رواية ظل البراء الفصل السابع والعشرين 27 بقلم آية احمد عرفة
27 "آيل للسقوط"
«أتحدّثني عن السقوط؟ أم أنّك تحاول مجاراتي إلى ما تريد؟
اعلم أنّ هذه الحياة محطّات، فدعني أختار المحطّة التي أرغب في النزول بها.»
ـــــــــــــــــ
عاد من شروده على صوت بغيض يشبه صاحبه قائلًا:
ـ جاي في إيه سرقة ولا قتل؟
ابتلع ريقه يرمقه بنظرات مريبة، ثم أشاح بوجهه بعيدًا، ليغضب الآخر منه ليقترب بضعة خطوات أخرى ليكون أمامه ثم مال بجسده له يهتف بغلظة:
ـ مش بترد ليه؟ يكونش مش عاجبك؟
كاد أن يرد لينفتح باب الزنزانة ويدخل شابان آخران واحد وجهه لا يوجد به ملامح من كثرة الضرب الذي تلقاه، والآخر يرمقه بنظرات غاضبة كأنه يريد الانقضاض عليه. ما كفاه وجهه الذي تشوه أيضًا. وما كان إلا مهاب والشاب الذي ألقاه بالضربات قد زج الضابط بهم إلى هنا حتى يسيطر على الوضع ويتفهم الموقف. استقام بوقفته ليهتف الرجل:
ـ واضح أن النهارده في ناس جديدة بيهلوا علينا.
ثم وجه نظره مرة أخرى إلى هذا الذي يجلس يرمقهم بنظرات يملأها الاشمئزاز:
ـ وواضح أن في ناس مش ليهم في المكان فاكرين نفسهم في فندق خمس نجوم.
قال ذلك قاصدًا عمار الذي يلتزم الصمت، هذه أول مرة يلقى بمكان كهذا ويلتقي بهؤلاء الأشباه. ليعيد سؤاله عليه مرة أخرى:
ـ ما ترد يالا جاي في إيه؟
ثم صمت لبضع ثواني:
ـ بس شكلك مش جاي في سرقة، حِسِك نضيف يلا اتكلم بدل ما اخليك تتكلم بطريقتي.
فاض به ليهتف بغضب:
ـ بقولك إيه ابعد عني، جاي في سرقة جاي في قتل، جاي في مصيبة دي حاجة تخصني عاوز تعرف ليه هطلع لي بطاقة؟
قال عمار ذلك ساخرًا، مما أغضب الرجل من حديثه ليضحك باستهزاء ثم قال:
ـ لا ودمك خفيف كمان.
ثم أخرج (مطوه) ما يسمى بالسلاح الأبيض ليقبض على ملابس عمار ليضع السكين على وجنته يهتف بسماجة:
ـ بقولك إيه؟ جو الصوت العالي مش بياكل معايا، أنا بفعل عالطول مش بحب أتكلم.
يلا طلع اللي معاك يا حلو بدل ما أطلع أنا.
ذعر عمار خوفًا من أسلوبه، بحياته ما قابل هذا النوع. أردف مسرعًا:
ـ مش معايا حاجة عشان أديها ليك.
لكن الرجل تابع بفظة:
ـ اخلص بدل ما أعلم على وشك وأعمل لك عاهة تفضل ملازماك طول عمرك.
جحظت عين عمار بصدمة كاد أن يرد ليستسمحه، ولكن قد جذب مهاب هذا الرجل بعيدًا عنه ليأخذ هذا السكين ويرفعه بوجهه قائلًا بنبرةٍ غاضبة:
ـ لا بقولك إيه الحبتين بتوع الشوارع ده تعملهم لما أمشي، لتكون فاكر الحركات القرعة دي تدخل عليا.
عاوز تعمل فيها شبح تعالى عندي هوريك الشبحنة على أصولها.
أنهى حديثه ليعود برأسه إلى الخلف ليلقي بها في رأس الرجل ليندفع إلى الوراء واضعًا يده على جبينه قائلًا بغضب:
ـ طب شوف مين بقى هيعتقك مني النهارده.
كاد أن يثور عليه ولكن قد أمسكه مهاب من ملابسه قائلًا:
ـ قولتلك بلاش جو الشبحنة إنت مش قدها، ومش كل اللي يعمل شبح عشان عنده خط في وشه يبقى كده خلاص هيعدي.
ليلكمه بقوة ليسقط الرجل على الأرض، كل ذلك تحت نظرات الموجودين، وعمار الذي نظر إلى مهاب بصدمة، كم تمنى لو دافع عن نفسه ولكن أول مرة يضع بموقف كهذا.
رمق مهاب الشاب الذي قد دلف معه قائلًا بوعيد:
ـ إنما إنت بقى حسابنا لسه مخلصش أنا هوريك يا عرة الرجالة، بس الصبر كل اللي في وشك ده ولا يعنيلي هعرفك إزاي تستقوي على طفلة يا اللي محصلتش نفسك تكون راجل حتى.
كاد أن يقترب منه ليفتح باب الزنزانة يهتف العسكري:
ـ عمار الزيني.
كاد أن يرد ولكن أردف مهاب:
ـ أكيد قصدك مهاب الزيني.
لكن العسكري هتف:
ـ عمار الزيني.
اقترب عمار قائلًا:
ـ أنا.
نظر مهاب إليه نفس الشاب الذي دافع عنه الآن استغرب كثيرًا، آتى على باله حديث أخاه يوجد أخ أيضًا يدعى عمار. أهذا هو أم مجرد تشابه أسماء؟ كان هذا السؤال الذي يدور برأسه ليأخذه العسكري ويغلق الباب عليهم. ثواني وفتح مرة أخرى يهتف رجلًا آخر:
ـ مهاب الزيني.
ـ أنا.
هكذا قال، ليأخذه العسكري.
ـــــــ
داخل مكتب الضابط كانت تجلس أميرة تحتضن ابنتها بين يدها أردفت:
ـ حضرتك نزلت أخويا الحجز وهو مش عمل حاجة هو المدعي اللي هيعمل المحضر.
قالت ذلك بغضب، فليس بها أعصاب. يكفي ما حدث. أردف بتفهم:
ـ عارف، بس شايف الوضع أخوكي بهدل الراجل خالص، ومش مديني فرصة أحقق حتى ولا أخد أقوال، وأنا معاكي الوضع صعب ومش يحتمل بس في قانون هيحاسب الأشكال دي كويس أوي، وكمان في شهود على الواقعة وأخدت إفادتهم عشان كده بعت أجيب أخوكي عشان نكمل باقي الإجراءات وتمشوا.
أومأت على مضض ليدلف العسكري بصحبة مهاب قال بضيق:
ـ ليه تعمل كده؟ أنا اللي عامل المحضر، ليه تنزلني الحجز؟
قال آخر حديثه بصياح ليهتف الضابط بنفاد صبر:
ـ أهو طريقتك دي هي اللي هتخليني أنزلك الحجز تاني.
ثم أضاف:
ـ إنت مش مديني فرصة أتكلم منكم تهدأ شوية.
كاد أن يجيب ليفتح الباب ويدلف العسكري قائلًا:
ـ في واحد برا اسمه براء الزيني ومعاه محامي.
ـ خليهم يدخلوا
قال ذلك الضابط ليدلف براء بصحبه المحامي متسائلًا بقلق:
ـ أيه اللي حصل؟
نظر مهاب إلى أميرة ليظلوا صامتين، الذي حدث لا يحكي ولا يفسر لغاية هذه اللحظة يحمد الله أن فريدة بخير وما لحق هذا اللعين يمسها بسوء. أردف الضابط:
ـ اتفضل اقعد وأنا هفهم حضرتك.
أومأ ليجلس قائلًا:
ـ بس أنا أخويا التاني هنا بردو عاوز المحامي يروح ليه؟
نظر إليه الضابط نظرات مريبة ثم قال:
ـ هنا محبوس.
أومأ مؤكدًا:
ـ اه...
ثم تابع بحرج:
ـ مع الأسف يعني محبوس عاوز أطمن عليه، تلاقي
ـ المحضر بتاعه مع زميلي هو جاي في إيه.
هتف هكذا متسائلًا. نظر براء إلى أميرة ثم نظرة إلى مهاب ليردف:
ـ جاي في مخدرات.
جحظت عين مهاب بصدمة ليتمتم ساخرًا:
ـ يا حلاوة.
هتف الضابط:
ـ يبقى مع زميلي، نخلص هنا وبعدين تروح مكتبه... ثم أضاف:
ـ أنا هعرضه على النيابة وهناك هيكملوا شغلهم.
فتح الباب ودلف أيوب قائلًا:
ـ باشا عامل إيه؟
لكنه توقف حينما وقع نظره على براء، فهو يعلم أن عمار يحقق معه ضابط آخر لهذا تفاجأ بوجوده في هذا المكتب لأنه صديق له وقد أتى إليه بحق الزمالة ليطلب منه أن يقول للضابط الأقل منه أن لا يفرج عن عمار ويماطل ليظل بضع أيام آخرين. نظر الضابط له:
ـ اتفضل يا سيادة المقدم، معلش اخلص المحضر وأفضالك.
أومأ له بتفهم:
ـ براحتك مستنيك تخلص.
قال ذلك ليجلس على الأريكة الصغيرة ليرمق مهاب بنظرات ساخطة. أما الآخر فنظراته لا تختلف كثيرًا يصفها بالاحتقار.
نظر براء إلى الضابط بعدم فهم:
ـ مين اللي هيتحول للنيابة؟
ـ الشاب اللي حاول الاعتداء على بنت أختك.
هكذا قال لتكون صدمة وقعت فرق رأسه. ماذا يقول؟ شابًا حاول أن يمس طفلة لا يتعدى عمرها الست سنوات. ماذا تحرك بداخله طفلة كهذه؟ أما هم من يعاشون وسط غابة والأحداث التي يسمع عنها باتوا يتعرضوا لها أقرب ما له. نظر إلى فريدة التي تجلس بين أحضان والدتها نهض واقترب منها يحاول أن يتحدث معها.
ـ فريدة... فريدة حبيبتي بصيلي فريدة.
لكنها تشبثت أكثر بوالدتها وأخفت وجهها داخل أحضانها. كاد أن يمد يده لكنها انتفضت حين حاول فقط ملامستها. تنهد يحاول جاهدًا السيطرة على ثورة غضبه ثم نظر إلى الضابط قائلًا:
ـ فين الشاب ده؟
أردف الضابط بتفهم:
ـ في الحجز وأخوك مش ساب فيه حتة سليمة. صدقوني أكثر من كده هيموت، مع أن أشكاله تستاهل الموت بس معلش هحوله للنيابة والقانون يجيب حقها.
كاد أن يتحدث ولكن هتفت أميرة بضيق:
ـ قانون! أحب أقولك لحضرتك القانون ده هيعمل إيه؟ بعد النيابة هيتحول للمحكمة وبعد الشهود والأدلة هياخد ثلاث سنين سجن ويخرج عشان هو تحت السن القانوني! وعشان مش حصل حاجة، البنت اتلاحقت! والمؤسف أكتر لو حصل أو توفت لقدر الله يتحكم 15 سنة! ليه؟ عشان بردو تحت السن القانوني!
مش ده اللي بيحصل؟ فين الأهل؟ ليه مش عارفين يربوا أولادهم؟ ليه يخرجوا عاهات لمجتمعنا؟ كأنهم بيربوا ديابًا مش بني آدمين! والقانون ده لازم يتغير! لازم اللي يحاول بس يبص لطفلة بالمنظر ده يتعاقب أشد عقاب عشان يكون عبرة لأي حد يعمل كده!
ثم أضافت ببكاء:
ـ أنا بنتي مش راضية تتكلم من ساعة الله حصل، بقالي هنا ثلاث ساعات مش راضية تنطق حرف واحد! أنا موقفي إيه دلوقتي؟ أعمل إيه؟ أنا لو بأيدي كنت قتلت الحيوان ده بنفسي! يكفي فكرة إن بنتي تتعرض لموقف زي ده بتدبحني من جوايا!
"الألم الذي لا يُشفيه الزمن، هو الألم الذي يولد من خوف طفلة، وينمو في قلب أم."
كان أيوب يتابع كل هذا وقد غضب كثيرًا، تمنى لو هذا الشاب أمامه الآن. فكرة التخيل نفسها جعلته يحتقره، لكنه لم ينكر إعجابه بحديث والدتها، حتى لو كان بها بعض الانهيار. يكفي أنها قاتلت لأجل ابنتها.
1
جاءت لتقديم بلاغ، لكن البعض يخافون من المواجهة، فيختارون التستر عن الحقيقة.
"الخوف يمنع البعض من قول الحقيقة، لكن الصمت لا يبني مجتمعًا آمنًا."
في المكتب المجاور، وقف عمار أمام الضابط بصحبة عمران. نظر الضابط إليه قائلًا:
ـ يعني الفيديو ده مش ليك؟
أنكر عمار مسرعًا:
ـ لا، مش ليا. أنا معرفش حاجة عنه.
أومأ الضابط، ثم اتكأ بظهره إلى الخلف، مستنكرًا: ـ يعني أنت بتنكر إنك شغال ديلر؟ بس صدقني، الإنكار مش هيفيدك. اعترف وقول شغال تحت إيد مين، سعتها هعتبرك شاهد بدل ما أحولك على النيابة، ومنها للمحكمة وجلسات ومرافعات... ليلة، أنت مش قدها.
نظر عمران إليه محذرًا ألا ينبس بحرف، فهو يعلم هذه الحيل بحكم عمله. لكنه هتف أخيرًا:
ـ باشا، أنت ليه بتجبره يعترف بحاجة مش عملها؟ هو أنكر، ومن الواضح إن ده بلاغ كيدي، حد عاوز يضايقه مش أكثر من كده.
نظر الضابط إليه متسائلًا:
ـ وبتتكلم وتدافع بصفتك إيه بقى؟ اعتبرني المحامي بتاعه.
قال عمران ذلك بعد أن فاض به، ثم أضاف:
ـ حضرتك، وش أخويا مش باين إنه هو اللي في الفيديو. يعني عادي، ممكن يكون حد قاصده أو فيديو مركب. ولازم تضيف يا سيادة الرائد إن مفيش إذن نيابة عشان تاخد الفيديو اللي أخويا مش باين فيه أساسًا كدليل إدانة. كان لازم يكون في حاجة أقوى من كده عشان تطلعوا أمر بالقبض عليه.
صمت الضابط، ليضع ثواني، ثم أردف:
ـ عندك حق، بس المرة الجاية ممكن يكون معايا حاجة أكبر تدينه. عامةً، هيتم خروجه بكفالة.
أومأ عمران، ثم نظر إلى عمار يطمئنه بنظراته. لكن الآخر كان شاردًا. من يدري؟ من بضع ثواني فقط كان على وشك أن يلقي داخل السجون. لا يعلم كيف له أن يدمر نفسه بهذه الطريقة. هو أكثر ما يعلم أنه ما ترك شيئًا إلا وقد فعله.
ـــــــــــــــ
في المكتب الآخر، خرج براء ومهاب. نظر براء إلى مهاب قائلًا:
ـ روح وصل أختك عند العربية.
ليمد يده له بالمفتاح، ليلتقطه مهاب ويأخذ أميرة ويذهب.
نظر براء إلى أيوب الذي خرج أيضًا، قائلًا:
ـ أنت اللي بلغت عن عماي صح؟
نظر إليه أيوب ببرود، ثم قال:
ـ أه أنا
ـ هو. أنت جايب البجاحة دي منين؟
قال ذلك براء بغضب، ليهتف الآخر:
ـ بجاحة عشان أخوك ديلر، وبلغت عنه. ده شغلي، مش بتستر على مجرم.
كاد أن يرد، لكن فتح الباب وخرج عمران بصحبة عمار. نظر إلى براء:
ـ فين المحامي اللي قولتلك عليه؟
نظر له:
ـ بيخلص حاجة في المكتب، وكان هيروح ليكم.
ثم أضاف بتذكر:
ـ عمران، هو مش أنت محامي وكنت بتمارس المهنة في أمريكا؟ عاوزني أجيب محامي ليه؟
ليضيف بنفاد صبر:
ـ ولا أنت متخصص في أمريكا بس، ولا متخصص لتجار مخدرات؟
ليهمس:
ـ حتى لو كده، أخوك مش بعيد عن المهنة. كلكم في الهوا سوا، هتجننوني بجد. جنناني على إيدكم.
قال ذلك وهو يصفع يده باليد الأخرى، ثم أضاف:
ـ خده وامشي. أنا هروح البيت، لازم أطمن على
فريدة وأشوف أميرة، مش هقدر أسيبها كده.
أردف أيوب:
ـ خلاص، امشي أنت معاهم، وعمران وعمار يركبوا معايا، ونرجع البيت اللي كانوا فيه.
نظر له براء نظرات غاضبة، ثم قال:
ـ عارف يا أيوب، أنت عامل زي إيه... زي الحية بتلف حوالينا، وبعد كده تلدعنا.
قال ذلك وهو يلقي بيده، ثم أضاف:
ـ وأنت بتلف، وبعدين تلدع. الله أعلم، يمكن القريبين ليك اتلدعوا منك بردو. الله يكون في عونهم. أنا مش عارف بيستحملوك إزاي، أنا مش عارف اقبلك خمس دقايق على بعض.
غضب من حديثه، كادت أن يرد عليه، أوقفه عمران: ـ خلاص يا أيوب، هو متنرفز. أديك شايف الموقف اللي احنا فيه، وأنت السبب فيه بردو.
ليقترب مهاب يقاطع حديثهم:
ـ براء، فريدة مش عاوزة تتكلم، وأميرة عمالة تعيط، خايفة عليها.
أومأ له، لينظر مهاب إلى عمران:
ـ هو أنت كما هنا؟"
نظر عمران له تارة، ثم إلى عمار، ليهتف:
ـ حلو ده، أعرفك بقى... عمار أخوك.
قال ذلك وهو يشير عليه، تمتم أيوب ساخرًا:
ـ ونعم المكان اللي يتعرفوا فيه على بعض.
ـ البركه فيك
قال ذلك عمران، يلقيه بحديثه، زفر براء، ثم أردف:
ـ يلا يا مهاب، خلينا نمشي.
أومأ له مهاب، وقبل أن يذهب، نظر إلى عمار قائلًا:
ـ أهو، لو كنت أعرف إنك أخويا، كنت سبتك تدافع
عن نفسك. بس معلش، ليا عندك واحدة.
ليتبع أخيه، لينظر عمران إليه:
ـ مهاب قصده إيه؟
نظر له:
ـ موضوع حصل واحنا جوا.
أردف أيوب:
ـ بقولك إيه يا عمران، مش تفرح أوي. أخوك طالع بكفالة. مين عارف، بكره يمسكوا عليه حاجة
ـ عارف، براء كان صح. ده هو ظلم الحية لما شبهك بيها.
قال ذلك عمران، ليذهب ويتبعه عمار، لينظر إلى أثرهم، ليبتسم على حديثه، قائلًا وهو يسير:
ـ لما أشوف آخرتها معاكم يا أولاد الزيني.
ــــــــــــــــــــــــــ
فتحت عينيها بثقل شديد، لا تعرف ما هذا. رأسها مثقل، جسدها تحس بتنميله. حاولت استعادة وعيها بصعوبة، ثم حاولت النهوض، لكن جحظت عيناها بصدمه. تشاهد هذه الغرفة التي بها ملابسها المبعثرة على الفراش، وهذا الغطاء الذي يلتف حولها. توقف عقلها، آخر شيء تتذكر هو الطعام الذي كانت تأكله مع باسل. جذبت ملابسها بيد مرتجفة، تحاول انتظام انفاسها والتحكم بهذا الذعر. تعصر رأسها لتتذكر ماذا حدث بعد الطعام، لكنها لا تتذكر شيئًا.
ارتدت ملابسها على عجل، لا يخلو من الذعر. أسئلة كثيرا تضرب برأسها. أين هو؟ هل تركها وذهب؟ هل كل ذلك كان كذب؟ هل حبه مجرد خدعة؟ لكنها تحاول أن تلتمس له عذرًا. عقلها غير قادر على استيعاب أنه قد خدعها.
ثم خرجت من الغرفة، لكنها توقفت حينما لمحته جالسًا على الأريكة. اقتربت منه، تهتف بذعر:
ـ باسل، أنت عملت إيه؟ باسل، رد عليا، قول إن محصلش حاجة، قول إنك مش كسرتني.
قالت آخر حديثها بأمل، لكنه أردف ببرود:
ـ عادي، أنتي مراتي يا روما، ولا نسيتي؟
ارتعدت خطوة إلى الخلف، تحاول استيعاب حديثه، ثم أردفت:
ـ مراتك عرفي؟ مراتك من غير ما حد يعرف؟
ثم صرخت بغضب:
ـ مسمي الورقتين دول جواز؟ أنت خدعتني، حطيت إيه في الأكل خلتني أفقد وعيي؟ مش بتقول إنك بتحبني؟ اللي بيحب حد مش بيعمل فيه كده؟
قالت آخر حديثها وهي تصرخ به. توقف، ليكون أمامها، ثم أردف:
ـ بس أنا عمري ما حبيتك يا مروة، ولا هحبك. حتى أنتي كنت بالنسبالي مش أكتر من هدف، وحققته.
ثم أضاف:
ـ وانتي عندك حق، الورقتين دول مش يسموا جواز.
ثم وضع يده داخل جيبه، وأخرجهم ليشق الورقتين أمام عيناها لنصفين، ثم أكمل شق بهم، ليلقي بهم على الأرض قائلًا:
ـ وبكده مبقاش فيه ورقتين كمان، يعني مفيش رابط يربطك بيا.
أساسًا، اللي زيك أرخص من إنهم يتجوزوا عرفي حتى.
تنهد، ليتبع حديثه:
ـ مش تحاولي تتواصلي معايا تاني. اللي أنا عاوزه خدته، مش بقيتي تلزميني خلاص.
كان تقف فقط تحدق فيه، تمنت لو في حلم تفيق منه، لكنها بكابوس أبشع من مليون حلم. كاد أن يذهب، ولكن صوتها أوقفه:
ـ ليه عملت كل ده؟ لو مش بتحبني، ليه تمثل عليا الحب؟
ثم التفتت إليه، تتابع، وعبراتها تتساقط:
ـ أنا مش حبيت غيرك يا باسل، أنت الوحيد اللي حبيته. أنت الوحيد اللي حسسني بخوفه عليا. أنت الوحيد اللي عرفت معاه يعني إيه اهتمام.
يا أخي، ده أنا كنت بسمع أي كلمة تقولها ليا، وبقول حاضر. كنت بقول في نفسي، هلاقي مين يخاف عليا قده.
ثم تابعت بغضب:
ـ قولي، أنا ليه يتعمل فيا كده؟ عملت ليك إيه عشان تعيشني موقف زي ده، وتكسرني؟ بس في الحقيقة، روحي نفسها اتكسرت. أنت شوهتها بعملتك معايا.
ظهر عليه عدم الاكتراث، أردف ببرود:
ـ خلصتي دراما؟
ثم اقترب خطوة منها، ليكون أمامها، ليضيف:
ـ ابقي روحي اسألي أخوك، قوليله عمل أيه في أهله الشهاوي، وسعتها هتعرفي الجواب.
ثم أضاف ساخرًا:
ـ بس لازم تعرفي أني كنت رحيم معاكي، ومش عزمت عليكي صحابي كمان، ولا ضربت عليكي رصاص، ولا عيشتك يوم يفضل محفور في ذاكرتك.
تنهد بضيق يريد إنهاء هذا الحديث ثم قال:
ـ روحي لعمار يا مروة، واسأليه. هتلاقي عنده الإجابة، وسعتها هتعرفي أنا ليه عملت كده. على الأقل كنت حنين معاكي.
ثم تابع أخيرًا:
ـ مش تحاولي تتواصلي معايا تاني. أنا ميشرفنيش أعرف واحدة زيك. ولعلمك، أنا يوم ما اتجوز، مش هتجوز واحدة مستباحة وبتصادق شباب، وعايشة عيشتك ملهاش أهل يسألوا فيها، ولا يسألوا على تصرفاتها. أنا بشفق عليكي. عايشه زي اليتيمة. بسهولة قدرت أدخل حياتك، وأحركك زي ما أنا عاوز.
عارفه مين السبب في كل ده؟ ليصرخ بها:
ـ عيلتك يا مروة، عيلتك هي السبب في اللي أنتي فيه دلوقتي. لو كانوا عرفوا يربوكي، لو كانوا اهتموا بيكي، مكنتيش زمانك في الموقف ده دلوقتي. مكنش زماني عرفت أقرب منك.
ليبتسم بتهكم يرمقها من أسفل إلى أعلى:
ـ بس أنتي كنت زي العطشانه للاهتمام، وأنا رويت عطشك يا بنت راشد العمري. بس اللي راح مش بيرجع. خلاص، خلصت هنا، ومش تنسي تسالي أخوكي عمار الزيني هو عمل أيه في أهله الشهاوي، وسعتها هتعرفي أسبابي كانت إيه. مش عاوز أشوف وشك تاني.
ليهمس عند أذنها:
ـ آخر حاجة كنت أتوقعها إني واحدة عايشة عيشتك تكون لسا بشوكها. برافو يا روما.
ليتركها ويغادر، ليصفع الباب خلفه. أما هي كانت تتنفس بعنف، عبراتها تتساقط على وجنتها بقهر. لتمسك بأحدي الفاظات الزجاجيه وتضرب بها بقوة، لتتهشم إلى قطع على الأرضيه. لتصرخ بقوة وتسقط على الأرض وهي تبكي وتشهق. تبكي بقهر على ما فعلته بنفسها، علي ما وصلت إليه. هل هذه الحياة التي ركضت إليها؟ هل كل شئ بات كاذب بنظرها؟ حتى الإنسان الوحيد الذي أحببته، وقدمت له قلبها على طبق من ذهب، كانت ليس إلا هدفًا بالنسبه له. هدف قد صابه، لكنه شوه قلبها بالمقابل.
حديثه يتردد بإذنه كمطرقة قاسية أن أهلها هما السبب في كل هذا، وهو أيضًا قد ضغط على آخر ورقة بفعلته. زاغت بعيناها ليقع نظرها على هذه القطع الزجاجية. مدت يدها، وامسكت قطعة منها، لتشق الابتسامة شفتيها، تتمتم:
ـ هي فعلا خلصت هنا يا باسل. خلصت خلاص. كل حد بيقرب مني بيكون مقابل مصلحة. في اللي مصحابني عشان الفلوس، وفيه عشان سلطه بابا، أنت الوحيد اللي كنت شايفة تقربك مني مش فيه مصلحة، بس طلعت زيهم، ومش تفرق عنهم حاجة. كله كدب. كلامك ليا واهتمامك كله كدب. بس أنت اللي كسرتني. شوهت روحي بعملتك معايا.
لتضع قطعة الزجاج على معصمها، ثم قالت:
ـ هي فعلا خلصت، وأنا اللي هحط حد لنهايتها.
لتسحب الزجاجة بقوة، لتشهق بألم، ليسيل الدماء من معصمها يتدفق، وهي تنظر إليه كما لو أنها فقدت الحياة. وتضع حدًا في معتقدها أن هذا التصرف صحيحًا، لكنها تنجرف خلف خطأ آخر ليس له نهاية.
غريبٌ الإنسانُ يُلقِي بِنَفسِهِ إلى التَهلكَةِ بِيدِهِ ويتساءلُ: بأَيِّ ذَنبٍ أُخِذتُ لأُعاقَبَ على ذَنبٍ ليسَ خَطأي؟
ــــــــــــــــــــــ
في السيدة زينب، وداخل بيت الزيني، كان يجلس على الأريكة، الحزن يكسو وجهه. قد حاول كثيرًا التحدث مع فريدة لعلها تجيب، لكنها أيضًا ملتزمة بالصمت، وهذا يقهره. الجميع بالغرفة يحاولون التحدث معها بأي طريقة كانت، على أمل أن تتحدث.
جلست سكن بجانبه، ثم وضعت يدها فوق كفه، متفهمة حمله وخوفه عليها. أردفت برفق:
- صدقني، هتكون كويسة، هي بس من الصدمة بسبب اللي اتعرضت له.
فريدة محتاجة شوية وقت.
نظر إليها:
- مش قادر أشوفها كده. فريدة دي غالية أوي عندي يا سكن. فريدة أنا شلتها قبل أبوها، أنا اللي خدتها في حضني. أنا فاكر يوم ولادتها كويس أوي. قد إيه كنت فرحان بيها، حتي أنا اللي سمتها فريدة. قولت عشان تكون زي اسمها فريدة.
مش قادر أصدق يا سكن اللي اتعرضت له، أو اللي كان ممكن يحصل لو الحيوان ده كان عمل فيها حاجة. أنا كان نفسي أشوفه، كنت قتلته بأيدي ومش فرق معايا حاجة.
مقهور وأنا شايف فريدة بالحالة دي.
ثم أضاف بضيق:
- دي رفضت حتي المسها، مع إني أنا خالها وعارف هي بتحبني قد إيه. نفسي أضمها في حضني وأطمنها، بس مش مدياني فرصة.
أومأت بتفهم، ثم قالت:
- هي مخضوضة من اللي حصل، طبيعي تكون خايفة. وسكوتها ده هيكون فترة بس وهتعدي. كل اللي نقدر نعمله دلوقتي نطمنها ونحسسها بالأمان، على قد ما نقدر. هي مش هتنسي اللي مرت به، هيكون ندبة في حياتها، واحنا لازم نداوي الندبة دي لغاية ما تطيب.
أومأ لها، ولا يعلم إلى أي موقف سيلقي به. يختبر بأغلي ما عنده، يحمد الله على كل شئ. ولكن أقوي ضربة عليه كانت فريدة، هذه الصغيرة التي لا تعرف من الحياة سوى لعبها، تتعرض لموقف بشع كهذا. مجرد التفكير فقط يغضبه. استغفر الله.
ثم نهض قائلًا:
- هقوم أصلي.
أومأت له، ليذهب. لتتنهد هي الأخرى، فهو بالفعل يصعب عليها. يحمل كل ذلك الحمل ويحاول أن يطمئن الجميع، لكنه غير قادر على اطمئنان نفسه، وهذا أصعب شيء، أن تحاول تمثيل الصمود.
يكونُ هو اليدَ التي تسندُ، كيفَ له ألَّا يكونَ صامِدًا أمامَ جميعِ الابتلاءاتِ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يجلس داخل السيارة على المقعد الخلفي، أما أيوب كان يقود وعمران يجلس بجانبه، ليشرد بالماضي بموقف آخر جمعته بنجمته.
جذب الكرسي ووضعه ليكون أمامها، رفعت نظرها من على الكتاب ترمقه بضيق:
- أفندم، عاوز إيه؟
ابتسم على ضيقها، ثم أردف:
- لو تساعديني في المذاكرة.
جحظت عيناها بعدم تصديق، تصيح:
- مين اللي يساعد مين؟ أنت في آخر سنة في الكلية إنما أنا لسة في أوله، أساعدك إزاي بقى؟
هتف بهدوء:
- عادي، شايفك ذكية ما شاء الله عليكِ، بس تمام لو مش حابة تساعديني، معنديش مانع،
ـ أنا فعلا مش هساعدك، واتفضل قوم بدل ما
قاطعها قائلًا:
- اندهلك الأمن عارف، حفظت، بطلي بقى، إنت ليه بتدخلي فجأة كده بالكلام، مش بتعرفي تتكلمي كلمتين من غير الجملة دي؟
أومأت مؤكدة:
- عمار، ده مكان دراسة ومش حابة أضيع وقتي في تفاهات، روح شوف واحدة شبهك حابة تضيع وقتها.
اتكأ بظهره إلى الخلف، يرمقها بابتسامة:
- طب لو حابب أضيعه معاكي إنتِ، أعمل إيه بقى؟
أغلقت الكتاب، ثم نظرت إليه:
- تعمل شاي.
ثم أمسكت بالكوب الذي أمامها، لتلقي به على ملابسه، لينتفض مسرعًا يفك أزرار قميصه، يصيح بغضب:
- مجنونة، الشاي سخن، يخربيت جنانك!
قال ذلك لينزع القميص، ليظل بكنزة بيضاء نصف كم قد تلطخت ببقع الشاي أيضًا. رمقها بضيق:
- ده تصرف عاقلين؟
نهضت تأخذ متعلقاتها، لتردف:
- بس إنت مش عاقل يادنجوان الجامعة، قولتلك شوف واحدة شبهك، بس إنت اللي مصمم.
ثم رفعت سبابتها في وجهه، محذرة له:
- شوف، أنا لغاية دلوقتي مش عاوزة اشتكي لأخويا، بس لو فضلت كده، هقوله وهو هيتصرف معاك.
تركته ومضت ليظل يتابع اثرها يتمتم بكلمات مثل النغمات التي تعزف خصيصا لها:
دُمْتِ أهلَهُ لي، يا مَن استحوذَت فؤادي وأَبَتْ عشقًا لكِ، أيَّتُها العنيده، يا أهلَهُ، والذي باتَ اسمُكِ جزءًا من أيامي التي تَتَعَازَفُ أوتارُها في جمالِ عينيكِ الصَّافيةِ.
كان يتذكر موقفًا آخر جمعه بها، كانوا يتوقفون أمام محل خاص بفساتين الزفاف. كانت تنظر إليهم بشغف من خلف الزجاج، عيناها بهما بريق يعبر عن فرحتها بمناظرهم.
أردف متسائلًا:
- مالك؟
نظرت له:
- عارف يا عمار، أنا حلمي إيه؟
ـ حلمك إيه؟
أردف بذلك متسائلًا، لتجيب:
- الفستان الأبيض
ثم أضافت:
- يبان حلم عادي، بس هو ده حلمي، إني ألبس الفستان الأبيض وأتزف للشخص اللي قلبي اختاره، وأكون فرحانة وسعيدة زي أي بنت بتكون سعيدة في يوم زي ده.
ثم نظرت له:
- أنا حلمي الفستان الأبيض أكتر من البلطو الأبيض.
نظر إليها بعدم تصديق:
- البسي البلطو الأبيض الأول يا دكتورة، وبعدين فكري في الفستان.
أردفت بضيق:
- وإنت ناوي تتكرم وتلبس البلطو الأبيض أمتي، ولا مش ناوي تتخرج؟ هتبلط في الكلية؟
ضحك بصخب عن حديثها، قائلًا:
- أهله عليكي، خفة دم، عسل بجد.
ثم أضاف:
- طب إيه رأيك إن أنا متشوق أشوفك بالأبيض أوي؟
ابتسمت له، ثم نظرت إلى الفستان:
- تفتكر هيجي اليوم ده يا عمار، يعني ألبس الأبيض وأخويا يسلمني ليك، ويقولك حطها في عينك بدل ما أخلعلك عينك؟
لتتابع بابتسامة:
- عشان ده باسل، ودي طريقته، بيخاف عليا أوي، أنا حتى كلمته عنك، قولتله قد إيه في واحد رزل خنقني في الكلية بتصرفاته
ـ بقى كده تسوّقي سمعتي عند أخوكي قبل ما أشوفه.
قال ذلك بضيق، نظرت له بعدم تصديق:
- أخويا إيه بس، ده إنت سمعتك سيئة في الجامعة كلها، إنت هتحور عليا.
ثم أضافت:
- سلام، ورايا محاضرة، اتفضل روح شوف محاضراتك إنت كمان، عشان أنا مش هقبل أكون مع حد أقل مني.
لتتركه وتمضي، عاد من شروده ليتنهد بضيق، يتمتم:
- دمتي أهله لقلبي.
ــــــــــــــــــــــــــ
"ظلال الألم" البارت ال 28
في ظلال الألم تنبت زهور الأمل وتتفتح ورود الصبر، والمواجهة هي أول خطوة نحو الشفاء.
كان يجلس داخل السيارة، نظره مثبت على البوابة، لا يعلم أين هي، توقع إن تنزل بعده، ولكن الدقائق تمر دون أي جديد، وهذا قد أحسه ببعض القلق، لكنه يحاول أن لا يتوقع الأسوأ. ليظل دقيقة يليها دقيقتين، لينفد صبره، ترجّل من السيارة على عجل، دلف إلى العمارة، ليدخل المصعد، ليرتفع به. توقف بعد قليل، ليخرج منه، أخرج المفتاح ليفتح الباب، دلف إلى جوّا، يبحث عنها. كاد أن يهتف باسمها، لكنه توقف بصدمة عندما لمحها على الأرض، تمسك قطعة الزجاج بيد، واليد الأخرى تسيل منها الدماء، وبجانبها يوجد بقعة دليلاً عن أنها قد نزفت كثيرا. اقترب منها مسرعا ليضع يده على عنقها ليتأكد من النبض، ثم نظر لها كأنه يعاتبها بنظراته على فعلتها الغير متوقعة. جذب مفرش صغير كان يوضع على الطاولة ليمسك معصمها ويلف معصمها بها حتى يسيطر على هذه الدماء. ليحملها بين يده، خرج من الشقة وترجّل الدرج بخطوات متسارعة، لينهض البواب ويفتح له باب السيارة الخلفي، وضعها برفق، ثم أغلق الباب، ليلتفت ويصعد خلف المقود، ليدور السيارة، وبطريقه إلى أقرب مشفي، ونظراته لا تخلو من القلق، لينظر إليها من عبر المرآة تارة، ثم إلى الطريق تارة أخرى.
فتح باب الشقة، ليدلف عمار إلى الداخل، ومنها إلى الغرفة التي كان يمكث بها باليومين الذي مضوا، ليدلف أيوب أيضا، ويجلس على الأريكة، يرمق عمران الذي أغلق الباب بوجه عابس، ثم دلف إلى غرفة أخيه أيضا، وصفع الباب، ليتمتم ساخرًا: "يخربيت الدراما"
داخل الغرفة، نظر إلى عمار الذي نهض بتوتر عند دخول عمران، وغلقه للباب. أردف:
"عاوز إيه؟"
نظراته لا توحي بالخير، لكنه يحاول كظم غيظه، وثقل هذا الغضب الذي بداخله حتى لا ينقض عليه. جلس على الفراش، ثم أردف:
"شوف، خليك صريح معايا، وقول لي على كل مصايبك، مش عاوز اتفاجأ بحاجة جديدة. عرفت أنك مدمن، قولت ماشي، هنحاول معاك، هعتبرها بسيطة. وشوية صحاب جرّوا رجليك للموضوع ده، عرفت أنك ديلر، قولت ماشي، مكنتش موجود عشان أربيك. فيلا، أنا سامعك، لو في عندك أي مصايب تانية، قول، عشان أعرف أتصرف"
ابتلع ريقه، وظل يرمقه فقط بنظرات ليست تفسر غير إنه متردد، خائف يفكر. أردف عمران بهدوء: "بوعدك، مش هعملك حاجة، بس لو في حاجة تانية، قول دلوقتي، مش تنسى أنك خارج بكفالة، يعني في أي وقت ممكن يرجعوا يخدوك تاني. أنا محامي، يعني أتكلم، عشان أعرف أتصرف، وافتكر أني أخوك الكبير، أنا أحميك بعيوني، ومش هسمح إنك تتأذي أبدا"
زاغ بعينه بعيدا، ثم هتف بتعلثم:
"أنا... دماغي وجعاني، عاوز أنام"
زفر الآخر بضيق، لكنه يحاول امتثال الهدوء. نهض ليقترب ليكون أمامه، قائلًا:
"ارتاح يا عمار، أنا عارف أن المكان اللي كنت فيه النهارده، مكنش حد شبهك، ولا أنت عمرك ما هتكون شبهم"
ربت على كتفه برفق، ليتركه ويغادر الغرفة. وعندما أغلق الباب خلفه، سقط قناع التماسك الذي كان يحاول جاهداً أن يتباهى به، ليوطأ على رقبته، لتنهمر عبراته، ليعلو صوت بكاءه، ليضع يده على فمه كمحاولة ليكتم شهقاته. فماذا يقول أخيه، هو ليس شبهم، بل هو أحقر منهم أيضا، فهو الأسوأ. كيف له أن يتحدث عن أفعاله، أو عن ما تعرض له منذ طفولته؟ كل شيئا بات يتراكم عليه، ويثقل صدره، لدرجة أنه بات يتتفس بالكاد. فهو قد اتبع المقولة عكسيه:
"يعيش ليعيش" لكنه لا يعيش.
الظلام هي التي تجعل النور له قيمة، والألم هو الذي يعلمنا قيمة الفرح، ربما تكون الخسارة هي الفوز الحقيقي، والضعف هو القوة التي لا نراها، وربما يكون العيش هو الموت، والموت هو الحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
كان يصعد الدرج ببناية متوسطة، ليتوقف أمام الباب ويطرقه طرقات خفيفة. عدة ثواني وفتح الباب، كانت عمته التي نظرت له بسعادة. أردفت بترحاب: "أدهم حبيبي، تعالا ادخل، إيه المفاجاه الحلوة دي؟"
نظر إليه بابتسامة قد أحرجته بلطفها. دلف إلى الداخل وأوصدت الباب. ثم هتفت:
"اعمل حسابك هتتغدا معانا النهارده، فاهم"
جلس ليجيب:
"معلش عشان سندس وبابا، بس حبيت اشوفك، بقالي فترة مش بشوفك يا عمتي"
ثم أضاف:
"لتكوني واخده على خطرك مني من اخر مره اتكلمنا فيها"
كسي وجهها الحزن، ثم أردفت:
"لا، مفيش حاجة عادي"
تفهم أنها تكذب حتى لا تحرجه. لينهض ويقبل رأسها قائلًا:
"حقك علي راسي يا عمتي، مش تزعلي مني، بس أنا مش هقدر اسمح أن سندس تزعل ولا أن نفسها تتكسر، انتِ مش عارفه كسرة النفس دي بتكون صعبه إزاي، مش هنكون احنا والغريب عليها"
أومأت بتفهم قائلةً:
"وأنا لما راجعت نفسي لقيت أني غلط في حقها وفي حق سكن بردوا، كان لازم اققف معاها مش ضدها"
ثم أضافت بضيق:
"يقطع الموبايلات على النت على التكنولوجيا الحديثة، اهي هي السبب في كل اللي بيحصل".
أردف بهدوء:
"المجتمع بيتقدم والتكنولوجيا بتساعد كتير بس مع الاسف في ناس بيستعملوها غلط وبدل ما يفيد يضر".
فتح باب الشقة، كان وليد قد عاد من عمله. تفاجأ عندما وقعت عيناه على أدهم، ليقترب قائلًا بترحاب: "الدكتور أدهم بنفسه عندنا، ده إيه النور ده؟"
نهض أدهم يصافحه أيضًا:
"اهلا بالدكتور وليد، عامل ايه في شغلك؟"
جلس ليجيب بهدوء:
"هي الحالات بتخلص"
نهضت والدته قائلةً:
"في ايه أنت تقول دكتور والتاني يقول دكتور، ايه الرسمية دي، الله يرحم لما كنتوا عيال صغيرة مش بتفارقوا بعض"
ثم أضافت بحسم:
"مش هتمشي من غير ما تتغدا معانا"
لتذهب إلى المطبخ حتى تجهز الغداء. لينظر وليد إلى أدهم:
"اتغيرت اوي عن زمان"
"وانت كمان يا وليد اتغيرت"
هكذا أجاب ليبتلع ريقه بتوتر شديد، ثم هتف: "طبيعي السنين تغير، محدش بيفضل صغير اكيد"
ثم نهض:
"هغير هدومي عشان نتعدا مع بعض، زمان وجدان جايا كمان
وما نهي حديثه، فتح الباب، دلفت ليهتف بمزاح: "ياريتني كنت جبت سيرة مليون جنيه، مع أنك اغلي من المليون بردوا"
ابتسمت على حديث اخيها، فهو يحب تدلليها، وقد اخذت على ذلك. نظرت إلى أدهم:
"ازيك يا أدهم، عامل إيه؟"
أجاب بهدوء:
"الحمدلله، انتي عامله ايه، والمدرسة اخبارها إيه؟ عاوزك تبقي طموحة مش زيه".
قال ذلك وهو يشير على وليد الذي هتف بضيق:
"زيه أنا دكتور على فكرة، مش واخد بالك، امشي معلق السماعة طيب ولا أعمل إيه؟"
هتف الاخر:
"انت دكتور على ما تفرج يا وليد"
أومأ بنفاد صبر:
"شكلي بتهزق، أنا داخل اغير هدومي واجيلك".
تركهم وغادر. لينظر أدهم إلى وجدان:
"المواد عاملة معاكي إيه؟"
أردفت:
"صعبه ورخمة، الصبح مدرسه وطول النهار دروس، تخيل أنا طلعت من المدرسة على درسين وراء بعض"
لتضيف بحماس:
"بس أنا قدها بإذن الله، عيني على كليه الطب وهدخلها"
ابتسم على حماسها قائلًا:
"قدها طبعا"
ابتسمت ثم أردفت:
"هدخل اغير هدومي واشوف ماما"
أومأ لها لتتركه وتذهب، أخرج هاتفه يريد الاتصال على اخته ليخبرها بأنه سيتغدا عند عمته حتى لا تنتظره وهي ووالده، لكنه تأفف بضيق عندما استمع أنه قد نفد رصيده. ليقع نظره على هاتف وليد الموضوع على الطاولة، التقطه ليهتف بنبرةٍ مرتفعة: "وليد، الباسورد كام، عاوز اعمل مكالمة"
أردف الاخر بتلقائية يجيب بنبرةٍ مرتفعة وهو يبدل ملابسه
"اربع وحايد"
"لا نبيه"
هكذا اردف أدهم، ادخل الباسورد ليفتح الهاتف، ولكن قد توقفت يده حينما وقع نظره على صورة ل سكن، هي أول ما ظهرت عندما فتح الهاتف. استغرب صورة أخته، ماذا تفعل على هاتف وليد؟ ومن الواضح أن آخر شيئا وليد كان يفعله بالهاتف أنه كان بالمعرض الخاص بالصور. واغلق الموبايل دون أن يخرج منه لهذا، اول ما فتح الهاتف كان داخل معرض الصور. ظل يقلب ويزداد دهشه أكثر، ليقع عينه على الاسواء، الصور المركبه التي نشرت لاخته. ليتابع تقليبه ويتيقن ان وراء هذا الفعل ما هو إلا وليد. كم بات غاضب، من يصح ليؤتمن على شرف من له؟ هو من بعثره، هو من اركب هذه الصور، هو من اخترق هاتفها. توقف عقله لدرجه ان الذهول بات لا يعلمه من أي جهه. هل فعل ذلك بها لانه قام برفضه؟ هل فعل ذلك لأن سكن رفضته كثيرًا؟ هذه الأسئلة التي تتوارد برأسه. ليهتف الاخر من الداخل:
"خلصت مكالمتك؟"
1
لكنه ما رد. ليستغرب، انتهي من تبديل، ولكن صعق عندما تذكر أنه كان يقلب بالمعرض اخر شيئا، فهو كان يحذف هذه الصور، لكنه توقف وما تابع بالباقي. ركض إلى الخارج بهلع، ليستقبله أدهم بلكمه قوية اطاحت به أرضا، يصيح بغضب:
"انت احقر انسان عرفته، ازاي تعمل كده؟ رد عليا، ازاي هان عليك بنت خالك؟ اتاريك جاي تعرض جوازك عليها بعد اللي حصل، عشان أنت السبب فيه، هو ده كان مخططك الحقير صح؟ أنك تسئ سمعتها وبعد كده تتجوزها؟"
خرجت عمته بذعر يليها وجدوان لا يفهمون شيئا. أردفت:
"في إيه يا أدهم، أيه اللي حصل؟"
نظر إلى عمته:
"اسألي ابنك الدكتور المتربي، بس اقدر اقول أن التربيه مش عرفت ليه طريق أساسًا"
ثم نظر له:
" وأنا كنت صح لما كنت برفضك لما تتقدم ل سكن، عشان انت مش راجل، مفيش راجل يعمل كده"
كاد أن ينقض عليه مره اخري، لتتوقف عمته امامه قائلةً:
"ممكن تفهمني في أيه؟ وليد عمل ايه عشان تضربه؟
"اسأليه"
هكذا أردف بغضب، ليلتقط هاتف وليد ليحذف جميع صور اخته التي تحتوي على هاتفه، ليلقي بالهاتف على الارضيه. توقف وليد قائلًا:
"أدهم، أنا مقدر غضبك بس اسمعني"
غضب أكثر من برودة اعصابه عن أي حديث يريد أن يبرر. اردف:
"هتدافع عن نفسك تقول إيه؟ ها رد عليا، ايه مبرراتك اللي عندك عشان تعمل كده؟"
صاح في اخر حديثه، صمت لبرهة ثم قبض على تلابيب ملابسه بغضب جارف يهتف :
"احمد ربنا أني رحمتك دلوقتي، بدل ما كنت اخليك متسواش قدامهم"
ليلقي به بقوة ليصطدم بالأرض، ثم نظر إلى عمته وهو يشير عليه:
"اسألي ابنك عمل قبل ما تفكري تزعلي مني"
ثم نظر إلى وليد:
"رجلك مش تعتب بيتي فاااااهم"
تركهم وغادر يصفع باب الشقة خلفه كالأعصار. لتنظر والدته إليه:
"في إيه يا وليد؟ إيه اللي حصل؟ رد عليا، عملت أيه عشان يتجنن كده؟"
نظر إلى والدته تارة والى اخته تارة اخري، ليتركهم ويذهب لى غرفته، يغلق الباب خلفه كمن يفر من عار سيظل منسوبا إليه كلما مررت به الأيام. فكيف يهرب الإنسان من خطياه حينما تمس شرف انثي كل هدفها في الحياه الامان؟ لكنه قد تكابر عندما رفضته، وساقه غضبه ليتناسي أن من قام بالإساءة لها هي ابنة خاله، ابنة الرجل الذي كان في طفولته يمكث في بيته يشاركهم الطعام، لكنه قد خذلهم الآن. توقع إن ما فعله سيظل مستور ولا أحد سيعلم شيئا، لكنه تناسي أن الستر ما هو إلا رصيد وإذا نفد اطاح بكل شئ
"تُنسج الخطايا حولنا، وتظل تلاحقنا، حتى لو فررنا منها، فهي تظل في ذاكرتنا، وتُذكرنا بها الأيام، كالظل الذي لا يفارقنا".
ــــــــــــ
كان يجلس على الكرسي المعدني بعد أن أخذوها إلى الطوارئ، علامات التوتر بادية على وجهه. لا يعلم ماذا يفعل، فهو لا يتوقع هذا التصرف منها. أغلق عينه بوهن يحاول أن يصمد حتى لا يشك أحد بأنه السبب ومن أوصلها بتصرفاته إلى هذا الفعل.
ظل يجلس ينتظر أن يطمئن عنها، ليمر الوقت كالدهر عليه. ليخرج أخيرًا الدكتور، نهض على عجل قائلًا: "طمني عليها، هي كويسة صح؟"
أردف الآخر بعملية:
"الجرح كان غميق بس الحمدلله أنها على قد كده، وإلا كنا هنواجه مشكلة. هي نزفت كتير وحاليًا علقنا ليها محلول يعوض اللي فقدته. بس دي حالة انتحار، وكان لازم أبلغ بالذات أنها قاصر"
أوقفه قائلًا:
"لو سمحت، مش عاوزين الموضوع يكبر يا دكتور، وأديك قلت قاصر، طيش عيال. أنا هتكلم معاها وأعرف السبب عشان أضمن عدم فعل ده، وهحل مشكلتها"
نظر إليه:
"طيب عامة، في أخصائية نفسية لو حبيت أبعتها تتكلم معاها"
أومأ له ليغادر الطبيب. ليزفر بضيق ثم دلف إلى الغرفة، كانت مازالت تحت تأثير المخدر ويوجد محلول معلق لها. جذب الكرسي ليضعه بجانب الفراش ليجلس عليه. ظل ينظر عليها، أردف بهدوء كأنه يحدث نفسه:
"لما شوفتك على الأرض بالحالة دي، خوفت عليكي. معرفش بس مش أكتر ما خوفت على أختي لما كلموني عشان أجي على المستشفى ليها وأعرف بحالتها. سعتها كنت زي المجنون مش عارف أعمل إيه، لا أجيب حقها من مين. ولما سمعت منها كلمتين بس وبعدها دخلت في غيبوبة، انقهرت عليها. كل يوم بقى بيعدي زي اللي قبله، أختي الوردة اللي ريبتها بأيدي واعتنيت بيها كأنها روحي، وكبرت قدام عنيا. بقت دلوقتي عبارة عن جسد متحاوط بالأجهزة. سنة كاملة بتمنى بس لو أسمع كلمة أنها فاقت. سنة كاملة كان كل يوم فيها أملي بيقل، بس بقول لا، مسيرها تفوق وأسمع صوتها وتناديني. كان حلمي أشوفها دكتورة متخرجة، بس أخوكي قضى على كل ده. وبعد كل اللي عملته أنا ميجيش حاجة بجانب اللي عمله. كنت فاكر أني كده بنتقم منه، بس مش عارف أنا ليه زعلان، ليه خايف عليكي، ليه اترعبت من فكرة أن يحصلك حاجة. ودي حاجة خنقتني، بقت زي الجبل على قلبي. ازاي أخاف عليكي، ازاي تكوني بتهميني. دي حاجة مش لازم تحصل. الإحساس ده هقتله قبل ما يكبر جوايا".
صوت تأوه صغير خرج منها، كاد أن يقوم ليقترب، لكنه تراجع وظل بمكانه يحاول امتثال البرود.
فتحت عيناها بوهن، ظل بؤبؤ عيناها يزوج بسقف الغرفة تحاول أن تعلم أين هي. لتستمع إلى صوته البغيض يردف ببرود كأنه تبدل في غمضة عين:
"حمدالله على السلامة يا سنيوريتا، بقى كده تحاولي تنتحري في بيتي، عاوزه تجيبي ليا مصيبة... ثم أضاف...طيب اعملي كده بعيد يا روما، مش في بيتي. كويس أني نسيت مفاتيحي ورجعت، وإلا كان زمانك ودعتي الحياة".
كانت فقط تنظر له دون أن تبدي أي رد فعل، كأنها تحاول أن تقارن هل هذا نفس الشخص الذي كان يهتم بها منذ بضعة أشهر، هل هو نفسه الذي كان يغرفها بحنانه. فقد تبدل، قد أزيح قناعه.
أردفت بلا مبالاة:
"عادي، حتى لو كنت مت، كان هيبان أنه انتحار أساسًا. أنا أرخص من أن حد يتعاقب على موتي".
جملة ضربت في قلبه، لتضيف:
"أو حتى حد يزعل. يا بخت أختك بيك، بتنتقم ليها، وزعلان عشانها. أنما أنا، حتى لو مت، محدش هيكون فاضي عشان ياخد وقت للزعل..."
ثم هتفت بغضب:
"يلا، قوم امشي، غور من وشي، أنا مش طايقة أشوفك. اطلع بره"
دلفت الممرضة تحضر لها مهدئ، كادت أن تقترب منها، لكنها صرخت بها:
"ابعدي عني، ملكيش دعوة بيا"
نهض باسل لينظر إلى الممرضة:
"لو سمحتي، سبيها، هي بس أعصابها تعبانة، وكمان هتخرج دلوقتي"
أومأت له وغادرت الغرفة لينظر إليها:
"قومي خليني أوصلك عشان أكون عملت اللي عليا معاكي يا أخت عدوي"
قال آخر حديثه بتهكم، نظرت له:
"أموت ولا أني أركب معاك. يلا، امشي، أنا بعرف أعتمد على نفسي، مش خلصت انتقامك وكشفت وشك الحقيقي. امشي"
نظر إليها ثم غادر الغرفة، لتتكأ بظهرها إلى الخلف أخذت نفس عميق تحاول أن تكتم عبراتها حتى لا تضعف. التقطت هاتفها الموضوع على الكومود لتتصل على والدتها، لكنها ما أجابت عليها. لتتصل على عمار، ولكن هاتفه مغلق. لتتصل على والدها مرة واثنان وثلاثة، ليأتي رده أخيرًا.
كادت أن تتحدث، ولكن أتى رده قائلًا:
"مروة، أنا في اجتماع مهم دلوقتي، هكلمك بعدين"
1
ليغلق الخط. أنزلت الهاتف من على أذنها وحدقت فيه، لتنهمر عبراتها، ثم علا صوت شهقاتها. تأملت لو أحد يكون بجانبها يضمها يطمنها تتحدث معه، ولكن أين هم؟ فهم ليس لهم وجود بحياتها.
وفي الخارج، كان يقف باسل خلف الزجاج ينظر عليها، وتيقن أنها قد تواصلت مع أحد أفراد عائلتها، لكنهم ما أعطو لها اهتمام، وهذا قد زاد همه أكثر بفعلته معها.
1
"العائلة التي تخذلك، تُصبح كالريح التي تُطفئ الشمعة، تتركك في الظلام، وحيدًا، بلا دليل، بلا سند وهذا اصعب شيئا أن يكون لك عائلة لكنك بلا عائلة"
ـــــــــــــــــ
داخل كلية الهندسة، كانوا يسيرون للخروج بعد أن انتهوا من محاضرتهم. أردف متسائلًا:
"مالك يا مريم؟ قصدي يعني مش كنتي زنزانة النهارده ليه؟"
توقفت ونظرت له:
"أنا زنانة يا حمزة؟"
زاغ بعينه، فهو يحب قول الحقيقة. أردف:
"لا، تنفست براحة"
كادت أن تتابع سيرها لكنها توقفت حينما قال:
"بس انتي رغاية يا مريم، ورغاية أوي كمان"
نظرت إليه بعدم تصديق:
"رغاية عشان بطلب منك تشرح ليا؟"
نفي برأسه:
"لا، كده هتكوني غبية عشان بعيد الشرح كذه مره".
عبس وجهها، لا تعلم ما هذا هل ما يسمونه طحن الخواطر؟ نعم، فهو قد فعل ذلك.
أردفت بعبوس:
"شكرًا، ومش هطلب منك حاجة تانية عشان مبقاش رغاية ولا غبية"
كادت أن تذهب لكنه أوقفها، أردف بتعلثم:
"مش قصدي... بصي أنتي أه رغاية... بتحبي تتكلمي كتير، وغبية ساعات... عشان بتكون المحاضرة سهلة وبتحبي أعيد عليها شرح. بس مش عارف أوصل ليكي ازاي أنا... أنا"
نظرت له بعدم فهم:
"أنت إيه؟"
زاغ بعينه ثم أردف:
"أنا حبيت رغيك وغباءك"
نظرت له بصدمة ثم ضحكت بصخب عند تلقائيته الفريدة. نعم، قليلًا لو التقت بشخص صريح إلى هذا الحد.
أردفت:
"عارف إنك ضحكتني أوي حمزة، أنت إنسان جميل جدًا. أنا كنت مضايقة النهارده أوي عشان كده مش اتكلمت كتير زي عادتي"
"عشان كده مش اتكلمتي كتير زي عادتك صح؟"
أردف بذلك ولا يخلو من الفضول لمعرفة ما يضايقها ليضيف:
"من الواضح أنها مشكلة عائلية وحصلت امبارح بالتحديد بليل؟"
أومأت له بتأكيد ليتابع:
"واضح انها حصلت بليل عشان كده مش لحقتي تعملي اسكيب منها وجيتي على الكلية وأنتِ مضايقة"
جحظت عيناها بصدمه:
"عرفت منين"
ابعد نظره عنها ثم أردف:
"ولولا أنها محاضرات مهمة مكنتيش هتيجي. عرفت أنها عائلية عشان جيتي هنا بدري كأن قصدك تهربي من مشاكل البيت"
أردفت بضيق:
"بصراحة فعلًا حاجة زي كده، في عريس اتقدم ليا امبارح وأنا مترددة، وأهلي بيحاولوا يقنعوني بس أنا مش مقتنعة به"
لا يعرف لماذا اختنق عند حديثها، أردف:
"اعملي اللي يريحك يا مريم، في الآخر ده قرارك"
لينظر إلى ساعته ليتابع:
"لازم أمشي، أتأخرت"
قال ذلك ومضى، ولا يعلم ما هذا الاختناق الذي حاوطه، وكأن الهواء تبخر في لحظة اعترافها بذلك. لكنه يذكر نفسه بأنه لا يحب هذه الأشياء ولا يميل لها. ولكن شعوره عند كلمة عريس قد أغضبته، يعلم تفسير ذلك لكنه يتهرب منه، فهي مسيحية وهو مسلم، ومن الصعب إقناع من حوله بعلاقة كهذه.
ــــــــــــــــــ
في تل أبيب، داخل مبنى الاستخبارات اليهودية، كانت تسير فتاة تلبس ملابس عسكرية يدل أنها ذات رتبة. دلفت إلى مكتب ثم قالت:
"سيد ديفيد، ماذا سنفعل؟ أمور أعمالنا المهمة قد توقفت. هل مازال يرفض التوطأ معنا؟"
أومأ بضيق ثم هتف:
"نعم، رأسه يابس كثيرًا، من الصعب إقناعه. ولكن ليس مستحيلًا. سيظل حبيسًا حتى يعلن استسلامه ويضع يده في يدنا".
ثم نهض وهو يلتقط جاكيته:
"لا تقلقي يا رحيل، تعبك الذي فعلتيه لتأتي به إلى هنا سنحصل على حصده قريبًا. إذا يصر على موقفه الآن، قريبًا سيتراجع ويعلم إلى أي أرض يريد أن يتحايد. ولكني أعدك، سيكون أرضنا نحنا، وسيكون هذا المسمى أويس أحد رجالنا قريبًا"
قال ذلك وغادر المكتب، لتظل واقفة بمكانها تحدق في أثره. لا تعلم ما ذلك، لكنها باتت مشوشة، بداخلها مشاعر تهرب منها منذ أن أتت به إلى هنا. تلعن قلبها الذي قد تعلق بالعدو كثيرًا. كانت تحاول أن تخطف ولو بعض النظرات لتطمئن عليه، وبكل مرة يؤلمها قلبها لأنها هي السبب في هذه الحالة التي بات عليها. ولكن تذكر نفسها أنها ليست خائنة لبلدتها لتقع بحب مسلم. ولكن إذا بات معهم ووضع يده في يدهم، كل ذلك سيتغير بالتأكيد.
تمتمت بضيق:
"فوقي يا رحيل، من هذا الوهم"
كادت أن تخرج، ولكن دلف شابًا آخر يرتدي الملابس العسكرية تشبه ملابسها، لنعلم أنهم ينتمون لنفس الرتبة. أردف:
"هل السيد ديفيد قد غادر؟"
أومأت له قائلةً:
"نعم يا يامن، قد ذهب للتو. قولي، ماذا تريد؟"
أجاب بهدوء:
"لا أريد شيئًا، سأذهب لأتفقد السجون وسأمر على الأسرة"
أومأت له:
"موفق بعملك يا سيد يامن"
غادر المكتب لتغادره هي أيضًا لتباشر عملها.
ـــــــــــــــــــــ
حل الليل، منهم من مشغول قلبه، ومنهم من يخطط لمؤامرة، ومنهم من لا يهتم إلا بنفسه. كل شخص ضائع بملكوت آخر، منهم من يبتلي ومنهم من يعيش الابتلاء.
داخل بيت الزيني، وداخل غرفة مهاب، كان يجلس بصحبة حمزة، والذي قد علم بما حدث مع فريدة وحزن كثيرًا عليها. نعم قد نقذت، ولكن يكفي الموقف الذي سيظل محفورًا بذاكره. طفلة مازالت تنسج أحلامها.
أردف مهاب متسائلًا:
"قولي بقى، أنت مالك؟ حاسس إن في حاجة مخبيها؟"
زاغ بعينه بعيدًا، فهو لا يريد الإفصاح عما بداخله: "لا، مفيش حاجة"
"متأكد"
هكذا أردف مهاب بقلق، ولكن أجاب حمزة مؤكدًا له: "أه، متأكد، مش تقلق يا مهاب، أنا كويس"
أومأ له، ليشغل حمزة نفسه بالقراءة، أو حاول ادعاء ذلك أمام أخيه حتى لا يتساءل مرة أخرى.
في الخارج، كان براء يجلس بجوار أميرة، وضع يده فوق كفها قائلًا:
"بإذن الله هتتكلم وهتكون كويسة"
أومأت له لتزيل هذه العبرات التي تتساقط حزنًا على ابنتها، ثم أضاف متسائلًا:
"إمال حسن فين اللي عرفته إن كان حاضر اللي حصل صح؟"
أومأت له ثم أردفت:
"مشي مجاش معانا على الإسم، أنا مستغربة إزاي يسيبنا في الوضع ده، كل مرة بيثبت ليا قد إيه اختياري ليه كان غلط وإني جبت أسوأ أب لبنتي، هو حتى مش يستاهل فريدة"
أردف بهدوء:
"بس إحنا بنحبها، لو هو أسوأ أب إحنا هنكون ليها أحسن ناس، ولا تزعلي نفسك"
اقتربت سكن تحمل بين يدها صينية عليها كوبين من عصير الليمون، وضعتها على الطاولة، ثم حملت الكوب وقربته من أميرة قائلة:
"إشربي عشان تهدي شوية، من الصبح وإنتِ بتعيطي، هتتعبي كده"
أخذته من يدها قائلةً:
"شكرًا يا سكن"
أجابت:
"بتشكريني على إيه بس، مش عملت حاجة"
ثم حملت الكوب الآخر ومدت يدها به إلى براء ليأخذه منها قائلًا:
"تسلم إيدك"
"سلمت من كل شر"
أردفت بذلك وكادت أن تجلس، ليصدح صوت الجرس، ذهبت لتفتح الباب، وما كانت إلا هند التي نظرت إليها من أعلى إلى أسفل باحتقار، لتدلف إلى الداخل. زفرت سكن بنفاد صبر، وأغلقت الباب.
نظر براء إلى هند قائلًا:
"إيه اللي نزلك؟"
أردفت بحزن متقن لتتساقط عبراتها:
"نزلت عشانك، بقى ده سؤال، معقول مش تسأل عليا من امبارح، كل ده عشان مش اعتذرت ل سكن، معقول اعتذاري ليها هو اللي هيخليك تكلمني يا براء؟"
تابعت بتمثيل متقن حتى تأخذ وضع المجني عليه بجدارة، ثم قالت: "لو ده هيرضيك، أنا مستعدة اعتذر منها..."
ثم رفعت نظرها إليها:
"سكن، أنا آسفة، مكنتش قصدي أضايقك بكلامي أبدًا، وبوعدك إن مش هيحصل أي مشاكل بينا الفترة الجاية، ممكن تقبلي اعتذاري، أرجوكِ، بلاش تتسببي في خراب بيتي".
نظرت لها بعدم تصديق، هل باتت هي السيئة الآن، والتي تحاول خراب بيتها؟
نهض براء يجيب:
"هي مش اتسببت في حاجة يا هند، إنتِ اللي كل مرة بتعملي مشكلة جديدة".
نظرت له تتابع بنحيب:
"اعترفت بغلطي واعتذرت، أرجوك صدقني، مش هعمل كده تاني، ومش هتسمع عن أي مشاكل خالص"
ثم نظرت إلى سكن:
"أرجوكِ يا سكن، اقبلي اعتذاري، أنا فعلًا مكنش قصدي أزعلك"
صدمت من تمثيلها المتقن، فهي منذ ثواني فقط نظرتها باحتقار، والآن تطلب السماح. علمت أن كل ذلك ما هو إلا تمثيلًا فقط، لكنها أيضًا لا تريد أن تسبب بخراب بيتها، ومن ناحية أخرى لا تريد لأحد مشاركتها في زوجها، أي امرأة تتحمل ذلك؟
ولكن توقف عقلها عند هذه الفكرة، هي زوجة تانية، هي من أتت وقد شاركت براء معها، وليس العكس.
أردفت أخيرًا:
"أنا قبلت اعتذارك"
الابتسامة شقت شفتيها، لتنظر إلى براء:
"عشان خاطري سامحني إنت كمان، بوعدك آخر مرة"
أومأ على مضض، لتهتف بسعادة:
"هدخل أحضر العشاء، عاوزين نتجمع ونأكل مع بعض"
تركتْهُم لتدلف إلى المطبخ.
أغلق مهاب باب الغرفة الذي كان يقف ويستمع لما حدث، لينظر إلى حمزة قائلًا:
"الحية رجعت بعد ما قولنا خلاص راحت"
أردف الآخر دون أن ينظر له:
"الحية بتلف تلف وترجع تاني، دي لعبتها، إمال مسمينها حية ليه؟"
ضحك على حديث أخاه، ثم هتف:
"عندك حق، ربنا يستر"
داخل المطبخ، كانت تحضر الأكل، لتخرج هذه الزجاجة الصغيرة والتي تحتوي على نقط تسبب ضرر للرحم، والمواظبة عليها من المستحيل أن يحمل الرحم طفلًا مهما حدث، ولحتى تظل هي بأمان لا بد أن لا تحمل سكن أبدًا وإلا سيقضي براء عليها أن علم أنها قد أضاعت سبع سنوات من عمره في كذبة.
يتقن الشر ثوبه الجديد، غافلًا أن لا شئ يسير مثل ما يريد الإنسان.