رواية غموض الجبل القاسي الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سمارة
قفتْ وحيدةً في ممرٍّ ضيق، خلفها نيرانُ عائلةٍ لا ترحم، وأمامها بيتٌ يتداعى وينتظرُ لمسةً ليهدم
(اختبار صعب)
﷽
نزلت أمينة للأسفل والخوف ينهش قلبها، وظلت شاردة لا تسمع من حولها.
حضر الجميع كعادتهم،
ودخل جبل المطبخ وهي تجهز العشاء، اقترب منها ونظر في عينيها طويلاً:
جبل: عامله إيه؟"
أمينة (باستغراب من سؤاله): الحمد لله.
جبل: حد كلمك من أهلك النهارده؟
أمينة (بقلب منقبض): أيوه أمي.. ليه؟
جبل: له قصدي إخواتك، أبوكي؟
أمينة: "له مكلمونيش.. فيه إيه يا جبل؟"
جبل: مفيش.
ثم تركها وخرج ببرود زاد من رعبها.
تأكدت أمينة أن هناك. خطباً. كبيراً بين عائلتها وآل الملاح. وقت العشاء
لم تستطع الأكل، كانت النظرات المتبادلة بين فاروق والحاج بكري وحتى ملاح توحي بأن هناك أمراً جللاً قد حدث، وحده دياب لم يكن قد وصل بعد.
انتهى العشاء وخرج الجميع للجنينة
جلست أمينة مع عبير وسمية، لكن عقلها كان في مكان آخر.
سمية: أمينة.. مالك؟ أنتي زينة؟
أمينة (بانتباه مفاجئ): هه؟ أيوه.. زينة.
عبير: مباينش.. مالك؟ فيه حاجة بينك وبين جبل؟
أمينة: لا مفيش حاجة، بس مصدعة شوية.
في تلك اللحظة دخل دياب.
وكان يبدو عليه الإرهاق والغضب، اقترب من إخوته ووالده وقال بصوت مسموع:
دياب: "مفيش فايدة.. ملقتوش، قالوا سافر!
وكان سيكمل حديثه فاستوقفه جبل.
لم تكد أمينة تستوعب الجملة حتى اخترق صوت جبل الحازم الأجواء:
جبل: أمينة.
أمينة: نعم؟
جبل (بنبرة أمر): روحي اطلعي فوق.
أمينة (بدهشة): إيه؟
جبل: "بقولك اطلعي.. يلا.
ـــــــــــــــــــــ
صعدت أمينة الدرج وهي تشعر بقدماها لا تحملانها، تكاد تنفجر من التفكير..
من الذي "سافر"؟ ولماذا يطردها جبل من الجلسة بهذا الشكل؟جلست أمينة مكانها
ومن فرط شرودها لم تبدل ملابسها حتى. مر وقت طويل كأنه دهر، ثم صعد جبل ودخل الغرفة.
جبل: قاعدة كدة ليه؟
أمينة: "مفيش."
جبل: مغيرتيش ليه؟
نظرت أمينة لنفسها ثم قامت بآلية
أبدلت ملابسها وعادت لتجلس على طرف السرير والتوتر يأكلها.
جبل: أمينة..
أمينة: نعم.. فيه إيه؟
جبل: "تعالي.."
أخذها من يدها وخرج بها إلى "الريسيبشن في شقتهم، وجلسا على الأريكة.
جبل (بهدوء رزين): هحكي لك حاجة حصلت، وبعدين هقولك بحكي لك ليه.. ماشي؟"
أمينة: ماشي.
جبل: "ركزي في حديتي زين.. احنا من فتره كنا عاوزين حتة أرض كبيرة ونفتح 'شونة' في حتة منها في بلدكم، تمام؟
كلمت سمسار أراضي من شهرين قبل حتى ما نتجوز. السمسار كلمني من يومين قالي لقيت أرض زينة والمطلوب،
وتعال عاين عليها. رحت الأرض، تمام وعجبتني، وقولتله خلص فيها مع صاحبها على البركة. أداني سعر عالي شوية قولت مش مشكلة لأن بقالنا كتير بندور. تاني يوم قعدت مع صاحبها وخلصت فيها ودفعت حقها والموضوع ماشي زين..
سكت جبل لحظة ليراقب رد فعلها
ثم أكمل:
جبل: النهاردة عرفت إن أبوكي كان داخل على الأرض ديتي ودفع عربون فيها
بس السمسار عشان ياخد عمولته على السعر وصاحب الأرض طمع ورجع مال أبوكي وباعها لي أنا! طبعاً أنا معرفش أي حاجة من اللي حصلت ديتي إلا النهاردة."
ظلت أمينة صامتة، وتسارعت ضربات قلبها حتى شعرت أنها ستخرج من صدرها، فهي تعلم جيداً أن الأمور حين تصل لـ الأرض. والكرامة في الصعيد، لا تنتهي إلا بالدم أو الخراب.
جبل (أكمل بلهجة حادة): جم أبوكي وإخواتك وحصل شد كلام.
أمينة (بفزع): صوح أبوي راح لكم؟
جبل: "آه وزعلوا.. حاولت أوضح إني مكنتش أعرف، مصدقوش وقالوا اتعديت على كلمتنا وعليت السعر بقصد عشان تاخدها منا.
وبكر طول لسانه وقال إياك تفكرنا عِزت
إحنا ندفنك في الأرض مطرحك
وشد هو ودياب ومسكوا في بعض وحصل خناقة كبيرة بينهم.
أمينة (بانفجار وبكاء): أنت بتقول إيه؟
جبل (بجمود): اسمعي المهم.. هما قالوا دُستنا وعليت علينا، متلزمناش والشغل ينفض، والأمانة اللي عندك نردوها
ارتعبت أمينة، فالكلام معناه "الطلاق" وردها لأهلها كأنها بضاعة مستردة.
جبل: بقولك كده عشان الموضوع كبير وهيكبر.
أمينة: يعني إيه؟
جبل: "يعني هتبقي في الخيرة بيني وبين أهلك!.
لم تستطع أمينة تمالك نفسها، فالعالم ينهار من حولها، بينما أكمل جبل وعيده:
أنا سكت كتير النهاردة،
وسكت على قلة عقل بكر أخوكي.. بس للصبر حدود، وأكيد مش هسكتلهم تاني لأي سبب.
أمينة (بذهول): "يعني إيه؟ هتقف قصاد أهلي؟
جبل (بشموخ وصراصرة): "قصاد أي حد.. عشان كرامتي وكرامة أبوي وإخواتي. أنا مغلطتش
وحكيت لك عشان أي حاجة تحصل تعرفي إني مش غدار ولا لفاف آخد حاجة من يد حد.
جبل (بجمود): حاولت كتير ألمها عشان محرقكيش بيني وبين اهلك.
بس هما مسكتوش والباقي عندهم.
ظلت أمينة صامتة
وعقلها يسترجع مكالمة والدتها،
ثم قالت بصوت مبحوح:
عشان كدة أمي عرفت وكلمتني.. حصل ميتا كل ده؟
جبل: الضهر.
وقفت أمينة وهي تشعر بانهيار كل شيء.
أحلامها استقرارها وحتى علاقتها بجبل التي بدأت تنضج. همست لنفسها:
يبقى كده خلاص خربت.. اتجوزي يا أمينة.. اطلقي يا أمينة!
ثم نظرت لجبل وقالت بمرارة: رسالتك وصلت يا جبل.. تصبح على خير.
دخلت الغرفة ودفنت رأسها في الوسادة تبكي بحرقة، بينما جلس جبل في الخارج يصارع حيرة لم يعهدها من قبل؛ فهو بين نار كرامته ونار زوجته التي لا ذنب لها.
في صباح اليوم التالي
.
نزل الجميع للإفطار. جلست أمينة والحزن يكسو ملامحها
وعيناها منتفختان من أثر البكاء. نظر الحاج بكري لجبل، وفهم من نظراته أنه أخبرها بكل شيء.
الحاج بكري (بحنان أبوي): "أمينة.. افطري يا بنتي، كل حاجة ليها حل.
أمينة (بصوت مخنوق): "حاضر."
كانت هند تراقبهما بفضول يكاد يقتلها، تتساءل في سرها عن سر هذا الوجوم المفاجئ. وهل هناك امر لم يخبرها به دياب.
انفضت المائدة وخرج الرجال لعملهم،
بينما جلست أمينة على درج السلم في مدخل البيت، والهم يمتلك كيانها.
اقتربت الحاجة صفاء وجلست بجوارها، تمسح على كتفها: افرجِيها يا بتي، إن شاء الله خير.
أمينة (ببكاء): مش باين خير يا أماي.
الحاجة صفاء: استغفري ربك.. هما أهلك واخدين على خاطرهم بس بعدين هيهدوا والامور تتصلح. الأهم تثقي في جوزك..
جبل ولدي مش طبعه اللف والدوار عشان يعمل قلة أصل كيف ديتي،
طالما قال مكنتش أعرف يبقى ميعرفش. قومي اغسلي وشك وسلميها لله.
قامت أمينة، وغسلت وجهها تحاول التماسك
لتقابلها هند بفضولها المعتاد: "إيه يا بت يا منه؟ كانت بتكلم معاكي عن إيه؟
أمينة (بضيق): والله ما وقتك خالص يا هند، أنا طالعة.
تركتها وخرجت لتقابل سمية،
فقالت لها: "سمية.. أنا هطلع شقتي، حاسة إني تعبانة ومش قادرة أقعد.
سمية (وهي تعلم الحقيقة من حماتها): "ماشي. روحي براحتك."
صعدت أمينة وظلت حبيسة جدران شقتها حتى المساء،
تراقب الساعة بلهفة. وحين علمت بعودة جبل،
نزلت إليه مسرعة، والقرار يملأ رأسها
ستحاول معه مرة أخيرة ليذهبا معاً لوالدها ويوضحا الأمر،
علّ الغمة تنزاح.وقفت أمينة تنتظر خلو الجو لتحدث جبل،
لكن صوت مكابح سيارة أمام الدار قطع سكون تفكيرها. ترجل منها بكر ودخل الدار بكل برود، وجدها في وجهه فقال بنبرة جامدة:
زين إني لقيتك على طول.
في تلك اللحظة، خرج الحاج بكري وفاروق وجبل على صوت بكر.
الحاج بكري (بوقار وهدوء): مرحب يا ولدي.
بكر (بتكبر): أهلاً يا عم الحاج..
زي ما اتفقنا، أبوي باعتني آخد الأمانة اللي عندكم.
وقع الكلام كالصاعقة على مسمع الجميع،
والوجوه شحب لونهما.
اقترب منه جبل، وعروق رقبته تكاد تنفجر من الغيظ:
جبل: "أنت عارف يعني إيه تدخل دارنا وتآخد حرمة منها؟
بكر: الحرمة دي تبقى أختي.
جبل (بصوت كالرعد): مرتي مهتمشيش من داري!
بكر (بسخرية): "مرتك؟
أصلاً جوزناهالك غصب،
وكان نسب أسود.
فاروق (بتدخل حازم): "حيلك.. لجم لسانك، أنت في دارنا ومنقدرش نكلمك بس للصبر حد.
بكر: "أنا مش جاي أجادلكم،
عاوز أختي ونمشي.. يالا يا أمينة.
ارتجفت أمينة من نبرة أخيها الآمرة،
فصاح جبل مرة أخرى: "قولت مرتي مهتطلعش، ويالا من غير مطرود!
بكر (بضحكة مستفزة): "هتطلع وقدام عينك،
أصلاً هي مستنية إشارة منا."
جبل (بصدمة): "مين قال؟ هي معوزاش تمشي!
بكر: "والله؟ من ميتا؟ أنت متعرفش إنها مكنتش طايقة اسمك حتى،
وكانت هتنتحر عشان متتجوزكش؟"
اندهش جبل والجميع، وتحولت نظراتهم دفعة واحدة لأمينة. جبل كان ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة، يفتش في عينيها عن تكذيب لقول أخيها،
وهي تقف "لا حول ولا قوة"
جسدها يرتعد وصوتها حبيس أنفاسها.الحاج بكري (بوقار وحكمة): "بكفاية كلام أنت وهو.. خلاص، كل واحد قال اللي عنده،
بس القرار لا ليك ولا ليه.. فيه صاحبة الشأن وهي تقرر.
التفت الحاج بكري لأمينة، وكانت نظراته تحمل حناناً يختلط بمرارة الموقف:
بصي يا بتي.. إحنا حبناكي كيف بتنا وأكتر وربي يشهد،
بس لو عاوزة تطلعي مع أخوكي محدش هيمنعك، ولا حتى جبل."
جبل (باعتراض مكتوم): "يا بوي.
الحاج بكري (بصرامة): قولتلك هي تتكلم!
ثم أكمل موجهاً حديثه لأمينة: "بس تعلمي.. لو طلعتي بالطريقة ديتي من داري في يد أخوكي، كدة وجب على ولدي طلاقك
قبل رجلك ما تخطي بره باب الدار.
هتقعدي هنشيلك فوق راسنا من فوق. القرار في يدك وأنتي حرة."
كانت هند تتابع المشهد بلهفة،
تعض على شفتيها وهي متأكدة أن أمينة ستختار أهلها، وبذلك تخرج من حياة جبل للأبد.
بكر (بحدة): "يالا يا منة.
صمت جبل تماماً حزناً.
كان يعلم في قرارة نفسه أنها على الأرجح ستختار عائلتها، لكن كل ذرة في كيانه كانت تصرخ متمنية أن تختار البقاء.
بكر: قولتلك يالا..
أبوكي مستنيكي في الدار!
نظرت أمينة لبكر، ثم نظرت للحاجة صفاء التي كانت تمسح دموعها بصمت،
ثم استقرت عيناها على جبل.
ف كرامة رجل توضع على المحك.
وتذكرت مكالمة أمها: "إياكي تسيبي بيتك وتاجي لأي سبب".
وسط نظرات الجميع المترقبة،
وبينما كان جبل وبكر يقفان وجهاً لوجه كخصمين لدودين، سارت أمينة بخطوات ثقيلة جداً،
كأنها تجر سلاسل من الحيرة خلفها.
لم تتجه نحو بكر،
بل مضت حتى وقفت خلف ظهر جبل تماماً، وعيناها مثبتتان في الأرض،
وقالت بصوت متهدج:
أمينة: "سامحني يا خوي.. وقول لأبوي يسامحني، مهقدرش أجي معاك..
مكاني في دار جوزي."
في تلك اللحظة، شعر جبل بسعادة عارمة تجتاح كيانه، وكأن رصاصة كانت موجهة لقلبه وأخطأته. أحس بقيمته في قلب هذه "الصغيرة"
التي تحدت أهلها لأجله، فنظر في عين أخيها بكل فخر وشموخ، دون أن ينطق بكلمة.
بكر (بذهول وغضب): "بتقولي إيه يا بت؟
انجنيتي؟ قدامي دلوك!"
الحاج بكري بسعاده (مقاطعاً بحسم): "خلاص.. هي اختارت تبقى، يبقى اتفضل يا ولدي روح،
وربنا يهدي النفوس."
شعر بكر بخزي كبير،
فقد جاء ليأخذها منتصراً فعاد وحيداً منكسراً.
نظر لجبل بغلٍ مكتوم وقال: "اللي وراك دي لحمنا ودمنا.. إيه مكفكش خدت وحدة؟ عاوز تاخد التانية؟"
تدخل فاروق سريعاً قبل أن تشتعل النيران مجدداً: "هوووي!
خلاص قولنا هتقعد يبقى الحديت خلص!"
نظر بكر لجبل نظرة أخيرة تقطر وعيداً:
بس الحديت مخلصش..
ثم استدار وغادر الدار سريعاً بسيارته، مخلفاً وراءه غبار الغضب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ