📁 آخر الروايات

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم هالة محمد

رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم هالة محمد


28=حلال ولكن مرفوض - عشق ووجع وابن غيور -28/
للجميع@
في منزل مديحة كان الجو مشحونًا بالتوتر.
ظلّ عامر في المكان ذهابًا وإياباً تتسارع خطواته ويزداد اضطراب جسده مع كل حركة.
ألقى يحيى نظرة ضيّقة وهو على مقعده، ثم أطلق زفرة قصيرة وتحدث بنفاد صبر قائلًا:
ــ اقعد يا بني، خيالتني.
رمق عامر يحيى بنظرة غيظ، وتحدث بصوت مرتفع وغاضب:
ــ انت تسكت خالص! مش كفاية إنك حَشْت الراجل المهزّة من تحت إيدي؟
خرج الطبيب في صحبة هالة. فوقف يحيى، واقترب عامر بقلق وتحدث بلهفة:
ــ ماما عاملة إيه؟ كويسة؟ أقدر أشوفها دلوقتي، صح؟
تردّد الطبيب في الرد، فألقى ببصره نحو هالة
. عندها اشتعلت عينا يحيى بنظرة غائرة يختلط فيها الغيظ بالغيرة، وشدّ على يدها واقفًا بجوارها.
تدفّقت كلمات هالة متعجلة، تتلعثم وهي تحاول انتزاع يدها من قبضة يحيى المحكمة، وقالت:
ــ لا، مش هينفع تشوفها دلوقتي. هي واخدة مهدّئ، ومش هتفوق غير بكرة الصبح. وكمان الدكتور قال ممنوع أي حد يتكلم معاها. دلوقتي علشان ما تتعبش أكتر… مش كده يا دكتور؟
نظر إليها يحيى وهو مطبق على أسنانه بقوة، وتسرّبت كلماته من بين شدقيه متكسّرة في صوت مكتوم فقال
ــ هو مش أنا قايل لك قبل كده بلاش تتسحبي من لسانك وتتكلمي مع حد غريب؟ مش بتسمعي الكلامي ليه؟ هو أنا مش مالي عينك؟
رد الطبيب وهو يخرج شبه راكض من هذا المكان الذي يختنق فيه بالتوتر:
ــ مظبوط… كلامها كله صح. وكمان شوفوا دكتور تاني المرة الجاية.
ثم أغلق الباب ورحل.
نظرت هالة باستغراب، ثم شدّت يدها من قبضة يحيى.
وقفت أمام باب غرفة مديحة لتمنع عامر من الدخول، ثم رفعت بصرها نحو يحيى برجاءٍ صامت. فأدرك من نظراتها ما عجزت شفتاها عن قوله، ووعى مرادها دون أن تنطق بكلمة.
فهمها يحيى، ثم أمسك بصديقه الذي كان يرفض الذهاب وهو يتحدث بصوت مرتفع:
ــ ابعد يا يحيى! عاوز أشوف مديحة!
ردّ عليه يحيى، وقد كان غاضبًا أكثر منه:
ــ بقولك إيه… اطلع معايا وانت ساكت! أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدامي، بدل ما أفش غلي فيك.
ثم أمسك بصديقه بقوة وأجبره على الخروج. رجع يحيى
للخلف ثم نظر لها مهددًا:فقال
ــ ليا كلام تاني معاكي… علشان توقفي تتكلمي مع حد غريب تاني!
هزّت رأسها يائسة، ثم عادت إلى غرفة مديحة.
كانت مديحة جالسة في صمت، يكسو ملامحها ظلّ حزن ثقيل؛ عيناها غارقتان في البعيد كأنهما تبحثان عن شيءٍ ضائع.
اقتربت هالة وجلست بجوارها، أمسكت بيدها وقالت ممازحة لها :
ــ بتفكّري في إيه يا عروسة؟ أكيد في الدكتور أحمد!
سحبت مديحة يدها ونظرت إليها بغيظ فقالت
ــ قومي من جنبي يا بنت انتي أنا مش ناقصة.
التصقت بها هالة وهي تحضنها وضحكت:
ــ لا أنسى… ده أنا هموت وأعرف إزاي عملتي كده! ده الدكتور أحمد اللي كل البنات في الدفعة أيام الجامعة كانوا هيموتوا عليه، وهو ما كانش معبّر حد. عايش على ذكريات زوجته ، وتيجي إنتي بكل سهولة تخليه يوقف قدام الكل ويقول إنه عاوز يتجوزك!
ثم غمزت لها وقالت:
ــ طلعتي مش سهلة يا ديحي!
تحدثت مديحة بارتباك ممزوج بالخجل:
ــ أنا ما عملتش حاجة… ده باين عليه راجل مجنون.
ابتعدت هالة قليلًا، ونظرت إليها بجدية:
ــ مجنون ليه؟ الراجل عايز يتجوزك على سنة الله ورسوله. لا هو عيب ولا حرام.
وقفت مديحة وتحدثت بحزن:
ــ لا، عيب… عيب عليه يقف قدام ابني ويقول الكلام ده.
ردّت هالة بحزم:
ــ لا، مش عيب يا مديحة. مدام ربنا سبحانه وتعالى ما حدّدش سنّ معين للجواز، وما قالش إنه حرام، يبقى مش عيب. الجواز شرع ربنا، من حق أي إنسان يتجوز وقت ما يحب. يمكن غلط إنه اتكلم فجأة، بس ما عملش حاجة عيب ولا حرام.
اقتربت مديحة منها، ونظرت في عينيها بقوة وقالت:
ــ طب مدام مش عيب ولا حرام… ليه رافضة تتجوزي يحيى؟
صمتت هالة في حالة من الذهول، وهي تتساءل كيف علمت مديحة. همّت بالكلام، لكن الباب فُتح، ودخلت فاطمة لتطمئن على مديحة، فصمت الاثنان.
***************************
أذهب مع عزيز القاري الي الصعيد حيس تسكن هناك أفعى تدعي نسمه اسم علي غير مسما
في منزل العامري، أتت نسمة تحمل بعض المشروبات، مرسومة على وجهها ابتسامة زائفة. اقتربت من جابر،
الذي كان يجلس يتأمل المكان ويبحث فيه عن عائلته الغائبة التي اشتاق إليهم كثيرًا.
نظر إلى ذلك المكان الذي اعتادت فاطمة أن تجلس فيه، تشاهد التلفاز، والصغار ملتفون حولها. ارتسمت على شفتيه ابتسامة شجن حين تذكر ابنه عمر وهو يتشاجر مع أبناء أخيه الصغار، يتنازعون على الجلوس في حضن فاطمة وفي غمر الحنين
تقدمت منه تلك الأفعى ونادته حتى تعيده من ذكرياته.
تحدثت تلك الأفعى بخبث فقالت:
ــ وحشوك يا عمي كله من مرّت، عمي الله يسامحها، لو ما خدِتش هالة وطَفّشت، مكنتش حاجة من دا كله حصلت، ولا رحت إنت وجدّي وضَربت بِتك.
نظر إليها فرأت الندم يكسو ملامحه عند ذكر ابنته وما جرى لها.
لعنت نسمة، غبائها فهي لا تريد ان تشعره بالحنين لهم قرر أن تصلح ما افسدته وتزيد من سمومها
بكلماتها لتجعل عمها ينفر من عائلته
وضعت يدها فوق كتفه وهي ترسم ملامح الحزن بمهارة، وتحدثت بصوت يشبه فحيح الأفعى فقالت:
ــ ما تزعلش نفسك يا عمي، إنت مش غلطان . اي راجل حر ودمه حامي، هيعمل اللي إنت عملته وأكتر لما يلاقي مراته أخدت بنتها وطَفّشت. مش بس كده، بدل ما تجي وتحبّ على راسك، تطلب الطلاق مرّة واتنين...، وما تسكتش غير لما تطلقها.
المرة اللي تعمل كده في جوزها بعد العمر ده كله تبقى..
. ثم صمتت فجأة وهي تضم شفتيها وتنظر لعمها بنظرات خبيثة.
وقف جابر وتحدث بحدة وهو ممسك بيد نسمة بعنف شديد قائلاً:
ــ قصدك إيه يا بنت سليم؟ انطقي بدل ما أقطع لسانك.
رسمت ملامح الخوف عمدًا وتحدثت بصوت مرتبك:
ــ ما أقصدش
حاجة يا عمي، بس يعني... مراتي عمي عارفة إنك طيب، علشان كده طول عمرها شايفة نفسها. يعني إنها بنت عمدة، لو راجل من غيرك كان زمانه متجوز عليها بعد ما عملت اللي عملته، بس عشان هي عارفة إنك الطيب مطمّنه، وتقول: "بكرة ييجي ويرجعني مهما عملت".
ترك يدها وهو يفكر في كلماتها التي كانت كوسوسة الشياطين.
تغيّرت ملامح جابر؛ فبعد أن كانت يغمرها الحنين وتفيض عيناه بالشوق لرؤية الأحباب، صارت ملامحها متصلبة، في عينيه غضب مشتعـل ونار انتقام.
ابتسمت نسمة في سرّها بسعادة حين تأكدت أن سمومها قد استقرت في عقل عمها، ولن تزول.
***************************
في قاهرة المعز
اجتمع الأصدقاء الثلاثة في مقهى بالمقطم، طاولته مطلّة على فضاء مفتوح يلفّه نسيم المرتفعات.
كان عامر ما يزال غاضبًا، يتحدث وهو يتوعّد لأحمد قائلًا:
ــ والله يوريه الراجل المهزأ دا، أكيد مجنون، ما هو لو عاقل مش هياجي قدامي بكل بجاحة ويقوللي: "جوزني أمك"!
ألقى يحيى نظرة متعبة وقد نفد صبره، وقال بنبرة حادة بعض الشيء:
ــ عامر، خلّاص، كفاية.
ردّ عمر بهدوء:
ــ لا يا يحيى، عامر معاه حق.
رفع عامر يده مشيرًا إلى عمر بحماس وقال:
ــ أول مرة يا عمر تتكلم صح!
أشار عمر إلى صدره بيده في حركة مازحة تدلّ على التحية، ثم قال ممازحًا:
ــ تعيش يا أبو نسب، مفيش حد هيتجوز مديحة غيري. يلا يا عامر، نقرأ الفاتحة.
وقف عامر صارخًا بغضب:
ــ الفاتحة دي هقراها عليك يا ولد العامري!
نظر إليه عمر وهو يضحك قائلًا:
ــ كل ده علشان بقولك جوزني أمك؟
مد عامر يده ليقبض على عمر، فابتعد الأخير مستمرًا في الضحك. عندها أمسك عامر بزجاجة الماء فوق
الطاولة وصوّبها نحو عمر. انحنى عمر إلى الجانب الآخر ليتفادى الضربة، لكنها أصابت ظهر رجلٍ ضخم كان يجلس على الطاولة المجاورة.
وقف الرجل وهو ينظر إليهم بعينين تقدحان شررًا، فقال عمر بسرعة:
ــ حقك علينا يا أبو الكباتن.
ردّ الرجل بلهجة سوقية غاضبة:
ــ حق إيه يا روح أمك؟ دا أنا همسح بيكم الأرض!
افترّ عمر عن ابتسامة غيظًا ورفع أحد المقاعد عاليًا ثم هوى به فوق الرجل وهو يقول:
ــ علشان تبقى تجيب سيرة أمي تاني يا نطع! حَرّق أبو اللي جابوك واحد واحد!
انتفض الرجل غاضبًا، يعلو صدره بلهاث متقطع، ورفع الطاولة بين يديه كغمامة عاصفة معلّقة فوق عمر على وشك أن تهوي عليه.
تجمّد عمر في مكانه لحظة، وكأن الزمن توقف به، ثم ابتلع ريقه بتوتر وزفر بحدة كمن يستعيد وعيه، وألقى بجسده بعيدًا عن مرمى الطاولة. ارتطمت الطاولة بالأرض بقوة، نظر إليها عمر وهو يبتلع ريقه بتوتر، ثم رمى نظرة غيظ إلى يحيى وعامر اللذين جلسا في برود تام دون أن يتدخلا.
صرخ عمر بغيظ:
ــ ما تقوم يا بارد، منك له! مش شايف الجاموسة دي؟
ضحك عامر بشماتة وقال:
ــ أحسن! علشان تقول جوزني أمك تاني.
تدخل أحد الجالسين بسخرية قائلا:
ــ ما تجوز أمك يا بيضة ولا أجوزها أنا؟ بس ريت تكون بيضا ومليانة زيك كده!
ركض عامر على الرجل كالبركان، رفع قدمه وضربه بقوة فطار الرجل فوق المقاعد. لم يكتفِ بذلك، بل أمسك كأسًا زجاجيًا وأنزله فوق رأس الرجل حتى غمر الدم وجهه وصرخ من الألم.
تدخل يحيى وعمر يمسكان بعامر ليبعداه، لكن تفجأة عمر باحدهم يجزبه بقوة، وحين التفت وجد الرجل الضخم يلكمه في وجهه لكمة قوية. عندها ترك يحيى عامر، وأطبق قبضته موجّهًا ضربة عنيفة إلى بطن الرجل، ثم أتبعها بلكمة أخرى إلى وجهه.
استشاط الرجل غضبًا، أمسك يحيى من ثيابه وضرب رأسه في أنفه، فشعر يحيى بدوار شديد، وانهمرت الدماء من أنفه كصنبور ماء مفتوح. ابتسم الرجل واقترب منه ليجهز عليه، لكن يحيى ركض وقفز فوق إحدى الطاولات، وما إن اندفع الرجل ناحيته حتى انقضّ عليه من الأعلى وأسقطه أرضًا. جلس فوقه وانهال على وجهه باللكمات المتتالية حتى انقطع نفس الرجل.
كان عامر لا يزال يضرب الرجل الآخر بجنون. وفي خضم الفوضى اقترب أحد الموجودين من عمر قائلًا بتهكم:
ــ هو في إيه؟ مفيش حد مالي عنكم ولا إيه؟
التفت عمر ورأى زجاجة أمام طاولة تجلس عندها فتيات، فابتسم لهن وقال:
ــ معلش ثواني بس.
ثم أمسك الزجاجة وضرب بها الرجل فوق رأسه وهو يقول:
ــ لا، محدش يا حيلتها!
وفي تلك اللحظة، فوجئوا بقدوم الشرطة التي ألقت القبض عليهم جميعًا.
************************
نترك القاهرة عزيز القاري بشجارها ونعود للصعيد
في منزلٍ أطرافَ القرية، قريبٍ من الأرض الزراعية،
فتح نوار الباب،
ثم نظر له فوجدَه.
جلس في أحد أركان المنزل، يسند ظهره إلى الحائط. عيناه شاردتان، تتنقلان بين الظل والضوء، وكأن كل صوت بالخارج يفضحه. كان يشبك كفيه بقوة حتى ابيضّت مفاصله، وفي عينيه غشاوة تحمل ثِقَل ما اقترفت يداه وما ينتظر أهله من عواقب.
وحين استمع لصوت أقدام نوار، وقف واقترب منه بعيونٍ تملؤها الخوف وصوتٍ مرتعش، وقال:
— عمي نوار، قولي... أمي وأبوي بخير؟ حدّ من عيلة أبو رحاب عمل فيهم حاجه؟
ألقاه نوار بنظرة ساخرة تُثقل صدره بالغيظ، وقال:
— دلوقتي افتكرت أمك وأبوك؟ وكأن فين عقلك وانت عتّقتل منصور أبو رحاب ما فكرتش في اللي هيحصل لأمك وأبوك بعد عملتك السوده. ما افتكرتش إن أخوك لسه ميت، ودمعتهم لسه ما نشفتش، والحزن كاسرهم؟ بدل ما تبقى سندهم، جيت كسرتهم زيادة.
ما زال يتبع خطوات الشيطان ويوهم نفسه أنه محقّ، فرد قائلًا:
— مصطفى قتل هاني أخوي، وأنا خدت بتار أخويه... وقتلت منصور أخو مصطفى.
تحدث نوار بانفعال، لوّح بيده في الهواء بعصبية، وصوته يعلو متقطعًا كأنه يكاد يتمزق من شدّة الانفعال، وقال:
— مصطفى ما قتلش هاني علشان يكون لك عندهم طار. أخوك هو اللي قتل نفسه لما راح جاب سلاح، وهو اللي جاب مصطفى من بيتهم. أخوك هو اللي غلطان... نهى عمره بيده، ودخل صاحبه السجن، وكسر قلب أمه وأبوه. وخسر حياته، بعد ما كان هيبقى عريس، بقى مدفون تحت التراب. وانت خرّبت البلد، العيلتين شغالين ضرب في بعض. وأبوك... الراجل اللي كانت تهتزّ له شنبات... عيبكي عليكم زي العيل الصغير، ناقص يلطم ويندب زي الحريم. وأمك... الظابط خدها رهينة لغاية ما تسلّم نفسك. يا سبع،
...
تهاوى على الأرض، بعد أن أزاح حديث نوار غطاء الوهم عن عينيه، فأبصر خطاياه عارية.
انسابت دموعه، وتكلم بصوت مهزوم يحمل ثقل الندم، فقال:
— أنا هروح أسلّم نفسي ... بس أمي تطلع.
جلس نوار وتنهد بالثقل، وكأنه يحمل جبالًا من الهموم فوق كتفيه.
ربّت على كتفه، كأنما يغرس فيه صلابة يفتقدها، وقال
:
— إنت مش هتروح دلوقتي، أمك أن شاءالله هتطلع. هروح أنا وحمدي ولد خالك إنطلعوها.
هز الشاب رأسه وهو يرفض بشدة، فتح فمه ليتحدث، فهدر به نوار بصوت حاد وقال:
— اسمع الكلام يا محمد، ما تخافش على أمك. إيه يعني آخرتها؟ هيطلبوا لهم حتة سلاح ويطلّعوها. اسمع الكلام إنت، وما تخليش حد يشوفك، ولا مخلوق أوع تخرج من البيت، لغاية ما نشوف الوقعة المطينة بالطين دي.
ثم أمسك بيده الكثير من الأكياس المليئة بالطعام والأغراض، وقال:
— خد يا محمد دي، ومعاها كام غيار... لغاية ما ربك يعدلها.
ثم خرج وأغلق الباب من الخارج حتى لا يستطيع الشاب الخروج.
************************
في قسم الشرطة، كان الجميع واقفًا أمام الضابط المسؤول.
وفجأة انفتح الباب، ودخلت مديحة ومعها أحمد وهالة ومريم. هرعت مديحة نحو ابنها، تضمّه بقوة، والدموع تسبق كلماتها، وهي تقول
ــ عامر يا قلب أمك، مين اللي مدّ إيده عليك؟ لا إلهي ينشُك في إيده.
انفجر رجل بصوتٍ غاضب، متدخّلًا في الحوار:
ــ ابنك هو اللي ضربني يا ست! وأنا ما هسيبش حقي.
رفعت مديحة بصرها نحو الرجل، وكان وجهه متورّمًا بالكدمات حتى غابت ملامحه، ثم التفتت إلى ابنها هامسة:
ــ إنت اللي عملت فيه كده؟
أجاب عامر بحدة، وعيناه تقدحان شررًا:
ــ عشان قليل الأدب… ويستاهل.
وما إن حاول الرجل الانقضاض عليه، حتى انتزعت مديحة حقيبتها وانقضّت بها على رأسه، تصرخ في وجهه:فقالت
ــ عاوز تمد إيدك على ولدي يا ناقص! يا عرّة الرجالة!
تدخل أحمد سريعًا ليبعدها وهو يقول:
ــ بس يا مديحة… كفاية.
لكن عامر صرخ بعصبية:
ــ اسمها أم عامر! وبعدين إيه اللي جابك يا راجل إنت؟ أنا مش عايز أشوفك!
وفي ركن آخر، وقفت هالة بجوار عمر ويحيى، تحدّق بهما بوجهٍ متجهّم، وتوبّخهم قائلة:
ــ إنتو مش هتبطّلوا عمايل العيال دي؟ مش كفاية بقى؟
ارتسم الغضب على وجهيهما، فردّا معًا بصرامة:
ــ وإنتي إيه اللي جابك أصلاً؟
فتحت فمها لتجيب، غير أنّ صوتها انقطع حين اندفعت فتاة إلى المكتب تصرخ: قائلًا
ــ من فضلك يا فندم… يحيى مظلوم! ما عملش حاجة
.
وأشارت إلى الرجل الضخم الذي كان في حالة صعبه
ــ البتاع ده هو اللي هجم على يحيى الأول!
التفتت هالة إلى يحيى، وعيونها تتلظّى بالغيرة والغضب
. أما يحيى، فقبض على أسنانه بشدة، يلعن سارة في داخله ألف لعنة، قبل أن يتقدّم منها ويقبض على ذراعها بخشونة قائلاً بلهجة حادّة:
ــ عرفتي منين إني هنا إنتي ماشية ورايا ولا إيه؟ كام مرة قلتلك تبعدي عني؟
ردّت بتحدٍ بارد:
ــ أيوه… أنا براقبك في كل خطوة، حتى نفسك محسوب عليا. مش هسيبك، إنت ليا أنا وبس.
رمقها يحيى بازدراء، وقال بصرامة قاطعة:
ــ أنا هوريكي إزاي تراقبيني تاني. وبعدين افتحي عينيكي كويس شايفة البنت اللي واقفة هناك، هي الوحيدة اللي بحبها، وهي اللي هتكون مراتي وأم عيالي.
تجمّدت سارة في مكانها، وامتلأت عيناها بالحقد وهي تحدّق في هالة. كلمات يحيى أشعلت في داخلها نار الغيرة والانتقام.
أما هالة، فما إن أبصرت يحيى واقفًا أمام سارة، حتى خفق قلبها كجمرة تتأجّج في صمت. وحين ترك سارة واقترب منها، صدّت عنه بغضب، وانتقلت لتقف بجوار شقيقها.
زفر يحيى بضيق، لكنه كتم ابتسامة خفيّة حين لمح غيرتها، وقد أيقن أنّها تبادله المشاعر ذاتها.
في ذات الوقت، كان عمر غارقًا في محاولة تهدئة مريم، التي لم تجف دموعها خوفًا عليه.
قال لها بلهجة متوسلة:
ــ مريم، بالله عليكي، كفاية دموع.
ابتسمت مريم والدمع ما زال يلمع في عينيها، وظنّت أنّه يهتم بها، لكن سرعان ما صدمها حين أضاف:
ــ إنتي لما تبكي، الناس هتفهم غلط… وإحنا في قسم شرطة، وأنا مش ناقص وجع دماغ.
تغيّر وجهها في لحظة، وعضّت على أسنانها بغيظ، ثم وجهت له لكمة قوية في كتفه وهي تقول:
ــ يا غبي! يا رخم!
تركت مكانها مبتعدة، بينما ظلّ عمر ينظر إليها في حيرة، غير فاهم سرّ تصرفاتها.
وفي خضمّ الفوضى، قبض الضابط على سلاحه، وأطلق طلقة في الهواء دوّت في المكان، فأخرست الجميع. صاح بغضبٍ نافذ:
ــ مش عايز أسمع نفس! كلمة كمان، والله لأحبسكم كلكم! واحد بس اللي يتكلم.
تقدّم أحمد ليتحدث، لكن الضابط ركّز نظره له ثم نظر لمديحة، وكأنّه يحاول استرجاع شيء. ظلّ صامتًا لحظة، ثم اتسعت عيناه بدهشة كمن اكتشف سرًا دفينًا، وقال مبتسمًا:
ــ دكتور أحمد؟
أحمد أومأ برأسه مبتسمًا، فالتفت الضابط إلى مديحة ضاحكًا بخبث:
ــ مش الست دي اللي ضربتك قبل كده؟
تلاشت ابتسامة أحمد، وازداد وجه مديحة احمرارًا من الخجل.
أما عامر، فانفجر ضاحكًا بشماتة:فقال
ــ شفت؟ حتى الظابط فاكر! أنها ضربتك يبقى إزاي راجل محترم يتجوز ست مدت إيدها عليه؟
قبضت مديحة على أذن ابنها بقوة، بينما أحمد قال بعنادٍ وهو يوجّه كلامه لعامر:
ــ برضه هتجوزها… زي ما بيقول المثل: ضرب الحبيب زي أكل الزبيب.
ثم غمز لعامر بمكر. اشتعل غضب الأخير وهمّ بالاندفاع نحوه، لكن مديحة أمسكت به بصلابة.
أما يحيى، وقد ضاق ذرعًا بالضوضاء، فاتجه إلى الرجال المعتدين، وتحدث معهم بهدوءٍ وحزم. عرض عليهم مبلغًا من المال مقابل التنازل عن الشكوى، وبعد لحظات من التردّد، وافقوا. فكان أن أمر الضابط بالإفراج عن الجميع.
*************************
.
في الصعيد، عند منتصف الليل، كان الطريق ممتدًا في سكونٍ ثقيل لا يقطعه سوى صفير الريح وهي تجري على جنباته، وكأن الليل قد ابتلع كل الأصوات. ومن
بعيد ظهرت سيارة سوداء تشق العتمة، يخيَّل لمن يراها أنّها سيارة لرجلٍ من ذوي النفوذ.
تجمّد النائب في مقعده لحظة لمح رجال الشرطة
يقطعون الطريق، ابتلع ريقه على عجل، وعيناه تتنقّلان في المرآة بارتباك خفي. أوقف السيارة، فتقدّم إليه أحد أفراد الأمن، نظر إليه بريبة وقال بلهجة صارمة:
– انزل وافتح شنطة العربية… يلا.
دق قلب النائب بخوف، وحاول أن يغطي ارتباكه بصوت مرتفع وهو يقول:
– إنت مش عارف عتكلّم مين؟
لكن الضابط لم يأبه، فتح باب السيارة بعنف، وأمسك بالنائب وأخرجه منها، ثم نادى بصوت كالزئير على أحد أفراد الأمن
– يا عسكري! تعالِ فتّش العربية دي وتحفّظ على الباشا دا، لمّا نشوف هو مين في البلد. دي مش بلد… دي زريبة! كلّ ما نكلّم واحد يقول "إنت مش عارف أنا مين؟" نبطّلها الشغلانة عشان خاطركم!
اقترب اثنين من رجال الامن أمسك أحدهما بالنائب بينما اتجه الآخر مع الضابط نحو السيارة. وحين مدّ الضابط يده لفتح الصندوق الخلفي، شعر النائب وكأن
الأرض قد انسحبت من تحت قدميه، أنفاسه تتسارع وعرق بارد يتصبب من جبينه.
وما إن كاد الباب الخلفي يُفتح حتى دوّت أصوات إطلاق نار كثيفة من كل جانب، مزّقت سكون الليل وملأت الفضاء رعبًا. هرع الضابط ورجاله يركضون خلف مصدر الطلقات، فيما
اندفع النائب إلى مقعده، أغلق الباب بسرعة، وأدار المحرّك بيد ترتجف، فانطلقت السيارة كالسهم، يطوي الطريق بجنون كأن الريح تحملها.
بعد ساعات، وصل إلى منزلٍ بعيد عن أعين الناس، قائم في منطقة مقطوعة بين الجبال لا يسكنها أحد. ترجل من السيارة بخطوات متعثرة، طرق الباب بقوة، ففتح له أحدهم، فدخل يجر قدميه المرهقتين. جلس على مقعدٍ بالداخل وهو يلهث محاولًا لملمة أنفاسه الهاربة من شدة الرعب.
وقع نظره على رجل يجلس في هدوء، يمسك بكأس من المحرّمات يرتشفه في استمتاع. ارتفع غضب النائب فجأة، خطف الكأس من يده وألقاه على الأرض، فتناثر زجاجه شظايا صغيرة.
رفع الغول عينيه نحو النائب، نظر إليه ببرود وتحدث بنبرة كالجليد:
– خير يا سعادة النائب… مين زعّلك؟
ازداد غضب النائب من هدوئه، قبض على ثيابه وجذبه نحوه بعنف، وحدّق فيه بعينين ضيّقتين وصوتٍ حاد قال:
– اسمع يا ولد الغوازي، أوعى تنسى نفسك! من ساعة ما جيتني زمان وإنت شحات وحافي، وجيت حبيت على إيدي علشان أشغلك خدام عندي. ساعتها قلتلك إنك هتبقى في الصورة وأنا بعيد، ولو وقعت… ما اعرفكش. وجاي دلوقتي عاوز تجيب رجلي؟ لا يا ولد الحلب! أول وآخر مرة أجيب سلاح في عربيتي. إنت اللي هتجيبه، وإنت اللي هتبقى في الصورة، ولو وقعت… إنت اللي هتشيل الليلة. فاهم؟
ظل الغول يحدّق فيه بعينٍ باردة، لكن داخله كان يغلي كالبركان. شدّ قبضته حتى كاد أن يفتك به، لولا أنه تمالك نفسه.
تركه النائب وجلس فوق المقعد، وضع قدمًا فوق الأخرى، وألقى كلماته بصوتٍ متعالٍ آمر:
– روح إنت وكلابك، شيلوا الزفت السلاح من العربية، خلّوني أمشي. مش عاوز أشوف وشكم الفقري.
خرج الغول ومعه المنشاوي وثلاثة رجال. اتجهوا نحو السيارة، فتح المنشاوي الصندوق الخلفي، فبان غطاء حديدي سميك يغطي الداخل. أمسك رجلان بالأدوات، وأخذا يخلعان الغطاء حتى انفتح، فأخرجوه ليكشفوا عن صناديق كبيرة. وُضعت أمام الغول، ففتح المنشاوي أحدها، فإذا بأسلحة نارية وذخائر تملأه.
أرسل الغول رجلًا يخبر النائب أن السلاح قد أُخرج من السيارة. خرج النائب ووقف بجوارها، ثم نظر إلى الغول وقال بلهجة قاطعة:
– وزّع السلاح دا نصّه على عيلة بيت أبو رحاب، والنص التاني على عيلة أولاد زيان. وفلوسي توصل لحد عندي.
ثم ركب سيارته وانطلق بسرعة هوجاء، تثير خلفه عاصفة ترابية حجبت الرؤية.
وقف الغول بعدها ممسكًا بسلاحين، واحد في كل يد، وأخذ يطلق الرصاص في الهواء بغزارة، كأن المطر ينهمر من السماء. ارتبك الرجال من حوله، فناداهم المنشاوي آمرًا: انتظروا حتى يهدأ.
ظل الغول يطلق النار حتى امتلأت الأرض بفوارغ الرصاص، وبعد ساعات هدأت ثورته. اقترب منه المنشاوي وقال:
– تحب أطلع وراه أضربه برصاصة تخلص عليه؟
التفت الغول نحوه، في عينيه لهيب انتقام، وقال ببطء
:
– مش دلوقتي… بعدين. والكلب دا، لما أموته، مش هموته برصاصة تريّحه. لا… أنا لازم أشرب من دمه، وأصفّي التراب، وأدوس عليه بأوسخ جزمة. ساعتها بس أبقى أرحمه وموته.
أطرق المنشاوي برأسه ممتنًا وقال:
– وأنا معاك يا كبير. عمري ما هنسى جميلك، لولا وقفتك معايا كان زماني ميت.
تذكّر المنشاوي تلك اللحظة التي أصابته فيها سمر، حين كان على وشك الموت، فاتصل بالغول. فأرسل الغول أحد رجاله، جلبه إلى هذا المنزل المهجور، وأحضر له طبيبًا حتى تعافى تمامًا.
*************************
:
أقبلوا بالرحيل من قسم الشرطة، وأصرّ أحمد على
التحدّث مع عامر رغم اعتراض مديحة وخوفها من أن تنشب مشادّة بين ابنها وأحمد، ولكن أصرّ أحمد، فذهب معه عامر حتى يتحدثون سويًا في مكان بعيد عن الجميع.
اقترب عمر من يحيى وهو يتحدث بصوت منخفض فقال:
بقولك إيه، خد هالة ومديحة وسيب مريم؟
أرسل له يحيى نظرة ماكرة ورفع حاجبه في خبث، وتحدّث معه بنفس النبرة الهامسة فقال:
أنا شايف نظرات وحركات بينك وبين مريم، هو إيه الموضوع؟
ارتسمت على وجه عمر ملامح براءة لا تشبهه، ثم قال:
نظرات وحركات إيه؟ عيب يا يحيى، أنا ماليش في الحاجات دي.
ابتسم يحيى ابتسامة ساخرة قائلًا:
عمر يا عامري، لو عاوز تصيع متصعش على يحيى العامري. وكلمة من الآخر: مريم بنت الدكتور أحمد، وأنا بعتبر الدكتور أحمد في مقام والدي، ومريم بنته زي أختي الصغيرة. لو عجباك، ادخل البيت من بابه، غير كده أنا اللي هحاسبك، سامع؟
تنهد عمر تنهيدة مثقلة، بنبرة جادة طغى عليها الأسى واليأس ثم قال:
من غير ما تقول يا يحيى، أنا باحترم الدكتور. مستحيل أخطي حدودي مع مريم، مش علشان هي بنت الدكتور أحمد بس، لا، علشان هي بنت نظيفه. لو على النظرات، أنا رايح النهارده علشان أقفل الباب ده خالص، علشان زي ما أنت عارف ما ينفعش.
رحل عمر وأخذ مريم، ونظر لهم يحيى وهو يشعر بالأسف، فابن عمه محق، تلك العلاقة سوف يقف في وجهها العديد من الناس. ثم زفر يحيى بمرارة حين تذكّر علاقته مع هالة، فالجميع أيضًا سوف يحارب تلك العلاقة. همّ يحيى وأخذ هالة ومديحة ورحل معهم إلى المنزل.
******************************
وقف عمر عند عربة الطعام في الشارع، مدّ يده يطلب ما يريد من البائع. فوق العربة
جلست هي بهدوء، قدماها تتأرجحان، وعيناها تتابعه باهتمام.
مد عمر يده لها بالطعام الشهي. ابتسمت له بحب، فتحدث عمر قائلًا:
— قولّي يا مريومة، زعلانة ليه؟
رمقته بغيظ فقالت:
— هو مش إنت بتاع ستات وبتفهم كل البنات؟ مش فاهمني أنا ليه؟
ردّ عليها بخبثٍ مبطن وقال:
— والله يا مريومة، الأيام دي احسن حاجه أن الواحد يكون بتاع ستات.
ألقت إليه نظرة توهجت بالغيرة والغضب، ثم قالت:
— وماله؟ بتاع الرجالة وحش يعني؟
قهقه عمر وقال:
— استغفر الله، عيب يا بنتي، مش كده.
زفرت بأنفاس مثقلة باليأس، ثم همست:
— يا عمر، أنا تعبت من اللعبة دي. بس شكلك اللعبة دي عاجباك وجاية على هواك، بس أنا مش هقدر أكمل، عشان أنا الموجوعة، أنا اللي بتألم، وإنت ولا إنت هنا.
:
ا
"مُزِّق الحزنُ من أجلها، غير أنّه لم يجد سبيلاً سوى أن يغرس في قلبها جرحًا عميقًا، لعلَّه بذلك يدفعها بعيدًا عنه، إلى غير رجعة. فقال
لا يا مريم، اللعبة مش عاجباني. أنا حاولت أبعدك كتير وأعمل نفسي مش واخد بالي علشان تبعدي عني، بس كل مرة كنتِ إنتِي اللي بتقربي .انا عمري ما فكرت ألعب
بيك زي ما إنتِي فاكرة، ولا عايز أجرحك. بس اللي إنتِي عايزاه مش هينفع. أنا وإنتِي كل واحد فينا من عالم مختلف. أنا جاي من مكان عاداته وتقاليده مختلفة.
يمكن عشت نص عمري في القاهرة وعرفت بنات كتير زي ما إنتِي بتقولي “بتاع بنات”، بس يوم ما أفكر أتجوز، هتجوز واحدة من نفس المكان والبيئة اللي أنا جاي منها؛ واحدة تعرف عاداتي وتقاليدي، مش زي البنات اللي عرفتهم.
لم تستطع أن تحبس دموعها، فانحدرت غزيرة، وخرج صوتها المتهدج وهي تقول:
— مش بإيدي، أنا حبيتك من غير ما أحس. حبيتك من قبل ما أعرفك، من كلام هالة عليك. فجأة لاقيت نفسي مش بعمل حاجة في حياتي غيرك. حتى جامعتي رحتها عشانك، وكنت بشوفك وإنت بتضحك وتتكلم مع غيري، وحسيت بالنار جوه قلبي. أقنعت بابا نسكن في نفس البيت اللي إنت ساكن فيه، على أمل في يوم من الأيام تحس بيا. عارفة إن كلامي ملوش لازمة عندك، ولا هيغير وجع قلبي، ودموعي كل يوم بتنزل بسببك. حاولت أبعد معرفتش، قلبي الغبي بيحبك، وأنا بكره قلبي إنه بيحبك.
دنَت منه، والدموع تلمع في عينيها كجرح مفتوح، ونطقت قائلة:
— كلمة أخيرة يا عمر: أنا مش زي البنات الرخيصة اللي إنت تعرفهم.
كان قلبه يخفق وجعًا وفرحًا في آنٍ واحد؛ فرحًا باعترافها الصادق بأنها أحبته منذ سنوات، وألمًا لأنه لا يستطيع أن يبادلها نفس الحب. فهو، رغم فساده، يطمح في قديسة لم يطأ محرابها رجل يومًا، نقية كالصلاة، طاهرة كالسرّ. ولهذا قرر أن يتمّم ما بدأه، ويغرس في قلبها الخنجر الأخير الذي سيظل عالقًا فيه إلى الأبد. فقال لها:
— صح إنتِي مش زيهم، بس مش أحسن منهم يا مريم. تقدري تقوليلي إيه اللي يخلّيكي تخرجي مع راجل
لوحدكم؟ إحنا عندنا في الصعيد البنت ما بتقعدش مع خطيبها لوحدهم في البيت، ولا بتخرج معاه. ده غير إن البنات عندنا محجبة من وهي طفلة.
لم تستطع التماسك، فانهارت جريًا، والدموع تغسل دربها كمطرٍ كثيف.
نظر لها بعين دامعة، ثم أخرج الهاتف وقال:
— ألو؟ ركب البنت اللي قولتلك عليها. أوعى تسيبها، وأنا وراك بالعربية.
في مكان على الطريق، وقف سائق الأجرة وأصر أن يأخذ مريم وا يوصلها للمنزل . لم تعترض، فقد كانت في حالة صدمة وحزن.
ظل عمر يتبعها، وتنساب دموعه من أجلها، فلأول مرة يكون بكل تلك القسوة مع أحد.
****************************
فور الوصول إلى المنزل خرجت مديحة بهدوء، ثم
خرجت هالة، ونظرت له وهي لا تزال الشرر يتطاير من عينيها.
قام بغلق باب السيارة بعنف، ثم فتحته مرة أخرى وقامت بإغلاقه بقوة أكبر.
عضّ يحيى على أسنانه وهو يمسح على وجهه في محاولة للتماسك.
ابتسمت في وجهه باستفزاز، وحينها لم يستطع يحيى
أن يتمالك نفسه، فاقترب حتى يمسك بها، فركضت إلى الأعلى، وركض خلفها. ظلّا يركضان حتى وصلا إلى سطح المبنى، يلهثان.
تحدّث يحيى قائلًا:
بتعملي في العربية كده ليه؟
ردّت عليه على عجل، وقد أفلتت الكلمات منها تحت وطأة غيرتها فقالت:
علشان تقف معاها تانية؟
أشرق وجه يحيى بابتسامة واسعة، وانعكست في عينيه لمعة فرح صافية تكاد تنطق بسعادته.
كممت فمها بكفها، والحياء يعصف بها حتى تمنت لو ابتلعتها الأرض لتفلت من ثِقل حماقتها.
اقترب منها وهو يرمقها بعينين يتوهج فيهما عشق صادق، يختلط ببريق مكر لذيذ، وقد غمرهما ابتهاج طاغٍ لا يُخفى، ثم قال لها:
لو عملتي كده من غيرتك عليّ، يبقى فداكي العربية وصاحب العربية.
تقطّع صوتها بين ارتباكٍ عميق وانفعالٍ ارتسم على ملامحها، لتخرج كلماتها مرتجفة كأنها تعثرت بين أنفاسها وقالت:
لا، لا، لا… مش زي ما أنت فاهم.
نظر لها وظل يقترب منها، وهي تتراجع بتوتر حتى ارتطمت قدماها بأحد المقاعد، فاهتزّ توازنها وسقطت جالسة عليه، تتملكها رجفة حياء وارتباك.
سألها بخبث فقال:
لو مش غيرانة، آمال ده اسمه إيه يا كنزي؟
ما إن ناداها باللقب حتى رمقته بغيظ حاد، ثم وجهت بصرها نحوه، مستشعرة فارق الطول بينهما. اعتلت المقعد في حركة سريعة، ورفعت إصبعها باندفاع محتدّ ثم قالت:
أنا ما اسميش زفت!
إنت ملكش دعوة بيا تاني، روح اتجوّز الست اللي إنت ماشي معاها. وقبل ما تتكلم وتقول إن مفيش علاقة بينكم، هي عرفت إنك في المركز منين يا ولدي العامري؟
صمت يحيى، يطارد ذهنه ثِقل الكلمات التي لم يجد لها مخرجًا بعد. كيف يخبرها أن سارة، تلك المجنونة، تتعقّب أنفاسه قبل خطواته؟ وكيف يقنعها أن قلبه لم يعرف أنثى سواها، وأنه ـ وسط نساء الدنيا جميعًا ـ لا يرى غيرها ولا يريد غيرها؟
جلس يحيى على أحد المقاعد ثم نظر لها وقال:
طيب اقعدي خلينا نتكلم.
هزّت رأسها بعناد، فأمسك يدها وجعلها تجلس رغمًا عنها، ثم قال:
بُصّي يا هالة، سارة دي حاجة أنا قفلتها من سنين طويلة. حتى لو إنتي مش في حياتي، هي عمرها ما هتكون فيها. هي عرفت مكاني إزاي؟ دي حاجة أنا هحاسبها عليها. بس اللي عاوزك تعرفيه كويس إني بحبك إنتي وبس، ولا سارة ولا غيرها تهمني.
كانت كلماته تنساب بصدقٍ نابع من قلب عاشق، قلبٍ لم يتمنَّ من هذه الحياة شيئًا سوى أن يغمره نعيم الغرام مع من أحب، وأن يمضي عمره كله في دفء قربها.
التقت عيناها بعينيه، فارتجف قلبها كمن يذوق طعم الحب لأول مرة. كانت نظراتها غارقة في قلقٍ رقيق، تخاف أن تصدّق هذا الشعور فتنكسر، فهي لم تعرف يومًا أن تكون محبوبة، ولم يطرق قلبها أحد من قبل. ظلت طوال حياتها أسيرة فكرة أنها عانس، وأن الحب صار بعيد المنال عنها، فإذا به يقترب فجأة في صورة رجل أصغر منها سنًا، يزرع في روحها رجفة لم تعهدها، ويهز ثباتها الذي بنتْه عبر سنوات الوحدة.
سألته فقالت:
يحيى، إنت عتحبني صح؟
نظر لها بعيون العشق وقال:
أنا مش عارف ده حصل إمتى وإزاي. بس الحاجة الوحيدة اللي عارفها إني عاوزك معايا على طول،
تكوني جنبي. بقيت بفكر فيكي طول الوقت، مش عاوز أبقى ملزق وأقولك إنك بتوحشيني في الكام ساعة اللي مش بشوفك فيهم. بس هي دي الحقيقة انتي علي طول وحشاني لسه بتسألي بحبك ولا لأ؟
هزّت رأسها في صمت، وقد خنقتها العَبارة من شدّة ما اجتاحها من أحاسيس لم تعرفها يومًا. كانت كلماته كالمطر الأوّل الذي يلامس أرضًا عطشى، فتفتّحت روحها بين نبراته، وشعرت كأنها تحلّق في فضاء واسع من الحب، بقلب يرفرف كطائر وجد أخيرًا عشّه الآمن، نابضًا بسعادة لم تختبرها من قبل.
ضحك يحيى بصوتٍ غمرته البهجة، ثم قال:
طيب هقولها لك تاني وهقولها لكي على طول
: أيوه بحبك وعايز أتجوزك. قلتي إيه؟
تحدّثت والدموع تغشى عينيها فقالت له:
والناس يا يحيى؟
رد قائلًا:
مالهمش حاجة عندنا إحنا. إحنا هنتجوز على سنة الله ورسوله.
اغرورقت عيناها بالدموع وتحدّثت بصوت مختنق قائلة:
هيقولوا جُوّازك منّي عطف على بنت عمك العانس.
أحسّ بوجعها ينهش قلبه، ولم يكن يتخيّل أنها تحمل في داخلها كل هذا الضعف المستتر. نظر إليها بعينٍ حالمة، شاعرية الملامح، تفيض حبًا وقوةً وطمأنينة، كأنّه يكتب لها قصيدته الأولى بصمت العيون
، ثم قال:
هاقول لهم أنا اللي فضلت واقف على بابها أترجاها إنها توافق. قلتي إيه هتعطف عليا وتوافقي ولا لأ؟
نظرت إلى الأرض بخجل، وتحدثت بصوت منخفض من شدّة الحياء فقالت:
موافقة.
أطلق يحيى نفسًا مرتاحًا، وقد غمره شعور جميل بأن السعادة صارت قريبة منه، حتى شعر أنّ العالم كله أصبح ملكه. فتح فمه ليتحدث،
ولكن تفاجأ الاثنان بذلك الصوت الغاضب الذي قال:
انتم الاتنين عتقوله إياااااااا…
ووويتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات