رواية حلال ولكن مرفوض الفصل السابع والعشرين 27 بقلم هالة محمد
27 = حلال ولكن مرفوض - رهينه وفستان زفاف 27 /
للجميع@
في مكان خالي من الناس يشبه الصحراء
أوقف عامر سيارته، ثم نظر بغضب إلى الجالسة بجواره وهي تبكي. قبض على يده بشدة، وأنفاسه تتسارع من الانفعال، ثم ضرب المقود بعنف حتى سالت الدماء من يده. حاولت نور أن تمسك به، لكن ما إن لامست يده حتى دفعها بقوة، ثم قبض على كتفيها بعنف حتى غرز أصابعه في جسدها وهو يصرخ
"كنتِ رايحة تعملي إيه مع العيال الشمامين في شقة مقطوعة هتشتغلي دعارة عشان الفلوس؟ بتبيعي نفسك؟ مش غريب على واحدة رخيصة وطماعة زيك... أهم حاجة عندها الفلوس!"
تحجرت الدموع في عيني نور من هول الصدمة. كانت كلماته كسكاكين تغرز في روحها بلا رحمة.
خرج عامر من السيارة وصفق الباب بعنف، ثم ابتعد وهو يغلي من الغضب.
خرجت نور أيضًا، تسير كمن فقدت روحها، تفكر في كل ما مرّ بها. ألقت عليه نظرة أخيرة، وكأنها تودعه وتودّع حياتها معه، ثم مضت حتى أبصرت سيارة قادمة بسرعة. توقفت أمامها، كأنها تبحث عن الخلاص من كل شيء.
في تلك اللحظة، كان عامر يهمّ بالعودة لمواجهتها من جديد. لمحها واقفة أمام السيارة المسرعة، فانطلق يجري وهو يصرخ. وقبل لحظة الاصطدام، دفعها بقوة بعيدًا ليسقطا معًا أرضًا بعنف. رفع بصره إليها، فرآها فاقدة الوعي.
حاول أن ينهض، لكن الألم كان يفتك به. ضغط على شفتيه حتى احمر وجهه من شدّة الوجع. نهض بصعوبة على قدم واحدة، يجر جسده حتى وصل إليها. جلس بجوارها، رفعها إلى حجره، وأخذ يربّت بخفة على وجهها محاولًا إفاقتها.
ارتجفت رموشها، وبدأ وعيها يعود تدريجيًا. ما إن أبصرت عامر حتى انفجرت بالبكاء، دموعها تتدفق كأنها تهرب من سجن ضاق بها. نظرت إليه بحزن عميق؛ لم تتوقع أن تراه بهذا السوء.
نهضت فجأة، والغضب يتأجج في صدرها. تجاهلت آلام جسدها، فالألم الحقيقي كان في قلبها. بصوت يخرج ممزوجًا بالشهقات قالت:
"أنا مش رخيصة يا عامر! آه، ممكن أكون طماعة زي ناس كتير... كنت عايزة أعيش في رفاهية، ألبس مركات، أعيش في قصر، أركب عربية آخر موديل، وآكل في أفخم... سمعت كلام الناس لم "قالوا إن الحب ما
بيفتحش بيوت،
ولا هيعيشني الحياة اللي أنا عايزاها. ومع الوقت، الحب بيتحوّل لجحيم لو ما فيش فلوس.
رُحت اتجوّزت واحد معاه فلوس، عمل لي كل اللي عايزاه، لكن المقابل كان إهانته وضربه وذلّه… وموت ابني قبل ما ييجي على الدنيا.
لو كنت رخيصة فعلًا، كان زماني فضّلت أعيش مع زوج مريض يتلذذ بتعذيبي وذلّي، أهون من إني أبيع نفسي ولا اشتغل في الدعارة زي ما بتقول.
وقف حائرا يعيش صراعًا داخليًا لا يعرف كيف يحسمه؛ أيتوسل السماح والغفران على كلماته التي انطلقت كسهام مزقت قلبها؟ أم يستسلم لشعور غريب بالنشوة والانتصار لأنه يراها تذوي بجوار رجل آخر اختارته من أجل المال؟ أم يحزن على نفسه، لأنه لولا فقره لربما عاش معها حياة سعيدة مليئة بالحب تحدث
عامر فقال نور أنا مش هعرف اقولك اسف ولا هقدر اسامحك ثم
"نظر إليها وعيونه تنطق بالانكسار
ولا هقدر اتخلي عنك انا موافق أرفع لك ا
القضية بس بعد كده مش عاوز اشوفك حتى صدفه
"كأنها تحاول إسكات العاصفة المنهمرة من عينيها."
تحدث بصوت مختنق فقال
وانا عمري ما هخليك تشوفني تاني انا جيت عندك علشان كنت فاكره إني هموت كنت عاوزاه اشوفك لآخر مرة كمان انا كنت رايحة النهارده اشوف شقه علشان مش عاوزة اعملك مشاكل اكتر من كده
كان قلب عامر يتألم مع كل كلمة تحدث عامر داخله فقال اه يا محبوبتي لو استطيع ان اخبيك بين ضلوعي واخفف عنك كل الالم ولكنك بنيتي سور عالي من الفولاذ بيننا لن يهدم مدى الحياه رحلا الاثنان بالصمت وهما يتفقان علي الفراق الأبدي
̶ ̶ ̶ ̶ ̶
****************************
في بلاد الصعيد، حيث يسكن الثأر ويُراق الدم من أجل وهمٍ لا ينتهي، غطّى الليلُ الأرض بردائه الأسود.
كان رجلٌ عائدًا إلى منزله، يحدّث رفيقًا بجواره، حين لمح شابًا يسير على الجانب الآخر بخطواتٍ هادئة، عيناه مشتعلة بالانتقام.
توارى بعيدًا عن الأنظار، ثم أخرج سلاحًا أسود يلمع تحت ضوءٍ باهت. لحظة صمت، ثم ضغط الزناد.
انطلقت الرصاصة تخترق الهواء، لتستقر في صدر الرجل. فتح فمه وعيناه على اتساعهما، كأن الهواء يتسرب من بين ضلوعه. ارتعش جسده، وسقطت الدماء متدفقةً كجدولٍ جارف.
صرخ رفيقه المذعور وهو يركع بجانبه:
– منصور! منصور أبو رحاب اتقتل!
تردّد الاسم في الفضاء، فهزّ القرية من جذورها. اجتمع الأهل، احتضن الابن جسد أبيه، يبكي ويصرخ بصوت مرتفع: فقال
– أبوي... يا بوي!
أما شقيق القتيل فأطبق كفّه على الجرح النازف، كأنه يظن أن قبضته قادرة على حبس الدم. وعيناه تقدحان نارًا وهو يصيح:
– مين عملها يا ولاد الكلب؟! والله ما هسيب فيكم واحد!
عندها ارتفع صوت أحد الشباب وهو يشير ناحية أخرى:
– أمسكوه! ده ولد خلف! هو الي عملها
وقف الشاب المتهم مشدوهًا، عينيه تتسعان أمام الكارثة التي اقترفها. نظر إلى المسدس المرتعش بين أصابعه، ثم إلى الوجوه التي اندفعت نحوه كالريح. ارتجف قلبه، وتدفقت دموعه وهو يركض.
ركضت القرية كلها خلفه. أقدامهم تثير التراب كعاصفة، وصرخاتهم تمزّق الليل. دموعه تسيل فوق خديه، يتذكر أمه وأباه، يتذكر شقيقه الميت الذي من أجله زُرع في صدره هذا الوهم: أن الثأر حق، وأن القتل نجاة.
وفجأة توقفت سيارة سوداء أمام الحشد. فتح السائق الباب بعنف، جذب الشاب إلى الداخل، وانطلقت السيارة تاركة وراءها صرخات وغبارًا يبتلع الطريق.
اختفى الشاب... واختفت السيارة وصاحبه المجهول
***********************
في القاهرة
في أحد المقاهي، كانت مريم تبكي بصوتٍ عالٍ يشبه بكاء الأطفال،
حتى إن النادل توقف حائرًا وهو يحمل صينية القهوة. أخفى عمر وجهه بكفه من شدّة الخجل، فقد صار كل من في المكان يحدّق فيهما.
همست امرأة من الطاولة المجاورة بغيظ:
فقالت "صِنف نكدي.. ما يتعاشرش."
فردّت أخرى وهي تنظر إلى زوجها نظرة اتهام: وهي تقول
"أكيد خانها.. رجالة طفّصة."
كاد عمر يختنق من الإحراج، فاقترب من مريم وأمسك يدها هامسًا برجاء يائس: وقال
"أبوس إيدك.. كفاية عياط. الستات هنا فكروني بخونك، شوية كمان وهيفتحوا عليّ محكمة دولية!"
وقفت إحدى النساء متدخلة وهي تشير لمريم قائلة:
"رانيا محامية متخصصة في قضايا المرأة – طلاق، نفقة، يعني – هتجرّجريه في المحاكم وتطلع عينه."
رفعت مريم رأسها فجأة، وعيناها متسعتان، وفمها مفتوح كمن نسي ما كان يبكي لأجله. توقفت دموعها في منتصف الطريق، وبدا على ملامحها أنها لم تفهم شيئًا مطلقًا، كأن عقلها قد خرج في إجازة طارئة.
أمسك عمر يدها ونظر إليها وهو يبتسم وقال:
"لا، أنا مريومة دي حبيبتي، قلبي ما قدرش استغنى عنها، صح يا مريومة؟"
تحدث قلبها قبل لسانها، وهي تنظر إليه وتذوب عشقًا، فقالت:
"صح يا حبيب مريومة.
أمسك عمر يد مريم ونظر للنساء فقال
نجاملكم في النصائب ان شاء الله
وبعد أن أنهى عمر حديثه مع النساء، أمسك بيد مريم وغادرا المقهى معًا. خرجا إلى الشارع، ثم ركبا السيارة وانطلقا بعيدًا عن المكان.
وفي منتصف الطريق، انفجر في الضحك حتى دمعت عيناه. وكلما تذكر حديث النساء، ارتفع صوته أكثر.
كانت مريم تنظر إليه في حب، تتأمل ضحكته ووجهه المشرق.
التفت إليها مازحًا وقال:
"عاجبك كده؟ كنت هاروح محكمة الأسرة."
ردّت بابتسامة جميلة تزين شفتيها:
"بعد الشر عليك، وبعدين مفيش واحدة عاقلة تتجوز واحد زيك وتروح محكمة الأسرة."
ارتجف قلبه مع كلماتها التي خرجت صادقة، فاخترقت قلبه دون استئذان. أوقف السيارة ثم تنهد، وترك قلبه يتحدث وأخرس عقله: فقال لها
"وانتي يا مريم.. جميلة في كل حاجة، مش بس شكلك، لا، بروحك الحلوة وقلبك الطيب."
ثم نظر لها بمكر وقال:
"صح؟ إنتِ قولتي يا حبيب مريومة؟ يعني إنتِي بتحبيني يا مريومة؟"
ارتبكت عيناها، تتنقّل بخوف، تارة تهرب وتارة تبحث عن مخرج بعيد. نظراته دفعتها لتفتح فمها محاولة الكلام، لكن خجلها كان أقوى، فهربت الكلمات، وتورد وجهها باحمرارٍ فضح ارتباكها.
شعر عمر بها فعاد يقود السيارة في هدوء حتى
وصلا إلى المنزل. خرجت مريم من السيارة ركضت مسرعة من السيارة، تهرب من عينيه، تخشى أن تفضحها دقّات قلبها وتكشف عشقها المكتوم.
***************************
نعود مرةً أخرى إلى بلاد الصعيد،
حيث نقترب من منزل الغول الذي تسكنه الشياطين.
هناك برزت الأفعى المدعوة ريم، التي استطاعت بخبثٍ وكذب أن تُقنع والدها بالسفر إلى القاهرة بحجة الدراسة، متذرعةً بأنها تريد أن تكون أفضل من ابنة العامري. لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك؛ فقد استغلت ما في قلبه ولدها من حقدٍ دفين وشعورٍ بالنقص تجاه عائلة العامري، حتى تخدعه وتظفر بفرصتها للذهاب.
لم يكن مقصدها العلم ولا التفوق، بل كان قصدها الإيقاع بـ يحيى وجذبه إلى شباكها.
وفي غرفتها، راحت ريم ترقص بخفة، ثم توقفت أمام المرآة تحدّق في انعكاسها بغرور. ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، وكأنها تحتفل بجسدٍ ذو أنوثةٍ طاغية، جسدٍ تعرف أنه سلاحها الأقوى، يُغري الرجال ويوقعهم في شَرَكها.
لكن، هل سيكون هذا كافيًا للفوز بيحيى؟ أم أن الأوان قد فات، بعدما صار قلبه وعقله أسيرَ سحرٍ آخر... سحرٍ لا يقوم على الجسد، بل على أمرٍ غامض لم تدركه ريم بعد؟
وفي غرفة طلعت، لم يختلف ذلك الحقير عن شقيقته.
كانت زينب تساعده على النهوض، فإذا به يستغل ضعفها ويقترب حتى التصق بها، ثم مدّ يده إلى خصرها يضمها بقوة
. تجمدت زينب في مكانها، وقد شلّها العجز والخوف، ولم يكن لديها القدرة على الدفاع عن نفسها أمام ذلك الذئب الكاسر، الذي يتلصص على ضعف النساء بلا شرفٍ ولا نخوة، لا يعرف سوى الانحدار وراء نزواته الرخيصة.
حاولت الابتعاد عنه، لكنه قبض على يدها بقوة، وعيناه تفيض شهوانية. لم تعد تحتمل؛ شعرت بالاختناق،
وارتجف قلبها بالبكاء المكتوم من العجز.
وفجأةً، فُتح الباب ويدخل كل من نعمة وعفاف
دفعت زينب طلعت بقوة فسقط أرضًا وهو يصرخ من الألم
. هرولت باكية إلى الخارج، ذهبت خلفها أمها
دخلتا نعمة الغرفة.
أسرعت نحو طلعت تحتضنه بلهفة وهي تقول:
ـ «سلامتك يا .ولدي.. يا رب تتقطع إيدها وإيد اللي جابوها! قوم يا قلب أمك، قوم يا حبيب
.»
مدت نعمة يدها إلى كتف ابنها، ثم مررت ذراعها تحت إبطه لترفعه برفق. أسند هو يده على كتفها الأخرى، واتكأ بجسده عليها. شدّت بقبضتها قليلاً حتى انتصب ببطء، ثم جلست به على المقعد المتحرك.
جلست تحت قدميه تحدق فيه وعيونها تشتعل بالغضب، فقال لها بصوتٍ متوعد:
ـ «وغلوتك عندي... لأجيبها تحت رجلك تدوس عليها دوس، هي واللي يتشدد لها. وبعدها سيبيها عليّ، أطلع روحها بإيدي.»
لكن طلعت انتفض فجأة، يصرخ بصوتٍ حاد:فقال
ـ «لااا! أوعي تقربي منها ولا تعملي لها حاجة!»
ثم انحنى حتى صار وجهه قريبًا من وجه أمه، وتحدث بفحيحٍ كالأفعى:فقال لها
ـ «إنتِي... تروحي بيتهم، تراضيها، وتجيبيها معاك. وإوعي ترجعي من غيرها.»
تطلعت نعمة إلى ابنها بقلقٍ عميق، ودار في قلبها سؤال:
هل يُعقل أن ابنها قد وقع في غرام تلك الفتاة؟!
وخفق قلب الأم بالغيرة، فهي تحب ابنها حبًا مفرطًا، حدّ التملك، ولا تريد أن يشاركها فيه أحد... حتى لو كانت فتاة بريئة كسرت قلبها.
****************************
في القاهرة العشق
منذ أسبوعٍ لم يَرَها، فقرَّر الذهاب حتى يُخرجها من ذلك الجُحر الذي تختبئ داخله.
كانت تجلس مُتعطِّشةً للشوق لرؤيته، كأنّهما لم يلتقيا منذ أعوام، وليس منذ بعض الأيام.
أتت فاطمة وهي تحمل بعض المشروبات، وتحدّثت بابتسامةٍ بشوشة قائلة:
ـ خُد يا يحيى شاي تقيل زي ما بتحب.
أمسك يحيى كأس الشاي وهو يبتسم في وجه تلك المرأة الطيبة، ثم قال لها:
ـ تسلم إيدك يا بطة، عُقبال ما أشرب منك الشربات قريب.
ردّت فاطمة وهي ترفع يدها للسماء قائلة:
ـ يا رب أفرح بيكم كلكم.
تحدّث يحيى بسرعة وقال:
ـ بصي يا بطة، أنا عاوز أشتري شوية حاجات علشان نِسمة والعيال وأمي. بس إنتِ عارفة أنا مش بعرف في الحاجات دي، أنا عاوز هالة تيجي معايا، هي تعرف أكتر.
ردّت فاطمة وهي تتّجه نحو غرفة هالة، وقالت:
ـ دَقايق أصحيها تيجي معاك.
دخلت الغرفة،
كانت هالة تقف خلف الباب تستمع لكل شيء. لقد شعرت به حين أتى إلى المنزل، فوضعت يدها فوق قلبها الذي خفق عطشًا له. لم تعُد تستطيع إنكار تلك
المشاعر، ولا الاعتراف بها أمامهم. لقد أقنعت أنها تكنّ مشاعر ليحيى، لكنّها ليست مشاعر عادية. ومع ذلك فهي ترفض تلك العلاقة التي سيهاجمها الناس لأجلها، إذ ليست على استعدادٍ أن تسمع كلامًا قاسيًا من أحد، فقد استمعت الكثير، ولم يعُد هناك مكان في قلبها لجروح الآخرين.
فُتح الباب فجأة ليُخرجها من دوامة المشاعر. تحدّثت فاطمة وهي تبتسم لها قائلة:
ـ يلا علشان تروحي مع ولد عمّك.
ابتعدت عن أمها وهي تُخفض بصرها إلى الأرض وتُجيب بارتباك:فقالت
ـ لا… مش رايحة.
أمسكت فاطمة بذراعها ونظرت إليها قائلة:
ـ مالك يا بنتي؟ إنتِ لكِ كام يوم على الحال ده؟ لا بتاكلي زين، ولا بتقعدي معانا، وعلى طول حابسة نفسك وقاعدة وحدِك!
صمتت هالة وهي لا تعرف ماذا تقول.
تنفست فاطمة بضيقٍ من ابنتها، ثم تحدّثت بلهجةٍ جادة:
ـ مش عتقولي في إيه؟ يبقى تلبسي وتروحي مع ولد عمّك من غير ولا كلمة، سامعة؟
اضطرت هالة للذهاب مع يحيى بعد حديث فاطمة الصارم.
وفي داخل السيارة، جلست تُحدّق في الطريق صامتة. مرّ وقت طويل، وما زالت على حالها، وهو أيضًا مثلها.
تحدّثت هالة في داخلها بفضول:
ـ لماذا لم يحاول التحدث معي ولم لا ينظر ليا
أما هو فكان يعلم بماذا تفكّر. ابتسم وقرّر أن يجعل تلك الصامتة تُخرج ما في صدرها.
نظرت له بطرف عينها، فرأته يُمسك بالهاتف ويضحك، ثم يُرسل رسالة صوتية لأحدهم وهو يقول:
ـ وانتي وحشاني…
تلهّب فؤادها بغيرةٍ لا تهدأ.
حاولت أن تُخفي غيرتها، وبدأت تُحدّث نفسها بصوتٍ منخفض:فقالت
ـ أكيد بيكلّم العقربة نِسمة…
لم يتمالك يحيى نفسه من الابتسام، بعد كشفت همهماتها عن غيرة تختبئ خلف عنادها.
قرّر أن يزيد من نار غيرتها، فقال:
ـ أيوه… هاخدك وأعرّفك على نِسمة وأمينة وكل عيلة العامري
لم تتحمّل، فقوّت قبضتها وضغطت عليها ثم ضربته بقوةٍ اندفاعًا من غيرتها، وهي تقول:
ـ لمّا إنتَ عتحب وحدة تانية، جاي تقول عتحبني وعاوز تتجوّزني ليه شايفني عيلة علشان تضحك عليا؟
أوقف السيارة، ثم نظر إليها. ابتسم بنظرةٍ ماكرة تخفي بين طياتها اعترافًا دفينًا وقال:
ـ طيب ما إحنا عن غير أهو، إيه لزمته جوّ الهروب؟
ثم قلد صوتها بمزاح:
ـ "لا يا يحيى، أنا مش موافقة… يا يحيى."
كانت عيناه تتوهجان بالحب، وكل كلمة خرجت من شفتيه ارتجفت بنغمةٍ عاشقة، فقال:
ـ وافقي يا هالة… أنا بحبك، وانتي بتحبيني. بلاش عناد ملوش لازمة.
كانت تُشيح بوجهها كلّما التقت عيناها بعينيه، كأنّ النظرات ستهتك ما تُخفيه في صدرها. تحدّثت بصوتٍ مرتجف، يُفضح اضطرابها، محاولةً أن تُخفي ارتعاش كلماتها بإنكارٍ بارد، لكنّ ملامحها الخجِلة كانت تقول ما لا تريد أن تعترف به.
هزّت رأسها بالرفض وهي تُعاند نفسها، ثم قالت بصوتٍ مرتبك:
ـ لا… أنا مش بحبك.
ضحك يحيى بسخريةٍ وغيظ منها وقال:
ـ كدابة! لو لسانك عيقول "لا"، كل حاجة فيكي عتقول "آه". عينيكي اللي عتهربي بيها يمين وشمال، وخايفة تبصيلي علشان هتفضحك نظراتك… وصوتك المرتبك اللي مش عارف يقول كلمتين على بعض… ودقات قلبك اللي أنا سامعها!
وعلى العموم، أنا مش مستني أسمع منك حاجة. أنا نازل الأسبوع الجاي أطلب إيدك من جدي وعمي.
نظرت إليه وهي في حالة خوفٍ وقلق، وقالت:
ـ بلاش يا يحيى! بلاش تعمل مشاكل في العيلة علشان حاجة عمرها ما هتحصل.
تكلّم بغيظ:
ـ إيه اللي يمنع إنها تحصل؟ ومشاكل إيه اللي هتحصل لما أطلب إيدك؟ هو أنا هعمل حاجة حرام ولا عيب؟! قولي، إيه الغلط في كده؟
صرخت في وجهه:
ـ مفيش حد هيوافق! افهم… أنا أكبر منك!
تحدّث بحدةٍ وصوتٍ غاضب، أعلى من صوتها:
ـ ما تقوليش "أكبر منك" دي تاني! الكلمة دي بتعصبني من زمان وانتي عارفاها!
ردت فقالت
ـ علشان هي دي الحقيقة يا يحيى! أنا أكبر منك! عارف لو أمك عرفت… مش هتوافق إن ولدها الوحيد يتجوز واحدة عندها 34 سنة! كلها كام سنة ومش هتخلّف زي ما عتقولولي دايمًا! وجدّك، اللي هو جدي برضه، مش هيوافق إن حفيده ولد سليم الله يرحمه يتجوز واحدة "عانس" اللي هي حفيدته
لم تستطع السيطرة على نفسها، فانفجرت في بكاءٍ مرير. ظلّت تبكي حتى ارتفع صوتها وارتعش جسدها من شدّة البكاء.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن، عاجزًا عن لمسها أو تهدئتها. كان صراخها يمزّقه من الداخل، وكل دمعةٍ تسقط تزيد عجزه وألمه. يعلم أنها محقّة في كل شيء، وأن الجميع ـ وأولهم عائلتهم ـ سيحارب هذا الزواج بكل قوّةٍ وشراسة. لكنه قرّر أن يقف أمام الجميع ويُحاربهم جميعًا حتى يفوز بحبها وتكون شريكة حياته. لن يستسلم، ولن يتنازل عنها.
خرج يحيى من السيارة والدماء تغلي في عروقه. نظر حوله ثم ابتسم، وركض إلى مكانٍ قريب، ثم عاد وهو يحمل بيده باقةً من الورود ذات اللون الأبيض والأزرق، تخطف الأنفاس من شدّة جمالها.
استقلّ السيارة وقدّم لها الورود هو ينظر لها بحب وتحدث بصوت عشق قائلًا:
ـ أنا كان نفسي آخدك في حضني وأهديكي وأمسح دموعك لغاية ما تسكتي… بس ما ينفعش أعمل كده غير لما تبقي مراتي. علشان كده جبتلك الورود دي، عارف إنك عتحبيها وبتطلّع عياط بدل ما آخدك في حضني… وساعتها مش هطلعك خالص. وابقى ذنب ونتحاسب عليه عند ربنا.
ارتبكت ملامحها، واتّسعت عيناها للحظة، ثم خفضت نظرها سريعًا، مكتفية بصمتٍ يشع حياءً وابتسامةٍ لم تستطع إخفاءها.
ابتسم حين رأى تلك الابتسامة الخفيفة التي ظهرت فوق شفتيها، ثم قال لها بجدّية:
ـ هالة… أنا عارف كل الكلام ده من غير ما تقولي.
نظرت إليه حين سمعت نبرته الجادة، فتابع بعينين دافئتين يملؤهما الحب: واستكمل حديث قائلا
ـ عارف كل حاجة قلتيها… وعارف إن الكل هيقف ضد جوازنا، وأولهم عيلتنا. بس أنا هاقف قصاد الكل… علشان قلتها لك، وهقولها لك مليون مرة: أنا مش هسيبك. هتجوزك يعني هتجوزك.
ثم أعاد تشغيل السيارة وانطلق.
*********************************)
في صباحٍ جديدٍ ببلاد الصعيد
، كان رجلٌ يجلس في أحد المقاهي واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يتحدث بشماتةٍ وغرور. قال متعجرفًا
: «مفيش كلب في البلد يقدر يتكلم علي ؛ أولاد زيان نص كلمة لا يقول مش رجالة، ما قدروش ياخدوا طارهم. إحنا أخذنا طارهم، ومش هنسكت — لسه هنضرب فيهم تاني. هاني — رحمَه الله — كان بيهم كلهم».
سكت قليلًا حتى انتفض أحد الرجال الذين استمعوا إلى الحديث، ثم تتحدث بصوتٍ بدا كالرعد فقال
: «طار إيه؟ يا ولد المحروق ما لكمش عندنا طار؟ حرق أبو اللي جابوكم! ادعُوا ربنا
علشان عليا الطلاق بالتلات لو منصور — أبو رحاب — ما طلعش منها ساليم مش هخلي فيكم راجل؟»
أجاب الرجل الجالس الآخر ممسكًا الشيشة. استنشق الدخان ثم أطلقه ببطء من فمه وأنفه، وقال بلهجةٍ مستفزة:
«بس ياد أنتم شوية حريم بطرح. إحنا ضربنا منصور أبو رحاب وأنتم ولا حد فيكم يقدر يتكلم».
غَلت الدماء في عروق الرجل الذي صوبت إليه الشتائم. قام فجأةٍ برفع المقعد الذي كان يجلس عليه وأنزله على ظهر الرجل الآخر. انفجرت الدماء من رأس الضحية. أما الرجل الأول الذي بدأ الحديث فالتقط عصاه وانهال ضربًا فوق ذراعيه. سحب الآخر مقعدًا وأمطر به الخصم ضرباتٍ متتالية.
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ اجتمعت العائلتان لتقلب الشجار حربا طاحنة. حمل كل واحد ما به يزهق روح الآخر: بعضهم ماسك أدوات زراعية، وآخرون عصيٌّ غليظة قادرة على شطر الرأس( فرع ) ، وآخرون حديدٌ ثقيل. بدأ الضرب عشوائيًا: يَجُرُّ أحدهم قدم الآخر، ويسقط آخر على رأسه فتسيل الدماء، ومن ينجح في رفع خصمه فينزله على الأرض الصلبة فتملأ الصرخات المكان من ألم.
لم يقتصر القتال على ذلك، بل أمسكوا بالمقاعد والزجاجات داخل المقهى وراحوا يكسرونها على بعضهم. تحولت الساحة إلى ساحة حربٍ قاسية، وتعددت الإصابات بين العائلتين. حاول أهالي القرية التدخل لتفريقهما، لكن الغضب والكراهية استبدّا بالمتقاتلين.
ركض بعض أفراد كل عائلة إلى بيوتهم ليحضروا مزيدًا من الأسلحة. أمسك أحدهم بسلاح ناري ضخم، حملَ به طلقاتٍ ثم رفعه في الهواء وأطلق ضرباتٍ عشوائية، غير مبالٍ بالأرواح التي ستزهق. استجابت العائلة الأخرى بالمثل؛ امتطت ساحة القتال حرب بقاء الأقوى.
ساعاتٌ من الصراع العنيف مرت، حتى وصلت قوات الأمن. فرّ من لم يستطع الركض، وسقط ممددًا على الأرض ينزف، ومن استطاع الهرب هرب والدماء تنزف منه. داهم رجال الأمن المنازل باحثين عن الرجال المشاركين في الشجار، لكنهم لم يجدوا أحدًا من
العائلتين. نظر رجال الأمن إلى النساء المرتعاشات الخائفات والقلقات، فأمر قائدهم الباقين بأن يجلبوا نساءً رهائن حتى يأتي الرجال ويقدّموا أنفسهم. وهكذا — كما يحدث أحيانًا في بعض مناطق الصعيد — أخذ رجال الأمن النساء رهائن ليجبروا الرجال على تسليم انفسهم
*****************************
نعود للعشاق
لم يكذب؛ كان حقًا ذاهبًا ليشتري بعض الأغراض للأسرة حتى يأخذها معه، وهو ذاهب لطلب يدها من العائلة. كانوا يتفقدون ما يلزمهم من ملابس، وفجأة وقعت عين يحيى على مجر آخر يختص ببيع فساتين الأعراس ومستلزمات الأفراح
.
تحدثت وهي تمسك بعض الثياب قائلة:
«يحيى، إيه رأيك؟ دا حلو للعامري ولا لا؟ فاطمة دي حلوة قوي عليها. أنا نفسي أعرف نوار ليه سَمَّى أولاده فاطمة وعامري، يعني خلَّصت الأسامي ولا هو لخبط وخلاص؟ إنتِ ليه ما بتردّيش؟»
نظرت في المكان فلم تجد له أثرًا، وتفاجأت بفتاة تمسك يدها وتقول لها:
«لو سمحتي يا آنسة، تعالي معايا.»
نظرت للفتاة باستغراب ثم فتحت فمها ليتحدث، لكن لم تُعطَها الفتاة مجالًا، فأمسكت بيدها وذهبت بها إلى المجر الخاص بالزفاف.
دخلت المحل وهي لا تفهم شيئًا،
فتفاجأت به وهو يمسك بيده أحد فساتين الزفاف التي كانت تخطف الأنظار والأنفاس من شدة جمالها ورقتها. دق قلبها، وتوقفت أنفاسها؛ لم يبقَ لعيونها بريق أمل، فقد فقدته منذ زمن بعيد.
ارتجعت إلى الخلف وهي تحاول الهروب، فهي لا تريد أن تعيش السعادة لبرهة ثم تتفاجأ بالجحيم بعد ساعات
. أمسكت بها تلك الفتاة ومعها أخرى، ثم قالتا: «أدخلوها إلى مقصورة صغيرة أُعِدّت لتجربة الثياب.» ثم قفلوا الباب.
ضربت هالة الباب بغضب من الداخل وهي تصرخ: «يحيى، افتح الباب!»
ظلّت تناديه بصوت مرتفع؛ كان يقف خلف الباب ثم رد عليها ببرود قائلاً:
«وطي صوتك. قيسي الفستان — خلّينا نمشي، أنا لسه ورايا حاجات كثيرة.»
ازداد غضبها من هذا البرود، فارتفع صوتها أكثر وقالت بغيظ:
«يا بارد.»
رد عليها: فقال
«هحاسبك على طول على لسانك ده بعدين، بس دلوقتي هتصل بعمر وهكلّم فاطمة — بطوطة حبيبة قلبي — هي اللي تقنعك وكمان تفرح بكي لم تشوفك بفستان الفرح
دقَّ قلبها وشعرت بالقلق؛ إذا جاء شقيقها سيقوم شجار كبير بينه وبين يحيى، وإذا أتت أمها... تنهدت هالة بيأس من رأس يحيى. اليابس استسلمت له وقالت
بغيظ: «خلاص، بلاش ترن علي حد . هأقيس الفستان بس، والله يطلع عينك لم اطلع
» ارتفعت ضحكات يحيى من الخارج.
بعد مرور نصف ساعة لم تخرج؛ فذهب يحيى بقلق ليطرق الباب
. أما في الداخل، فكانت تنظر لنفسها في المراه بذلك الثوب الأبيض الذي تمنت أن ترتديه منذ سنوات مثل جميع الفتيات، لكن لم يشأ الله.
انهمرت دموعها كحبات الندى فوق وجنتيها. تذكرت الكلمات السامة التي كانت تسمعها من الناس: أنّها لن تكون عروسًا يومًا، وأنها لن تلبس فستان زفاف لأنها «بقت فتاة عانس».
ذاك اللقب اللعين صار يلاحقها في كل مكان؛ يطلقه الناس عليها بلا رحمة ولا رأفة. لم تستطع أن تبتسم؛ لقد تملكها اليأس.
همست لنفسها متألمة فقالت:
«أوعى تفكري إنك يومًا هتلبسي فستان الفرح وتبقَي عروسة. انسِ الموضوع؛ أنتِي عانس وهتفضلي عانس. وأوعي تفرحي إن يحيى عحبك ويتزوجك — دا مستحيل
لم يكن في داخلها سوى اليأس، فكانت تهمس لنفسها:
«مفيش حد هيوافق يتجوز واحدة عانس زيك… حتى هو، شوية وهيزهق، وهيفوق لنفسه، وهيرفض يتجوز واحدة عانس.»
كانت كلماتها شديدة القسوة على نفسها، لكنها آثرت أن تقسو على ذاتها أفضل من أن يجرحها الناس.
فتحت الباب بعنف وخرجت له. تسمّر يحيى في مكانه، عيناه معلّقتان بها وهي تطلّ بالفستان، كأن الزمن قد توقّف عند تلك اللحظة. تتابعت دقات قلبه بعنف حتى كاد يسمع صداها، واضطربت أنفاسه كأن الهواء ضاق عليه.
بدت له أجمل وأبهى مما عرفها من قبل؛ حلوة الملامح، آسرة الحضور، وجذّابة كأنها خُلقت لتسكن عينيه وحده. تلمّعت عيناه بنظرة امتزج فيها الذهول بالإعجاب، وكأن العالم بأسره قد انزاح ليفسح المجال لصورتها وهي تتألّق أمامه.
تحرّك واقترب منها. رأء الدموع تغرق وجهها من كل مكان، كأنها تسبح في بحر من الدموع. تحدث بمشاعر مملوءة بالحب وقلب ينبض من أجلها فقط، ونظر إليها بعينين تنطقان بالعشق قائلاً:
«عارف وحاسس بكل حاجة بتفكري فيها وخايفة منها. بس وعد، الأيام الجاية هتثبت لك قد إيه أنا بحبك، وإن عمري ما هتخلى عنك. هخليك تنسي كل حاجة وحشة وكل كلمة جرحتك.»
ثم مازحها وهو يبتسم:
«يلا روحي غيري الفستان، أحسن ما آخدك وروح على المأذون وأنتِ عسل كده. يخربيتم طلعتي قمر… يا كنزي.»
نفخت بضيق وصرخت في وجهه:
«ما تقولش كلمة الزفت كنز دي تاني! أنا ما اسميش كنز.»
اقترب منها حتى صار بمستواها وقال:
«إنتِ كنز حياتي. وقريب جدًا هتكوني حرم يحيى العامري.»
لم تتحمّل، ففرت هاربة منه ومن كلماته.
عادت إلى المقصورة، وعلى وجهها ابتسامة تطير بها من السعادة. قررت أن تسلّم أمرها لله، ودعت في سرّها أن يجمعها الله به في الحلال تحت سقف واحد إن كان صادقًا في حبّه.
قرر يحيى أن يتحدث مع عمر وفاطمة قبل أن يذهب إلى العائلة. كانت الفتاة قد جرّبت فستان الزفاف، وأصر يحيى على شرائه. ثم خرجوا، واستقلوا السيارة، وعادوا إلى المنزل.
*********************************
اوقف السيارة عمر التي كان داخلها كل من مريم واحمد أمام العمارة السكنية
فلقد تم شفاء احمد وعاد للمنزل
خرج احمد من السيارة بسرعه كبيره وعيونه تبحث عنها
وها هي قد وجدها
كانت مديحة تخرج من المنزل وقفت فجأة حينا راته شعرت بالارتباك وحاولت الهروب عائده لمنزلها مره اخرى ولكن قد راها احمد وبصوت يملاه الشوق واللهفه نادى اسمها فقال
مديحة
دق قلبها حينا استمعت لحروف اسمها تخرج من بين شفتيه
بهذه النبره التي مليئه بالشوق واللهفه
خطا احمد خطوه سريعه ولم يهتم بنظرة عمر ومريم الذين كانوا ينظرون له بعلامه استفهام وشك
اقترب منها وهو يحاول التقاط انفاسه نظر اليها بعيون تملأها الحب
وتحدث بجرأة فقال لها
وحشتيني يا مديحة
تحدث عامر الذي خرج فجأة من المنزل وهو في حاله من الذهول غير مصدق لما استمعت اذنه
فقام بسؤال احمد مره اخرى حتى يتاكد هل ما سمعه حقيقي أما وهم
فقال انت قلت ايه
رد احمد بثقة دون خوف وقال
عامر انا طالب ايد أمك
لم يتمالك عامر اعصابه فامسك باحمد من ثيابه وهو يحاول خنقه وتحدث بصوت مرتفع مليء بالغضب ويقول
تتزوج مين انت اتجننت عاوز تتجوز امي والله يا اقتلك
ركض عمر وأمسك بيد عامر التي تضغط علي رقبة أحمد بقوة فتحول وجه احمد للون الأحمر وانقطعت الانفاس
صرخت مريم وهي تبكي علي والدها وضربت عامر من اجل ان يتركه بهذا الوقت وصل كل من هاله
ويحيى ركض كلاهما وهم لا يفهمون شيئا امسك يحيى بصديقه من الخلف ثم سحبه بقوه اقتربت مريم وهاله من احمد فساعدوه على التقاط انفاسه كان عامر مثل الثور الهائج مزال يريد ازهاق روح احمد مره اخرى تحدث يحيى بصوت حاد وهو يسال فقال
هو في إيه
رد عمر
وهو يحاول كتمان الضحكة
فقل دكتور أحمد عاوز يتزوج مديحة
صاح يحيى بصوت مرتفع. في وجهه عمر
انت ما عندكش دم ده وقت هزار يا بارد
تحدث احمد مره اخرى بعد التقاط انفاسه وقال
انا عملت ايه علشان كل ده انا بقول عاوز اتزوج أمك
لم يستطيع عمر امساك نفسه بعد فانفجر ضاحكا بصوت مرتفع
نظر يحيى لصديق والده وهو غير مستوعب ماذا يقول
استطاع عامر الإفلات من يحيى ثم حاول الإمساك باحمد مره
اما مديحة فكانت في عالم آخر وحين رأت ابنها عاد مره اخرى حتى ينهي على حياة احمد لم تستطيع الصمود وسقطت فاقضة الوعي وهنا وقف الجميع عن الشجار
̶ ̶ ̶ ̶ ̶ ̶
ووويتبع
للجميع@
في مكان خالي من الناس يشبه الصحراء
أوقف عامر سيارته، ثم نظر بغضب إلى الجالسة بجواره وهي تبكي. قبض على يده بشدة، وأنفاسه تتسارع من الانفعال، ثم ضرب المقود بعنف حتى سالت الدماء من يده. حاولت نور أن تمسك به، لكن ما إن لامست يده حتى دفعها بقوة، ثم قبض على كتفيها بعنف حتى غرز أصابعه في جسدها وهو يصرخ
"كنتِ رايحة تعملي إيه مع العيال الشمامين في شقة مقطوعة هتشتغلي دعارة عشان الفلوس؟ بتبيعي نفسك؟ مش غريب على واحدة رخيصة وطماعة زيك... أهم حاجة عندها الفلوس!"
تحجرت الدموع في عيني نور من هول الصدمة. كانت كلماته كسكاكين تغرز في روحها بلا رحمة.
خرج عامر من السيارة وصفق الباب بعنف، ثم ابتعد وهو يغلي من الغضب.
خرجت نور أيضًا، تسير كمن فقدت روحها، تفكر في كل ما مرّ بها. ألقت عليه نظرة أخيرة، وكأنها تودعه وتودّع حياتها معه، ثم مضت حتى أبصرت سيارة قادمة بسرعة. توقفت أمامها، كأنها تبحث عن الخلاص من كل شيء.
في تلك اللحظة، كان عامر يهمّ بالعودة لمواجهتها من جديد. لمحها واقفة أمام السيارة المسرعة، فانطلق يجري وهو يصرخ. وقبل لحظة الاصطدام، دفعها بقوة بعيدًا ليسقطا معًا أرضًا بعنف. رفع بصره إليها، فرآها فاقدة الوعي.
حاول أن ينهض، لكن الألم كان يفتك به. ضغط على شفتيه حتى احمر وجهه من شدّة الوجع. نهض بصعوبة على قدم واحدة، يجر جسده حتى وصل إليها. جلس بجوارها، رفعها إلى حجره، وأخذ يربّت بخفة على وجهها محاولًا إفاقتها.
ارتجفت رموشها، وبدأ وعيها يعود تدريجيًا. ما إن أبصرت عامر حتى انفجرت بالبكاء، دموعها تتدفق كأنها تهرب من سجن ضاق بها. نظرت إليه بحزن عميق؛ لم تتوقع أن تراه بهذا السوء.
نهضت فجأة، والغضب يتأجج في صدرها. تجاهلت آلام جسدها، فالألم الحقيقي كان في قلبها. بصوت يخرج ممزوجًا بالشهقات قالت:
"أنا مش رخيصة يا عامر! آه، ممكن أكون طماعة زي ناس كتير... كنت عايزة أعيش في رفاهية، ألبس مركات، أعيش في قصر، أركب عربية آخر موديل، وآكل في أفخم... سمعت كلام الناس لم "قالوا إن الحب ما
بيفتحش بيوت،
ولا هيعيشني الحياة اللي أنا عايزاها. ومع الوقت، الحب بيتحوّل لجحيم لو ما فيش فلوس.
رُحت اتجوّزت واحد معاه فلوس، عمل لي كل اللي عايزاه، لكن المقابل كان إهانته وضربه وذلّه… وموت ابني قبل ما ييجي على الدنيا.
لو كنت رخيصة فعلًا، كان زماني فضّلت أعيش مع زوج مريض يتلذذ بتعذيبي وذلّي، أهون من إني أبيع نفسي ولا اشتغل في الدعارة زي ما بتقول.
وقف حائرا يعيش صراعًا داخليًا لا يعرف كيف يحسمه؛ أيتوسل السماح والغفران على كلماته التي انطلقت كسهام مزقت قلبها؟ أم يستسلم لشعور غريب بالنشوة والانتصار لأنه يراها تذوي بجوار رجل آخر اختارته من أجل المال؟ أم يحزن على نفسه، لأنه لولا فقره لربما عاش معها حياة سعيدة مليئة بالحب تحدث
عامر فقال نور أنا مش هعرف اقولك اسف ولا هقدر اسامحك ثم
"نظر إليها وعيونه تنطق بالانكسار
ولا هقدر اتخلي عنك انا موافق أرفع لك ا
القضية بس بعد كده مش عاوز اشوفك حتى صدفه
"كأنها تحاول إسكات العاصفة المنهمرة من عينيها."
تحدث بصوت مختنق فقال
وانا عمري ما هخليك تشوفني تاني انا جيت عندك علشان كنت فاكره إني هموت كنت عاوزاه اشوفك لآخر مرة كمان انا كنت رايحة النهارده اشوف شقه علشان مش عاوزة اعملك مشاكل اكتر من كده
كان قلب عامر يتألم مع كل كلمة تحدث عامر داخله فقال اه يا محبوبتي لو استطيع ان اخبيك بين ضلوعي واخفف عنك كل الالم ولكنك بنيتي سور عالي من الفولاذ بيننا لن يهدم مدى الحياه رحلا الاثنان بالصمت وهما يتفقان علي الفراق الأبدي
̶ ̶ ̶ ̶ ̶
****************************
في بلاد الصعيد، حيث يسكن الثأر ويُراق الدم من أجل وهمٍ لا ينتهي، غطّى الليلُ الأرض بردائه الأسود.
كان رجلٌ عائدًا إلى منزله، يحدّث رفيقًا بجواره، حين لمح شابًا يسير على الجانب الآخر بخطواتٍ هادئة، عيناه مشتعلة بالانتقام.
توارى بعيدًا عن الأنظار، ثم أخرج سلاحًا أسود يلمع تحت ضوءٍ باهت. لحظة صمت، ثم ضغط الزناد.
انطلقت الرصاصة تخترق الهواء، لتستقر في صدر الرجل. فتح فمه وعيناه على اتساعهما، كأن الهواء يتسرب من بين ضلوعه. ارتعش جسده، وسقطت الدماء متدفقةً كجدولٍ جارف.
صرخ رفيقه المذعور وهو يركع بجانبه:
– منصور! منصور أبو رحاب اتقتل!
تردّد الاسم في الفضاء، فهزّ القرية من جذورها. اجتمع الأهل، احتضن الابن جسد أبيه، يبكي ويصرخ بصوت مرتفع: فقال
– أبوي... يا بوي!
أما شقيق القتيل فأطبق كفّه على الجرح النازف، كأنه يظن أن قبضته قادرة على حبس الدم. وعيناه تقدحان نارًا وهو يصيح:
– مين عملها يا ولاد الكلب؟! والله ما هسيب فيكم واحد!
عندها ارتفع صوت أحد الشباب وهو يشير ناحية أخرى:
– أمسكوه! ده ولد خلف! هو الي عملها
وقف الشاب المتهم مشدوهًا، عينيه تتسعان أمام الكارثة التي اقترفها. نظر إلى المسدس المرتعش بين أصابعه، ثم إلى الوجوه التي اندفعت نحوه كالريح. ارتجف قلبه، وتدفقت دموعه وهو يركض.
ركضت القرية كلها خلفه. أقدامهم تثير التراب كعاصفة، وصرخاتهم تمزّق الليل. دموعه تسيل فوق خديه، يتذكر أمه وأباه، يتذكر شقيقه الميت الذي من أجله زُرع في صدره هذا الوهم: أن الثأر حق، وأن القتل نجاة.
وفجأة توقفت سيارة سوداء أمام الحشد. فتح السائق الباب بعنف، جذب الشاب إلى الداخل، وانطلقت السيارة تاركة وراءها صرخات وغبارًا يبتلع الطريق.
اختفى الشاب... واختفت السيارة وصاحبه المجهول
***********************
في القاهرة
في أحد المقاهي، كانت مريم تبكي بصوتٍ عالٍ يشبه بكاء الأطفال،
حتى إن النادل توقف حائرًا وهو يحمل صينية القهوة. أخفى عمر وجهه بكفه من شدّة الخجل، فقد صار كل من في المكان يحدّق فيهما.
همست امرأة من الطاولة المجاورة بغيظ:
فقالت "صِنف نكدي.. ما يتعاشرش."
فردّت أخرى وهي تنظر إلى زوجها نظرة اتهام: وهي تقول
"أكيد خانها.. رجالة طفّصة."
كاد عمر يختنق من الإحراج، فاقترب من مريم وأمسك يدها هامسًا برجاء يائس: وقال
"أبوس إيدك.. كفاية عياط. الستات هنا فكروني بخونك، شوية كمان وهيفتحوا عليّ محكمة دولية!"
وقفت إحدى النساء متدخلة وهي تشير لمريم قائلة:
"رانيا محامية متخصصة في قضايا المرأة – طلاق، نفقة، يعني – هتجرّجريه في المحاكم وتطلع عينه."
رفعت مريم رأسها فجأة، وعيناها متسعتان، وفمها مفتوح كمن نسي ما كان يبكي لأجله. توقفت دموعها في منتصف الطريق، وبدا على ملامحها أنها لم تفهم شيئًا مطلقًا، كأن عقلها قد خرج في إجازة طارئة.
أمسك عمر يدها ونظر إليها وهو يبتسم وقال:
"لا، أنا مريومة دي حبيبتي، قلبي ما قدرش استغنى عنها، صح يا مريومة؟"
تحدث قلبها قبل لسانها، وهي تنظر إليه وتذوب عشقًا، فقالت:
"صح يا حبيب مريومة.
أمسك عمر يد مريم ونظر للنساء فقال
نجاملكم في النصائب ان شاء الله
وبعد أن أنهى عمر حديثه مع النساء، أمسك بيد مريم وغادرا المقهى معًا. خرجا إلى الشارع، ثم ركبا السيارة وانطلقا بعيدًا عن المكان.
وفي منتصف الطريق، انفجر في الضحك حتى دمعت عيناه. وكلما تذكر حديث النساء، ارتفع صوته أكثر.
كانت مريم تنظر إليه في حب، تتأمل ضحكته ووجهه المشرق.
التفت إليها مازحًا وقال:
"عاجبك كده؟ كنت هاروح محكمة الأسرة."
ردّت بابتسامة جميلة تزين شفتيها:
"بعد الشر عليك، وبعدين مفيش واحدة عاقلة تتجوز واحد زيك وتروح محكمة الأسرة."
ارتجف قلبه مع كلماتها التي خرجت صادقة، فاخترقت قلبه دون استئذان. أوقف السيارة ثم تنهد، وترك قلبه يتحدث وأخرس عقله: فقال لها
"وانتي يا مريم.. جميلة في كل حاجة، مش بس شكلك، لا، بروحك الحلوة وقلبك الطيب."
ثم نظر لها بمكر وقال:
"صح؟ إنتِ قولتي يا حبيب مريومة؟ يعني إنتِي بتحبيني يا مريومة؟"
ارتبكت عيناها، تتنقّل بخوف، تارة تهرب وتارة تبحث عن مخرج بعيد. نظراته دفعتها لتفتح فمها محاولة الكلام، لكن خجلها كان أقوى، فهربت الكلمات، وتورد وجهها باحمرارٍ فضح ارتباكها.
شعر عمر بها فعاد يقود السيارة في هدوء حتى
وصلا إلى المنزل. خرجت مريم من السيارة ركضت مسرعة من السيارة، تهرب من عينيه، تخشى أن تفضحها دقّات قلبها وتكشف عشقها المكتوم.
***************************
نعود مرةً أخرى إلى بلاد الصعيد،
حيث نقترب من منزل الغول الذي تسكنه الشياطين.
هناك برزت الأفعى المدعوة ريم، التي استطاعت بخبثٍ وكذب أن تُقنع والدها بالسفر إلى القاهرة بحجة الدراسة، متذرعةً بأنها تريد أن تكون أفضل من ابنة العامري. لكن الحقيقة كانت أبعد من ذلك؛ فقد استغلت ما في قلبه ولدها من حقدٍ دفين وشعورٍ بالنقص تجاه عائلة العامري، حتى تخدعه وتظفر بفرصتها للذهاب.
لم يكن مقصدها العلم ولا التفوق، بل كان قصدها الإيقاع بـ يحيى وجذبه إلى شباكها.
وفي غرفتها، راحت ريم ترقص بخفة، ثم توقفت أمام المرآة تحدّق في انعكاسها بغرور. ارتسمت على وجهها ابتسامة ماكرة، وكأنها تحتفل بجسدٍ ذو أنوثةٍ طاغية، جسدٍ تعرف أنه سلاحها الأقوى، يُغري الرجال ويوقعهم في شَرَكها.
لكن، هل سيكون هذا كافيًا للفوز بيحيى؟ أم أن الأوان قد فات، بعدما صار قلبه وعقله أسيرَ سحرٍ آخر... سحرٍ لا يقوم على الجسد، بل على أمرٍ غامض لم تدركه ريم بعد؟
وفي غرفة طلعت، لم يختلف ذلك الحقير عن شقيقته.
كانت زينب تساعده على النهوض، فإذا به يستغل ضعفها ويقترب حتى التصق بها، ثم مدّ يده إلى خصرها يضمها بقوة
. تجمدت زينب في مكانها، وقد شلّها العجز والخوف، ولم يكن لديها القدرة على الدفاع عن نفسها أمام ذلك الذئب الكاسر، الذي يتلصص على ضعف النساء بلا شرفٍ ولا نخوة، لا يعرف سوى الانحدار وراء نزواته الرخيصة.
حاولت الابتعاد عنه، لكنه قبض على يدها بقوة، وعيناه تفيض شهوانية. لم تعد تحتمل؛ شعرت بالاختناق،
وارتجف قلبها بالبكاء المكتوم من العجز.
وفجأةً، فُتح الباب ويدخل كل من نعمة وعفاف
دفعت زينب طلعت بقوة فسقط أرضًا وهو يصرخ من الألم
. هرولت باكية إلى الخارج، ذهبت خلفها أمها
دخلتا نعمة الغرفة.
أسرعت نحو طلعت تحتضنه بلهفة وهي تقول:
ـ «سلامتك يا .ولدي.. يا رب تتقطع إيدها وإيد اللي جابوها! قوم يا قلب أمك، قوم يا حبيب
.»
مدت نعمة يدها إلى كتف ابنها، ثم مررت ذراعها تحت إبطه لترفعه برفق. أسند هو يده على كتفها الأخرى، واتكأ بجسده عليها. شدّت بقبضتها قليلاً حتى انتصب ببطء، ثم جلست به على المقعد المتحرك.
جلست تحت قدميه تحدق فيه وعيونها تشتعل بالغضب، فقال لها بصوتٍ متوعد:
ـ «وغلوتك عندي... لأجيبها تحت رجلك تدوس عليها دوس، هي واللي يتشدد لها. وبعدها سيبيها عليّ، أطلع روحها بإيدي.»
لكن طلعت انتفض فجأة، يصرخ بصوتٍ حاد:فقال
ـ «لااا! أوعي تقربي منها ولا تعملي لها حاجة!»
ثم انحنى حتى صار وجهه قريبًا من وجه أمه، وتحدث بفحيحٍ كالأفعى:فقال لها
ـ «إنتِي... تروحي بيتهم، تراضيها، وتجيبيها معاك. وإوعي ترجعي من غيرها.»
تطلعت نعمة إلى ابنها بقلقٍ عميق، ودار في قلبها سؤال:
هل يُعقل أن ابنها قد وقع في غرام تلك الفتاة؟!
وخفق قلب الأم بالغيرة، فهي تحب ابنها حبًا مفرطًا، حدّ التملك، ولا تريد أن يشاركها فيه أحد... حتى لو كانت فتاة بريئة كسرت قلبها.
****************************
في القاهرة العشق
منذ أسبوعٍ لم يَرَها، فقرَّر الذهاب حتى يُخرجها من ذلك الجُحر الذي تختبئ داخله.
كانت تجلس مُتعطِّشةً للشوق لرؤيته، كأنّهما لم يلتقيا منذ أعوام، وليس منذ بعض الأيام.
أتت فاطمة وهي تحمل بعض المشروبات، وتحدّثت بابتسامةٍ بشوشة قائلة:
ـ خُد يا يحيى شاي تقيل زي ما بتحب.
أمسك يحيى كأس الشاي وهو يبتسم في وجه تلك المرأة الطيبة، ثم قال لها:
ـ تسلم إيدك يا بطة، عُقبال ما أشرب منك الشربات قريب.
ردّت فاطمة وهي ترفع يدها للسماء قائلة:
ـ يا رب أفرح بيكم كلكم.
تحدّث يحيى بسرعة وقال:
ـ بصي يا بطة، أنا عاوز أشتري شوية حاجات علشان نِسمة والعيال وأمي. بس إنتِ عارفة أنا مش بعرف في الحاجات دي، أنا عاوز هالة تيجي معايا، هي تعرف أكتر.
ردّت فاطمة وهي تتّجه نحو غرفة هالة، وقالت:
ـ دَقايق أصحيها تيجي معاك.
دخلت الغرفة،
كانت هالة تقف خلف الباب تستمع لكل شيء. لقد شعرت به حين أتى إلى المنزل، فوضعت يدها فوق قلبها الذي خفق عطشًا له. لم تعُد تستطيع إنكار تلك
المشاعر، ولا الاعتراف بها أمامهم. لقد أقنعت أنها تكنّ مشاعر ليحيى، لكنّها ليست مشاعر عادية. ومع ذلك فهي ترفض تلك العلاقة التي سيهاجمها الناس لأجلها، إذ ليست على استعدادٍ أن تسمع كلامًا قاسيًا من أحد، فقد استمعت الكثير، ولم يعُد هناك مكان في قلبها لجروح الآخرين.
فُتح الباب فجأة ليُخرجها من دوامة المشاعر. تحدّثت فاطمة وهي تبتسم لها قائلة:
ـ يلا علشان تروحي مع ولد عمّك.
ابتعدت عن أمها وهي تُخفض بصرها إلى الأرض وتُجيب بارتباك:فقالت
ـ لا… مش رايحة.
أمسكت فاطمة بذراعها ونظرت إليها قائلة:
ـ مالك يا بنتي؟ إنتِ لكِ كام يوم على الحال ده؟ لا بتاكلي زين، ولا بتقعدي معانا، وعلى طول حابسة نفسك وقاعدة وحدِك!
صمتت هالة وهي لا تعرف ماذا تقول.
تنفست فاطمة بضيقٍ من ابنتها، ثم تحدّثت بلهجةٍ جادة:
ـ مش عتقولي في إيه؟ يبقى تلبسي وتروحي مع ولد عمّك من غير ولا كلمة، سامعة؟
اضطرت هالة للذهاب مع يحيى بعد حديث فاطمة الصارم.
وفي داخل السيارة، جلست تُحدّق في الطريق صامتة. مرّ وقت طويل، وما زالت على حالها، وهو أيضًا مثلها.
تحدّثت هالة في داخلها بفضول:
ـ لماذا لم يحاول التحدث معي ولم لا ينظر ليا
أما هو فكان يعلم بماذا تفكّر. ابتسم وقرّر أن يجعل تلك الصامتة تُخرج ما في صدرها.
نظرت له بطرف عينها، فرأته يُمسك بالهاتف ويضحك، ثم يُرسل رسالة صوتية لأحدهم وهو يقول:
ـ وانتي وحشاني…
تلهّب فؤادها بغيرةٍ لا تهدأ.
حاولت أن تُخفي غيرتها، وبدأت تُحدّث نفسها بصوتٍ منخفض:فقالت
ـ أكيد بيكلّم العقربة نِسمة…
لم يتمالك يحيى نفسه من الابتسام، بعد كشفت همهماتها عن غيرة تختبئ خلف عنادها.
قرّر أن يزيد من نار غيرتها، فقال:
ـ أيوه… هاخدك وأعرّفك على نِسمة وأمينة وكل عيلة العامري
لم تتحمّل، فقوّت قبضتها وضغطت عليها ثم ضربته بقوةٍ اندفاعًا من غيرتها، وهي تقول:
ـ لمّا إنتَ عتحب وحدة تانية، جاي تقول عتحبني وعاوز تتجوّزني ليه شايفني عيلة علشان تضحك عليا؟
أوقف السيارة، ثم نظر إليها. ابتسم بنظرةٍ ماكرة تخفي بين طياتها اعترافًا دفينًا وقال:
ـ طيب ما إحنا عن غير أهو، إيه لزمته جوّ الهروب؟
ثم قلد صوتها بمزاح:
ـ "لا يا يحيى، أنا مش موافقة… يا يحيى."
كانت عيناه تتوهجان بالحب، وكل كلمة خرجت من شفتيه ارتجفت بنغمةٍ عاشقة، فقال:
ـ وافقي يا هالة… أنا بحبك، وانتي بتحبيني. بلاش عناد ملوش لازمة.
كانت تُشيح بوجهها كلّما التقت عيناها بعينيه، كأنّ النظرات ستهتك ما تُخفيه في صدرها. تحدّثت بصوتٍ مرتجف، يُفضح اضطرابها، محاولةً أن تُخفي ارتعاش كلماتها بإنكارٍ بارد، لكنّ ملامحها الخجِلة كانت تقول ما لا تريد أن تعترف به.
هزّت رأسها بالرفض وهي تُعاند نفسها، ثم قالت بصوتٍ مرتبك:
ـ لا… أنا مش بحبك.
ضحك يحيى بسخريةٍ وغيظ منها وقال:
ـ كدابة! لو لسانك عيقول "لا"، كل حاجة فيكي عتقول "آه". عينيكي اللي عتهربي بيها يمين وشمال، وخايفة تبصيلي علشان هتفضحك نظراتك… وصوتك المرتبك اللي مش عارف يقول كلمتين على بعض… ودقات قلبك اللي أنا سامعها!
وعلى العموم، أنا مش مستني أسمع منك حاجة. أنا نازل الأسبوع الجاي أطلب إيدك من جدي وعمي.
نظرت إليه وهي في حالة خوفٍ وقلق، وقالت:
ـ بلاش يا يحيى! بلاش تعمل مشاكل في العيلة علشان حاجة عمرها ما هتحصل.
تكلّم بغيظ:
ـ إيه اللي يمنع إنها تحصل؟ ومشاكل إيه اللي هتحصل لما أطلب إيدك؟ هو أنا هعمل حاجة حرام ولا عيب؟! قولي، إيه الغلط في كده؟
صرخت في وجهه:
ـ مفيش حد هيوافق! افهم… أنا أكبر منك!
تحدّث بحدةٍ وصوتٍ غاضب، أعلى من صوتها:
ـ ما تقوليش "أكبر منك" دي تاني! الكلمة دي بتعصبني من زمان وانتي عارفاها!
ردت فقالت
ـ علشان هي دي الحقيقة يا يحيى! أنا أكبر منك! عارف لو أمك عرفت… مش هتوافق إن ولدها الوحيد يتجوز واحدة عندها 34 سنة! كلها كام سنة ومش هتخلّف زي ما عتقولولي دايمًا! وجدّك، اللي هو جدي برضه، مش هيوافق إن حفيده ولد سليم الله يرحمه يتجوز واحدة "عانس" اللي هي حفيدته
لم تستطع السيطرة على نفسها، فانفجرت في بكاءٍ مرير. ظلّت تبكي حتى ارتفع صوتها وارتعش جسدها من شدّة البكاء.
نظر إليها بعينين ممتلئتين بالحزن، عاجزًا عن لمسها أو تهدئتها. كان صراخها يمزّقه من الداخل، وكل دمعةٍ تسقط تزيد عجزه وألمه. يعلم أنها محقّة في كل شيء، وأن الجميع ـ وأولهم عائلتهم ـ سيحارب هذا الزواج بكل قوّةٍ وشراسة. لكنه قرّر أن يقف أمام الجميع ويُحاربهم جميعًا حتى يفوز بحبها وتكون شريكة حياته. لن يستسلم، ولن يتنازل عنها.
خرج يحيى من السيارة والدماء تغلي في عروقه. نظر حوله ثم ابتسم، وركض إلى مكانٍ قريب، ثم عاد وهو يحمل بيده باقةً من الورود ذات اللون الأبيض والأزرق، تخطف الأنفاس من شدّة جمالها.
استقلّ السيارة وقدّم لها الورود هو ينظر لها بحب وتحدث بصوت عشق قائلًا:
ـ أنا كان نفسي آخدك في حضني وأهديكي وأمسح دموعك لغاية ما تسكتي… بس ما ينفعش أعمل كده غير لما تبقي مراتي. علشان كده جبتلك الورود دي، عارف إنك عتحبيها وبتطلّع عياط بدل ما آخدك في حضني… وساعتها مش هطلعك خالص. وابقى ذنب ونتحاسب عليه عند ربنا.
ارتبكت ملامحها، واتّسعت عيناها للحظة، ثم خفضت نظرها سريعًا، مكتفية بصمتٍ يشع حياءً وابتسامةٍ لم تستطع إخفاءها.
ابتسم حين رأى تلك الابتسامة الخفيفة التي ظهرت فوق شفتيها، ثم قال لها بجدّية:
ـ هالة… أنا عارف كل الكلام ده من غير ما تقولي.
نظرت إليه حين سمعت نبرته الجادة، فتابع بعينين دافئتين يملؤهما الحب: واستكمل حديث قائلا
ـ عارف كل حاجة قلتيها… وعارف إن الكل هيقف ضد جوازنا، وأولهم عيلتنا. بس أنا هاقف قصاد الكل… علشان قلتها لك، وهقولها لك مليون مرة: أنا مش هسيبك. هتجوزك يعني هتجوزك.
ثم أعاد تشغيل السيارة وانطلق.
*********************************)
في صباحٍ جديدٍ ببلاد الصعيد
، كان رجلٌ يجلس في أحد المقاهي واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يتحدث بشماتةٍ وغرور. قال متعجرفًا
: «مفيش كلب في البلد يقدر يتكلم علي ؛ أولاد زيان نص كلمة لا يقول مش رجالة، ما قدروش ياخدوا طارهم. إحنا أخذنا طارهم، ومش هنسكت — لسه هنضرب فيهم تاني. هاني — رحمَه الله — كان بيهم كلهم».
سكت قليلًا حتى انتفض أحد الرجال الذين استمعوا إلى الحديث، ثم تتحدث بصوتٍ بدا كالرعد فقال
: «طار إيه؟ يا ولد المحروق ما لكمش عندنا طار؟ حرق أبو اللي جابوكم! ادعُوا ربنا
علشان عليا الطلاق بالتلات لو منصور — أبو رحاب — ما طلعش منها ساليم مش هخلي فيكم راجل؟»
أجاب الرجل الجالس الآخر ممسكًا الشيشة. استنشق الدخان ثم أطلقه ببطء من فمه وأنفه، وقال بلهجةٍ مستفزة:
«بس ياد أنتم شوية حريم بطرح. إحنا ضربنا منصور أبو رحاب وأنتم ولا حد فيكم يقدر يتكلم».
غَلت الدماء في عروق الرجل الذي صوبت إليه الشتائم. قام فجأةٍ برفع المقعد الذي كان يجلس عليه وأنزله على ظهر الرجل الآخر. انفجرت الدماء من رأس الضحية. أما الرجل الأول الذي بدأ الحديث فالتقط عصاه وانهال ضربًا فوق ذراعيه. سحب الآخر مقعدًا وأمطر به الخصم ضرباتٍ متتالية.
لم يتوقف الأمر عند ذلك؛ اجتمعت العائلتان لتقلب الشجار حربا طاحنة. حمل كل واحد ما به يزهق روح الآخر: بعضهم ماسك أدوات زراعية، وآخرون عصيٌّ غليظة قادرة على شطر الرأس( فرع ) ، وآخرون حديدٌ ثقيل. بدأ الضرب عشوائيًا: يَجُرُّ أحدهم قدم الآخر، ويسقط آخر على رأسه فتسيل الدماء، ومن ينجح في رفع خصمه فينزله على الأرض الصلبة فتملأ الصرخات المكان من ألم.
لم يقتصر القتال على ذلك، بل أمسكوا بالمقاعد والزجاجات داخل المقهى وراحوا يكسرونها على بعضهم. تحولت الساحة إلى ساحة حربٍ قاسية، وتعددت الإصابات بين العائلتين. حاول أهالي القرية التدخل لتفريقهما، لكن الغضب والكراهية استبدّا بالمتقاتلين.
ركض بعض أفراد كل عائلة إلى بيوتهم ليحضروا مزيدًا من الأسلحة. أمسك أحدهم بسلاح ناري ضخم، حملَ به طلقاتٍ ثم رفعه في الهواء وأطلق ضرباتٍ عشوائية، غير مبالٍ بالأرواح التي ستزهق. استجابت العائلة الأخرى بالمثل؛ امتطت ساحة القتال حرب بقاء الأقوى.
ساعاتٌ من الصراع العنيف مرت، حتى وصلت قوات الأمن. فرّ من لم يستطع الركض، وسقط ممددًا على الأرض ينزف، ومن استطاع الهرب هرب والدماء تنزف منه. داهم رجال الأمن المنازل باحثين عن الرجال المشاركين في الشجار، لكنهم لم يجدوا أحدًا من
العائلتين. نظر رجال الأمن إلى النساء المرتعاشات الخائفات والقلقات، فأمر قائدهم الباقين بأن يجلبوا نساءً رهائن حتى يأتي الرجال ويقدّموا أنفسهم. وهكذا — كما يحدث أحيانًا في بعض مناطق الصعيد — أخذ رجال الأمن النساء رهائن ليجبروا الرجال على تسليم انفسهم
*****************************
نعود للعشاق
لم يكذب؛ كان حقًا ذاهبًا ليشتري بعض الأغراض للأسرة حتى يأخذها معه، وهو ذاهب لطلب يدها من العائلة. كانوا يتفقدون ما يلزمهم من ملابس، وفجأة وقعت عين يحيى على مجر آخر يختص ببيع فساتين الأعراس ومستلزمات الأفراح
.
تحدثت وهي تمسك بعض الثياب قائلة:
«يحيى، إيه رأيك؟ دا حلو للعامري ولا لا؟ فاطمة دي حلوة قوي عليها. أنا نفسي أعرف نوار ليه سَمَّى أولاده فاطمة وعامري، يعني خلَّصت الأسامي ولا هو لخبط وخلاص؟ إنتِ ليه ما بتردّيش؟»
نظرت في المكان فلم تجد له أثرًا، وتفاجأت بفتاة تمسك يدها وتقول لها:
«لو سمحتي يا آنسة، تعالي معايا.»
نظرت للفتاة باستغراب ثم فتحت فمها ليتحدث، لكن لم تُعطَها الفتاة مجالًا، فأمسكت بيدها وذهبت بها إلى المجر الخاص بالزفاف.
دخلت المحل وهي لا تفهم شيئًا،
فتفاجأت به وهو يمسك بيده أحد فساتين الزفاف التي كانت تخطف الأنظار والأنفاس من شدة جمالها ورقتها. دق قلبها، وتوقفت أنفاسها؛ لم يبقَ لعيونها بريق أمل، فقد فقدته منذ زمن بعيد.
ارتجعت إلى الخلف وهي تحاول الهروب، فهي لا تريد أن تعيش السعادة لبرهة ثم تتفاجأ بالجحيم بعد ساعات
. أمسكت بها تلك الفتاة ومعها أخرى، ثم قالتا: «أدخلوها إلى مقصورة صغيرة أُعِدّت لتجربة الثياب.» ثم قفلوا الباب.
ضربت هالة الباب بغضب من الداخل وهي تصرخ: «يحيى، افتح الباب!»
ظلّت تناديه بصوت مرتفع؛ كان يقف خلف الباب ثم رد عليها ببرود قائلاً:
«وطي صوتك. قيسي الفستان — خلّينا نمشي، أنا لسه ورايا حاجات كثيرة.»
ازداد غضبها من هذا البرود، فارتفع صوتها أكثر وقالت بغيظ:
«يا بارد.»
رد عليها: فقال
«هحاسبك على طول على لسانك ده بعدين، بس دلوقتي هتصل بعمر وهكلّم فاطمة — بطوطة حبيبة قلبي — هي اللي تقنعك وكمان تفرح بكي لم تشوفك بفستان الفرح
دقَّ قلبها وشعرت بالقلق؛ إذا جاء شقيقها سيقوم شجار كبير بينه وبين يحيى، وإذا أتت أمها... تنهدت هالة بيأس من رأس يحيى. اليابس استسلمت له وقالت
بغيظ: «خلاص، بلاش ترن علي حد . هأقيس الفستان بس، والله يطلع عينك لم اطلع
» ارتفعت ضحكات يحيى من الخارج.
بعد مرور نصف ساعة لم تخرج؛ فذهب يحيى بقلق ليطرق الباب
. أما في الداخل، فكانت تنظر لنفسها في المراه بذلك الثوب الأبيض الذي تمنت أن ترتديه منذ سنوات مثل جميع الفتيات، لكن لم يشأ الله.
انهمرت دموعها كحبات الندى فوق وجنتيها. تذكرت الكلمات السامة التي كانت تسمعها من الناس: أنّها لن تكون عروسًا يومًا، وأنها لن تلبس فستان زفاف لأنها «بقت فتاة عانس».
ذاك اللقب اللعين صار يلاحقها في كل مكان؛ يطلقه الناس عليها بلا رحمة ولا رأفة. لم تستطع أن تبتسم؛ لقد تملكها اليأس.
همست لنفسها متألمة فقالت:
«أوعى تفكري إنك يومًا هتلبسي فستان الفرح وتبقَي عروسة. انسِ الموضوع؛ أنتِي عانس وهتفضلي عانس. وأوعي تفرحي إن يحيى عحبك ويتزوجك — دا مستحيل
لم يكن في داخلها سوى اليأس، فكانت تهمس لنفسها:
«مفيش حد هيوافق يتجوز واحدة عانس زيك… حتى هو، شوية وهيزهق، وهيفوق لنفسه، وهيرفض يتجوز واحدة عانس.»
كانت كلماتها شديدة القسوة على نفسها، لكنها آثرت أن تقسو على ذاتها أفضل من أن يجرحها الناس.
فتحت الباب بعنف وخرجت له. تسمّر يحيى في مكانه، عيناه معلّقتان بها وهي تطلّ بالفستان، كأن الزمن قد توقّف عند تلك اللحظة. تتابعت دقات قلبه بعنف حتى كاد يسمع صداها، واضطربت أنفاسه كأن الهواء ضاق عليه.
بدت له أجمل وأبهى مما عرفها من قبل؛ حلوة الملامح، آسرة الحضور، وجذّابة كأنها خُلقت لتسكن عينيه وحده. تلمّعت عيناه بنظرة امتزج فيها الذهول بالإعجاب، وكأن العالم بأسره قد انزاح ليفسح المجال لصورتها وهي تتألّق أمامه.
تحرّك واقترب منها. رأء الدموع تغرق وجهها من كل مكان، كأنها تسبح في بحر من الدموع. تحدث بمشاعر مملوءة بالحب وقلب ينبض من أجلها فقط، ونظر إليها بعينين تنطقان بالعشق قائلاً:
«عارف وحاسس بكل حاجة بتفكري فيها وخايفة منها. بس وعد، الأيام الجاية هتثبت لك قد إيه أنا بحبك، وإن عمري ما هتخلى عنك. هخليك تنسي كل حاجة وحشة وكل كلمة جرحتك.»
ثم مازحها وهو يبتسم:
«يلا روحي غيري الفستان، أحسن ما آخدك وروح على المأذون وأنتِ عسل كده. يخربيتم طلعتي قمر… يا كنزي.»
نفخت بضيق وصرخت في وجهه:
«ما تقولش كلمة الزفت كنز دي تاني! أنا ما اسميش كنز.»
اقترب منها حتى صار بمستواها وقال:
«إنتِ كنز حياتي. وقريب جدًا هتكوني حرم يحيى العامري.»
لم تتحمّل، ففرت هاربة منه ومن كلماته.
عادت إلى المقصورة، وعلى وجهها ابتسامة تطير بها من السعادة. قررت أن تسلّم أمرها لله، ودعت في سرّها أن يجمعها الله به في الحلال تحت سقف واحد إن كان صادقًا في حبّه.
قرر يحيى أن يتحدث مع عمر وفاطمة قبل أن يذهب إلى العائلة. كانت الفتاة قد جرّبت فستان الزفاف، وأصر يحيى على شرائه. ثم خرجوا، واستقلوا السيارة، وعادوا إلى المنزل.
*********************************
اوقف السيارة عمر التي كان داخلها كل من مريم واحمد أمام العمارة السكنية
فلقد تم شفاء احمد وعاد للمنزل
خرج احمد من السيارة بسرعه كبيره وعيونه تبحث عنها
وها هي قد وجدها
كانت مديحة تخرج من المنزل وقفت فجأة حينا راته شعرت بالارتباك وحاولت الهروب عائده لمنزلها مره اخرى ولكن قد راها احمد وبصوت يملاه الشوق واللهفه نادى اسمها فقال
مديحة
دق قلبها حينا استمعت لحروف اسمها تخرج من بين شفتيه
بهذه النبره التي مليئه بالشوق واللهفه
خطا احمد خطوه سريعه ولم يهتم بنظرة عمر ومريم الذين كانوا ينظرون له بعلامه استفهام وشك
اقترب منها وهو يحاول التقاط انفاسه نظر اليها بعيون تملأها الحب
وتحدث بجرأة فقال لها
وحشتيني يا مديحة
تحدث عامر الذي خرج فجأة من المنزل وهو في حاله من الذهول غير مصدق لما استمعت اذنه
فقام بسؤال احمد مره اخرى حتى يتاكد هل ما سمعه حقيقي أما وهم
فقال انت قلت ايه
رد احمد بثقة دون خوف وقال
عامر انا طالب ايد أمك
لم يتمالك عامر اعصابه فامسك باحمد من ثيابه وهو يحاول خنقه وتحدث بصوت مرتفع مليء بالغضب ويقول
تتزوج مين انت اتجننت عاوز تتجوز امي والله يا اقتلك
ركض عمر وأمسك بيد عامر التي تضغط علي رقبة أحمد بقوة فتحول وجه احمد للون الأحمر وانقطعت الانفاس
صرخت مريم وهي تبكي علي والدها وضربت عامر من اجل ان يتركه بهذا الوقت وصل كل من هاله
ويحيى ركض كلاهما وهم لا يفهمون شيئا امسك يحيى بصديقه من الخلف ثم سحبه بقوه اقتربت مريم وهاله من احمد فساعدوه على التقاط انفاسه كان عامر مثل الثور الهائج مزال يريد ازهاق روح احمد مره اخرى تحدث يحيى بصوت حاد وهو يسال فقال
هو في إيه
رد عمر
وهو يحاول كتمان الضحكة
فقل دكتور أحمد عاوز يتزوج مديحة
صاح يحيى بصوت مرتفع. في وجهه عمر
انت ما عندكش دم ده وقت هزار يا بارد
تحدث احمد مره اخرى بعد التقاط انفاسه وقال
انا عملت ايه علشان كل ده انا بقول عاوز اتزوج أمك
لم يستطيع عمر امساك نفسه بعد فانفجر ضاحكا بصوت مرتفع
نظر يحيى لصديق والده وهو غير مستوعب ماذا يقول
استطاع عامر الإفلات من يحيى ثم حاول الإمساك باحمد مره
اما مديحة فكانت في عالم آخر وحين رأت ابنها عاد مره اخرى حتى ينهي على حياة احمد لم تستطيع الصمود وسقطت فاقضة الوعي وهنا وقف الجميع عن الشجار
̶ ̶ ̶ ̶ ̶ ̶
ووويتبع