبثن بها بقوة لكنهن فشلن فهرعت الى حيث القبر تتوسل الرجال ببكاء دامي...
(لا تفعلوا بالله عليكم...لا تدفنوها وحدها و ادفنوني معها...هدير يا قلب أمك يا فرحتي الوحيدة يا ابنة عمري كله لا تتركيني...هدير بالله عليكم اتركوها لتعود معي للبيت)
تمسكت ام عيد بجسد المرأة المنفعل تلجمها و تسحبها للخلف و كم كانت مهمة صعبة فساعدنها عليها نسوة الحي بينما يرددن ببكاء متأثر...
(استغفري ربك يا أم هدير و أدعو لها بالرحمة بدلا من البكاء)
راقبت المرأة جسد ابنتها يختفي للأسفل فصرخت و ظلت تصرخ لاهية عن كل ما يُقال و كل ما يحدث...روحها تُدفن في غياهب الأرض فأي قول بعد هذا سيخفف ألمها؟!...تحركت صفية بخطوات ثابتة نحو جسد ام هدير الجالسة ارضا بين يد النسوة لتميل و تتمسك بذراعها تسندها لتقف قائلة بصوت مختنق كدموع عينيها...
(استقيمي لتدعو لأبنتك يا أم هدير...)
بكاء المرأة كان ينخر في قلوب الجميع و صوتها كان موجعا..
(ابنتي تخاف من الظلمة كيف ستبقى تحت الأرض بمفردها؟!!)
شددت صفية على ذراعها تقول بثبات...
(وحدي الله يا أم هدير فعمر ابنتك لم ينقص منه يوما و هذا قضاء الله)
شهقت ام هدير لتولول بألم...
(قلبي يحترق...)
سالت دموع صفية بحزن بعدما عجزت عن قول اي شيء...فلا تكفي كلمات الدنيا لتخفف ما تمر به امرأة فقدت ابنتها...التف النسوة حولهما يخففن عن ام هدير بكل ما أوتين من قوة...
في المساء...
أقيم سرادق في الحي اسفل بيت المراكبي يضم الرجال الذين يقومون بواجب العزاء بينما بالأعلى بقيت النساء...و على بُعد خطوات سار أيوب مع أمه و زوجته ليمررهما من بين زحمة الرجال كي تصعدا و تقوما بتعزية ام هدير...كان يتمسك بكف مودة الشاحبة بذبول واضح...لا تصدق ان الفتاة التي اقترحت ان يبلغوا الشرطة عن غيابها ماتت...الخوف في قلبها يتفاقم و الحي كل لحظة يتحول مجرى احداثه بطريقة ترعب...وصلتا عند باب بيت المراكبي فتركهما أيوب ليعود الى صفوف الرجال و تناظره مودة بعينين مرتعدتين فتعاود لمس بطنها بجزع...هل ابنها سيُكتب له ان يولد من الأساس؟!...ها هو هاجس جديد تمت اضافته على قائمة مخاوفها!!...
بالأعلى...
قربت سهر الصينية الفارغة الى صدرها بعدما قدمت القهوة للنسوة تتنصت لهاتين الجارتين و همهمتهما الخافتة...
(يا ام وفاء قولي كلاما غير هذا فالبنت في ذمة الله الآن و الافتراء عليها حرام!!)
ضيقت سهر عينيها بفضول فاقتربت قليلا منهما لتسمع اكثر...
(و الله يا سامية هذا ما سمعته بأذني من نفادي الذي كان مع الرجال في قسم الشرطة قبل ان يستلم ابناء الحاج سليمان جثتها...يقولون انها ماتت بسبب اجهاض طفل من الحرام)
اتسعت عينا سهر على اخريهما بذهول...هدير كانت حامل!!...لماذا إذًا اخبرها خالد انها قُتلت بدافع السرقة؟!...جزت على ضروسها بغضب فبالطبع خالد سيخفي عنها شيئا يشوه سمعتهم كعائلة المراكبي...همهمت بغلٍ كاره
(تخشى على عائلتك مني يا خالد و تداري عني فضيحة هدير...)
ابتسمت بشماتة تردف...
(تستحقوا ما يحدث و اكثر فسيرتكم باتت على لسان النسوة و قد عرفن الحقيقة انتظروا للغد و ستجدون الحي بأكمله يعرفها...و أنتِ يا هدير رأيّ عنك في محله مثل السوس ينخر دون ان يشعر به أحد...يا لجبروتك تحملين دون زواج و تجهضين خفية!!..)
عادت تتنصت على الجارتين بتمعن...
(لكن يا ام وفاء ابناء المراكبي يقولون انها ضحية جريمة قتل)
(و هل تنتظرين منهم ان يفضحوا ابنتهم و انفسهم يا سامية؟!...بالتأكيد سيدارون على الحقيقة)
صوت الضربة القوية فوق الطاولة الخشبية امام المرأتين اجفلتهما فقطعتا حديثهما لتنظرا الى وجه قمر المكفهر و التي تحدثت بهدوء ينافي ملامحها الوشيكة على الفتك بهما...
(إن لم تحترما بيت الحاج سليمان المراكبي و حزننا على ابنتنا فاحترما حرمة ميتة باتت عند خالقها لا أن تقطعوا فرائها ببهتان و زور فقط كي تسلوا اوقاتكم)
تلجلجت احداهما لتهمس بأي شيء فقط حفاظا على ماء وجهها...
(قمر حبيبتي لقد فهمت بشكل...)
اعتدلت قمر في وقفتها تنظر لهما نظر دونية لتؤشر بعدها على باب البيت قائلة...
(سعيكم مشكور...)
وقفتا تحت نظرات النسوة المتتبعة و بعضها المذهولة...فور خروجهما من باب الشقة وقفت قمر بين النسوة تقول بجدية و صوت عالٍ...
(ابنة المراكبي رحمها الله ماتت قتلا و اصبحت في ذمة الواحد القهار فإن تجعلن سيرتها مباحة للافتراء و التأليف اقسم بربي لن أكيل لمن تفعلها وزنا و سأجعلها تعرف أن الله حق)
صمتن جميعهن و بقي منهن همس غير مفهوم...و رغم رفض صفية لما فعلته قمر لكن حقا بعض النسوة تحتاجن لهذا...ألا يكفيهم حقيقة الأمر التي افجعتهم فلو عرفن النسوة هذا ستموت أمها من قهرها...رددت الاستغفار في سرها بعدما حانت منها نظرة الى ام هدير الغائبة عما حولها بين النسوة...تنهدت بحزن على فراق هدير و بهذه الطريقة المؤلمة...نظرت الى الساعة المعلقة على الحائط امامها فتنادي لغسق بهدوء حتى أتت اليها فتطلب منها برفق...
(هاتفي كرم و اخبريه بأنني سأعود للحاج في المشفى فقد بقي هناك بمفرده طوال اليوم)
اومأت لها غسق بصمت متفهمة قلق صفية على زوجها...توجهت الى باب الشقة لتنزل الى مدخل البيت و تقترب من بابه تراقب الأجواء بالخارج فتجد كرم منشغلا مع بعض الرجال...اخرجت هاتفها تتصل به فأجابها بعد فترة لتهمس بصوت مهتز...
(كرم أنا بمدخل البيت هلا أتيت رجاءً)
اغلقت معه لتمر لحظات و ترى الباب يُفتح و كرم يدخل...اقترب منها متسائلا بوجه حزين زاد حزنها فقالت...
(أمي تخبرك بأنه حان الوقت لتذهبا للمشفى)
لامس ذراعها قائلا بخفوت مرهق...
(حسنا سأجهز السيارة و اتصل بك)
مدت كفها تتمسك بكفه متسائلة بخفوت...
(هل أنت بخير؟)
زفر بتعب ليردد بصدق...
(إن أردتِ الحق أنا مصدوم)
زادت غصتها لتنكس رأسها أمامه و تبكي بخفوت متألم...ليس وحده فهي ايضا تعاني صدمة رهيبة...الفتاة التي اشعلت فتيل غيرتها على كرم ماتت في لحظة!...تشعر بالسوء من نفسها و انها كانت مجرد جشعة في غيرتها...شعرت بكف كرم يرفع ذقنها و يتطلع اليها بعينين متسعتين هامسا...
(أتبكين؟!)
شهقت كطفلة لا تتمالك نفسها و تحدثت بتأنيب ضمير...
(لا أصدق أنها ماتت يا كرم...لقد كنت سيئة معها يوم دعوتهما على الغداء)
كانت عيناه تتحركان على ملامحها بسرعة دون استيعاب...اوقفها عن لوم نفسها بوضع كفه خلف رأسها يقربها من صدره و يريحها عليه قائلا...
(خبر موتها هزنا جميعا فلندعو لها بالرحمة و أن ينير الله قبرها)
رددت بهمس مدفون في صدره...
(اللهم آمين...)
انتبه كرم لصوت فتح الباب و قبل أن يمد كفه ليغلقه حتى لا يرى أحد الرجال غسق ظهر ثروت و خلفه أمل فتوقف كرم عن فعل ما ينوي...تعلقت عينا ثروت بابنته في حضن زوجها فارتاح قلبه عليها و شعر بالطمأنينة لأجلهما...بينما أمل تكلمت بجفاء كعادتها...
(السلام عليكم فليجعلها الله أخر الأحزان...)
ابتعدت غسق عن كرم بعدما سمعت صوت أمها بينما كرم رد بهدوء...
(سعيكم مشكور يا خالة...تفضلا)
تحدث ثروت بحنان يوضح...
(سأعود أنا لسرادق الرجال فقط كنت أوصل أم غسق للبيت...كيف حالك حبيبتي؟)
سؤاله توجه لغسق التي اقتربت تتعلق برقبته و تقبله هامسة...
(الحمد لله أبي بخير...)
تحرك كرم الى الباب فلحقه ثروت بعدما حدّث ابنته قليلا فعاد كرم ينظر اليها قائلا...
(غسق سأتصل بك لتبلغي أمي كي تنزل)
اومأت له متفهمة ثم تمسكت أمل بذراعها كي تصعدا فسألتها بتعجب حزين على فتاة كهدير...
(كيف ماتت الفتاة يا غسق و الله لم أصدق حينما عرفت عمرها)
اجابت غسق بما تعرفه فبالرغم من كل شيء قد أخفى ابناء سليمان حتى عن زوجاتهم خبر موتها الحقيقي تنفيذا لطلب امهم...
(احدهم قتلها بغرض السرقة و الشرطة لا تزال تبحث عن الجاني)
هزت أمل رأسها حزنا لتهمهم...
(هل بات التفريط في روح المرء سهلا لهذه الدرجة؟!... يقتلون الفتاة لأجل كم قرش معها اللهم أجرنا!)
بعد منتصف الليل...
هدأ الحي منذ فترة طويلة و التزم الجميع بيته بعضهم نائمين هانئين و البعض الآخر يتآكل بفعل الحزن و الألم...الاجواء الساكنة كانت كل ما يحتاجه هذا الرجل الملثم و الذي تسلل بخفة حيث المكان الذي يصف به ابناء المراكبي سيارتهم...بحث بعينيه عن سيارة بعينيها حتى وجدها مركونة بعيدا و متربة فضيق عينيه بتفكير ليردد مع نفسه...
(يبدو انها لم تتحرك من هنا منذ فترة هل أضع الأمانة بها أم ماذا؟!!....و داغر ايضا اختفى منذ أيام و هاتفه مغلق تاركا إياي اكمل ما يريده وحدي!)
زفر بقنوط يخبر نفسه بأن ينفذ كما طُلب منه و لا شأن له بما سيحدث...اسرع الى السيارة يخرج آلة حديدية صغيرة يفتح بها غطاء السيارة الخلفي و يضع بها الكيس الأسود الذي معه...اغلق الغطاء ليراقب المكان حوله قبل أن يفر هاربا...
بعد يوم...
تغضنت ملامحها بضيق من صداع رأسها المتفاقم و الذي يزيده هذا الصوت الغوغائي بخارج باب بيتها...نادت لبنى بصوت حاد على خادمتها و حينما ظهرت أمرتها بعصبية...
(اخرجي و اخبري هذا الحارس انه مفصول عن عمله)
اومأت الخادمة بتعجب من حالة سيدتها في الأيام القليلة الماضية لتجري الى باب البيت تفتحه فيطل منه الحارس و الذي يحاول جاهدا تلجيم هذا الرجل المخيف و منعه من الدخول...
(اتركني يا عم الناس فست الكل تعرفني و لن تمانع دخولي)
تطلعت لبنى اليهما بعدم تصديق فناظرها الحارس بقلة حيلة...زفرت بحدة لتقترب منهما تأمر الخادمة و الحارس بالعودة لعملهما و قبل أن تسأل الرجل شيئا وجدته يدخل البيت دون إذن و كأنه معتاد على هذا!...توقف عند كرسي فخم يلمسه بطمع واضح في نظرته ثم تلفت انتباهه خطوات ناعمة فيرفع عينيه الى الدرج لتصادفه ميرنا بوجه مرعوب حينما عرفت هويته...لم يرحمها من نظراته سوى صوت لبنى الهادر بغضب...
(أنت ما الذي جاء بك الى هنا؟!!)
التفت لها يحك ذقنه و عيناه تصعدان و تهبطان على جسدها قائلا...
(كان بيننا اتفاق)
زفرت لبنى بصوت مسموع قائلة...
(و انتهى و قد أخذت مالك)
ضحك الرجل عاليا ليردف ببرود...
(لكنه انتهى سريعا و كأنه مال حرام!...)
ضيقت لبنى عينيها بفهم لا تحبذ فهمه لأن القادم ابدا لن يعجبها...سألته بتهديد مبطن
(و ماذا تنتظر مني لتأتي تقتحم بيتي بهذا الشكل ألا تخاف أن أبلغ عنك الشرطة؟!!)
عاد ضاحكا من جديد ليمشط جسدها بنظرات مستهينة فيقول...
(لا تعجبني نبرة تهديدك يا ست الكل فما حدث قد دفناه سويا و الشرطة ان دخلت بيننا ستحزنين)
احتدت نظرة لبنى فوقفت امامه تسأله بشراسة...
(هل تهددني يا هذا؟!!)
عاد ينظر لميرنا التي اوشكت على البكاء رعبا فيلاعبهما بكلمات تثير الرعب...
(دعي عقلك يحسبها كما يشاء...كل ما احتاجه هو المال فإن منحته لي سنصبح احباء و ان لا...)
ترك تهديده مفتوحا فاستشاطت لبنى بغضب لتتمسك بملابسه بقوة تسحبه منها الى حيث الباب بينما تصرخ بحدة...
(ايها النكرة من تظن نفسك لتهددني...إن تجرأت و اتيت الى هنا ثانيةً لن افكر مرتين كي احبسك بتهمة التطاول على اسيادك)
فتحت الباب تدفعه للخارج لكنها لم تحسب حساب ابنها الذي اصطدم به الرجل فتمسك باهر به بعصبية متسائلا...
(من هذا يا أمي و ماذا يحدث؟!)
لوهلة توترت ملامح لبنى لكنها تماسكت تجيب ابنها...
(انه متشرد حقير ألقيه في الشارع)
اهتاج الرجل ليفك قبضة باهر عنه هادرا بوعيد...
(و رب الكون ستندمين و سأجعلك تبكين بدل دموعك دما)
حاول باهر ان يمسكه مجددا لكن الرجل كان سريعا بشكل يثير الريبة ليفر هاربا من فوق سور الحديقة المطل على الشارع...عاد باهر لوالدته يسألها بحزم قلق
(أمي أليس هذا نفس الرجل الذي وجدته هنا من قبل و قلتي يبحث عن عمل؟!!)
صرخت لبنى بينما تتمسك برأسها...
(هو أو أحد غيره لا يهم سوى انه مجرد حثالة زاد من صداعي)
ضيق باهر عينيه بغرابة يقول...
(صداع!...أمي انه رجل خطير و هددك علنا علينا إبلاع الشرطة)
دلفت لبنى للداخل تقول بعصبية...
(لا شرطة و لا غيره فهذه النوعية من الناس جبانة و لا يمكنها ان تتعرض لنا...)
كاد باهر ان يتحدث معترضا و قلقا لكنها اوقفته بحركة يدها لتقول...
(باهر حقا رأسي يؤلمني جدا فلا ينقصني سوى تساؤلاتك التي لا تنتهي...)
تتبع خطواتها المهرولة على الدرج فتصدمه رؤية ميرنا المنكمشة أعلاه...ضيق عينيه بعدم فهم لكل ما يدور بين أمه و زوجته ليتقدم منها متسائلا...
(ميرنا اخبريني من فضلك ماذا يجري؟!)
انفجرت ميرنا في البكاء تخبئ وجهها عنه فيحاول جاهدا ان يعرف ما سبب كل هذا لكنها تركته لتركض الى غرفتها بعدما ألقت له جملة لا تسمن و لا تغني من جوع!
(لا تسألني باهر ارجوك...)
مسح فوق شعره بحدة و عقله يكاد يحترق مما يحدث و لا يعرفه!!...
في المساء...
استيقظ على صوت بكاءها المكتوم و حينما لم يجدها جواره على السرير انتفض مفزوعا ليراها واقفة داخل الشرفة المطلة على الحديقة...مال يلتقط ساعته من فوق الطاولة المجاورة له فيجدها تؤشر لما بعد منتصف الليل...نفض عنه الغطاء بعدما اعاد الساعة ليتوجه الى الشرفة و كلما اقترب كلما زادت حدة البكاء...ضيق عينيه ليهمس اسمها بخوف عليها...
(ميرنا!!!...لمَ تبكين هكذا؟!)
التفتت له فهاله منظر وجهها الرث...شهقت بصوت عالٍ تقول بأنفاس متلاحقة مرهقة...
(لا استطيع النوم ابدا...اراها في احلامي تصرخ و تسألني ما ذنبي!...دموعها تفيض لتغرقني كبحر مخيف)
حالتها دفعته لأن يضمها اليه بجهل فيمسح على شعرها متسائلا...
(انه كابوس ميرنا لا تخافي!)
تهز رأسها بحدة بين احضانه فتصرخ بإنهاك...
(لا ليس كابوسا انها الحقيقة...فلك تريد قتلي يا باهر)
اتسعت عينا باهر بصدمة فيسألها...
(و لمَ ستفعل شيئا كهذا؟!!)
اجهشت ميرنا في البكاء بينما تصرخ بتعب...بإرهاق...بندم فكل شيء يرعبها و يزيد خوفها و أخرهم ظهور هذا الرجل المخيف و تهديده...
(لأنني السبب فيما حدث لها و لأبي...كل ما حصل كان زورا و أنا شاركت به...والدتك و أنا و الخادمة كلنا اوقعنا فلك في تهمة حقيرة ليطلقها أبي و يشك في نسب طفلها...و الآن عاد الرجل ليهددنا سيقتلني و ستقتلني فلك...فلك بريئة و أبي تعيس دونها و يعاني...أنا سبب كل شيء...أنا أردت فقط الحفاظ على أبي لكن ليس بهذه الطريقة...فلك بريئة و الله بريئة)
تسارعت وتيرة انفاسه بشكل ملحوظ...ما الذي تنطق به ميرنا بحق الله...همهم بعدم تصديق
(يا الهي!!...ما الذي تقولينه ميرنا؟!...هل تقصدين أن أمي نزلت لهذا المستوى من التفكير و أنك تواطأتِ معها لتتخلص من زوجة ابيك بهذه البشاعة...أنتِ ألم تفكري بأخيك و مصيره حينما يولد و يكبر ليجد أمه متهمة في قضية كتلك!!...كيف واتتكم الجرأة لتفعلوا فعل يخشاه حتى ابناء الشوارع!!...كيف ميرنا تخليتي عن انسانيتك و فعلتي هذا؟!)
اخرجها من بين احضانه يناظره بتقزز غصبا عنه...بكت بتعب من كل ما تمر به فهمست بصوت منتحب...
(لا أعرف كيف فعلت هذا...والدتك اخبرتني ان فلك تستحق لأنها فتاة سيئة تطمع في ميراث أبي...قالت ان طفلها ليس ابن ابي من الأساس...أنا خائفة باهر انقذني ارجوك)
اغمض باهر عينيه بألم لا يصدق ان أمه تفعل هذا...متى تحولت لمرأة بشعة تخرب بين رجل و زوجته باتهامها في شرفها...يا الهي هل كانت هكذا طوال الوقت و لم يفهم أمه ابدا؟!!...زفر بقلب متوجع لكن قراره كان حازما للغاية حينما قال...
(ستعترفين بكل هذا للشرطة و لوالدك قبل أي شخص...)
شخصت عيناها برعب تتشبث بكفيه متوسلة ببكاء...
(لا أبي لا ارجوك...سيكرهني و سأخسره يا باهر...أنت لا تعرف ماذا يعني أبي لي أنا أحبه)
صرخ بها باهر بحدة يخرسها...
(و هل من يحب يؤذي من يحبهم؟!...لقد طعنتي والدك و لوثتي افكاره تجاه زوجته...يا الهي أنتِ لا تعرفين معنى ان يشك رجل في زوجته ميرنا!!...ظلمتي امرأة لا ذنب لها لترضي أنانيتك و حبك لنفسك...ألم تخافي من الله؟!)
بكاؤها العالي و انهيارها لم يشفع لها عند زوجها الذي أصر بلا تراجع...
(غدا ميرنا سنذهب لوالدك و ستخبرينه بكل شيء ثم سنذهب الى قسم الشرطة و نبلغهم بما حدث...عليكم اعادة حق زوجة أبيك حتى و ان تطلب الأمر معاقبتكم)
ارتعشت ميرنا في وقفتها تتوسله بعينيها ألا يفعل لكنه لم يمنحها شفقته فمن يحتاج الشفقة حقا هو...هو ابن مغدور في أمه و زوجته...ففي لحظة انهدم تمثالين جميلين اقامهما داخل روحه...الأم و الزوجة يا لها من خسارة...
صباح اليوم التالي....
وقفت لبنى امام ابنها المتماسك بشق الأنفس و زوجته الباكية بنحيب مخيف...تناظرهما بعينين مذهولتين و كلمات باهر تخترق وجدانها لتحرق كل بقعة خضراء به...
(لم أتوقع ان يحدث منك شيئا دونيا كهذا سيدة لبنى...أنا حقا آسف لقول هذا و لكنني خجول من كونك أمي)
تمسك بيد زوجته ليخرجا من البيت أمام لبنى الصامتة بذهول اصابها بالشلل...تراجعت بضعف للخلف لتقع على الكرسي تعتصر ذراعه بقوة و عيناها تهتزان بدموع تجبرها ألا تنزل...الغبية ميرنا انهارت و أفشت السر لكنها تقسم أنها لن تدع فلك تنعم فهي سبب كل هذا...
قصر طارق...
اصطدام جانب وجهها بصدره أوجعه كما توجع من صوت الصفعة المدوية التي نالتها من والدها...يناظر طارق المنفعل بذهول غير مصدق انه ضرب ابنته لأول مرة...لكنه يعذره فما فعلته لا يغتفر...مالت عيناه اليها جوار صدره تبكي بصوت متقطع و انفاس لاهثة بينما تتمسك بوجنتها الحمراء...صوت طارق الهادر ارعبه حقا حينما جذبها من ذراعها ينظر في عينيها...
(اليوم فقط عرفت أن عمري ضاع هباءً على شخص لا يستحق...أنني حرمت نفسي من الزواج و اهدرت شبابي لابنة يؤسفني ان اسمي بعد اسمها في الاوراق الرسمية...متى اصبحتِ بهذا القبح و الحقارة؟!...لا اصدق ان كل ما حدث من تخطيط اناملك التي امسكت بها و علمتها كيف تخطَّ فكان أول ما فعلته هو أذيتي!!)
سالت دموعها تناديه بصوت متهدج...
(أ...بي)
فيصرخ بها بغضب لم يظن ان يُفعلّه معها...
(اخرسي فلا يشرفني ان تناديني ابنة مثلك أبي...)
دمعت عيناه حينما لمح الألم في عينيها ليقول بصوت مقهور...
(كيف تمكنتِ من الكذب علي و عينيك في عيني...كيف لم تخافي أمام الشرطة و أنتِ تتهمينها كذبا...كيف كنتِ تنامين دون أن يؤنبك ضميرك...يا خسارة تربيتي لك!!)
تدخل باهر بأسف و حرج يقول...
(ميرنا كانت تعاني سيد طارق و للأسف تم استغلالها من...أمي)
اشاح باهر بوجهه بعيدا بينما يقول..
(أنا لا أعرف كيف اعتذر لك عما حدث و لكن صدقني أنا لا استوعب ايضا كيف خططتا لكل هذا و لكني لا أمانع أن تبلغ الشرطة فهذا حقك و حق زوجتك)
خرجت انفاس طارق عالية مرتعشة و مرهقة...ابنته بحالتها البالية انعكاس لعمر انهار في لحظة...و فلك التي ظلمها قبلهم بتأرجحه في أمرها...لقد صدّق ابنته و اخبر نفسه انها يستحيل ان تكذب في امر كهذا...رجح انها فهمته بشكل خاطئ لكنها ابدا لا تكذب!!...ابتلع ريقه بصعوبة و قلبه بدا يخفت على نحو سريع فهمهم بكلمات متعبة...
(و هل أسلم ابنتي بنفسي للشرطة يا باهر؟!!!...)
نكست ميرنا وجهها أرضا ببكاء نادمة اشد ندم على ما فعلته...لكن بماذا يفيدها الندم بعدما سمعت ما سمعته من والدها؟!!...لقد احرقها بكلماته و قتلها حتى و ان كانت تستحق...نداء والدها الغاضب للخادمة جعلها تتأهب بقلق..
(وردة)
و حينما وصلت اليهم تناظرهم برعب واضح أمرها طارق بحدة...
(لقد خنتي اليد التي حاوطتك و راعتك لأجل المال و عقابك يجب أن يكون تجربة ما عاشته فلك في قسم الشرطة...)
بكت وردة بخوف تتوسله...
(ارجوك سيدي لا تبلغ الشرطة فقد كنت انفذ ما يأمروني به و كانت السيدة لبنى تهددني طوال الوقت)
هدر بها طارق بحدة قاسية...
(جهزي اغراضك لأن اليوم اخر يوم لك هنا...لكن قبلها يجب ان تذهبا لطلب الصفح...)
جملته الأخيرة وجهها كاملةً لابنته المرتعشة جوار زوجها...لكن عليها ان تفعل ما يريده و ليساعده الله ليرد الحق الى صاحبته و يقتص من نفسه قبلهم على ظلمها...
شقة هيام...
اغمضت فلك عينيها على دموعها بعدما سمعت كل ما قالته ميرنا و وردة...فتحتهما تناظرهم جميعا يجلسون امامها بخزي و أمل ان تسامحهم...يجب ان تشعر بالنصر أليس كذلك؟!...لكنها حقا لا تشعر بأي شيء فقد تركوها فارغة كليا...صوت باهر المهذب جعلها تنظر اليه...
(سيدة فلك قرارك الذي ستتخذينه سأساعدك به مهما كان...)
وقفت من مجلسها فارتفعت لها الابصار لتقول بهدوء...
(أتيتم لتثبتوا براءتي لي!!...لكنني الشخص الوحيد بينكم الذي يتأكد من براءتي فمجيئكم لن يغير بداخلي شيء)
تنحنح باهر قائلا بحرج...
(لقد جئنا نخبرك بأن الحقيقة وضحت و براءتك ثبتت لنا جميعا)
ابتسمت فلك بألم قائلة...
(حقا يا استاذ لا يهمني كيف تفكرون بي...إزالة التهمة عني لن يُنسيني ما مررت به و أنا بينكم)
صوت طارق المرهق وصلها برجاء...
(فلك هذا حقك...)
تعمقت في عينيه المتعبتين تقول بهدوء...
(و أنا متنازلة عنه لكم...)
(فلك!!!)
هذه المرة صوت هيام كان عاليا مصعوقا من رد فعل ابنتها...عادت فلك تحدثهم غير عابئة بأي شيء...
(ما تحاولون فعله لن يُصلح ما فسد مهما حاولتم...الأمر لن تُصلحه كلمة أسف هذه المرة...بعد أذنكم)
تأهبت لتتركهم و تدلف غرفتها لكن نداء طارق المتوسل لها نخر في قلب ابنته...و قد زادت غصتها حينما تجاهلته فلك بتردد كبير...نظرة الحزن في عيني طارق ذبحتها بقسوة...ماذا فعلت هي لوالدها سوى الألم؟!!!....
(صفية...صفية...)
صوت سليمان الضعيف تخلل نومها فانتفضت تتطلع اليه ببهجة لا توصف...ابتعدت عن كرسيها لتقترب من سريره تلامس ذراعه قائلة ببسمة متسعة...
(سليمان...ألف حمد و شكر لك يا ربي)
ابتلع ريقه ببطء قبل ان يهمس بخفوت...
(أريد أيوب...)
ضيقت صفية عينيها بترقب متحفز لتردف...
(أيوب!...ماذا تريد منه؟!)
اغمض عينيه لثوان ثم فتحهما قائلا برجاء...
(احتاجه يا صفية لأمر ما)
هزت رأسها تفهما رغم ترقبها و الذي زاد بعد سؤاله...
(هل أولادي هنا؟)
نفت بقولها المترقب..
(صالح كان هنا لكن خالد هاتفه بعد صلاة الظهر كي يذهب الى الميناء)
اغمض جفنيه متفهما ليعيد طلبه بصوت مُصرٍ...
(إذًا اطلبي من أيوب أن يأتي و أكدي عليه ألا يخبر أحد بأنني من طلبه)
توجست صفية من طلب زوجها و اصراره عليه رغم انه استعاد وعيه للتو...ربتت على ذراعه بحنو تقول
(كما تشاء يا سليمان لكن قبل أي شيء على الطبيب أن يراك و يطمأن قلبي عليك...)
بعد فترة...
دلف ايوب من بوابة المشفى بملامح متوجسة من اتصال الحاجة صفية به و طلبها العجيب...ما معنى ان الحاج يطلب رؤيته قبل ابناءه حتى انه لا يريد ان يعرفوا الآن!...وصل الى الدرج يصعده بتأهب و سرعة حتى وصل الى غرفة الحاج سليمان...طرق الباب بهدوء فاستقبلته صفية التي خرجت تماما من الغرفة تقول...
(أدخل للحاج يا أيوب لكن بني لا تجعله يرهق نفسه في الكلام الدكتور طلب ان يرتاح)
هز أيوب رأسه متفهما ليدلف لكنه توقف ليعود برأسه لصفية متسائلا بتعجب...
(ألن تتفضلي يا حاجة؟!)
تشابكت كفاها معا امام بطنها تجيبه بهدوء...
(الحاج طلب ان يحدثك بمفرديكما بني)
عقد أيوب ما بين حاجبيه و قلبه يزداد قلقه و توجسه...لكنه لا يملك سوى أن يدخل و قد فعل...و فور رؤيته لسليمان المستلقي على سريره ركض اليه يقبل كفه المستريح فوق بطنه قائلا بسعادة...
(حمدا لله على سلامتك يا حاج...الحمد لله الذي حفظك لنا)
مسح سليمان على شعر أيوب بحنو ليأمره بخفوت...
(سلمت بني...أجلس أيوب)
ابتعد عنه يسحب كرسيا و يضعه قرب سرير سليمان منتظرا بدء حديث طلبه لأجله خصيصا...اجفل أيوب كليا من اول جملة نطق بها سليمان...
(أول يوم في الأضحى الماضي الشخص الذي كان يساعده كرم هي غسق أليس كذلك)
اهتزت روح ايوب فعليا و عقله لا يسعفه مطلقا على التفكير...كيف وصلت هذه المعلومة للحاج بعد كل هذا الوقت المنصرم؟!!...ابتلع ريقه بصعوبة يقول..
(لا تؤاخذني يا حاج ماذا تقصد؟!)
تنهد سليمان بتعب يقول...
(أيوب لا تزيد تعبي و اجبني فقط...أنا عرفت الحقيقة و لكن ينقصني معلومة هامة و أريد أن اعرفها منك)
مسح أيوب وجهه بكفيه و حقا لا يعرف ماذا يقول...كيف عرف سليمان و من اخبره و أي معلومة تنقصه بعد كل هذا؟!...ردود فعل ايوب كانت كافية لتجيبه على سؤاله لكنه يحتاج تأكيدا ضروريا لذا سأله ...
(هل وصل كرم لمن فعلها؟)
بقلة حيلة هز أيوب رأسه نفيا يقول بضيق من كونه سيفصح عن هذا السر الذي عاهد الله قبل صديقه أن يُدفن معه...
(ليس بعد يا حاج...مؤخرا فقط كاد يصل لطرف خيط لكن للأسف هرب منه...لكننا لن نهدأ قبل أن نصل له حتى و إن كان اسفل الأرض)
تنهد سليمان براحة واضحة ليغمض عينيه قائلا بأمر حازم...
(اتركوا هذا الأمر لي فأنا من سيصل له و يحاسبه...حق غسق بات واجبي)
ضيق أيوب عينيه بتحفز يسأله...
(هل تعرفه يا حاج؟!!)
صمت سليمان قليلا قبل أن يقول...
(غير مسموح لكم بمعرفة أكثر من هذا الحد)
احتدت انفاس أيوب بعدما بات شبه متيقنا من معرفة سليمان للجاني فقال بحمائية...
(كيف تطلب منا أن نتنحى جانبا و لا ننتقم منه يا حاج...الكلب تجرأ على حرمة حيّنا و نحن غافلون...أنت لم ترَ كيف كانت الدكتورة يومها اقسم بالله دمي يغلي لمجرد الذكرى)
(أيوب بني ألست كافيا لإعادة حقها في نظرك؟)
سؤال سليمان خرج ضعيفا لكنه حاسما ليلجم جماح ايوب...الشاب مستعدا للفتك بمن فعلها و لم يعرفه بعد فماذا لو عرفه و عرف ما اقترفه في حق هدير ايضا؟!!..
(حاشا لله يا حاج مقامك محفوظ لكن...)
(دون لكن بني الأمر بات لي...و الحمد لله الذي وهبني عمرا جديدا كي لا أمُت و أنا مقصر في حق اهلي)
حديث سليمان الزم أيوب الصمت رغم اعتراضه و رغبته في الفتك الواضحة...ردد بصوت خافت يداري انفعاله
(أدامك الله لنا يا حاج و أطال عمرك...)
هز سليمان رأسه بضعف قائلا...
(و الآن انتهى دورك أيوب فلترحل قبل أن يأتي اولادي فلا أريد لمخلوق أن يعرف بما دار بيننا هنا)
وقف أيوب ليردف بطاعة...
(أمرك يا حاج...)
بعد ذهاب أيوب دخلت صفية الغرفة لزوجها و الذي طلب منها برفق...
(هاتفي ابنائي ليأتوا الي يا صفية)
و بعدما وصلهم الخبر جاءوا اليه بلهفة و سرعة تاركين الدنيا و من عليها خلفهم...تكدست غرفة سليمان بأولاده و احفاده...جميعهم يبتسمون و يضحكون مغلفين حزنهم على موت هدير و دفنوه في قلوبهم كما أمرت صفية فوالدهم لم يسترد صحته بالكامل بعد ليفجعوه بخبر كهذا...مر الوقت و كل ابن من ابناءه يلازم الفراش متحدثا معه في أي شيء و كأنهم حقا يتنعمون بسماع صوته الحبيب بعدما هددهم حادثه بأنه راحل للأبد...و قرب نهاية جلستهم طلب منهم طلبا استقبلوه جميعا بتعجب تلاشى عند البعض و تفاقم ليتحول لترقب و غلٍ عند الآخر...
(هلا تركتم غسق معي لبعض الوقت)
تأهبت غسق الواقفة قرب باب الغرفة جوار هبه تاركتين الحرية لأبناء سليمان فهم الأحق بالقرب الآن من والدهم...نظرت لكرم بقلق فناظرها بعدم فهم لكنه شجعها بألا تخاف...خرجوا جميعا من الغرفة ليجلسوا على كراسي الممر إلا سهر بقيت ملاصقة لباب الغرفة تسترق السمع و لو لحروف قليلة فيمكنها أن تفهم شيء...و لكن صفية حدقتها بجدية جعلتها تبتعد عن الباب غصبا و تتوجه الى هبه المجاورة لفاطمة و التي انشغلت مع حركة جنينها...جلست جوارها تقول بسماجة...
(متى ستعودين من بيت اهلك يا هبه؟...أظن قضيتِ عندهم ما يقارب اسبوعين)
صمتت هبه تكور كفيها داخل حجرها و تلجم نفسها عن سهر بصعوبة...لاحظت سهر عزوف هبه عن الحديث معها فسألتها بترقب...
(ما بك هبه لمَ لا تردين علي؟)
التفتت لها هبه تتحدث بغضب مكتوم لكن عيناها قالتا كل ما تريده و أكثر...
(لأنني لا أطيق الحديث معك...)
اغمضت عينيها تكبح غضبها ثم تستقيم واقفة و تنوي الابتعاد عن سهر لكنها لم تقوَ على منع همسها الغير مسموع لسهر...
(يا لتبجحك!!!)
تتبعت سهر خطوات هبه بينما تقضم على شفاهها بقسوة و كفاها يحتكان ببعضهما بتفكير قلق...عادت تنظر لباب غرفة سليمان المغلق عليه مع غسق فتهمهم بترقب للقادم...
(يبدو أنني تغافلت عن اشياء كثيرة الفترة الماضية...هبه تغيرت و الدكتورة من يعلم بماذا ضحكت على عقل سليمان المراكبي لتجعله يطلب مجالستها دون ابناءه...لكن لا تقلقا إما قلبت الطاولة فوق رؤوسكما قريبا لم يكن اسمي سهر)
بداخل غرفة سليمان...
جلست غسق فوق الكرسي جوار السرير بترقب واضح عليها...رمشت بعينيها بعدما سألها سليمان سؤال ظنت انه غريب نوعا ما...
(هل أنتِ راضية عن زواجك من كرم يا ابنتي؟...جاوبني بكل صراحة غسق)
ضيقت عينيها بعقل يحلل السؤال رغم بساطة الإجابة و التي نطقتها بترقب...
(نعم...)
نظر لها سليمان بتفحص يسأل مجددا...
(ألم تكوني مجبرة على هذه الزيجة يا ابنتي...يعني أنتِ دكتورة و ولدي لم يدخل الجامعة لكنكِ وافقتي عليه مرغمة!)
ازداد ترقب غسق و بلغ الجهل اقصاه فسألته باستنكار...
(عفوا؟!!!)
تنهد سليمان بخفوت يبرر لها تساؤلاته بشيء من التضامن و التفهم...
(غسق لقد عرفت ما اصابك و لأي سبب تزوجتما أنتِ و كرم...لذا أريد أن أعرف إن كانت زيجتك بولدي تمت دون رغبتك فحقك أن تنفصلي عنه فلا ذنب لك لتُجبري على هذا خوفا من الناس...و حقك عهدا علي أمام الله سأعيده لك كاملا و أمام عينيك)
اتسعت عينا غسق على اخرهما و ظلت تبحلق في وجه سليمان بخرس رغم ان الكثير من الصراخ يتفتق من روحها...همست بصوت مرتعش
(كيف...كيف عرفت عن هذا؟!!)
اغمض عينيه يجيبها بحزن عليها..
(أمر الله أن أعرف فلا يهم كيف)
ارتعشت شفتاها بألم لتتشبث بتنورتها بأصابع تسحق القماش بينما تتحدث بوجع ينضح من حروفها...
(كيف لا يهم!!...حياتي تدمرت بسبب ما حدث...قضيت ليالي لا أذوق النوم رعبا...عاندت أهلي لأتزوج كرم و كنت اتصدى لرفضهم بقلب يحترق...بعد كل هذا تقول لي لا يهم إذًا ماذا سيهمني بعدما عانيت كل ذلك الوقت؟!!)
تساقط الدمع من عينيها لتحتل الشراسة حدقتيها و هي تسأله بجدية...
(من فعلها بي؟!!...اخبرني من هو أرجوك!!)
اشاح سليمان عينيه بعيدا عنها و خوفه يعاود ليحتله على ابنه...لا يجب ان يعرف كرم ابدا فلا يمكنه ان يتخلى عنه إما سيُقتل أو سيُسجن...حقها و حق هدير في عنقه و لن يرتاح حتى يعيده اليهما دون ان يتدخل ابناءه...همس بخفوت
(سامحيني يا ابنتي)
اقتربت منه كثيرا ترجوه بدموع محترقة...
(لا لن اسامحك لو اخفيت هويته عني...لا يمكنك فعل هذا بي...ارجوك اخبرني من هو...من آذيته لدرجة ان ينتقم مني بهذه البشاعة...من دمرني...من؟!!!)
تحركت عيناه على ملامحها المتحفزة رغم البكاء طويلا...حقها ان تعرف و حق ابوته ان يتكتم عن هوية الفاعل...لا يريد أن تختل كفتا الميزان فيهلك الناس حوله!..
بعد وقت ليس بقصير...
خرجت غسق من غرفة سليمان بملامح عادية تبتسم في وجوههم كما اعتادت ان تفعل...لكنه وحده يرى توترا خلف هذه البسمة المشوهة!...اقترب منها كرم يتمسك بكفها متسائلا بوجل...
(هل قال أبي شيئا ازعجك؟!)
طالت نظرتها الصامتة له مما أجج بداخله مخاوف عدة...ضيق عينيه حينما منحته بسمة غير حقيقية لتهمس بعدها...
(كنا نتحدث قليلا عن وضعه الصحي...لا تقلق)
نداء صفية له جعلها تهرب من عينيه و تركن للصمت المطبق من جديد!!...بينما هو انصت لوالدته التي طلبت منه ان يبقى معها و لا يرحل مع أخوته لأنها ستعود معه لتجلب بعض الاشياء من البيت لأجل والده...و بعد دقائق ذهبوا جميعا و بقي بال كرم منشغلا على غسق...و للعجب وجه والده لا ينم على شيء مطلقا...ترى ما الذي دار بينهما؟!...توقفت انفاسه للحظة بعدما سمع طلب والده
(صفية أريد أن أرى هدير ابنة عبد الصبور ضروري...لكن اطلبي منها أن تأتي دون والدتها الآن)
تبادلت صفية النظرات مع كرم و كلاهما اهتزت ثقته المزعومة للحظات...لكن صفية اجابت بأحرف مقتضبة...
(هل سترى الحي و أهله كلهم في يوم واحد يا سليمان...ارتح أنت و حينما تعود للبيت قابل من تشاء)
قاطعها سليمان بجدية تامة...
(الأمر هام يا صفية...)
اقتربت منه تعدل من وضع الوسادة خلف رأسه ثم تقول...
(الوقت تأخر اليوم يا سليمان و أنت متعب)
ابتعد كرم بتفكيره عن نطاق صوت والديه يفكر بجدية فيما حدث و يحدث...والده قبل الحادث كان عند بيت السمري و بعدها دون سابق انذار أُصيب ثم يجدوا هدير ميتة بفعل عملية اجهاض...و والده يسأل عنها لأمر ضروري!!...اتسعت عينا كرم بقوة حينما ربط عقله كل الخيوط فعاد ينظر لوالده بعدم تصديق...هل ضحك على عقل هدير احد ابناء السمري و والده عرف و ذهب اليهم فدبروا له حادثا؟!!!...كور قبضتيه جواره يتوعد بداخله ألف وعيد انه لو فقط صحت التوقعات لن يترك فردا من رجال السمري على وجه الأرض...فقط يتريث كما طلب منهم خالد قبل ان يروا والدهم...قال ألا يسألوه عن أي شيء يتعلق بالحادث كما طلب من الطبيب ألا يخبر الشرطة ان والدهم استفاق فليدعوه يرتاح لهذا اليوم و غدا يعرفون كل شيء...
********
ابتعد عن النافذة الزجاجية المطلة على الحديقة بعدما لمحها تدلف من البوابة بينما تحمل ابنه على كتفيها...نادى للمربية اثناء تحركه الى الباب...
(نبيلة عاد يائيل...)
اسرعت المربية في خطواتها لتسبقه و تفتح الباب تأخذ حقيبة أريج منها بعدما رفض يائيل ترك عنقها الذي يحيطه حتى قالت أريج ببسمة...
(لا بأس نبيلة اتركيه لقد وعدته أن اصعد معه الى غرفته...)
اومأت لها المربية تفهما لتدلف الى الداخل تستكمل عملها...تطلع مؤيد لابنه بين احضان اريج فقال ببرود...
(الى أي سن ستنوين حمله كطفل رضيع؟...كُفي عن افساد ابني بتدليلك له)
اجابته أريج بصوت مرهق بينما تتخذ خطواتها للداخل...
(انظر من يتحدث عن التدليل!...مؤيد أنت تدلل ابنك كما لو أنه الطفل الوحيد في هذا العالم)
جلست به على الأريكة تفك دبابيس حجابها حتى انحنى مؤيد يحمل ابنه منها ليسهل عليها ما تفعله ثم يجلس جوارها قائلا ببساطة..
(ربما لأنه ابني الوحيد فهذا يوحي لك انني افرط في تدليله..)
تعلقت عيناه بعينيها قائلا بصراحة اعتادت عليها منه لكنه لا تزال سببا في حمرة خديها...
(ربما لو سمحتي لي أن احصل على ولد آخر منك وقتها سينقسم الدلال الى طفلين و لن تشعري بهذا)
اشاحت بعينيها بعيدا عنه تستكمل نزع حجابها فيردف هو بنفس البرود...
(ها قد حان دور الهروب فلا نأخذ منك سوى تقريع أو وجنتين حمراوين تداري بهما تأثرك بما أقوله...)
اجفل مؤيد عند كلمته الأخيرة بعدما شعر بشيء ما يلسعه في ذراعه...نظر اليها بصدمة جلية بعدما وجدها تغرز دبوس حجابها في ملابسه ثم تناظره بتشفي قائلة...
(هذا سيكون عقابك كلما اخترت كلمات لا يصح ان تُقال أمام ابنك)
دارى بسمته من فعلتها بشق الأنفس ليسألها بعينين ضيقتين...
(هل أنتِ واعية لما فعلته للتو؟!)
هزت رأسها بيسر مغيظ ثم فكت عقدة شعرها لينسدل على ظهرها بينما تقول...
(دكتور التخاطب قال ان يائيل يتقدم بشكل ليس سيئا كما أنه رجح أن نزيد عدد جلساته في الأسبوع...ما رأيك؟!)
تطلع اليها بصمت مدققا في كل تفاصيلها...هل يُعقل ان هناك امرأة تشبه أريج في هذا العالم؟!...لا يظن هناك من تضاهي شعلته المتقدة ذات الواحتين الخضراوين...انها تتابع مع ابنه كل جلساته النفسية و التخاطب و الذي تم اضافته مؤخرا تبعا لتقدم يائيل الملحوظ...تحمله بين ذراعيها و تتنقل به من هنا الى هناك حتى و ان كان غائبا بسبب عمله في المشفى...راقب لمعة عينيها المتسائلتين فقال بهدوء...
(إن كان لصالحه زيادة الجلسات لا أمانع...)
هزت رأسها تفهما لكنها شعرت بجسد يائيل يميل عليها...ضحكت بحنان تلتقطه و يتعلق بعنقها ثم تستقيم به كي تصعد الى غرفته كما وعدت...وقف مؤيد يساعدها و ينظر لقرب ابنه منها ثم يقول بهدوء...
(تتمتع بحقوق لم ينلها والدك بعد يائيل...)
مال على أذنها منفذا طلبها بأن يختار كلماته أمام ابنه و يهمس بسيطرة تميزه...
(لكن والده لن يصبر أكثر كي يجعلك تتعلقين بعنقه كما يفعل ابنه تماما)
تنحنحت بخجل مفرط قبل أن تبتعد عنه بينما تقول بشيء من العصبية التي تداري بها تأثرها...
(لا وقت للمزح دعنا نجهز فموعد الطبيبة بات قريبا...)
تتبع خطواتها المبتعدة عنه ليقول بصوت مسموع...
(أنا لا أمزح و أنتِ تعرفين...)
كادت تسقط بابنه على الدرج بعدما تعثرت لكنها تمكنت من الاتزان بأعجوبة فابتسم مما يراه بها من توتر و خجل فيهمهم...
(المشتعلة تظن أن قبلة واحدة بيننا تكفي!!)
بعد ساعة...
توقفت سيارة مؤيد تحت عيادة الطبيبة...اخرج هاتفه يمنحه لأريج قائلا...
(انه مفتوح على برنامج التسجيل فقط قومي بما اتفقنا عليه و حينما تشعرين بقبولها ابدئي التسجيل)
اخذته منه تفتح حقيبتها و تضعه فمد يده يلتقط هاتفها قائلا...
(دعيه معي كي لا يربكك تواجد هاتفين)
وافقته ايضا بصمت ثم فتحت باب السيارة و لكنها لم تخرج...بل زفرت بتوتر تسأله
(هل سأفلح في هذا و أعيد حق هبه و غسق؟)
لامس وجنتها بحنان يبث بها الثقة في قوله...
(لا أحد غيرك يمكنه فعلها...)
تنفست بهدوء لتتخلص من توترها و تفتح بعدها باب السيارة لتنزل...
في عيادة الطبيبة...
بعدما فحصتها مجددا لترى مدى فاعلية الدواء الذي وصفته عادتا لتجلسا على كراسي المكتب...تنحنحت أريج قبل أن تقول بخفوت..
(دكتورة احتاج مساعدتك في شيء ما...لكن قبل أن احكيه عديني انك لو لم تتمكني من مساعدتي لن تنظري لي نظرة سيئة كغيرك)
ضيقت الطبيبة عينيها بترقب تقول...
(تفضلي آنسة أريج فلا يمكنني الحكم قبل أن أعرف الحكاية)
استندت أريج على المكتب تنظر لها برجاء و تهمس...
(أخي تزوج قبل أشهر من فتاة بسيطة جدا لا ترتقي لمستوانا و قد تحدى العائلة لأجلها و ارغمنا على قبولها بيننا...كلنا نعرف أنه سيزهدها بعدما تنتهي لذة التجربة لكن ستكون كارثة إن حملت قبل أن يستفيق لنفسه...لذا هل يمكنك ان تساعديني لأمنع حدوث هذا الحمل؟!)
عادت الطبيبة بظهرها للخلف تحدق أريج بتفحص مدروس فأسرعت أريج بإخراج رزمة من الأموال قائلة...
(يمكنني دفع أي ثمن تطلبينه و هذا المبلغ فلندعه تحت الحساب)
نظرة الطبيبة المتعلقة بالمال نبهت أريج أن القبول قد حان...فأنزلت حقيبتها على حجرها تستخرج هاتف مؤيد و تضغط على زر بدء التسجيل حينما نطقت الطبيبة...
(سأساعدك لا تقلقي لكن احذري أن يُكشف الأمر لأيًا كان فلا أعرف ماذا سيحدث لك من أخيك و زوجته كما أن مهنتي ستكون على المحك)
قالت أريج بسرعة مطمئنة...
(ابدا لن يعرف أحد اطمئني)
تلاعبت الطبيبة بحواف الأوراق النقدية بينما تقول...
(الأمر سهل جدا سأصف لك دواء منع حمل ستضعينه لها بصورة يومية في أي شيء تشربه...لكن يجب ألا تغفلي عنه ابدا و ألا ترفضه هي ابدا...و لو تمكنتِ من اصطحابها الى هنا سيكون افضل لأنني سأصف لها أدوية تعيق الحمل فلا يبقَ بالك منشغلا إن أخذت الحبة منك أو لا)
اهتاجت انفاس أريج غصبا عنها و قد خانتها عيناها لتناظر الطبيبة باحتقار و بغض...بهذه السلاسة تقضي على احلام الناس و تعيق سير حياتهم مقابل المال...مثلها لا يستحق لقب طبيبة ابدا!!...
أما تحت العيادة في سيارة مؤيد صدح رنين هاتف أريج فحمله يقربه منه ليجد ان المتصلة هي غسق...ضيق عينيه بتفكير أيجيبها هو أم ينتظر قليلا حتى تعود أريج؟!..
*******
فتح خالد باب الشقة ليدلف و خلفه اخوته كلهم...اضاء الأنوار بقلب مرتاح فبعد رؤية والده و التحدث معه اليوم عادت الحياة له...الصخب المصاحب للجمع خلفه ابهجه فكم اشتاق لأن يعود بيت والده ملجأ لهم جميعا...انتبه لهيئة غسق الصامتة تماما و عقله لا يفقه فيما احتاجها والده حقا ليحادثها بمفردها...صوت قمر الصادح بحيوية غابت عنها ابهجه و انساه تفكيره...
(تعالِ يا فاطمة ارتاحي على الأريكة و أنا سأجهز لك الطعام)
تدخل حسام بشكر و حرج يقول...
(لا تتعبي نفسك يا أم بسام نحن سنعود للبيت و سأطلب لها ما تريده من أي مطعم)
حدقته قمر برفض تقول بجدية...
(زوجتك تشتهي طعاما بيتي لن تجده في أي مطعم...و الله لن تذهب من بيت أبيها قبل أن تأكل ما تمنته من يدي)
ضحك وائل زوج قمر يربت على كتف حسام قائلا...
(لا تحاول ان تجادل قمر ابدا لأن ما في رأسها ستفعله)
توجهت قمر الى المطبخ فلحقتها سهر بسرعة بينما تقول...
(دعيني أساعدك يا أم مازن)
رغم تعجب قمر من هذا العرض السخي من سهر إلا انها فضلت الصمت و عدم تعكير الأجواء...
اغلق صالح باب الشقة خلفه بعدما دلف مع زوجته المتضايقة بوضوح من مجيئها هنا فمال يسألها بهمس...
(هل ما زلت تريدين البقاء في بيت أهلك يا هبه؟)
التفتت له تبتسم بسمة باهتة و تجيبه...
(لا بأس يا صالح فأمي الحاجة طلبت منا العودة للبيت)
عاد يحدثها بحنو متفهم...
(حبيبتي إن كان بيت أهلك يحتاجك لا تهتمي سأحدث أمي بنفسي و أنتِ تعرفين قدرك عندها فلن ترفض)
ربتت فوق ذراعه بحب تهمس...
(لا يا صالح مكاني هنا معك...)
ضيق عينيه مستفسرا بترقب...
(هل ضايقك احدهم هنا و جعلك تنفرين من البيت؟!)
فلتت منها انفاسا متألمة لكنها هزت رأسها نفيا تقول...
(من سيضايقني بربك يا صالح...لا تشغل بالك بي حاليا فالجميع سعداء لأجل أبي الحاج فلا داعٍ لقلقك هذا)
نكس رأسه بهمٍ ثم هزه متفهما ليعود الى الباب يفتحه بينما يقول...
(سأذهب لأطمئن على زوجة العم عبد الصبور)
اقتربت منه هبه تقول بموافقة...
(وفقك الله يا صالح...سآتي معك ايضا)
لامس ذراعها يوقفها قائلا برفق...
(لن أطيل سأرى إن كانت تحتاج لشيء و أعود)
تنهدت بحزن تهمهم...
(كما تشاء...ربط الله على قلبها و انتقم من الذي فعلها أشد انتقام اللهم آمين)
زاد الهم في قلب صالح فأسرع يخرج و يغلق الباب خلفه...وصل الى الشارع يقطع الخطوات الفاصلة بين بيتهم و بيت عبد الصبور بتفكير لا يهدأ...دلف البيت المقصود و صعد درجات السلم ليقف عند باب الشقة يدق عليه منتظرا اجابة المرأة...سمع حركتها البطيئة تتوقف خلف الباب ثم تفتحه فيعتصر قلبه الحزن المتساقط من ملامحها...
(السلام عليكم يا خالة...كيف حالك اليوم؟)
بصوت ضعيف زهد الحياة قالت...
(و عليكم السلام تفضل بني)
دلف معها الشقة فلاحظ تراخي جسدها...أسرع يسندها من ذراعها بينما يقول...
(استندي علي يا خالة تبدين متعبة)
تشبثت كفها بذراعه تتحرك معه ببطء و تهمس بدموع موجوعة...
(و من أين ستأتي راحتي بعدما فقدت هدير؟!...أخذت روحي معها)
اجلسها على الكرسي بعدما وصل بها اليه ليردد بخفوت...
(لا إله إلا الله...أدعو لها بالرحمة يا خالة)
شهقت المرأة بوجع تقول...
(و أنا من يدعو لي يا صالح؟!...من يطفئ نيران قلبي و حزني على وحيدتي؟!)
جلس صالح قبالتها يبثها السلوى ببعض آيات الله و حينما انتهى قال بجدية...
(حزننا عليها واحد يا خالة...و حقها لن نسهو عنه فهي ابنتنا و عرضنا)
انشغلت المرأة في حزنها على ابنتها حتى سألها صالح بصوت متحفز...
(هل كنتِ تعرفين بشأن حملها يا خالة؟)
رفعت له عينيها الباكيتين تناظره بصمت قبل ان تهز رأسها تأكيدا...طحن صالح ضروسه بغضب ثم يتحامل على نفسه و رجولته قبل أن يطرح سؤاله الجديد...
(و هل تعرفين من هو؟...هل افصحت لك رحمها الله عن هويته؟)
اغمضت عينيها تبكي مصابها بعجز و قهر فألح صالح عليها...
(خالد و كرم كأسدين هائجين لا يكبلهما سوى خوفهما على صحة أبي و عدم استيعابهما الكامل لما حدث للمرحومة و ما فعلته...اخبريني يا خالة إن كنتِ تعرفينه و لا تخافي و حق رب العباد لن يعرف غيرنا عن حقيقة هذه الأمر فشرفكم شرفنا...و الله و يشهد ربي علي أن حتى نساءنا لا يعرفن سوى انها كانت سرقة)
فتحت عينيها تنظر له مليا قبل ان تقول بنحيب...
(و الله لا اعرفه بني...يوم عرفت انها حامل كان نفس اليوم الذي اخبرت والدك عن الأمر و اختفت هي)
اتسعت عينا صالح بذهول يردد...
(أبي يعرف!!!)
مسحت دموعها في وشاحها البيتي لتؤكد...
(و من لنا غيره ليدرك المصيبة؟!!)
اهتزت انفاس صالح كلما ربط كل ما حدث معا فعاد يسألها بصوت يعلو دون قصد...
(هل ذهاب أبي الى بيت السمري يومها كان بسبب هدير؟!!...هل من فعلها من بيت السمري يا خالة؟!!)
بقلة حيلة و ألم هزت رأسها مستسلمة تقول...
(العلم عند الله يا صالح فبعدما ابلغت والدك بما عرفته طلب مني الرجوع للبيت و هو سيجد الشاب الذي ضحك عليها...لا أعرف سبب ذهابه لبيت السمري فربما كان لشأنٍ آخر غير شأن ابنتي)
تحركت عينا صالح في كل مكان و كأن افكاره تحترق من شدة غضبه...ماذا لو كان لأبناء السمري علاقة بما حدث؟!...يا الله لو صدقت أقاويل نفسه و الله سينهشون لحم ابناء السمري حتى يصلوا لروحهم و يقتلعوها دون لحظة تردد...الأمر طال شرفهم و لوثه!...ليس هينا ابدا ما سيجرى في الأيام القادمة فقط لو أكد والده هذا...
بيت المراكبي...المطبخ
(ترى لماذا طلب أبي الحاج من زوجة كرم أن يُحدثها دوننا حتى انه لم يفعلها معك أو مع فاطمة و أنتما بناته من لحمه و دمه؟!!!)
نظرت قمر بطرف عينها الى سهر الواقفة جوارها تقشر بعض الخضروات تجهيزا للطعام فمعظمهم لم يأكل شيئا من بداية اليوم...تكلمت قمر بهدوء رغم ان ما حدث حقا يشغل بالها...
(على ماذا تحومين يا سهر؟!)
اردفت سهر بقلق حقيقي...
(اخشى أن تكون استخدمت حيل المتعلمين و جعلت أبي الحاج يكتب باسمها مخزن أو بيت)
توقفت حركة يد قمر عن التقشير لوهلة تُعقل حديث سهر لكنها قالت بهدوء...
(لا تجعلي خيالك يتسع يا سهر فالدكتورة ليست هكذا)
تركت سهر ما في يدها لتلتفت بجانب جسدها لقمر و تقول بحقد...
(اسمعيني يا قمر زوجة أخيك هذه ليست سهلة و من البداية أمرها مشكوك به لكن أخاك متمسكا بها و يداري عليها كثيرا)
اتخذت قمر نفس وضعية سهر تتفحص ملامحها و تسأل بنبرة تميل بين الترقب و التعود على سهر و غيرتها...
(و ماذا يداري كرم يا سهر و ترينه أنتِ و نحن لا؟!!)
اقتربت سهر بوجهها من قمر تهمس...
(قبل زواجهما سمعنا عنها حديثا يعيب شرفها و لكننا قلنا مجرد افتراء فكرم لن يتزوج امرأة تُسيء له و لاسم عائلته لكن...)
تحفزت قمر كليا فسهر تعيد فتح نفس الأمر الذي تحدثت عنه يوم صباحية كرم فسألتها بترقب...
(لكن ماذا؟!!)
اشتد همس سهر خفوتا حينما قالت...
(مؤخرا سمعت و رأيت ما لا يطمئن)
احتدت نبرة قمر و هي تأمرها...
(قولي ما تعرفينه دفعة واحدة هل ستقطرين الكلام من فمك؟!!)
تنهدت سهر قبل ان تقول و هي تؤشر على اذنها...
(بأذني هذه سمعتها تحدث أحدهم على الهاتف و تؤكد له أن كرم لم يلمسها بعد...)
اتسعت عينا قمر بطريقة تخيف لتردف باستغراب...
(ما الذي تقولينه و ماذا عن المحرمة التي رأيناها بأعيننا؟!!)
ابتعدت سهر عنها تبتسم بسخرية و تقول...
(يُسأل كرم في هذا لنعرف لماذا لم يأخذ حقوقه من زوجته بعد مضي أزيد من نصف عام على زواجهما...بالأحرى لماذا يتستر على فتاة معيوبة يا قمر؟!!)
قبضت قمر على ذراع زوجة اخيها تنظر لها بتحذير بينما تقول...
(سهر ما تقولينه في حق زوجة كرم تُقطع لأجله رقاب)
عوجت سهر شفتيها لتزيح يد قمر و تقول...
(انظري قمر أنا اعرف كل هذا منذ فترة لكنني قلت ما دخلي بحياتهما مادام كرم راضيا فهو حر لكن بعد ما حدث اليوم أمام عيني و تمييز أبي الحاج لها عنا جميعا أوجست من نيتها الحقيقية...إن كانت تمكنت من السيطرة على كرم و تعاملت معه على إنه لا تؤاخذيني ليس رجلا تخاف منه فلن تفعل المثل معي...من حقكم أن تعرفوا حقيقتها و سوء سمعتها لقد زاد فجورها و باتت تهاتف رجال يا قمر...دعيني صامتة افضل)
تسارعت انفاس قمر بصورة مرعبة و هي تناظر سهر بعينين تزداد قتامتهما...تحركت حول نفسها بلا هدف و كأنها تلجم جموح غيرتها على شرف أخيها و أهلها...سهر لن ينصلح حالها في يوم و ليلة ربما تختلق مشكلة هذه المرة كعادتها...لكنها ليست غبية لتفتري في امر كهذا!...عليها ان تعرف من غسق ان تواجهها و تسألها...توقفت عند خاطرها الأخير تنظر لباب المطبخ و تتحرك نحوه بخطوات مفترسة...
بالخارج...قبل قليل
انزوت غسق في ركن بعيد قليلا عنهم تناظر هاتفها مليا و يبدو عليها الغرق في التفكير...اصابعها تحترق لتضغط على اسم أريج و تهاتفها...ما قاله سليمان لها في المشفى جعلها متخبطة و لكنها متألمة أكثر...رفعت بصرها للأعلى بعدما سمعت صوت هبه...
(غسق ادخلي غرفتك و ارتاحي قليلا تبدين مرهقة)
و كأنها كانت تنتظر هذا الاقتراح فهبت واقفة تتقبض على هاتفها و تهمس...
(حسنا سأدخل و نادوا لي إن احتاج أحد مساعدتي)
اومأت لها هبه ببسمة صغيرة ثم تتبعت خطواتها حيث غرفتها...فتحت غسق باب الغرفة لتدخل و تقفله بعدها و تسرع في فتح هاتفها و دون لحظة تفكير ضغطت اتصال بأريج...انتهى الاتصال الأول بلا رد فزفرت بضيق فما في قلبها يجب ان تُخرجه في الحال...يجب ان تسرع قبل ان يخنق روحها و يؤثر على تفكيرها و الأخطر أن يعيق مشاعرها و هذا يرعبها...عاودت الاتصال ثانيةً و بداخلها تدعو أن يُفتح الخط و قد حصل لكن بدلا من صوت أريج جاء صوت مؤيد...
(أريج لقد اخبرني والد كرم ب....)
(أريج ليست هنا حاليا غسق...)
جملة مؤيد الهادئة اوقفت سيل كلماتها و مُنحت الفرصة لعقلها ليفكر...و هذا ما تخشاه الآن بكل روحها...عادت تكلمه بتساؤل أقرب للصراخ!
(أين...أين هي أريج...لماذا ليست هنا؟!...أنا احتاجها جدا!)
وصلها صوت مؤيد الذي تغيرت نبرته كثيرا...
(غسق ماذا حدث هل اصابك مكروه؟!)
اغمضت عينيها تضع كفها فوق فمها لتهدأ من انفعالها ثم تسأله...
(أين أريج؟!)
اجابها بتعجب مما يصله منها من انفعالات متتالية و متباينة...
(أريج في عيادة الدكتورة النسائية فاليوم ميعادها)
خرجت انفاسها مسموعة بعدما ضيقت عينيها و فكرها يتخذ طريقا آخر آذاها فتسأله...
(حقا!...لقد تاه عن بالي الموعد...هل وصلتما لأية معلومات منها عليها أن تعترف في أقرب فرصة...هبه عادت للبيت و لا أعرف الى أي حد ستتمكن من ضبط اعصابها)
طمأنها مؤيد بقوله...
(اليوم سنحصل على ما نريد أنا واثق في أريج)
ثم أردف بتأكيد هام...
(لكن غسق انتبها جيدا على تصرفاتكما و كلامكما...لا يجب أن يعرف أي شخص في البيت بما عرفتماه حتى لو زوجك فالأمر صعب التعامل معه دون دليل قاطع)
مسحت غسق وجهها بتعب شديد لتقول بتأكيد...
(اطمئن مؤيد كرم لا يعرف أي شيء عن خطواتنا و لن يعرف فلا تقلق...)
اجفلت غسق على صوت ارتطام باب الغرفة بعدما فتحته قمر دون إذن لتقف في مواجهتها تسألها بغضب هادر...
(و ما الذي لا تريدين لكرم أن يعرفه يا دكتورة؟!)
انزلت غسق الهاتف عن أذنها تبتلع صدمة و غرابة ما حدث لتسألها بذهول...
(من سمح لك بدخول غرفتي دون إذن؟!)
دلفت قمر للغرفة فظهرت سهر خلفها تنظر لما يحدث برضا خصيصا حينما هدرت قمر بصوت جاء على إثره الجميع..
(لا احتاج أذن لأفعل ما أريد في بيت أبي خاصةً حينما أسمع بأذني حديثك مع رجل غريب دون علم زوجك)
احتدت نظرة غسق لها فتقدمت منها تحذرها...
(من أنتِ لتتكلمي معي بهذه الطريقة؟!...أنا هنا زوجة كرم و هذه غرفتنا فلا يحق لمخلوق دخولها دون رغبتي!)
باغتتها قمر بسؤالها الذي شهقت بسببه هبه و فاطمة الواقفتين عند باب الغرفة أمام الرجال...
(و هل حقا أنتِ زوجة كرم؟!)
اهتزت حدقتا غسق بقوة و فقدت القدرة على قول شيء...فتدخلت سهر تقترح بسرعة لتفضح أمر غسق و تنهيها تماما...
(لن يفلح الأمر هكذا يا قمر...دعيها تقسم على كتاب الله)
صوت خالد الآتي من الخارج برفض و جهل كان حادا رافضا ما يحصل رغم ان زوجته و أخته تنبشان خلف حديث يُذّكره بما عرفه عن غسق قبل الزواج من سهر..
(قمر...سهر هل فقدتما عقلكما؟!!!)
لكن قمر طلبت منه بجدية...
(لا تتدخل يا أبا مازن فلا يفهم النساء سوى النساء...ستقسم على كتاب الله أمامنا أنها اتممت الزواج مع كرم)
دخلت فاطمة الغرفة تتمسك بكتف أختها قائلة برجاء...
(قمر ما الذي تطلبينه و ما سبب كل هذا؟!...يا إلهي هذا عيب في حق الدكتورة و لا يصح)
حدقت قمر غسق طويلا قبل ان تقول...
(ما عرفته عنها لم أكن اكيل له وزنا لولا ما سمعته بأذني قبل قليل...إن كانت صادقة فلن تتردد لتقسم أمامنا)
ابتلعت غسق ريقها بصعوبة مما تمر به دون خبر مسبق...ما الذي يحدث معها الآن و لماذا انقلبت قمر عليها و كأنها امسكت بها بالجرم المشهود!!...تماسكت لترفع رأسها عاليا و تقول بصلابة رغم كل شيء...
(لست متهمة لأقسم على شيء!)
تقدمت قمر منها تتمسك بيدها و تسحبها معها عنوة قائلة...
(رفضك يدينك أكثر...)
صرخت غسق بها بغضب...
(اتركِ يدي يا قمر...ما هذا الجنون؟!!)
خرجت بها للصالة تحت محاولات الجميع في طلب التريث فالأمر لن ينتهي ابدا على خير سواء اقسمت غسق أم لا لكن قمر كانت كمن تمكن منها الشيطان حقا...اسرعت سهر بجلب المصحف الشريف لتمنحه لقمر التي حملته فوق كفيها منتظرة قسم غسق...ناظرتهم غسق بغضب فما يحدث يقلل من احترامها لنفسها...صوت فاطمة المتوتر برجاء وصلها من الأسف....
(نحن آسفون لك غسق...قمر لا تقصد اهانتك فأرجوك مرري ما حدث)
تخشبت ملامح غسق بشكل يثير الشفقة لكن ما يدور في عقلها أصعب مما يطلبنه منها...ما عادت تتحمل التماسك أكثر و كل ما يدور في بالها أن تنهي ما يحدث في الحال... وضعت يدها فوق كتاب الله لتنظر الى قمر بتحدٍ و تسألها...
(على ماذا تريدين أن أقسم؟!)
صدر صوت سهر العالي يخترق الجميع حينما طلبت هي بدلا من قمر...
(أنكِ دخلتي هذا البيت و أنتِ فتاة لم يلمسك أحد)
تصلبت اصابع غسق فوق المصحف و شحبت بوضوح...لو بها موتها لن تقسم كذبا على كتاب الله لأي سبب كان...انه يمين غموس مصير صاحبه أن يُغمس في جهنم و إن تاب عنها يبقى معلقا إما رحمة الله أو عقابه...ماذا الآن؟!!!