📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل السادس والعشرين 26 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل السادس والعشرين 26 بقلم سمارة


ا خَلْقُ.. هُنَا يَسْكُنُ قَلْبٌ حَنُونٌ..لَيْسَ صَخْراً.. فَعَامِلُونِي بِلُطْفٍ.

(ضغط واسترخاء)
بعد مغادرة بكر،
كانت الأنظار كلها معلقة بأمينة. التفت جبل إليها دون كلمة واحدة.
لكن عينيه كانتا تتحدثان بلغة الحيرة والامتنان والجرح في آنٍ واحد.
أسرعت الحاجة صفاء وخطفت أمينة في حضنها، فما كان من أمينة إلا أن انفجرت بالبكاء عالياً شهقاتها كانت تهز أركان الدار.
​تأسف جبل في داخله ووالده على حالها،
فهي الآن غريبة عن أهلها وكسيرة في بيت زوجها. أخذتها الحاجة صفاء للداخل وخلفها عبير وسمية، لكي لا تنهار أكثر أمام أعين الرجال.
ــــــــــــــ
​في الغرفة
أجلسوها وهي لا تتوقف عن النحيب.
الحاجة صفاء: "معلش يا بتي.. كل حاجة هاتنحل، ربك كبير.
دخلت هند خلفهم وعلى وجهها نظرة "شمتانة" مغلفة بالشفقة: "يا مرك يا منة. هما ياكلوا بعض وأنتي اللي في النص.
محدش عملك حساب، إذا كان جبل ولا عمي حماد وإخواتك.
الحاجة صفاء (بحدة): "اكتمي خشمك أنتي إيه سمك ميخلصش ليه ياشيخه؟
روحي يا سمية جهزي الوكل وخدِيها معاكي من هنا.
هند: أنا قولت إيه غلط؟ أنا قلبي عليها..
عمي حماد يبان طيب بس والله ليحرم أمينة تخش البلد كلها مش البيت بس.
​انفجرت أمينة مرة أخرى في البكاء، فشدت عبير هند من يدها بعنف للخارج، ودخلوا المطبخ.
هند: "إيه يا ضرتي؟ مالك اهدي شوية.
عبير: أنا مش ضرتك، وخلي عندك شوية دم. بكفاياكي قلبتي البيت من ساعة ما دخلتيه برجلك الفقر .
هند: "قلب منفتحك يا ضرتي
بقولك إيه، بعدي عني خالص متعمليش فيها العاقلة الرزينة.
​دخل ملاح وجد الصراع مشتعلاً
أخذ الماء ببرود وقال: "صوتكم عالي يا مرت أخوي (موجهاً كلامه لعبير).
هند بعصبيه: "أنا كمان مرت أخوك لو متعرفش.
ملاح (ببرود): حد قال كلام تاني؟ بعدين صوتك ميعلاش.
هند: وه! والله عال يا مملح.. هتخوفني؟
ملاح: مش هخوفك،
بس ليكي راجل يحكمك.. وابقي فرقي في كلامك بين حريم البيت ورجالته.

ثم تركها وغادر.
​عبير: "أول مرة أشوف حرمة محدش طايق سحنتها.. حتى جوزها.
هند (بضحكة خبيثة): آه؟ مين قالك كده؟ طيب ما تطلعي شقتي وتشوفي طايقني ولا له.
عبير: "قصدك شقتي.
هند: "كانت.. دلوك بتاعتي،
وأنتي هتفضلي مرمية كدة تحت كيف اللي جوزها قتيل ومحدش بيقرب عليها.
​تركتها عبير بغضب والدموع في عينيها.
دخلت سمية في صمت لتجهز العشاء، وحين حاولت هند الحديث: "خالة سميـ..."
التفتت سمية وبحركة سريعة كتمت أنفاسها (خنقتها): "اوعاكي اسمع حسك
البيت قايد نار يا باردة يا منكحة.. والله متفتحي خشمك معاي دلوك لأطلع بلحة زورك في يدي.
​تركتها سمية لتأخذ نفسها بصعوبة،
فقالت هند وهي تبتعد: "يخرب بيتك يا خاله سميه.. آااه يابوي. ماشي ياخاله.
ليكي جوز ينرد عليه. وغادرت المطبخ وهي تتوعد الجميع.
​خرجت هند من المطبخ وهي تبرطم وتتوعد بداخلها: "فاكريني فرحانة؟
ده أنا هاطق أكتر من منة.
أهه كدة جبل هيرفعها في العلالي وتبقى الفرخة بكشك عنديهم.. آااه يا دياب،
لو قولت لي قبلها كنت حرشت منة على جبل، كان زمانها غارت ويا بكر وارتحنا.
ــــــــــــ
​أما في المندرة.
حاول الرجال تلمس طريق للحل وسط هذه العاصفة.
فكان الصمت سيد الموقف.
جبل يجلس واضعاً رأسه بين كفيه، وصورة أمينة وهي تقف خلف ظهره لا تفارق خياله، لكن كلمات بكر "كانت هتنتحر عشان متتجوزكش.
كانت تطن في أذنه كالنحل.
​قطع فاروق الصمت وهو ينظر لوالده: "هنعلموا إيه دلوك يا بوي؟"
الحاج بكري: هانشوف ياولدي ونحلوها ان شاءلله
دياب: "المفروض يكون عندهم ثقة في جبل،
لما قال مكنش يعرف يبقى خلاص..
هما اللي كبّروا الحكاية."
ملاح (بواقعية): يعني لو أنت وحد خد حاجة من يدك هيفرقلك كلام؟
ولا هتعمل أكتر من كدة؟"
مش بنقول برضو الصعيدي يموت علشان ارضه وعرضه.
دياب: مكنتش لسه بقت ارضهم.
ملاح: له كانت اتفقو ودفعو عربون تبقا ارضهم.
الحاج بكري (بضيق):
"بكفاية! يحرق الأراضي على صحابها.. قولنا هنلاقي حل وخلاص.
فاروق: "والشغل هيفضوه يفضوه،
كدة كدة بعد ما اشتغلنا معاهم ونسبناهم، مفيش صفا في النفوس.
​تنحنح الحاج بكري محذراً، فصمت فاروق احتراماً لوالده. في الداخل،
جهزت سمية الطعام ودخلت غرفة الحاجة صفاء.
سمية: "يالا يا أماي.. الوكل جاهز.
الحاجة صفاء: يالا يا أمينة يا بتي.
أمينة (بضعف): معلهش يا أماي.. مش قادرة.
الحاجة صفاء: له تقدري.. عيب متزعلنيش،
الوكل ملوش صالح باللي حصل.
أمينة: "عشان خاطري يا أماي سيبيني براحتي.. أنا عاوزه أطلع فوق.
سمية: "خلاص يا أماي سيبيها تطلع.
وأنا هطلعلها وكل." تركتها الحاجه صفاء.
​صعدت أمينة لشقتها تجر أذيال الخيبة والحزن.
ـــــــــــــ
وعلى مائدة العشاء
، جلس الرجال والنساء، لكن الشهية كانت مفقودة.
الحاج بكري: "فين أمينة؟"
الحاجة صفاء: "طلعت، مش قادرة تأكل دلوك..
قولنا خليها على راحتها. الله يكون في عونها يا أبو فاروق، لازم حل يهدي النفوس..
رجعوا الأرض لصاحبها عشان تثبتوا حسن نيتكم، يا تبيعوها لأبو أمينة..
المهم حل عشان البنت.
حرام ميرضيش ربنا."
الحاج بكري: إن شاء الله.
​بعد العشاء، خرج الجميع للجنينة إلا جبل ووالده.
الحاج بكري: جبل.. اقعد عاوزك.
جلس جبل بوقار، فأكمل والده: اسمع يا ولدي.. اللي حصل ديتي يرفع قيمة مرتك عندك أضعاف.
مش سهل تكسر أخوها وكلمة أبوها وتقعد..
عاملها زين وحطها في عينك،
وإياك تقولها كلمة واحدة تزعلها، دلوك هي خاطرها مكسور.
جبل: "حاضر يا بوي.
الحاج بكري: "ربنا يستر ومحدش يتكلم في اللي فات..
ساعتها أمينة مش هتبقى عليك ولا دقيقة،
دي مش أرض ولا مال، دي كبيرة قوي..
صمت قليلاً ثم اكمل.
روح دلوك اطلع شوفها."
​ترك جبل والده وصعد الدرج، وفي منتصفه وجد سمية تحمل صينية الطعام.
جبل: "رايحة فين؟
سمية: طالعة عندك أدّي الوكل ديتي لأمينة.
جبل (وهو يمد يده): "هاتيه.. أنا هطلعه.
أعطته سمية الصينية وهي تنظر له باستغراب ودهشة،
ثم قالت لنفسها بعدما صعد: "معقول واخدُه بنفسك يا جبل؟
صوح.. رب ضارةً نافعة ربنا يجعله حزن ساعة وفرح سنين!
ــــــــ
​دخل جبل الشقة بهدوء
، وجد الأنوار خافتة وصوت شهقات أمينة المكتومة يملأ المكان.
اقترب من باب الغرفة..
دخل جبل الغرفة بخطوات هادئة، وجدها تجلس على حافة السرير،
جسدها الضئيل يرتجف من الحزن. وضع الصينية جانباً وجلس جوارها دون كلام لفترة، ثم تنحنح وقال بصوت منخفض:
جبل: أنتي أكيد بتقولي إني السبب في كل ده.
بس أنا مكنـ..."
​قبل أن يكمل حديثه، ارتمت أمينة في حضنه وبين ذراعيه، تبكي بحرقة وكأنها وجدت أخيراً مرساها. فوجئ جبل للحظة،
لكنه سرعان ما ضمها إليه بقوة،
يملس على رأسها بحنان غامر لم يعهده في نفسه من قبل، وقبّل وجنتيها ورأسها محاولاً تهدئتها.
​تنحت أمينة قليلاً وهي تمسح دموعها وقالت بصوت مبحوح: أنا مقولتش أنت السبب.. بس أنا كسرت أخوي قدامكم.
جبل (بنبرة واثقة): زي ما شريتيني وشريتي دارك، أنا هحل الموضوع.
أمينة: يعني هتعمل إيه؟
جبل: ملكيش صالح باللي هعمله، المهم كل حاجة هتبقى تمام.. بكفاية عياط."
أمينة (بغم): أكيد الخبر وصل أبوي ودلوك كرهني وزعل مني.
جبل: "أبوكي شكله بيحبك قوي،
ممكن ياخد على خاطره بس يكرهك له
. وقولت أنا هحل الموضوع. قومي اغسلي وشك عشان مملح.
​أمينة (باستغراب): إيه هو اللي مملح؟
جبل (بتبسم): وشك يا بت ؟ الدموع خلتُه مملح.. قومي اغسليه.
​ابتسمت أمينة رغماً عنها،
وذهبت غسلت وجهها ثم عادت، لتجده يضع صينية الطعام على السرير بانتظارها.
جبل: يالا اقعدي كلي.
أمينة: مقدراش دلوك.. هاكل بعدين.
جبل (بمزاح حازم): "مش باخد رأيك.. اقعدي.
​جلست أمينة تأكل بتأنٍ،
ورغم أن لقماتها كانت ثقيلة وكأنها تتجرع غصة التفكير،
إلا أن وجود جبل بجانبها واهتمامه بها بهذا الشكل،
أراح قلبها المتعب ولو قليلاً.
ــــــــــــــــ
في شقة دياب
دخل الغرفة فوجد هند تجلس بتمثيل متقن وهي تمسح دموعاً وهمية.
دياب: "إيه مالك؟
ومنزلتيش للوكل ليه؟
هند (بمكر): "على أساس حد سأل عني!
دياب (بإرهاق): "أنتي عارفة مش وقت أي حاجة دلوك.. البيت قايد.
هند: "شفت يا دياب عبير وسمية؟
اتفقوا عليا.. عبير بهدلتني في المطبخ وقالتلي محدش طايقك حتى جوزك،
وسمية خنقتني قطعت نفسي
مكان يدها معلم في رقبتي..
(وبدأت تبكي بنحيب).
​اقترب دياب ونظر لرقبتها بهدوء،
ثم قبلها محاولاً تهدئتها وقال: "مفيش حاجة في رقبتك.. بعدين شتموكي وخنقوكي كدة من غير كلام؟
وأنتي معملتيش حاجة يعني؟"
هند: "ولا عملت حاجة. غير بس بهون على أمينة.. غاروا مني.
.
صوح يا دياب.. بكر يقصد إيه بـ 'خدت وحدة وعاوز التانية'؟ قصده على مين؟
ساد صمت للحظة قبل أن يشيح بنظره عنها.
دياب: "علمي علمك.. بقولك إيه،
متسأليش أنا تعبان
غيري الحديت ديتي."
ــــــــــــــــــ
​هساد الصمت أرجاء المنزل،
وفي غرفة الحاجة صفاء، دخل ملاح بهدوء.
ملاح: "أماي.. نمتي؟"
الحاجة صفاء: "تعال يا ولدي،
لسه منمتش.. أبوك فين؟"
ملاح: "بره مع فاروق.. خدي علبة البرشام ديتي، كنت نسيت أدهالك من الدوشة اللي حصلت.
​أخذت الدواء، فجلس ملاح ووضع رأسه على حجرها مسترخياً، يبحث عن حنانها وسط ضغوط اليوم.
ملاح: "بقولك إيه يا بت يا أماي..
الحاجة صفاء: قول.. خير أنت كمان؟
ملاح: "عاوز أتجوز.
​خبطته الحاجة صفاء بحنية على خده وهي تبتسم: "بذمتك أنت عندك دم؟ ده وقته؟
قام ملاح وجلس باعتدال:
"وه! وميتا وقته ياماي؟ حسي بابنك شوية،
وشوفي لي وحدة 'مدورة' وحلوة تدلعني،
عشان لما يحصل مشكلة في البيت كيف ديتي، أدخل تريح بالي وقلبي بجمالها يا بت يا صفاء!"
​ضحكت الحاجة صفاء رغماً عنها:
"نص روقتك يا ملاح.
ملاح: "فين الروقة؟
ده أنا أكتر واحد تعبان في العيلة ديتي.. أنتي مفيش منك فايدة، أروح أنام وأبقى أقول لأبوي جوزني، ولا لفاروق.
الحاجة صفاء: "لو تقدر.. قول.
ضحك ملاح: "له. وأنتي روحتي فين ياكبيره؟
فكري فيها بس." ثم قبّل يدها وخرج، وتركها تفكر في حديثه؛ ففعلاً ملاح لم يعد صغيراً وحان وقت استقراره.
1

ـــــــــــــــــــ
​في شقة جبل
أنهت أمينة طعامها وجلست جوار جبل على السرير، وهي ترتدي بجامتها (مقمطة).
جبل (بنظرة ذات معنى): "برضه مقمط؟
أمينة (بخجل): "ماله؟
حلو وحشمة."
جبل (بابتسامة لعوبة): "المشكلة إنه حشمة.
​احمرّ وجه أمينة خجلاً من تلميحه.
وقالت بسرعة لتهرب من نظراته: "أنا هنام.. تصبح على خير."
جبل: "ماشي.. نامي.
​استلقت أمينة وأعطته ظهرها،
لكن قلبها كان يدق بعنف،
وجبل ظل مستيقظاً يفكر في كلام والده وفي "الأمانة" التي بين يديه الآن.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات