📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثامن والعشرين 28 بقلم سمارة



 

=(حسم الأمور)

على مائدة العشاء

سادت أجواءٌ مشحونة بمزيج سام من الغيرة الاستغراب والضيق. كانت المشاعر المختلطة تتصادم كالأمواج العاتية

فالحاج بكري يشعر بإهانة صامتة لبيته

والحاجة صفاء تبتلع غصتها من أجل "الأصول".

​أما ورد.

فقد تجاوزت كل حدود الحياء

فكانت طوال الوقت لا تُنحي ناظريها عن جبل، تلاحقه بنظراتٍ جريئة وفاضحة أمام الجميع

لدرجة أن جبل. بسبب نظراتها.

شعر بالخجل من والده ومن وقار المائدة،

ولم يعرف أين يهرب بعينيه من هذا الحصار المستفز.

​أمينة كانت في حالة يرثى لها.

فصمتها الذي كان رزانةً بالأمس كاد أن ينفجر اليوم تحت وطأة هذا القُبح.

كانت تشعر بأن كرامتها تُذبح بدمٍ بارد أمام عينيها وغيرتها التي حاول جبل إطفاءها بكشف الحقيقه لم تكن كافيه.

و اشتعلت الآن لتصبح حريقاً يلتهم صبرها.

​وكالعادة.

كان لا بد لزيت الغيرة أن يُصب فوق النار، فتدخلت هند بصوتها المستفز لتُشرعن وجود ورد وتزيد من إحراج أمينة:

هند (بابتسامة لئيمة): منورة يا وردة.. كلي متتكسفيش!

خرجت أمينة عن صمتها باندفاع لم تحسب له حساباً،

وقالت بنبرة يملؤها التهكم الجارح:

أمينة: مين قال إنها مكسوفة؟ ما أهه.. بتاكل بإيديها وعينيها سوا.

​ساد صمتٌ كالصاعقة على المائدة.

رفع جبل نظره إليها، وكانت نظرة "وعيد" حادة، زجراً لها على جرأتها بالحديث بهذه الطريقة أمام والده.

فاروق (محاولاً لمّ الدور): وبعدين بكفاية.

صمت الجميع و​انتهى العشاء بجوٍ خانق.

ـــــــــــ

دخل جبل ليغسل يديه.

فأسرعت أمينة خلفه تحمل المنشفة، ونظرت إليه بنظرة غل مكتوم.

تكفي لإحراق المكان. مدّ جبل يده وأخذ المنشفة ببرودٍ يسبق العاصفة.

​جبل (بصوت منخفض وحازم): "ماشي.. لما نبقى لحالنا.

بقى بترمي كلام قدام أبوي وبتقلدي بنت خالك (هند)؟"

أمينة (بتحدٍ ): أنا عملت إيه؟ مقولتش حاجة عيب.. كنت برحب بالضيفة.

جبل (بتهديد): ماشي.. لما نطلعوا.

​تركها وخرج ليجلس

مع الرجال وورد التي لا تزال قابعة في الخارج كأنها صاحبة بيت.

ــــــــــــــ

أما في المطبخ

دخلت أمينة تغسل الأطباق مع سمية.

والنار تأكل صدرها،

وتزفر بضيق (تتأفأف) بصوتٍ مسموع.

​سمية (بمزاح لتهدئة الأجواء): "إيه هتحرقينا حيلك حيلك.

أمينة (بانفجار): هعمل إيه؟شوفتي الباردة خالعة برقع الحيا،

وقاعدة طول الوكل تبصله وتسبل في عينيها المعمصه ديتي.

سمية (ضاحكة): وافرض المهم هو مبصش.

أمينة (بسرعة): "أيوة مبصش..

سمية: الغيرة ديتي مش طبيعية يا منة..

أمينة (بإنكار): يعني إيه؟"

سمية: ده غير العشق.. وواضحة،

وفضحتي نفسك لما اتكلمتي.

أمينة (بارتباك): له طبعاً أنا بس مضايقة مش غيرانة.

سمية: أيوة أيوة..

أروح أطلع الشاي لحسن تحرقيني في المطبخ معاكي.

​خرجت سمية، وبقيت أمينة وحدها. ومن فرط غيظها، ضربت طبقاً فوق الآخر بقوة.

فانكسرا بين يديها.

أمينة (بفزع من فعلتها): يا مري يا قل عقلك يا منة.

أسرعت بجمع الشظايا وألقتها في القمامة لتداري آثار غضبها قبل أن يدخل عليها أحد،

لكن قلبها ظل يغلي.

فهي تعلم أن المواجهة الكبرى مع جبل ستكون فوق

ـــــــــــــــــــ

بعد وقت قليل دخلت الحاجة صفاء لتؤدي صلاة العشاء،

بينما غادر الحاج بكري وفاروق في مشوار ضروري. خرجت أمينة إلى البراندة

فوجدت الأجواء لا تزال مشحونة ورد تجلس في مواجهة جبل

تلاحقه بنظراتها وكأنها تمتلكه.

​أمينة (بتحدٍ وهي تنظر لجبل):

إيه.. مش هتطلع مع عمي يعني؟

جبل (ببرود): مش طالع.. ليه؟

أمينة: له.. عادي بسأل.

جبل: عادي برضو.

جلست امينه

و​ساد صمتٌ ثقيل.

فقطعته ورد بنبرة ناعمة مصطنعة: مقولتليش يا جبل.. عملت إيه.

مكلمتوش خالي ليه؟

جبل (بحزم): أنا مليش صالح بالحكاية ديتي.. خالك قدامك، قوليلُه أنتي.

دياب (بتساؤل): فيه إيه؟

ورد: "كنت عاوزاه يخلي خلي يقنع أبوي يطلقني.

​أمينة (بدهاء):

صح يا ورد.. عاوزة تطلقي ليه؟

ورد (ببرود وثقة): دي أسرار..

بس أنتي مش غريبة عشان خاني مش أنا اللي انخان وجوزي يقل مني ويعرف واحدة عليا.

​في تلك اللحظة.

شعرت عبير بنغزة في قلبها فنهضت ودخلت من المجلس وهي تجر أذيال خيبتها.

لاحظت أمينة ذلك فقررت أن تسقي ورد من نفس الكأس.

أمينة: هيتجوز يعني؟

ورد: له. داير وراها وبيكلمها تليفون ومسخرة.

أمينة (بابتسامة منتصرة): آآآه فهمت.. طيب،

بس أنتي زعلانة إنه يعرف واحدة في التليفون ليه ما أنتي بتعملي

كيفه وبترني على الناس في نص الليل ودايرة وراهم.

​انفجر ملاح ضاحكاً بصوتٍ

عالٍ لم يستطع كتمانه، بينما خرست ورد تماماً وتغيرت ألوان وجهها،

فقد قصف جبهتها جهاراً نهاراً.

جبل (وقد احتقن وجهه من الغضب بسبب كلام أمينة الصريح أمام إخوته):

روحي ادخلي.

أمينة (بتحدٍ): ليه؟

جبل (صاح في وجهها بقوة): ادخلي كلمة كمان هقطع رقبتك.

​دخلت أمينة مسرعة.

ورغم قسوة جبل وصياحه إلا أنها كانت تشعر بنشوة انتصار لا توصف فقد أوجعت ورد في الصميم. قابلتها هند بفضولها المعتاد:

إيه يا بت؟ فيه إيه؟ مالك؟"

أمينة (بثقة): بقولك إيه يا هند

ورد بره.. روحي سليها شوية، أنتي هتكملي وراي.

​تركتها أمينة مذهولة

ودخلت لغرفة عبير لتواسيها، بينما بقي جبل في الخارج يغلي.

وورد تحاول لملمة شتات كرامتها التي تبعثرت بكلمات: أمينة.​

ـــــــــــــــــــــــــــ             

في غرفة عبير

دخلت أمينة فوجدت عبير غارقة في صمتها ودموعها التي لا تجف.

أمينة (بمواساة): معلهش يا عبير.. هي مضايقة الكل مش ضايقتك لحالك.

عبير (بانكسار): عادي..

هي معاها حق مفيش حاجة.

جلست أمينة بجوارها وتنهدت بعمق: أنا كمان شكلي هعيط النهاردة.

عبير (باستغراب): ليه؟

حكت لها أمينة ما فعلته بالخارج مع ورد

فلطمت عبير على صدرها بخوف:

يا مرك يا أمينة.

ده أنتي لجامك فلت.. والله جبل ليقطع خبرك.

أمينة (بقلق بدأ يتسرب لقلبها): متخوفنيش يا عبير.. يعني كنت هعمل إيه؟ وه والله اقطع خبرو أنا هوا وهيا.

عبير: سيبيه هو كان هيرد كلامها يا إما يقصر الحديت معاها..

أنتي دخلتي حالك في النص.

أمينة (بمحاولة للهروب من الواقع): أهو اللي حصل بقى..

لو كلمني هسيب الشقة وآجي أبيت معاكي هنا.

ضحكت عبير رغماً عن وجعها:

دي هتبقى أوضة الاستقبال كدة. ما تطلعيش معاه أحسن.

ـــــــــــــــــــــــــ

​في الخارج (البراندة)

خرجت هند لتكمل وصلة التنكير

ووجدت ورد لا تزال جالسة ووجهها يغلي من الإحراج.

هند (بخبث): وه وردة لسه قاعدة؟

صمتت ورد وهي تشتعل.

فالتفتت هند لملاح الذي كان يراقب الموقف بصمت: "إيه يا ملاح..

مابشوفكش يعني تطلع تسهر ولا تقعد مع حد بره؟ على طول في البيت ياتري اليومين دول بس ولا علطول كدة؟

ملاح (برد قاطع وسرعة بديهة):

كرهتيني في الخلق كلها.. خلتيني مش عاوز أشوف حد.

دياب (بحدة مدافعاً عن ملاح وزاجراً هند): "احترم حالك ياد نسيت نفسك ولا إيه؟

صمت ملاح احتراماً لأخيه الأكبر،

بينما ابتسمت هند بانتصار لأنها أثارت جلبة.

دياب (موجهاً كلامه لهند): وأنتي خليكي في حالك.. ملاح يطلع ولا له مخصكيش.

هند: له.. أنا كنت بتكلم عادي عشان البيت ناسُه كترت.. حتى وردة طول اليوم هنا مونسانه.

​لم تتحمل ورد أكثر من ذلك،

فوقفت بعزة نفس مجروحة وقالت: أنا مروحة.. تصبحوا على خير.

استغربت هند من ردة فعلها.

ـــــــــــــــــ

مر الوقت

وذهب الجميع لمضجعه وبقيت أمينة في شقتها ترتعش من فكرة صعود جبل

وتلوم نفسها بصوتٍ خفيض: يا مرك يا منة لازم تطولي لسانك.. هتروحي فين دلوك؟

​بمجرد أن سمعت صوت مفتاح جبل في الباب، أسرعت ومسكت طرحة وربطت بها رأسها بقوة وتظاهرت بالألم الشديد.

دخل جبل الغرفة فوجدها مكومة على السرير تمسك رأسها وتتمتم بوجع: آه.. الصداع هياكل راسي لازم أنام.

​وقف جبل صامتاً لثوانٍ،

ينظر إليها بنظرات ثاقبة يتركها تنهي.. درامتها..

وهو يعلم يقيناً أنها تهرب منه.

اقترب منها ببطء، ومد يده ليمسكها من ربطة رأسها (الطرحة) برفق ولكن بحزم

وجذبها لتقف في مواجهته

فاصطدمت عيناها الخائفتين بعينيه الصارمتين.

​جبل (بنبرة هادئة ولكنها تحمل وعيداً مرعباً): خلي بالك..

عشان الموضوع ديتي مش هزار. أنا مش دياب أقعد وأنتي لسانك يطول في وجودي.

رغم إني حذرتك من كلامك قدام أبوي. ودي حكاية لحالها، رجعتي كررتيها بره ورميتي كلام.


​تذكر جبل في تلك اللحظة وصية والده بأن أمينة أمانة في رقبته،

فتمالك أعصابه وضغط على كلماته:

جبل: المسخرة دي متنفعش معاي

تنزلي مهما يحصل ومهما يتقالك،

تحفظي لسانك قدام أبوي وقدام أصغر واحد في البيت..

عشان متخلنيش أقلب عليكي وتشوفي مني وش مش هيعجبك واصل.. سامعة؟"

​بلعت أمينة ريقها :امممم حاضر

حينها شعرت أن "تمثيلية الصداع لم تنقذها، فجبل هنا لا يتحدث كـ"زوج.

بل كـ"كبير" يضع قواعد بيته

.تركها جبل وغرق في نومه،

فاستغلت أمينة الفرصة ولاذت بالفرار إلى عالم الأحلام قبل أن يتطور الأمر لصدام آخر.

ـــــــــــــــــ

وفي الصباح

وقبل أن تطأ أقدامهما الدرج للنزول توقفت أمينة ونادته بصوتٍ خفيض يملؤه الندم.

​أمينة: "جبل.."

جبل (بجمود): إيه؟

أمينة: أنا مكنش قصدي أعمل كل ده.. بس هي ضايقتني."

اقترب جبل منها

وظل ينظر في عينيها بصرامة: لما حكتلكِ

قولتلكِ إني بحكي عشان متتكلميش تاني في الموضوع،

مهما ورد عملت أو استفزتك.. صدقيني، مش هحذرك تاني.

أمينة (بإذعان): خلاص.. مش هتتكرر.

التفت لينزل

فنادته مرة أخرى: جبل.. عملت إيه في موضوع الأرض وأبوي؟

جبل (بنبرة مطمئنة رغم خشونة صوته): اصبري وهتتحل.. اصبري.ثم نزلا.

ــــــــــــــ

​عند بداية الدرج في الأسفل

كانت عبير تقف بتوتر ترقب نزول دياب وهند. وبمجرد أن رآها دياب انفرجت أساريره بابتسامة لم تظهر منذ زمن

دياب: صباح الخير.

عبير (بثبات فاجأه): صباح الخير..

كنت عاوزاك.

دياب: خير؟

نظرت عبير لهند بتحدٍ وقالت: مش هنا.. لحالنا.

اشتعلت الغيرة في قلب هند،

لكن دياب لم يعطها فرصة، بل أخذ عبير ودخل غرفتها وأغلق الباب،

تاركاً هند تأكلها النيران في الخارج.

ــــــــــــــــ

​داخل الغرفة

كان دياب يشعر بلهفة المحب الذي اقترب من نيل مبتغاه.

عبير: أنا موافقة أرجع.. بس بشرط.

دياب (بلهفة): موافق.

عبير: مش تعرف إيه الأول؟

المهم أرجع شقتي.. وأكمل علاجي.

دياب: قولت موافق..

هترجعي ميتى؟

عبير (بشرط قاصم): والله لما السنيورة تسيب الشقة.. هارجع.

دياب (بإصرار): تمام.. النهاردة أتكلم معاها، وبكرة ترجعي.. مع إني مش هصبر لبكرة.

نظرت له عبير بضيق: براحتك انا قدامي كام يوم عشان ارجع تكون طلعتها.

ثم خرجت،

تاركة إياه في فرحة عارمة لم تكتمل بداخلها هي بعد.

ــــــــــــ

​على مائدة الإفطار

جلس الجميع، فقررت أمينة أن تصلح ما أفسده لسانها بالأمس أمام كبير البيت.

أمينة (باحترام): احم.. يا عمي.

حقك عليا لو كلامي العشية ضايقك..

(ونظرت لفاروق) وأنت يا خوي حقك عليا.

الحاجة صفاء (بحسم الأم):

مفيش حاجة.. أنتي صاحبة البيت واللي مش عاجبه يتكل على الله.

الحاج بكري (بوقاره المعهود): خير مفيش حاجة يا بتي.. بس طبيعتك الهادية أحسن من اللي حصل متغيريهاش.

أمينة: حاضر.

​كان جبل يراقب اعتذارها بصمت،

وفي قرارة نفسه كان راضياً عن رضوخها لأصول البيت،

بينما كان دياب يفكر في الطريقة التي سيخرج بها هند من شقة عبير ليوفي بوعده

ـــــــــــــــــ

مرت أيامٌ قليلة ساد فيها هدوء حذر.

وفي صباح ذات يوم كان جبل يقف أمام المرآة يرتدي ثيابه ويلف "شال" رأسه بوقار وهيبة،

بينما كانت أمينة تجلس

وتراقبه بقلق وضيق. في انتظار لحظة نزولهما.

​أنهى جبل ما يفعله.

ثم التفت إليها بملامحه الصارمة: إيه.. وشك ماله على الصبح؟

أمينة (بضيق وحزن مكتوم): مفيش حاجة.

جبل (بتشكك): متأكدة؟

أمينة (بانفجار لم تستطع كبته): له أنت كل ما أسأل تقولي اصبري..

لغاية ميتا طيب؟

وكلمت فاتن مرت أخوي ومردوش عليا محدش بيحدتني منهم واصل.

​اقترب جبل منها وهدأ من روعه،

ثم قال بنبرة تحمل الحسم: النهاردة الموضوع هيخلص..

مش راجع بعد الشغل رايح دار أبوكي.

أمينة (بلهفة وفرحة غامرة وهي تقف): صوح.

عملت إيه؟

وكيف هتصلح الحكاية.

جبل (بغموض): مش ده المهم..

المهم بعد ما أروح لو الدنيا تمام هتاجي مع فاروق أخوي أو أبوي

عشان تشوفي أبوكي وتصالحيه.

أمينة (بخوف ممتزج بالفرح): كيف طيب أخاف.

جبل (بفخر): مرتي متخافش..

وبعدين أنا هكون موجود. يالا ننزلوا

أمينة (بإلحاح): طيب فهمني.

جبل (بابتسامة خفيفة تداري انشغال باله): يالا ننزلوا.. لو هفهمك هبّيت هنا من أسألتك.




التاسع والعشرين من هنا 

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات