رواية غموض الجبل القاسي الفصل السابع والعشرين 27 بقلم سمارة
(غيره وتطفل)
﷽
في صباح اليوم التالي
، استيقظ جبل ليجد أمينة كعادتها.
قد اغتسلت وجلست على سجادتها تصلي،
وتدعو بقلبٍ باكٍ أن يصلح الله شتات الأمر بين عائلتها وزوجها. دخل جبل واغتسل، وحين خرج كانت قد أنهت صلاتها.
أمينة (بوجه حزين: صباح الخير.
جبل: صباح الخير.
ظل يتفحص وجهها بعينيه : عاملة إيه دلوك؟
أمينة (بصوت منخفض): الحمد لله.
اقترب منها جبل قليلاً،
ونظر في عينيها التي بدأت تسحر قلبه بصدقها: مش عاوز أشوف الزعل اللي على وشك ده.. خلاص قولت هحل الموضوع يبقا خلاص متقلقيش
واصبري.
أمينة (بهدوء): إن شاء الله كل حاجة تتحل..
يا ريت حتى لو حد غيرك من البيت هو اللي شرا، يمكن كانت تكون أهون من كده.
جبل: مفيش فرق، كلنا واحد وكانوا هيزعلوا برضه.. أنا شغلي شرا الأرض والبيع وكل واحد
ليه مصلحه.. المهم خير.
أمينة: إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــ
نزل الاثنان للأسفل،
حيث كانت سمية وعبير في المطبخ تجهزان الإفطار في صمت يشوبه التوتر. فجأة.
دخل دياب وعيناه تقدحان شرراً وسحب عبير من يدها بقوة ورغماً عنها.
سمية (بفزع): بتعمل إيه يا دياب؟
دياب (بحزم وصوت جهوري: ملكيش صالح.. واحد ومرتو.
جرّ عبير خلفه حتى وصل لغرفتها
أدخلها بعنف وأغلق الباب بالمفتاح وعبير ترتجف لا تفهم ماذا دهاه وماذا قالت له هند ليلاً ليتحول لهذا الوحش!
داخل الغرفة، كانت عبير تراجع خطواتها للخلف والذعر يتملكها من نظرات دياب.
عبير: أنت بتعمل إيه؟
وقفت الباب ليه؟ افتح دلوك.. طلعني يا دياب!
دياب (ببرود شديد): مطلعاش.. مالك بهند؟
عبير: مليش دعوة بيها.. بَعد وطلعني.
اقترب دياب منها كثيراً حتى شعرت بأنفاسه، ثم قال ساخراً: إيه خايفة من جوزك؟
ولا الوحدة نستك أنا مين؟
صمتت عبير وشاحت بنظرها بعيداً كي لا تضعف أمام نظراته التي كانت دائماً نقطة ضعفها.
دياب (بنبرة مرهقة): وبعدين لو أنتي متعبتيش وزهقتي أنا زهقت.. عيب اللي بتعمليه ده قدام البيت وناسو لازم تليني و ترجعي.
عبير (بسخرية مريرة: هه.. أرجع فين يا دياب؟ خلاص المكان مش ليا ليه صاحبة تانية.
دياب...: أشري.. ويبقى ليكي غصب عن أي حد.
يا بت أنتي حبيبتي وأغلى من روحي.
عبير: كنت.. أو يمكن مكنتش أصلاً.
دياب: كنتي ومازلتي وهتفضلي حبيبتي.
عبير: وه كل ده وبتتجوز ليه من الأول؟
دياب: اعتبريها غلطة..
أو لحظة ضعف.
عبير: طيب طلقها لما هي غلطة.
دياب: أنا مكملتش حاجه مجوز.. عيب في حقي،ط عييييب. افهمي..دلوك ارجعي ونحلوها مع بعض.
عبير (بإصرار): طيب افتح وطلعني من هنا.
طلعني يا دياب متخلنيش أكرهك أكتر.
دياب (وهو ينظر في عينيها بحنان وشوق:
كرهتيني يا بت؟
شعرت عبير بقلبها يلين
وخافت أن تنهار حصونها أمامه فسارعت لإنهاء الموقف وبدأت تصرخ وتنادي بأعلى صوتها: "يا أماااي يا أمااااي.
هرع دياب إليها وكتم فمها بيده ليسكت صوتها،
لكنها أزاحت يده بقوة وقالت بتحدٍ: افتح الباب.. هطلع لعمي وجبل وهقولهم.
حتي لو حبستني شهر هطلع.
سار دياب نحو الباب بقلب مثقل، وقبل أن يفتحه قال: فكري يا عبير..
وقولي بس هارجع كل حاجة تكون تمام، نشفان الراس مش هيحل المشكلة هيعقدها أكتر. ثم فتح الباب،
فخرجت عبير مسرعة كأنها تهرب من مشاعرها قبل أن تهرب منه.
جلست عبير على المائدة والتوتر ينهشها، وخلفها دخل دياب ببرود يحاول إخفاء ما دار بينهما.
الحاجة صفاء: كنتوا فين فيه حاجة يا عبير؟"
عبير (بصوت مرتجف): له يا أماي مفيش.
كانت هند تراقبهما بمكر، وعلمت من ملامح عبير أن دياب يحاول استرضاءها، فاشتعل الحقد في قلبها أكثر
فهي لا تريد لعبير أن تعود لمكانتها الأولى.
التفت الحاج بكري لأمينة، فوجدها صامته حزينه لاكن حالها أفضل قليلاً من البارحة:
"عاملة إيه يا أمينة؟
أمينة: "الحمد لله بخير.
الحاج بكري: "الحمد لله.. (ثم نظر لجبل) أنا رايح للحاج حماد النهاردة أقعد معاه.
لمعت عينا أمينة بالأمل فربما كلمة الحاج بكري تنهي الخلاف،
لكن جبل قاطع هذا الأمل بحزم:
جبل: معلهش يا بوي.. سيب الموضوع عليا.
أنا هحله."
أمينة (بتلقائية): طيب ليه؟ يمكن عمي يقنع أبوي.
نظر لها جبل نظرة صامتة حادة، ففهمت وأغلقت فمها فوراً.
فهوا لا يريد ان يُقل شأن والده أمام احد.
الحاج بكري: هتعمل إيه يعني يا ولدي؟
جبل: هحلها يا بوي.. هحلها.
الحاج بكري (مطمئناً أمينة):
خلاص يا بتي
طالما حط حاجة في راسه هيحلها.. ولو محصلش، وعد من عمك أنا هعمل أي حاجة وأصلح الخلاف وآخدك من يدك تستسمحي أبوكي، إياكي تقلقي واصل."
أمينة: "إن شاء الله." فقد ارتاح قلبها قليلا من إهتمامهم بالأمر.
أراد ملاح أن يكسر حدة الجو.
فقال بمرحه المعتاد: "إن شاء الله الموضوع طالما دخل راس جبل وأبوي اطمني..
وساعتها نعمل فرحة كبيرة على شرف الصلح
ولا إيه يا بت يا أماي؟ هااا فرحة كبيرة.
ضحك الجميع وزال التوتر، إلا هند التي ظلت "كاشرة". وقع بصر ملاح عليها، فأشارت له بعينيها بضيق نحو الملح.
الموجود على الطاولة، فأشار لها بعينيه نحو "قرون الفلفل" الحامية، وكأنه يقول لها إنها "حامية" ومستفزة مثلها،
فشاحت بوجهها عنه بضيق
ـــــــــــــــــــ
انتهى الإفطار وغادر الرجال
فخيم على الدار هدوءٌ حذر.
.كانت سمية وعبير في المطبخ
تتبادلان الحديث بصوت خفيض وهم يغسلون الأواني.
سمية: "خير يا عبير.. دياب عمل إيه؟"
عبير (بتنهيدة): عاوزني أرجع تاني ويقولي أشّري وكل حاجة ترجع زي ما كانت.
سمية: قصده إيه ترجعي شقتك؟
طب وهي (تقصد هند)؟
عبير: معرفش.. هو قال كدة
ومين اللي يرجع أصلاً.
سمية: شوفي.. أنا مش هاقلل من وجعك، بس رجعتك لدياب هتخليه يقلب عليها.
ومش بعيد يغوّرها كيف ما جابها. البعد مبقيش حل جربي وشوفي.
وهي بغيرتها وكيدها هتعمل اي حاجة تخليه يطيرها على بيت أبوها تاني.
راجعي روحك كفاية بس يطلعك شقتك ويشوف لها مطرح يرميها فيه.
تنهدت عبير ويبدو عليها الاقتناع قليلاً:
مش عارفة..
ــــــــــــــــــــــــ
في الخارج.
كانت أمينة تجلس بجوار
الحاجة صفاء في البراندة.
تحاول استجماع شتات نفسها، دخلت ورد بخطوات واثقة وبرود مألوف.
شعرت أمينة بالضيق فور رؤيتها، ولاحظت الحاجة صفاء ذلك.
ورد: صباح الخير يا مرت خال.
الحاجة صفاء: صباح الخير يا ورد.
جلست ورد ببرود ونظرت لأمينة بتحدٍ: إيه.. جبل طلع؟
أمينة: آه طلع.. خير فيه حاجة؟
ورد: له، بسأل عادي على ابن خالي.. زعلتي؟
أمينة (بمحاولة للثبات): له طبعاً، اسألي براحتك."
في تلك اللحظة خرجت هند وهي تبحث عن أي شخص تفرغ فيه غيظها مما فعله دياب،
فوقع بصرها على ورد.
هند (بخبث): وه! وردة؟
إزيك.. بقالك يامين مش باينة، إيه أنا قولت عاودتي لجوزك!
ورد (بحدة): اسمي ورد مش وردة.
هند: مش هتفرق.. الاتنين مش لايقين عليكي أصلاً.
ورد (نظرت لها باستحقار): بس أنتي اسمك لايق عليكي.. كيف عبيد البقر.
الحاجة صفاء (بصرامة): "وبعدين فيه إيه عيب أنتو مش صغيرين، خلاص يا هند.
هند (بتمثيل): "حاضر يا مرت عمي، ولاوني متكلمتش.
ورد (بنبرة متعالية تجلس في مواجهتهن هو جبل راجع ميتا يا أمينة.
هند (بمكر الثعابين وهي تشعل النيران): راجعين المغرب يا وردة.. ما تاجي تتعشي معانا، والنبي تاجي.
أمينة (بثبات مهزوز، تحاول ألا تظهر غيرتها): "المغرب."
ورد (وهي تنهض ببرود مستفز): ماشي.. أجيلة لما يرجع.
الحاجة صفاء (بنظرة ثاقبة تدرك مكر ورد): خير.. ليه.
ورد (بلامبالاة مصطنعة): عادي.. هاشوفه عمل إيه، يالا سلام يا أمينة.
غادرت ورد، وتركت خلفها غباراً من التوتر. نظرت هند لأمينة باحتقار، كأنها تستنكر عليها صمتها ووقارها.
هند (بفرسة وغيظ): آه يا خايبة بتسأل عن جوزك وأنتي قاعدة كديتي؟
لو أنا كنت دبيت صباعي في زورها خلعت
بلعومها.
الحاجة صفاء (بصرامة الأم التي سئمت المشاكل): "وأيه كمان يا هند؟
أنتي صغيرة على اللي بتعمليه ده ليه عقلك فاضي كدة؟ اعقلي وخليكي حرمة رزينة.
هند (بصوت يملؤه الحقد وهي تغادر): يعني أنا اللي غلط والمقمعة ديتي هي اللي صح؟
أروح أنضف شقتي أحسن!
التفتت الحاجة صفاء لأمينة،
ومسحت على يدها بحنان وكأنها تنقل لها الحكمة في قطرات:
الحاجة صفاء: إياكي تتبعي البت دي.. الرزانة والعقل هما زينتك اللي هيخلوا جوزك يعشقك،
مش الخناق والمشاكل.. سامعة؟
أمينة (بهدوء: سامعة يا أماي.
ـــــــــــــــــــ
"حلّ المساء
، وعاد الرجال من عملهم
يتقدمهم جبل الذي كان يحمل بداخله مزيجاً من إرهاق العمل وشوقٍ خفي لم يترجمه إلا بالغيرة. بمجرد دخوله،
وقعت عيناه على أمينة وهي تضع الأطباق لم يرَ الطعام، بل رأى تفاصيل ثوبها (الحزام) الذي يبرز قوامها، فاشتعلت النيران في صدره.
جذبها من ذراعها بقوةٍ مباغتة وأدخلها بعيداً عن أعين الجميع،
ثم أوقفها عند أول درجات الدرج المؤدي لشقتهما، وحاصرها بنظراته الحادة التي تخترق وجهها.
جبل (بصوت يخرج من أعماقه يملؤه الضيق والغيرة):
وبعدين فيكي يا بت إيه المسخرة ديتي؟
أمينة. برجفة وتوتر من قربه المفاجئ: إيه.. فيه إيه؟
جبل (بغضب مكتوم):
قولت ميت مرة البسي زين.. أنتي نازلة بهدومك ديتي من ميتا.
أمينة (وهي تحاول فهم سبب ثورته): لسه مغيرة.. مالها؟
جبل (بحدة ): هو أنا ليه بحس إنك بتتعمدي تضايقيني بلبسك؟
أمينة (ببراءة): والله ما حصل..
طيب ليه مالها؟
جبل (وهو يشير بيده بغيظ): رابطة نصك ليه؟"
أمينة (تنظر لنفسها بدهشة):
فين نصي ده؟ ده من ورا بس (تقصد الحزام).
جبل (بانفعال): ما هو المصيبة إنه من ورا يالا متكتريش في الكلام،
غوري غيري.. ولما أطلع تلبسي الدولاب كله قدامي، أشوف إيه ينفع وإيه تحرقيه،
يا أحرقك وأنتي لبساه!"
أمينة (وقد بدأت تشعر بغيرته فتمردت بدلال): يبقى هرمي كله عشان مفيش حاجة عاجباك واصل.
جبل (وقد ضاق خلقه من عنادها):
أنتي بتردي ليه؟
قولت غوري غيري.
أمينة (بعتاب رقيق): ليه غوري؟
لو قولت اطلعي نفس المعنى..
ليه بتعاملني كدة؟
أغمض جبل عينيه بقوة يحاول كبح جماح غيرته التي كادت تخرجه عن وقاره أمامها ثم زفر بضيق وقال بنبرة متهكمة:
طيب.. اطلعي يا ست أمينة هانم غيري أم خلقاتك دي، ومتلبسيش حاجة فيها رباط تاني والا.. لورا ولا في أي مكان.. ها كدة زين؟"
أمينة (ببراءة مستفزة):
اسمه حزام..
رباط ده بيكون في الجزمة.
دفعها جبل بخفة على الدرج كادت تتعثر وهو يجز علي انيابه
من عنادها: يالا اطلعي..
وانزلي كدة تاني عشان أقتلك.
تركها وخرج ليلحق بالرجال.
بينما صعدت أمينة الدرج بقلبٍ يرقص فرحاً.
فبرغم قسوة كلماته
إلا أنها شعرت لأول مرة بلذة غيرته وحرصه عليها، وكأنه يريد أن يخبئها بداخل قلبه بعيداً عن أعين العالم.
أبدلت أمينة ملابسها بسرعة،
مختارةً ثوباً يراعي "غيرة" جبل الواعرة، ونزلت لتشاركهم مائدة العشاء. دخلت والمكان يملؤه صمت العائلة المهيب،
بينما كان جبل يراقب دخولها بطرف عينه، يتفحص ثيابها بدقة المحقق.
وحين وجدها فضفاضة كما أراد انطفأت نيران قلبه وهدأت ملامحه قليلاً.
لكن وقبل أن تلمس الأيدي الطعام حدث ما لم يكن في الحسبان
اقتحمت ورد المكان فجأة
دون حياء أو استئذان وكأنها صاحبة الدار. وقفت بزهو
ونظرت لجبل بابتسامة واسعة قائلة:
إيه.. اتأخرت؟ معلهش يا مرت خال، يدوبك خلصت تحضير الوكل لبوي وإخواتي وجيت جري.
ساد صمتٌ مخيف.
نظر جبل لوالدته هوا والحاج بكري بنظرات تملؤها التساؤلات،
بينما عجزت الحاجة صفاء عن النطق.
فهي تعلم يقيناً أنها لم تعزمها، لكن كرم الصعيد يمنعها من طردها.
هند (بضحكة خبيثة وعالية وهي تشعل الفتنة): "يخرب بيتك يا وردة
أنتي مش بتضيعي فرص واصل.
ورد (بثقة مستفزة): وسعي شوية..
دفعتها قليلا وجلست في المكان المقابل لجبل تماماً، لتكون عيناها في عينيه طوال الوقت.
كانت أمينة تنظر بذهول،
لا تصدق جرأة ورد ولا تصدق أن مزحة هند الصباحية تحولت لواقع ثقيل على قلبها.
يبدو أن ورد فعلاً لا تعرف للخجل طريقاً،
وأنها قررت إعلان الحرب على وجود أمينة في حياة جبل.