📁 آخر الروايات

رواية قصر آل الزيني الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سلمي خالد

رواية قصر آل الزيني الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم سلمي خالد


أ
الفصل الخامس و العشرون [ مفاجأة ]
سلمى خالد احمد
*************

وعقب انتشار الخبر بساعات، كان الجميع قد تجمعوا في بهو القصر، لمعرفة كيف سيحلون المشكلة وما حدث ومن هذه الفتاة وهكذا.
حتى أن الشيخ و أولاده لم يبدلوا ملابس الصلاة ولم يتناولوا الفطار، فمبجرد عودتهم، وقع الخبر على رأسهم وها هم يتشاورون، وتحدث يزيد في صوت عالي للغاية ونبرة الغضب مسيطرة جليًا على كلامه:
_ حقيقي أنا قرفت، مش فاهم هو فيه إيه بجد، هو مفيش غيري؟ هو فيه إيه؟ أنا عملت إيه لدا كله بس؟ عملت إيه علشان كل شوية يحصلي كدا!
2

ثم نظر إلى والده وتابع:
_ بابا انت أكيد مش مصدق عني حاجة زي كدا صح؟ أكيد انت عارف ومتأكد إن البنت دي بتكدب
1

هز رأسه متفقًا ورد:
_ أنا لو مش عارف كدا كويس، كان زماني قمت عجنتك.... إيه الحكاية يا يزيد؟
_ صدقني يا شيخ مش عارف
4

وتدخلت عبير في الحديث قائلة في ضيق وغضب:
_ حسبي الله ونعم الوكيل فيها، حسبي الله ونعم الوكيل... منها لله البعيدة، ابني عمال يقول إنه حتى مشفهاش، عمالة تفتري عليه بدون وجه حق، لا وكمان بتقولك هربت من مصر علشان هددني، يعني مطلعة ابني مغتصب ومجرم كمان للي منها لله

وتدخل باسم مواسيًا صديقه يزيد وهو يربت على كتفه:
_ معلش يا أخويا معلش، بت كدابة ومفترية، أكيد صفوت الكلب اللي زقها عليك...
3

ثم تابع وهو ينظر إلى الشيخ:
_ هو صفوت يا خالي اللي عمل كدا أنا شاكك بنسبة كبيرة، لانك انت ويزيد مش مبطلين تدوير عليه في كل حتة، عمالين تقولوا هتجبوه، وهتقولوا اللي عمله لأي شركة جديدة هيروح يتوظف فيها

هز الشيخ رأسه متفقًا ثم قال:
_ جايز... بس بردو مش عارف ليه ممكن يعمل كل دا فينا! بجد عملناله إيه! حسبي الله فيه وفي اللي بيسانده
2

ابتلعها باسم على مضدد، ثم تحدثت حليمة:
_ قلبي عندك يا أخويا، سمعتك و سمعة العايلة كل شوية تتجاب على اللسان بشكل وحش

وتابعت فاطيمة على خط كلامها:
_ ايوا وكمان شركتك كدا الاسهم بتاعتها هتنزل

صاح جياد في ضيق:
_ بس يا عمتو بعد اذنك مبنقولش كدا!
يزيد بريء وأما نثبت براءته والموضوع مش هيطول أصلا ان شاء الله، الناس كلها هتتعاطف معانا و هيبقوا في صفنا وكل الأمور هترجع زي الاول وأحسن!
3


_ عارفة يا حبيبي أكيد، أنا بس خايفة...مش دايما الناس بتصدق ولا حد عارف نية البت دي إيه بالظبط وخايفة الحقيقة تتوه بين الناس وياخدوا عننا وعن عايلتنا سمعة وحشة

تدخل فاتح معلقًا:
_ مفيش حاجة هتوه يا عمتو، بكرة نعرف مين دي ومين زقها وعايزة إيه وكل الأمور توضح والمجرم  الحقيقي هو اللي يتعاقب
1

همست أسيل جانب اذن تالية الواقفة بجوارها:
_ روني فين؟
_ مش عارفة، تلقاها مصدومة في اوضتها
_ يارب تنزل بقا دلوقتي وتطلب الطلاق يارب... أنا معرفهوش صفوت دا بس بشكره على الدعم الجامد دا في سبيل إنهاء علاقة يزيد و روني
2

نظرت إليها تالية نظرة سريعة ثم نظرت أمامها مرة أخرى ولم ترد، بل كانت شاردة في شيء ما..

بينما كان يزيد يسير ذهابًا وإيابًا في بهو القصر كأنه يقف على نيران لا أرض صلبة، ظهرت روني أمامه وهي تنزل الدرج، توقف فجأة وظل معلقًا بصره تجاهها حتى نزلت وأخذت تسير لتقف قباله، فتحدث في نبرة صوت ضعيفة ومنخفضة وهو يهز رأسه بالنفي:
_ أنا معملتش كدا يا روني، معملتش كدا صدقيني، والله يا روني حتى أنا معرفش مين البت دي ولا عمري شفتها ولا....

قاطعته وهي تقول في نبرة صوت واضحة للجميع:
_ مصدقاك.... مصدقاك من غير تبرير وتوضيح... أنا عارفة إنك معملتش كدا ومتأكدة من براءتك كمان...
1

ابتسم ابتسامة عريضة وفرح للغاية، بينما هي مسكت كف يده وتابعت:
_ أنا عارفة أنا متجوزة مين كويس... أنا مرات راجل محترم وخلوق، ابن راجل محترم و خلوق، ميطلعش منه كدا ابدا
1

ابتسم الشيخ ابتسامة عريضة وعلق:
_ ما شاء الله على الثقة والحب و التقدير اللي بينكم، كلك ذوق ومفهومية وأدب يا بنتي... حقيقي مجدي عرف يربي بنات تقف جمب رجالها بصحيح، يزيد محظوظ بيكي يا بنتي
6

بينما يزيد ضمها إلى صدره في قوة وتحدث:
_ عمري ما هنسالك الموقف دا طول حياتي، عمري ما هنسى ازاي صدقتيني ووثقتي فيا من غير دليل ولا كلام ولا مبررات، شكرا ليكي بجد، دمتي لي داعم وسند طول العمر يا هدية ربنا ليا
1

بينما أسيل تضايقت بشدة وشعرت بنيران الغضب تسير في شرايين ذراعيها بدلًا من الدم، وعليه تركت المجلس كله وذهبت، وكذلك باسم شعر بخيبة أمل شديدة، لم يتوقع ابدًا رد الفعل ذلك من أهله وزوجته بالأخص، كلهم صدقونه دون أي مجهود، يقسم أنه إذا كان في موقفه، لما كان صدقه أحد وإن أقسم لهم على كتاب الله حتى، إذًا لماذا؟ لماذا يفضلون يزيد دائمًا!
وعليه أخذ يحرك لسانه داخل فمه كاتمًا غيظه.
1

مرت ساعة و الثانية، وكتب يزيد على صفحته الشخصية على فيس بوك، منشورًا يرد فيه على الادعاءات الكاذبة التي ألقت عليه:

" طول الوقت من بعد ما بقينا مشهورين في الأغلب واحنا بيتقال علينا كل يوم إشاعة شكل لحد أما تعبنا وبطلنا نرد، وسبنا كل واحد يفهم بالطريقة اللي تريحه.
لكن الموضوع دا بالذات خط أحمر لان دي بتمثل سمعتي الخاصة أمام العلن، مش طالع أبرر ولا أكتب مقال ولا حتى هقول كلام عميق علشان أجذب الانتباه، بس كل اللي هقوله دا، ان كل الادعاءات المنسوبة إليا دي كدب و افتراء.
وأنا بنفسي اللي بناشد الحكومة المصرية الشريفة والمسؤولين بسرعة التحرك، أملًا وثقةً في عدالة بلدنا وقوانينا التي تسري على الكبير قبل الصغير، فأنا من يطالب بجلب حقه من تلك المدعوة   التي ألقت هذا الافتراء العظيم عليا وعلى سمعتي، طامعًا بألقاء القبض عليها واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة معها بتهمة الكذب و الافتراء على الغير واشعال وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار كاذبة وهمية لأجل تحقيق التريند و الشهرة.
وشكرا لأي حد مصدقش عليا الكلام دا ودافع عني، لأن الحقيقة أنا راجل محترم وعندي سمعة كويسة في الوسط وكل اللي اتعامل معايا عارف دا كويس، أما اللي مش عارف فبكرة الحقيقة تظهر وتعرف انك ظلمتني زيها بالظبط وياريت يا جماعة نبطل كلام كتير في الموضوع دا و نتركه للمسؤولين حقًا
شكرا...."


وبعدما نشره، ابتسم إلى زوجته فقد نشره بالاتفاق معها، اقترب منه الشيخ في نفس الوقت وقال:
_ يلا يا يزيد علشان نروح القسم و نوضح كل الأمور هناك بنفسنا، مش هنستنى البوليس يجي لحد هنا وياخدك، انت هتسلم نفسك علشان تثبت براءتك وهنعمل فيها محضر... أنا كلمت المحامي من ساعة وفهمته كل حاجة وهو هيسبقنا على هناك
1

هز رأسه موافقًا، وعرضت روني على الشيخ أن يتركها تأتي معه وبالفعل وافق، واثناء سيرهم، وقف يزيد لحظة أمام والدته وقال:
_ مش قولتلك انك قارية روني غلط خالص!
2

ثم تنهد وتابع:
_ على كل، ادعيلي
_ خير إن شاء الله يا حبيبي، ربنا ينصرك و يوفقك و يظهر الحق عاجل غير آجل إن شاء الله

وجاء إليهم جياد وفاتح وهما يقولا في نفس الوقت:
_ هنيجي معاكم

رد الشيخ:
_ لا مش فسحة هي، كفاية أنا وهو ومراته والمحامي ومتقلقوش هطمنكم علطول، أول بأول

اقتربت ماهي من يزيد وكذلك كاميليا، حيث وقفت كلًا منهما في جانب وتحدثت كاميليا:
_ متقلقش يا حبيب قلبي، كلنا معاك وفي ضهرك وانت كدا كدا بريء ودا ماهو إلا إجراء روتيني علشان يقبضوا عليها هي الرخيصة دي ويتعمل معاها اللازم و تقول مين وراها وزقها علينا

وكذلك تابعت ماهي:
_ بالظبط، رب ضارة نافعة يا حبيبي، يمكن اتعرضت للفضحية دي علشان البوليس يتدخل و يقبض عليها هي وكل اللي بيساندها
2

ابتسم لهما ثم رد:
_ ان شاء الله يا حبايب قلبي، ان شاء الله

ثم ذهب رفقة والده و زوجته.
  

اتجهت حليمة نحو عبير وأخذت تربت على ظهرها وهي تقول:
_ صبري نفسك يا حبيبتي، خير خير، كله خير من عند ربنا أكيد
_ ونعم بالله.... منها لله، يزيد! بقا يزيد اللي ميطلعش منه العيبة، ابني اللي عارف ربنا و بيصلي و بيصوم، يعمل كدا؟
اتجننت دي ولا إيه!
1

_ شكلها كدا، معلش، معلش، هو شكله يزيد مُبتلى يا حبة عيني، ربنا بيحبه بيخلص ذنوبه في الدنيا أهو!
_ اه والله يا حليمة، الواد كل شوية يقع في مصيبة، ربنا يسترها معاه و يبعد شر المستخبي عنه، مش عارفة ولاد الحرام دول عايزين منه إيه بس!
1

ابتلعت حليمة ريقها وسكتت..
                    **********
طلبت تالية أن تتحدث إلى والدتها في الغرفة الخاصة بها، وبالفعل ذهبتا، وتحدثت فاطيمة:
_ خير يا تالية؟
_ ماما فيه حاجة كدا لاحظتها وعايزة اقولهالك
_ قولي، خير؟

تنهدت الفتاة وردت:
_ عارفة البت اللي اسمها ياسمين المحمدي دي اللي اتهمت يزيد بإنه اعتدى عليها؟
_ مالها؟
_ كان ليها علاقة باسم
2

ضربت الوالدة صدرها ثم ردت في خضة:
_ ليها علاقة بيه ازاي؟
_ معرفش، بس شفتها مرة واقفة مستنياه تحت الشركة وهو جاب عربيته من الجراج وركّبها ومشي بالعربية بسرعة، انا مدتش للموضوع أهمية اوي قلت جايز البت بتاعته ولا صاحبته ولا أي حاجة، لكن أما شفتها دلوقتي في الفيديو فضلت افتكر شفتها فين لحد أما افتكرت... تفتكري يا ماما إيه الصدفة اللي ممكن تجمع نفس البنت بيزيد وباسم!
إلا لو ماكنتش تبع باسم اصلا وهو اللي ورا كل دا!

ردت والدتها في سرعة:
_ شش بس اخرسي وطي صوتك دا هتودي اخوكي في داهية، الله اعلم جايز شبه بعض ولا حاجة
2

_ هما مين دول اللي شبه بعض؟
_ البت دي والبت اللي قابلها اخوكي
_ لا، أنا متأكدة أنها نفس البنت
_ طب خلي تأكيدك دا لنفسك يا روح أمك، ماشي؟ اوعي تقولي الكلام دا لحد ابدا ولا حتى أسيل اللي بتروحي تقوليلها كل حاجة، الموضوع دا خطر وممكن يودي اخوكي في ستين داهيه ومش بس علشان الشيخ مش هيسكت، لا، دا الموضوع دا أصلا في ايد الشرطة دلوقتي، فاهدي كدا واقفلي بؤك خالص

_ مش هقول يا ماما، أنا بس قلت اعرفك انتي لأنك أمه وكدا مش اكتر، وعلشان لازم نعرف هو باسم عايز إيه من يزيد بجد وايه هدفه، لتكون روني زي ما قولتلك قبل كدا هي هدفه

_ مش عارفة يا تالية وحقيقي احتارت وخايفة يودي نفسه في داهية بعمايله دي، هروح اتكلم معاه وافهم في إيه ويارب يطلع ملوش دعوة
_ اضغطي عليه لأنه بيكدب عليكي ومش عايز يقولك الحقيقة

هزت رأسها موافقة ثم انصرفت، بينما تالية تمتمت:
" طب بتلعب من تحت لتحت ليه ولحسابك الخاص بس يا باسم!
ما تنضم للحاسب العام دا و نساعدك تاخدها من جوزها، تكون حتى كسبت ثواب في أسيل المسكينة بدل ماهي بتحارب لوحدها كدا في الكابل المتماسك دا!"
                 *************
وصلوا مركز الشرطة وطلبوا مقابلة أحد الضابط وبدأ يزيد في سرد ما حدث معه منذ ساعات، كان الشرطي يستمع له ومساعده يدوّن الأقوال.
2

فقال يزيد من ضمن كلامه:
_ وزي ما فهمت حضرتك يا عماد بيه، أنا جالي تهديد من فترة من صحفي لقطني وانا منتظر صديق ليا هناك وطلب مني فلوس وأما رفضت في الأول قالي هفضحك وهنزل صورك في كل مكان، حاولت اهاوده وطلبت اقابله علشان اديله الفلوس ملقتهوش...

مد له الهاتف وهو يتابع:
_ بص هنا حضرتك، دا ريكورد بصوته مكالمة متسجلة وهو بيكلمني بيطلب مني الفلوس و المبلغ وحدد المكان بنفسه

أخذ الضابط يسمع في اهتمام وهو يدون ملاحظاته، وبمجرد انتهاء المسجل، أخذ منه يزيد الهاتف ثم احضر له غرفة الدردشة الخاصة به و بالمبتز ثم تابع:
_ هنا حضرتك اقرأ الشات بيني وبينه بعد ما مجاش، سألته ليه مجتش و شتمته ومن وقتها هو مردش ومفيش يومين حرفيا وطلعت لي قضية ياسمين دي

كان يقرأ في اهتمام، وفي تلك الأثناء تحدث الشيخ:
_ كمان من شهر ونص تقريبا، حصلت عندي كارثة في الشغل وفكرتها الأول غير مقصودة بس بعد بحث طويل مني أنا و المديرين توصلنا للفاعل واللي كان للأسف قدم استقالته وهرب برا مصر، من قبل ما نمسكه، المجرم دا هو صفوت  عطية حمودة، وكان بمثابة نائب ومدير أعمال مدير قسم الجودة، كمال ثروت، ومعايا أدلة تدينه

هز الشرطي رأسه متفقًا ثم قال:
_ يعني انتوا شايفين إن فيه صلة ربط بين المبتز و صفوت و ياسمين؟

رد المحامي في ثقة:
_ بالظبط يا فندم، موكلي مشافش ولا قابل ياسمين دي في حياته، وأكيد احنا مش هندين إنسان بجريمة بشعة زي دي من مجرد فيديو انتشر لواحدة هاربة برا الدولة وحدودها و قوانينها!
معلش يعني أنا أقدر احجز طيارة واطير على أي دولة وأعمل فيديو أدين حضرتك فيه، إنك اعتديت على مراتي، في حين إن دي تقريبا أول مرة حضرتك تشوفني، والاكيد إنك ولا مرة شفت مراتي، بس ممكن أنا أعمل كدا لأسباب كتير، من ضمنها مثلا، إنك فزت عليا في قضية ما و سجنت شخص كان موكلني قضيته، فأنا قلت لازم انتقم منك مثلا!

موكلي بريء تماما من التهم المنسوبة إليه، وهي لو كانت عايزة حقها فعلا، تنزل مصر وحالا وتبقى في حمايتكم ويتم اتخاذ كافة الإجراءات القانونية اللازمة معاها، ولو القانون أثبت إن موكلي مذنب فله العقاب، غير كدا هي اللي المفروض تتعاقب.

قدّم له ملف وتابع وهو يعطيه له:
_ دا ملف فيه كل ما يخص موكلي وتحركاته خلال ال٣ أشهر الماضية... مهم هي تنزل وتقول هو امتى قابلها وامتى حصل الاعتداء بالظبط وفين وتشرح الواقعة بشكل أدق طبعا ووقتها أنا هقدر أثبت بالدليل موكلي كان فين وقتها، ثم إنه الأكيد إنها لو اتعرضت لاعتداء جنسيا على يد موكلي يزيد الزيني، فأكيد دا هيوضح للطبيب الشرعي، ولهذا يا فندم أنا بطالب بخروج موكلي من القسم و عدم ادانته بأي شيء نسبته إليه تلك الفتاة، حتى حين ظهورها هي واتخاذ الإجراءات القانونية، وقتها موكلي هيسلم نفسه تاني للتحقيق، غير كدا هو مش مُدان... ولو هي مجتش يبقى خلاص كانت مجرد خطة والهدف منها واضح وهي إثارة البلبلة و تسويء سمعة موكلي لا أكثر ولا أقل، أما إذا كانت ما بلغت واثارت الضجة  لأجله هو شرفها فلابد من قدومها تحت حماية سيادتكم حتى يتم معاقبة الجاني....
2

صمت الشرطي يفكر في كلامهم وهو ينظر إلى الملف الذي في يده، رفع عيناه نحو يزيد وقال:
_ انت كنت من شهر ونص تقريبا في جزيرة المالديف؟
_ مظبوط يا فندم وقعدت هناك بتاع اسبوعين كدا، وجيت على الشغل علطول، من البيت للشغل ومن الشغل للبيت... فيه كاميرات في الشركة تثبت أنا باجي امتى ومشيت امتى، تبثت كل تحركاتي عامة، وفيه كاميرات في الكومباوند اللي أنا عايش فيه، هتثبت بردو تحركاتي كلها، واللي هو تقريبا بخلص شغل وبرجع على البيت، قليل اوي أما خرجت بعد الشغل أو بعد ما روحت منه، فأحنا محتاجين نفهم منها، اليوم و الساعة والمكان اللي حصلت فيه الجريمة اللي أنا المفروض ارتكبتها يعني.

صمت يفكر وهو لا يزال يتطلع إلى الملف و قال:
_ تمام، مش هبيتك في الحجز ولا هيتم اتخاذ أي اجراءات معاك، لحين ما ترجع هي... بس القيد الوحيد اللي ممكن يتحط عليك، هو انك متسافرش برا البلد لحين ما القضية دي تتقفل

رد الشيخ معترضًا:
_ بس احنا كعايلة بنسافر برا مصر كل رأس سنة، بناخد الاجازة و بنقفل شغل السنة كله و بنسافر، أكيد مش هنسيب يزيد و نسافر بسبب هبل وعبث زي دا بيحصل!
2

_ لسه على راس السنة، اسبوعين ممنوع يسافر فيهم، واحنا هنتواصل معاها بطريقتنا هنشوف هتنزل ولا هتعمل إيه، لو فضلت مختفية ورافضه وصولنا ليها، هنعتبر البلاغ ازعاج سلطات و هيتم القبض عليها بمجرد نزولها مصر تقريبا حتى لو بعد سنين، وبكدا هنتأكد بردو إنها بتلعب وبتكدب، وساعتها هنزل على صفحة وزارة الداخلية المصرية، بوست نبرأ فيه يزيد من التهم المنسوبة ليه كلها ونخلي الناس تعملها ابلاغات ونعاملها على إنها محتوى احتيالي.

ابتسم يزيد ومدّ يده كي يصافح الشرطي وهو يقول:
_ مش عارف اقول لحضرتك إيه والله، شكرا جدا، وانا واثق في عدالتكم و مجهوداتكم
_ الشكر لله يا مستر يزيد، كان نفسي نتقابل في ظروف أحسن من كدا

ضحك الشاب وكذلك والده ثم خرجوا بعدما شكر المحامي الشرطي، وبمجرد خروجهم، سارت روني في خطوات سريعة جهتهم وقالت:
_ عملتوا إيه؟ عملت إيه يا يزيد، الظابط قال ايه؟
_ متقلقيش يا روني، خدت براءة يعتبر لحين ظهورها هي، لان مفيش ممسوكة عليا

ابتسمت ابتسامة عريضة وردت:
_ طب الحمدلله يا حبيبي، الحمدلله
_ الحمدلله، خير خير، كله خير... يلا نمشي علشان نطمنهم في البيت
                    **********
دخلت فاطيمة غرفة ابنها دون استئذان وعلامات الغضب واضحة جليًا على ملامح وجهها، نظر إليها الشاب في استغراب ثم قال في برود:
_ خير يا ماما، مال وشك؟
4

اقتربت منه وعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت:
_ انت اللي ورا اللي بيحصل ليزيد دا؟
_ مش فاهم؟
_ باسم، ارجوك بطل طريقتك دي قلنا، متعملش عليا عبيط علشان أنا مركزة وصاحية معاك
_ عايزة إيه يا ماما؟
_ ياسمين دي تبعك؟

تفاجأ من سؤالها وطريقة تحدثها كأنها متأكدة ثم قال:
_ مين اللي فهمك كدا؟
_ أختك... أختك شافتك مرة معاها... يا ابني اتكلم، احنا أهلك مش هنضرك، انت ليه مستبعدنا كدا؟ قول علشان لو فيه حاجة نداري عليك ونساعدك، الموضوع وصل للشرطة حرام عليك

_ متقلقيش مفيش حاجة هتحصل لي

ثم تمتم في ضيق:
" منها لله هي اللي فضلت تقول بناشد الحكومة بناشد الحكومة، وانا مقولتلهاش تعمل كدا..."
2

_ بتقول إيه؟
_ مبقولش
_ لازم اقلق عليك، أنا أمك ايوا لازم أقلق، أخلص بقا وقولي أخلص، ليك أي يد في الموضوع دا؟
ليك أي يد يا باسم؟
يا باسم اتكلم، يا باسم قولي وريح قلبي، يا باسم...
1

قاطعها وهو يصرخ:
_ ايوا ليا يد خلاص ارتاحتي؟

حدقت عيناها به تفتح فمها في صدمة ثم ردت:
_ ليه عملت كدا؟ يزيد عملك إيه؟

صاح في غضب:
_ يزيد يزيد يزيد، قرفت بقا منه ومن اسمه قرفت!
نفسي أفهم بيحبوه على إيه؟
1

_ مين دول؟
_ الناس
_ ناس مين دول اللي بيحبوه؟ أنا مش فاهمة حاجة

تنهد ورد:
_ ولا عمرك هتفهمي

تضايقت وعليه قالت في جدية:
_ اتكلم بدون غلط ووضح يا باسم، مالها الناس ومال يزيد بيك وبيهم؟

تحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا حتى وقف في إحدى الزوايا بعيدًا قليلًا عن والدته وأجاب وهو يمسك صورة خاصة به هو و يزيد:
_ أنا شكلي أحلى منه، وكاريزما عنه، طول عمري أشطر منه دراسيا، مجاميعي دايما أعلى من مجاميعه، أشيك منه، دايما الأول على صفي وباخد شهادات و دروع... دايما أمه   كان نفسها يذاكر علشان يبقى زيي، بحكم إننا في سن بعض وكنا بنتقارن بعض... يزيد لعبي وأنا شاطر وخالي بيجيب لي هدايا و انتي كمان... بس في النهاية، المدرسين يحبوه هو اوي ويضحكوا على أي نكتة بايخة بيقولها عيل سمج زيه، العيال عايزين يلعبوا معاه هو بس، ولاد وبنات وكان عندهم استعداد يعملوا أي حاجة علشان يقربوا منه ويحبهم، مع إنه كان عيل رخم وتقيل ومش بيخلي أي حد يقرب منه ومع ذلك كانوا بيموتوا فيه... دايما الناس بتحبه هو و بتفضله هو ومن إحنا صغيارين، حتى المتابعين عنده هو أكتر على Instagram  و Facebook... رغم انه إنسان عادي جدا بل وأقل من العادي، لا كان متفوق ولا كان من الأوائل ولا كان بيعمل أي حاجة في حياته تميزه... كُليتي أعلى من كُليته، أنا وهو كنا علمي وفي الآخر دخل تجارة، بس بالانجلش و في الجامعة الامريكية اللي دخلها كان اسمها business administration
أما أنا خريج فنون تطبيقية وبردو من الجامعة الأمريكية ومجموعي كان جايب هندسة وانا اللي سبتها...
5

تنهد وتابع وهو يترك الصورة و يلتفت إلى أمه:
_ بقيت مدير زيي زيه وفي نفس الشركة اللي هو فيها، بل بالعكس أنا داخل بمجهودي، إنما هو كان واسطة لان خالو قاله مينفعش حد غير ولادي يبقى مدير لشركتي، فمسكها بالزق وفضلوا يعلموا فيه ليل نهار لحد أما بقا مدير على الله وأقل غلط، لبسه ولبّس الشركة كلها وراه، ليه علشان مبيفهمش، هو مش مميز في حاجة، هو زيه زي  حد حظه حلو وعايش على فلوس ابوه وبس.....

عقد ذراعيه أمام صدره وأضاف متسائلًا:
_ ليه بقا رغم انه معندوش حاجة تميزه في الدنيا دي، الناس كلها بتختاره وبتحبه ليه؟
أنا بقا قررت أظهر وشه التاني للناس الفخورة دي، وكل فضايحي ليه تعتبر على العلن علشان الناس اللي بتحبه وشيفاه جامد اوي ومدير تحفة موت واديله متابعة واديله مدح على أي صورة ليه ولا على أي بوست ليه، يشوفوا بنفسهم، إنه مدير فاشل، وانسان خطّاء عادي ونزل ديسكو زيه زيي، ومراته و ابوه و الكل يشوفوا إنه مش شريف ولا عفيف للدرجة دي، لا دا مغتصب وحقير، و يفوقوا ويدركوا إنهم بيحبوا واحد غلط مش مثالي زي ماهما شايفين
1

كانت في صدمة مما تسمعه من ابنها، أيحسد الشاب على حب الناس له وفقط؟
ثم ردت في عدم تصديق:
_ يعني انت بنفسك قلت انك مميز عليه في كل حاجة حرفيا ومدايق بس ان فيه كام واحد بيحبه؟ يا ابني الدنيا أرزاق، انت خدت حاجات هو مخدهاش وهو خد حاجات انت مخدتهاش عادي
4

صاح في غضب:
_ ما بيحبوه على إيه، ها؟ بيحبوه على إيه؟ تقدري تقولي لي بيحبوه على إيه؟ أنا الأفضل وأنا اللي استاهل الحب دا مش هو!
2

تابع في غضب أكبر وعروق رقبته برزت واحمر وجهه للغاية ولكن صوته لم يكن عاليًا بل مسموعًا مشحونًا بالحقد:
_ حتى في الجامعة، البنت الأولى اللي حبها قلبي وفعلا كنت بفكر اتقدم لها، كنت مدخّله في حوارتنا بحيت لو اتخانقت معاها كنت بدخّل يزيد يحل بينا.... يوم ما حصلت مشكلة كبيرة بينا وقررنا ننفصل قالتلي بكل وقاحة ياريتك كنت يزيد أو حتى ضفره...
2

صرخ كالمجنون مرة واحدة:
_ ليه بقا ها؟ ليه؟ شايفة فيه إيه أحسن مني؟ أنا مترفضش أصلا، دي تحمد ربنا إني بصيت لها أساسا وفي الآخر متساونيش حتى بضفره؟ ليه كدا؟ ليه؟

كانت والدته تبكي وهي تسمعه، حقًا تأكدت أن ابنها قد وصل إلى مرحلة صعبة من النرجسية و الأنا العليا... سكت برهة شاعرًا بألم كبير يجتاح صدره، ثم قال ما تذكر في نبرة صوت حادة جامدة مشحونة بالغضب:
_ وتيجي التانية، أقعد لها على ركبي واتقدم لها واقول فرصة تانية أحب و اتحب، تقوم تقولي لا مش بفكر في الجواز خالص وفي الآخر....

توقف برهة عن الكلام بعدما لاحظ ما يقوله ثم سكت... أزالت دموع عيناها وتحدثت:
_ كمل، سكت ليه؟
_ لا خلاص كفاية كدا، انتي سمعتي أكتر مما كان المفروض تسمعي... كفاية عليكي

_ روني صح؟

نظر إليها برهة ثم أبعد عيناه عنها ولم يرد، فتابعت:
_ هي، هي اللي قالتلك مش موافقة بيك وراحت اتجوزته هو، مش كدا؟ قصدك بالكلام الأخير دا، هي، صح؟

ولى لها ظهره ورد:
_ هيفيد بإيه لو عرفتي؟ كدا كدا الحقيقة واحدة، روني مراته هو.... روني شيفاه ملاك مش بيغلط... بتحبه اوي اوي... مستعدة تحارب كل اللي في القصر  علشان خاطره....
2

ابتسم وتابع ساخرًا:
_ نفسي افهم ليه واخد كل الحب اللي في الدنيا لوحده؟

_ ما انت كمان يا حبيبي، رهف بتحبك جدا ومستعدة تعمل أي حاجة علشان خاطرك

استدار لها ورد:
_ أنا مخترتهاش، أنا كنت عايز رنا وروني والاتنين رفضوني...
شخصية رهف دي شخصية ضعيفة مستسلمة، متجذبش الانتباه حتى، قارني بينها وبين روني و انتي تشوفي الفرق

_ حبيبي، بكرة ربنا يرزقك بال...

_ هتبدأي بقا برَص النصايح وشغل الصعبنيات وكلام التنمية البشرية دا، لا شكرا مش عايز، متضيعيش وقتي ووقتك، مش عايز اسمع حاجة، أنا عاجبني نفسي و زي الفل ومش عايز اتغير واللي عايز يحبني على كدا أهلا وسهلا اللي مش عايز في داهية، مش شوية ناس عادية ملهاش لازمة هي اللي هتقيمني وتقرر تحبني ولا لا، في ستين داهية هما و حبهم في ساعة واحدة!
3

_ باسم....
_ بعد اذنك يا ماما سبيني لوحدي دلوقتي وانسي كل اللي أنا قولته دا، وياريت متفكريش تكرريه عليا تاني ولا تكرريه بينك وبين نفسك حتى.
1

انهى كلامه وخرج هو بدلًا منها من غرفته، تاركًا إياها تفكر في تلك المصيبة...
                *************
اطمئن جياد على أخيه وعلم أنه في أمان الآن، لذا قرر أن يصعد إلى زوجته فلا مانع من مشاكستها قليلًا في تلك الإجازة، ولكنه فوجيء بعدم وجودها في الغرفة وعليه استغرب ولكنه قرر أن يبحث عنها.

وبالفعل ظل يبحث عنها، حتى أخبره أحدهم أنها خرجت إلى الحديقة، وعليه خرج هو الآخر وأخذ يبحث عنها....
وفي النهاية وجدها تجلس فوق غصن الشجرة عالقة، لا تصدر أي صوت ولا حركة، تجلس هناك وحسب.

ضحك في صوت عالي وهو يقترب من الشجرة في سرعة وتحدث وهو ينظر لها إلى الأعلى:
_ يا مجنونة بتعملي إيه عندك؟

ردت في خجل:
_ كنت بجيب توت!
2

انفجر من الضحك مرة أخرى ورد:
_ دي مش شجرة توت يا عبيطة!
_ ما أنا عرفت بعد ما طلعت هنا

رد في ابتسامة عريضة:
_ بالله عليكي طلعتي هنا ازاي؟

ردت في غيظ منه لأنه يضحك منها:
_ طلعت زي ما طلعت ملكش دعوة
_ طب ناوية تباتي عندك؟

هزت رأسها رافضة ثم ردت في ضيق:
_ سؤال متوقع من واحد غبي زيك... أكيد مش عارفة انزل يعني!

ضحك ورد:
_ متجوز نسناسة ياربي!
_ احترم نفسك، دا انت رخم
_ طفلة وربنا انتي طفلة.... تعالي يا نونتي علشان انزلك يلا
_ إيه نونتك دي، أنا مش طفلة على فكرة!
_ طب يلا بلاش لماضة، خليني أنزلك
_ هتنزلني ازاي؟
_ ارمي نفسك عليا
1

ضحكت ضحكات عالية ساخرة وقالت:
_ بثق أنا فيك اوي علشان ارمي نفسي عليك؟
_ متخافيش همسكك
_ لا مش واثقة
_ لازم تثقي وإلا هتقيمي عندك...
2

صمت برهة ثم تابع:
_ خلي بالك فيه عندك تعبان من يومين لقوه

صرخت في خضة ثم ألقت بنفسها عليه في سرعة، أمسك بها بصعوبة فكاد أن يسقط على الأرض لولا أنه تماسك بأعجوبة والسبب انها ألقت بنفسها عليه فجأة وعلى غفلة منه، رد وهو يشعر بألم في قدمه:
_ مش قولتلك متخافيش، اديكي في حضني أهو و مجرالكيش حاجة
1

وضعت قدامها على الأرض وبدأت تسير، فتابع وهو يعرج قليلًا:
_ من غير شكرا حتى؟

توقفت ثم نظرت إليه وردت في ثقة:
_ امبارح انت بنفسك قولتلي مفيش بينا شكرا ولا نسيت؟
_ عندي أنا دي

وقبلما تتابع سيرها، حملها فجأة وأخذ يجري بها في الحديقة متجهًا بها نحو الدخول، تحدثت أثناء ركضه:
_ نزلني...نزلني احنا في الجنينة!
_ متخافيش بابا مش موجود
_ افرض حد شافنا؟
_ يا بنتي هو أنا جي من على منتدى حرام! أنا جوزك، ما اللي يشوف يشوف!
_ عيب
_ قولتلك بابا مش هنا
2

نظرت إلى الأمام فوجدته متجهة نحو مدخل القصر، فقالت:
_ واخدني على فين؟
_ خاطفك، ولو مدفعوش فيكي المبلغ اللي هطلبه، هأكلك كلك على بعضك
_ هنديلك المبلغ بتاعك على الجزمة يا بابا، قولي طالب كام؟
_ طالب قلبك... عايزه يحبني وبس
2

نظرت إليه برهة ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، تابع في ابتسامة عريضة:
_ ضحكت يعني قلبها رق؟
_ قولنا متحلمش

واثناء صعوده على الدرج بها وهو يحملها، كان شهاب ينزل، فتقابلا في المنتصف، توقف جياد لحظة وهو ينظر إليه في ابتسامة استفزازية، بينما هانيا حاولت أن تنزل ولكنه لم يتركها بل شدد على الامساك بها، ثم تابع صعوده متجاهلًا الشاب الذي كان قد جهز قبضته كي يلكمه في وجهه اثر الغيظ و الغيرة، تنفس في محاولة الثبات و السيطرة على نفسه و مشاعره، تتبع أثره حتى دخل بها الغرفة وغلق الباب، ثم تمتم:
" لا لا أكيد ملمسهاش، دي كلها حركات و محاولات منه مش أكتر...متخافش، مفيش حاجة بتحصل ولا هتحصل بينهم جوا..هانيا بتحبك انت، انت وبس. جياد دا فترة مؤقتة في حياتها وهترجعلك في الآخر متقلقش.."
5

تابع نزوله، فتفاجأ بوجود تالية في وجهه والتي قالت له في ضيق:
_ قابلني في المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة
_ لا

ردت في محاولة الاستيعاب:
_ هو أيه اللي لا؟
_ لا مش هقابلك...قولي عايزة إيه وخلصيني... تالية أنا وانتي عمرنا ما هنتفق تمام! أنتي حبيبك دا يبقى عدوي اللدود، وانا مش هتلقن أوامر من حد
_ هانيا بضيع من ايدك يا غبي
_ وانتي جياد بيضيع من ايدك يا غبية!
_ ايه اللي اتغير فجأة؟
_ مصلحتي
_ يعني إيه؟
_ مش مهم، مينفعش نقف كتير مع بعض، مش عايزين نلفت الانتباه، مش دا كلامك!
1

أنهى كلامه ثم تابع طريقه، بينما الفتاة عقدت حاجبيها في استغراب وتمتمت:
" هو اتجنن دا ولا ايه "
                 ***********
خرجت ماهي من المرحاض بعدما تهيأت لزوجها، ارتدت له ماهو مفتوح وقصير يظهر مفانتها، ومشطت شعرها بشكل جيد ثم تزينت بالميك اب، وتحدثت وهي تضع أحمر الشفاة:
" أما نشوف حجتك الجديدة إيه يا مستر شهاب... وراك لحد أما اكتشف مخبي إيه "

انتهت ثم أخذت تبحث عنه فلم تجده، فتضايقت وعليه قالت:
" بتروح فين بس!"

وفي تلك اللحظة لمحت وجود هاتفه على السرير فقد نسيه، لذا اقتربت في سرعة وامسكت به وأخذت تلتفت حولها، ولكنها فشلت في أن تفتحه فقد طلب منها أن تُدخِل الرقم السري...
جربت مرة والأخرى ولكنها فشلت ولم يبق لها سوى مرة واحدة، أخذت تفكر.... ولكنه دخل في ذلك الوقت فتركت هاتفه في سرعة، فتحدث في ضيق:
_ تاني بتقلبي في موبايلي!
_ أنا معرفش حتى الباسورد، ازاي هقلب فيه!
كنت بشوف الساعة بس

طالعها من أعلى إلى أسفل ثم قال:
_ إيه اللي انتي لبساه دا؟
_ إيه!

لم يستطع أن يسيطر على نظراته لذا كان يُمتع بصره بالنظر إليها، لاحظت تلك النظرات وعليه ابتسمت وأخذت تقترب منه بخطوات أنثوية متهادية، تدلل في المشي، ثم ضعت يداها على صدره وتحدثت:
_ هتاكلني بعينك، إيه!
_ إيه انتي!
_ إيه انت!
_ مش هتبطلي بقا حركاتك دي !
3

عقدت حاجبيها في استغراب وعلقت:
_ حركات إيه مش فاهمة!

أنزلت يداها عنه، وبدأت تبتعد، متجهة نحو الخزانة كي ترتدي ملابسها، بعدما أحبطها للمرة المليون، ولكنه فاجأها بضمة من ظهرها إليه ثم دفن وجهه بين كتفها وعنقها... لم يشعر بنفسه إلا وهو يسحبها نحو السرير، دفعها أولًا، وقعت فوق السرير وهي تبتسم ولكنه توقف فجأة وذلك عندما رآها لوهلة هانيا...
لذا تراجع عدة خطوات للخلف، ثم زفر في ضيق وارتمى على الكرسي وهو يضع يداه الأثنان على وجهه يخفيه... يكره نفسه وفعلته، يكره تلك الصورة العالقة في ذهنه وذلك الحب اللعين الذي يمنعه أن يكمل حياته بشكل طبيعي، ذهبت هانيا وتركت شبحها عالقًا في ذهنه لا يرحل عنه أبدًا.
كان من الممكن أن يتابع ويتجاهل تلك الأفكار ولكنه لا يريد أن يكمل حياته مع فتاة يراها هانيا، هو يريد أن يكمل حياته مع فتاة يراها كما هي، لا يتخيلها غيرها.
5

شعرت الفتاة بخيبة أمل كبيرة تذبحها بعدما تحمست للغاية وعليه قامت في صمت وارتدت ملابسها و ازالت الميك اب كله بيدها دون أن ترحم وجهها الذي كانت تحكه بشدة غير آبه لشيء، وتأكدت أن هناك أخرى في قلب زوجها، وأنه ليس مريض كما يدّعي...
                    **********
خرجت هانيا من المرحاض بعدما تحممت، ابتسم جياد ما إن رآها وقال:
_ نعيما
1

ثم بدأ يطالعها من أعلى أسفل وتابع:
_ كله مقفول كدا؟
_ الجو ساقعة

قلدها في نبرة ساخرة:
_ الجو ساقعة... عايش مع واحد صاحبي!

وقفت أمام المرآة وأخذت تجفف شعرها بجهاز الاستشوار، وما إن انتهت حتى أمسكت بالممشط كي تمشط شعرها، ولكن جياد سحبه من يدها فجأة وقال:
_ أنا اللي هسرحلك شعرك
_ متشكرين

انهت كلمتها وبدأت تمد يدها كي تأخذه منه، فقال وهو يضعه خلف ظهره:
_ قلت أنا اللي هسرحلك شعرك!
_ وانا قلت شكرا
1

بدأت محاولة أن تأخذه منه وهي تقول:
_ هات بقا، هات بقا وبطل رخامة

بينما كان الآخر يخفيه خلف ظهره بيده اليمنى تارة. يده اليسرى تارة كي لا تتمكن من أخذه

_ سيب المشط قلنا
_ قلنا أنا اللي هسرحلك
_ وأنا قلت لا، واضح؟
_ لا مش واضح
_ سيب المشط

واثناء تلك المناوشة الصغيرة، لصقها في الحائط وقال وهو قريب منها للغاية:
_ هتسبيني التهي في شعرك واسرحه ولا....

نطق بها وهو يتطلع إلى جسدها، فهزت رأسها رافضة ثم قالت:
_ سرح شعري ماشي موافقة

ابتسم ورد:
_ ما قلنا، لازم استخدم العين الحمرا يعني!
_ متفرحش بنفسك بس كدا اوي!
_ لا هفرح خليكي في حالك انتي!
تعالي يلا اقعدي علشان اسرحلك شعرك

جلست على الكرسي وجلس هو خلفها وبدأ يمشط شعرها في هدوء وفرحة ومن آن لآخر ينظر إليها في المرآة ومعالم السعادة تغمر وجهه، تحدث في سعادة:
_ اعملك كحكة؟
_ لا، شعري علشان قصير مش بيليق فيها، هو سيبه زي ماهو كدا

بدأ يقرب أنفه من شعرها وقال وهو يستنشق في قوة:
_ شعرك ريحته تحفة اوي

قامت من مكانها وبدأت تضع معطرها الخاص وهو يشمه في فرحة.
قام هو الآخر وبدأ يلقي نظرة على أدوات التجميل الخاصة بها، والتي كانت موضوعة على المنضدة وقال:
_ تعالي احطلك مانيكير
_ مش عايزة

نظر إليها نظرة واحدة وقال:
_ هتحطي مانكير ولا!
_ كله تهديد؟
_ ايوا، علشان أنا عايز اشوف شكل اللون دا على ايدك، بطلي رخامة وخليني احطلك
1

_ على الله متبوظش ضوافري!
_ عيب عليكي، أنا فنان، تعالي

جلست وسلمت له يدها، بدأ يضع في الابهام، تراه كيف يهتم و يضعه بتفنن حاذرًا من الانجراف كي لا يخرب لها شكل أظافرها وكأنه يقوم بعمل هام للغاية من شدة التركيز و التدقيق، ثم انتقل إلى السبابة يتابع عمله في حب..  وبين الحين والآخر كان يختلس نظرات من عينيها، يراها وهي تبتسم أثناء فعله لذلك.
انتهى من يدها الأولى فقال:
_ إيه رأيك كدا؟
_ يعني... مش أحسن حاجة!
_ يا شيخة! مفترية والله... هاتي خليني ابوظ ايدك التانية علشان تعرفي ان الله حق
_ انسى
_ إيه هتمشي بأيد و ايد؟
_ أنا حرة!
_ كل دا علشان تعندي بس معايا؟
2

هزت رأسها مؤكدة في ابتسامة خفيفة، فتابع في ابتسامة هو الآخر:
_ اعندي معايا براحتك، بموت في العِند بتاعك

ضحكت، فتابع:
_ يخرابي على الضحكة، أروح فداها

تجاهلته وهي ترفع كتفها في لامبالاة وتسير فتابع:
_ من حق الجميل يدلع بردو، فمابالك بقا بملكة الجمال!
2

ابتسمت ولكنه لم يراها، لأنها كانت تعطيه ظهرها، ثم نظرت إلى الطلاء الموضوع على أظافرها...
                   ********
دخل حسان غرفته و على ملامح وجهه الغضب والضيق، غلق الباب في قوة ثم ألقى نظرة مليئة بالضيق على زوجته الجالسة على الكرسي تحتسي القهوة الخاصة بها وهي تعمل أمام الحاسوب.
زفر في ضيق وجلس على الكرسي وهو يستغفر ربه مرات متتالية متعددة.
تجاهلته تمامًا وتابعت عملها، لذا قام من مكانه وبدأ يفتح الإدراج ثم يغلقها في قوة، يمسك الكتب الموضوعة على المنضدة ثم يلقيها سريعًا في عنف وهو لا يتوقف عن الزفير في غضب وكأن الخنقة خرجت من داخله وشكلت ملامح وجهه.

وعليه تحدثت في صوت عالي:
_ على فكرة أنا مش عارفة أركز...عمال ترزّع ليه؟

صاح في ضيق:
_ مدايق... أنا مدايق، مدايق يا أسيل مدايق

زفرت في ضيق ثم قالت:
_ و الأستاذ مدايق ليه؟

تنفس في عمق، ثم نزع النظارة ووضعها على الطاولة ثم عقد ذراعيه أمام صدره وقال:
_ هو انتي قاعدة بتعملي إيه يوم الجمعة كدا؟ شغل إيه دا اللي يوم الإجازة؟
_ أنا بشتغل في الإجازة و في أيام الشغل وفي كل وقت ومكان وزمان... أنا قدامي شهر ونص و يبقى في المنصب دا يا لا، فسبني اتدرب كويس و اذاكر علشان اكون جديرة بيه.... واهو فرصة حد فينا يبقى ليه منصب!
1

_ وحقوقي الشرعية؟ أنا هفضل مستني كدا لحد امتى؟ محتاج افهم شكل حياتنا دي هتمشي ازاي!
أنا... أنا اخواتي بدأوا يحسوا إني غريب.... أنا شخصيا حاسس إني مش راجل وسطهم!
اخويا بيسألني اذا كان عندي مشكلة في الخلفة ولا لا وأنا اصلا معرفش، انتي متخيلة!
واحد متجوز بقاله شهرين ونص ميعرفش أي حاجة عن الجواز دا اصلا إلا اسمه!
أنا بالاسم متجوز... لكن أنا وسطهم متعلق... تايه... متخبّط.
كنتي بتقوليلي بلاش تبقى أقل منهم ولازم تبقى زيهم وانتي اصلا اللي مش محسساني بقيمتي كراجل معاكي ولا بتعامليني على إني جوزك زي باقي مخاليق ربنا
ازاي عايزاني اتساوى بيهم وانتي شخصيا مش شيفاني ذو قدر و قيمة!

تنهد..... ثم سكت.... ثم تابع في نبرة تحمل الأسى:
_أنا إيه بالنسبالك طيب يا أسيل علشان افهم... انتي شيفاني ازاي او إيه؟
أنا عايز أبقى زيي زي أي إنسان طبيعي.... عايز أقل حقوقي، عايز ابقى زوج واب... عايز يبقى عندي أسرة و بيت هادي... شايفة إنه حلم كبير اوي عليا؟
شايفة إني مستاهلش طيب؟
2

ردت في برود:
_ بقا هي دي أقصى طموحاتك؟ أب وبيت هادي!
يا خسارة يا حسان...يا خسارة

صاح في غضب شديد:
_ إيه بجد، إيه! أنتي مستخسرة فيا أكون أب! مستخسرة فيا اعيش زيي زي اي راجل طبيعي؟

_ وطي صوتك، لو فاكر ان الرجالة بصوتها العالي و جعيرها تبقى غلطان

_ مش هوطي صوتي، أنا لازم افهم انتي إيه وعايزة إيه ومستنية إيه... وبعدين إيه هي الرجالة بالنسبالك، انتي لا عايزة الراجل اللي بيعلي صوته ولا  عايزة الراجل اللي بيحترمك ولا اللي نفسه يقرب منك ولا اللي عايز يخلف منك ولا اللي بيتمنى رضاكي ترضي، اومال انتي عايزة ايه! إيه هو الراجل بالنسبالك طيب؟

صرخت الأخرى في غضب:
_ الراجل بالنسبالي هو اللي بيقى واقف ملو هدومه، اللي ليه كلمة اللي الكل بيحترمه، اللي ليه كاريزما و حضور و هيبة، واللي اعرف اعتمد واتسند عليه وارمي الحمل ليه وانا مطمنة، مش واحد ابوه نفسه مش واثق فيه يمسّكه حتة إدارة ومسّك مراته بداله!
فاتح المدير العام، يزيد مدير المالية، جياد مدير التسويق... انت إيه؟ انت مدير إيه؟
انت بتشتغل إيه اصلا!
انت مين علشان تملى عيني؟
فهمت بقا أنا مأجلة الأطفال والبيت التحفة السعيد ليه؟ لحد أما ابوهم يبقا راجل ملو هدومه زي باقي اخواته
2

أمسكت الحاسوب الخاص بها و كوب القهوة ثم قالت وهي جهة الباب كي تخرج:
_ على فكرة ولا واحدة ممكن تستحمل اللي أنا فيه دا، ولا واحدة... يكفي إن مايا و روني و هانيا عارفين يفتخروا بجوازتهم قدامي وانا مش عارفة افتح بؤي حتى.

فتحت الباب ثم خرجت وغلقته في قوة خلفها.

تركته يقف و الصدمة معًا، فهي دائمًا ما تصدمه بوقحاتها و أسلوبها الدنيء، دائمًا ما تحطم خلايا قلبه الصغير الذي لم يعد يتحمل تلك المعاملة القاسية، هو بلا قيمة... إذًا جعلته يصدق ذلك، هو غير مقبول بالفعل وغير مناسب ليكون رجلًا لمرأة، جعلته يصدق أن أبسط أحلامه لن تتحقق أبدًا فهو رجل سيء غير مؤهل ولن تقبل احداهن به ليكون زوجها ووالد طفلها.
حطمت حلمه البريء في كلمات من أحرف خرجت على لسانها اللعين في دقائق جعلته يصدق أن لا حلم له ولا للذين هم أمثاله.

وبجسد مهزوم و أقدام عاجزة، سار بضع خطوات حتى السرير، جلس عليه في بطء شديد ولازالت الصدمة تسيطر عليه، وبمجرد جلوسه بدأ يتذكر كلماتها القاسية والتي سممته بها، هو الذي لم يعتد إلا على المعاملة الحسنة و الرفق واللين، جاءت له هذه كي توسخ قلبه وتشوه عقله بتلك المعاملة التي لم يعرفها قط من قبل، يا الله، هل يوجد حقًا في هذه الحياة أشخاص مثل تلك أسيل؟ هو لم يعرف لذا كان مصدومًا، لم يختلط بالبشر ولم يتعرف على هذه الصفات من قبل ولم يعرف حتى لماذا يتعامل الآخرون مع بعضهم البعض بهذا الشكل!
2

كان لا يصدق أن هناك أُناس يعيشون معنا على كوكب الأرض يحملون صفات وقحة كهذه، يجرحون مشاعر الناس و يفعلون ما يحلوا لهم دون مراعاة أي شيء، لا مشاعر، لا إنسانية ولا حتى رحمة!

ضم ركبتيه إلى صدره وحاوطهما بذراعيه في وضعية كئيبة، وفجأة سالت دموعه، وأخذت تسري على خديه، شعر بالشفقة على نفسه لذا كان مقهورًا وعليه ازدادت دموعه وبدأت أصوات شهقاته تتعالى، وأصبحت حالته يُرثى لها... كانت أشبه بحالة طفل تاه عن أمه وسط الزحام....
                    **********
وعقب مرور يومين، كانت أجازة كل من، شهاب وماهي وهانيا قد انتهت لذا عادوا جميعهم إلى العمل وبدأوا التدريب في مناصبهم الجديدة.
وبينما هانيا تعمل تارة وتتعلم تارة أخرى، دخل عليها شهاب المكتب، نظرت إليه ثم نظرت تارة أخرى إلى الأوراق الموضوعة أمامها.
1

اقترب حتى جلس على الكرسي قبالها وتحدث:
_ في اجتماع أخير هيتم المفروض خلال الأسبوع دا، علشان نناقش فيه اللي هيحصل بالظبط في حفلة الرياض، ماهي كانت عايزة معاد من جياد علشان على أساسه نظبط مواعيدنا احنا كمان و نحضر كلنا الاجتماع دا، ونظرا لاني مش بطيقه ولا بتكلم معاه، جيت لك انتي علشان انتي أكيد عارفة مواعيده... خدي دي مواعيدنا المتاحة اهي، شوفي هتعرفي توفّقي مواعيدكم معانا ولا إيه

أخذت منه الأوراق وبدأت تطلع فيها، ثم أخرجت من الدرج مواعيدهم هما، واثناء انشغالها بذلك، قال:
_ عملتي إيه يا هانيا؟

ردت دون أن تنظر له بل مازالت مهتمة بالعمل:
_ في إيه؟
_ في اللي اتكلمنا فيه، في اللي أنا مستنيه... هانيا اخلصي قولي قررتي إيه خليني اشوف هعمل إيه

تنهدت ثم ردت:
_ اللي قررته، إني لا هبقى معاك ولا هبقى معاه
_ إيه!
_ اللي سمعته، هو ظلمني، وانت ظلمت ماهي، انتوا الاتنين متتخياروش عن بعض
2

_ ايوا بس أنا مكانش قصدي، أنا...
_ هو كمان بيقول ماكنش قصدي، اللي يدمر الناس ميستهلهمش ولا يستاهل فرصة تانية

رد في تبرير:
_ ايوا بس أنا ملمستهاش، يشهد ربنا ان كان ليها حركاتها بس بردو أنا محبتش اجرح فيها اكتر وعملت حساب إني ماشي
2

_ شهاب، انت اتجوزت ماهي على أساس اني أسست بيت و مبسوطة فيه، صح؟
_ آه
_ اعتبره كدا بقا وكمل معاها، وملكش دعوة أنا هعمل إيه، أنا مشكلتي مع جياد تخصني اكتر لانه اناني واللي عمله ميتغفرش ببساطة، لكن أنا بنصحك تشوف حالك وحياتك مع مراتك لان لا بابا ولا أنا هنوافق بجوازنا... أنا سمعتي  وكرامتي فوق كل شيء، ولو اتجوزتك كل دا هيبوظ، أنا عايزة اعيش في سلام، أنا مش عايزة الحرب بتاعتكم دي، حاربوا من غير ما ابقى في وسطكم، ولو سمحت أنا مش عايزة كلام تاني في الموضوع دا، خلاص أنا سمعتك وسمعته ورديت وهو دا ردي اللي لا رجعة فيه

_ هو عرف؟
_ لسه، مستنية نقفل السنة علشان كلنا عندنا ضغط شغل رهيب الفترة دي وبعد كدا هقوله، هانت كلها اسبوع

_ يعني بعد اسبوع يعتبر هتطلقي؟

_ ملكش دعوة أنا هتطلق امتى ولا هعمل إيه، متربطش حياتك بيا، انت خلاص خدت ردك، أنا لا هسافر ولا هقبل اتجوز من غير رضا أهلي ولا هقبل اشوف واحدة تعيسة على حساب سعادتي، ولا هقبل إني اسمع الناس بتقول عليا خاينة او خطافة رجالة، فانتبه لحياتك بقا وسيبك مني خالص، أنا خدت وقتي في التفكير وخلاص هو دا ردي النهائي
2

رد في ضيق منها:
_ هتقبلي تعيشي مع واحد غيري؟ هتعرفي اصلا!

_ متشلش همي انت بس، أنا بعرف اشيله لوحدي
_ انتي بتعامليني كدا ليه؟ بتتكلمي معايا كدا ليه؟

تحدثت في صوت عالي نسبيًا:
_ علشان انت وانا ناس متجوزة مثلا!
ابقا بص للدبلة اللي في ايدك الشمال علشان تبقى تفتكر كل ما تنسى!

انزل يده اليسرى وأخافها عن نظرها ورد:
_ بس احنا بنحب بعض، بلاش تعملي فينا كدا... أنا حبي ليكي هو اللي مسيطر على كل حاجة فيا، مشاعري واحاسيسي كل حاجة..  تخيلي راجل عايش مع واحدة جميلة في نفس الاوضة ومش عارف يقرب لها علشان شايفها انتي، يعني حتى شهوته محركتهوش و....
1

قاطعته وهي تصيح في صوت عالي وقد وقفت فجأة في نفس الوقت:
_ الكلام في الموضوع دا انتهى، ودا مكان شغل وبس، هبص على المواعيد وهرد عليك، تقدر تروح تستريح في مكتبك لحد أما أخلص
2

كان ينظر إليها في دهشة من طريقتها وملامح وجهها الغاضب، وعليه هز رأسه موافقًا ثم نهض واقفًا وقال:
_ تمام... مستني تردي عليا بخصوص المواعيد ياريت يكون أسرع علشان هي مستنية.... بعتذر.. آسف لو كنت دايقتك أو تخطيت حدودي

أنهى كلامه وبدأ يسير حتى الخروج، وبمجرد خروجه، ارتمت على الكرسي جالسة، حابسة دموعها تهز رأسها برفض، تحدث نفسها:
"لا لا اوعي تعيطي انتي قوية واللي بتعمليه دا هو الصح.... دا مبقاش حبيبك خلاص، دا بقا يخص واحدة تانية واللي تفكر في واحد متجوز متبقاش بنت كويسة صح، انتي عارفة كدا كويس يا هانيا...أنا عارفة انه صعب عليكي بس انتي قدها، أنا واثقة فيكي..."
3

ثم أخرجت الهاتف من حقيبتها واتصلت على إحدى صديقتها والتي ما إن استجابت لها حتى قالت:
_ إيه يا هانيا
_ إيه يا تقى عاملة إيه؟
_ كله حلو، قوليلي يا حلوة
_ السفر هيكون امتى؟
_ قررتي خلاص؟
_ آه، عايزة أسافر علشان أعمل الماستر زي ما قولتلك
_ مش قلتي أما تطلقي؟
_ ايوا ما أنا عايزة اعرف امتى السفر بالظبط علشان اظبط حياتي هنا وابلغ جوزي بقراري و اجهز نفسي للسفر
_ اتأجل بقا كمان شهر
_ على شعر ٢ يعني؟
_ بالظبط، أول اتنين كدا من السنة الجديدة ان شاء الله
_ طب حلو اكون أطلقت و ظبطت نفسي واقنعت بابا وسافر
_ اشطا هعمل حسابك معانا
_ اتفقنا يلا سلام
1

انهت المكالمة ثم تحدثت:
" بلاها جواز خالص أصلا... أنا هنتبه لمصلحتي و مستقبلي، أنا لسه صغيرة اصلا على الجواز وشيل المسؤولية دا، كل الموضوع عندي ٢٣ سنة بس!

تنهدت وتابعت:
" هتخطى...هتخطى كل دا وانا بحقق ذاتي و أنجازاتي.."
                   ***********
كان يزيد يجلس في غرفة الاجتماعات الخاصة به كمدير المالية، يجلس في ثقة على الكرسي المتمركز و زوجته بجواره على الكرسي ناحية اليمين، و أسيل تجلس في الجانب الآخر ناحية اليسار، تنظران لبعضهما البعض في قرف و اشمئزاز من آن لآخر، وكان الاجتماع بخصوص المالية التي ستنفقها الشركة في حفل الرياض لتسويق منتجاتها.
بدأ يزيد يطرح عليهم أسئلته كي يتناقشون معًا وبدأ واحد تلو الآخر يرد عليه و يتناقش معهم، حتى قال أحد منهم:
_ طب ممكن الخطة المالية اللي هيتم انفاقها بالظبط نشوفها؟

فرد يزيد:
_ طبعا وهو دا اللي أكيد لازم يحصل،  مدام روني دلوقتي هتقوم و هتشرحلكم كل حاجة على البروجكتر

وبالفعل نهضت روني واتجهت نحو الشاشة ووقفت ثم قالت في ابتسامة مليئة بالثقة:
_ هاي، أنا روني الزيني مديرة أعمال مستر يزيد الزيني، دلوقتي هبدأ اعرضلكم الخطة المالية لمناقشتها و فهمها بشكل جيد.

اقتربت من حقيبتها وبدأت تبحث عن الفلاشة التي تحمل المخطط فلم تجدها... وعليه ابتسمت أسيل ابتسامة خبيثة، أخذت الأخرى تبحث فلم تجدها إطلاقًا كأنها اختفت، شعر يزيد بتوترها وعليه قام واقترب منها وهمس:
_ في إيه؟
_ الفلاشة مش لاقياها اللي كنت محملة عليها الخطة كلها بقالي يومين
_ طب براحة براحة دوري كويس
_ مش لاقية

بدأت الناس الجالسة ينظرون إلى ساعة أيدهم فقد تأخرت، رفعت رأسها فوجدتهم في بداية الملل و الضيق، وعليه نظرت إلى أسيل فوجدتها تبتسم، ابتسمت لها روني ابتسامة عريضة تحمل الانتصار، ثم حملت الحاسوب الخاص بها وذهبت  تقف نحو الشاشة مرة أخرى وقالت في صوت مسموع واثق:
_ سوري على التأخير، كنت بدور على الفلاشة وملقتهاش... بس طبعا لان انا دايما بعمل حساب حاجة زي كدا وأكيد كلنا بردو بنعمل حساب الموضوع دا، فأنا كنت محملة نسخة احتياطي على اللاب توب بتاعي، ثواني بقا نشغله اهو ونبدأ نشرح مع بعض

تضايقت أسيل بشدة وبدأت تضرب الأرض بقدمها، كانت تتمنى أن تضعها في ذلك المأزق أمام الجميع لتثبت فشلها و عدم قدرتها على القيادة، ولكن روني لم تترك لها الفرصة بل استخدمت الخطة البديلة و بالفعل عرضتها وها هي تشرحها بشكل تفصيلي دقيق، جعلت كل الجالسين يفهمون في سرعة دون الحاجة إلى أسئلة كثيرة أو حدوث لبس.
1

وبعدما انتهت، بدأ الجميع يصفق لها في حرارة من جمال عرضها و بساطة شرحها، وهمس أحدهم جانب اذن من يجلس بجانبه:
_ لا هي شاطرة فعلا، مش متعينة واسطة ولا حاجة، هي مذاكرة وفاهمة بتعمل إيه
_ اه اه الصراحة
1

وسمعتهما أسيل وبدأت ترميها بنظرات تحمل الحقد و الكره...
                     *********
دخلت هانيا مكتب زوجها والذي ابتسم ما إن وجدها تدخل وقال:
_ تعالي يا قطايف

قالت وهي تسير جهته:
_ إيه قطايف دي؟
_ مش عارف...  حاسس إن طعمك زي القطايف
1

كانت تفتح فمها تستوعب ما يقول، ثم ردت متجاهلة ذلك:
ما علينا، دا كلام يطلع من واحد مضغوط في الشغل فعلا
_ باين عليا اوي كدا!
_ جدا... المهم، ماهي طلبت مني أحدد معاد للميتنج الأخير، وانا حددته النهاردة الساعة ٥، لقيت عندنا وقت فيه
_ تمام، مادام انتي عارفة الجدول كويس ولقيتي ان المعاد دا مناسب يبقى تمام
_ فيه حاجة بقا، أنا مش هقدم ولا هتكلم في الاجتماع دا

عقد حاجبيه في استغراب ورد:
_ ليه؟
_ كدا، مش بحب اتكلم قصاد مجموعة أنا، اتكلموا انتوا
_ ليه بردو؟
_ كدا وخلاص يا جياد!
_ انتي عندك رهاب اجتماعي ولا إيه؟
_ حاجة زي كدا

وقف، ثم سار حتى توقف قبالها وقال:
_ متقلقيش يا حبيبي، طول ما أنا معاكي مش عايزك تقلقي من أي حاجة، الموضوع بسيط خالص... حاولي بس... هخليكي تقولي كلمات بسيطة خالص الاول علشان تتعودي، أنا مش عايزك تبقي خايفة، ثقي في نفسك و في كلامك وفي اللي بتقدميه

تنفست في عمق وردت:
_ ما بلاش بجد!

جلب الأوراق من على المكتب ثم وضعها بين يديها وقال:
_ دول حاجات بسيطة، فضي نفسك واقدي افهميهم كويس وتعالي علشان تقوليهم قدامي وانا عارف إنك هتبقي قدها و هتقدمي أحلى عرض اتعمل في الشركة على مدار عملها كله... يلا روحي، ولو فيه حاجة مش واضحة ليكي كلميني علطول أساعدك

هزت رأسها موافقة ثم أخذت الأوراق وبدأت تخرج، وهي تفكر في كلامه والذي يتوافق مع خطتها، هي تريد أن تطور من نفسها وشأنها وهذه فرصة جيدة للمحاولة والخروج من عنق الزجاجة، نعم يجب ألا تخشى الناس، ويجب أن تتحدث أمامهم بكل بسالة، من هم حقًا حتى تخشاهم!
                     **********
دخلت مايا خلف فاطيمة بخطوات متثاقلة، كأن الأرض تشدّها إلى الخلف. ما إن تجاوزت عتبة المكان حتى شعرت بنفورٍ غامض، كأن الهواء ذاته يرفض وجودها. الغرفة ضيّقة، يتدلّى من سقفها مصباح شاحب يبعث ضوءًا أصفر خافتًا، تتراقص ظلاله على الجدران فتمنحها هيئةً مقلقة غير مستقرة.
انتشرت في المكان رائحة بخور ثقيلة، تخنق الأنفاس وتربك الحواس، تختلط برطوبةٍ عتيقة توحي بإهمالٍ مقصود. على الجدران كُتبت آيات قرآنية بخطوط غير متناسقة، يتخلّلها تشويهٌ غير مريح، وأسفلها علامات مبهمة توحي بما لا يُقال ولا يُفهم. بدا كل شيء وكأنه متعمَّد ليُربك الداخل لا ليطمئنه.
تجمّدت في موضعها، وقلبها يخفق بعنفٍ لا تستطيع السيطرة عليه. أحسّت ببرودة تسري في أطرافها، وارتعاشٍ خفيف يتسلل إلى يديها، فيما نظراتها تجوب المكان بحذرٍ شديد، كأنها تخشى أن ينبثق منه ما يؤذيها. كان الخوف يتكاثر في صدرها، لا خوفًا واحدًا بل مخاوف متداخلة لا تعرف من أين تبدأ ولا إلى أين تنتهي.
خافت من الرجل الذي يدّعي التقوى والمعالجة بالقرآن، ومن حضوره الذي يبعث الريبة أكثر مما يمنح الطمأنينة. وخافت من أن يعلم فاتح، زوجها، بوجودها في هذا المكان، فتكون العاقبة قاسية لا تُحتمل. غير أن خوفها الأكبر كان من انكشاف أمرها أمام الشيخ والد زوجها؛ فمجرد تخيّل علمه بما تفعل كان كفيلًا بأن يضيّق أنفاسها ويثقل صدرها بالذنب والهلع.
وتحدثت وهي تتراجع:
_ يلا يا عمتو نمشي أنا بدأت اقلق
_ ادخلي يا بنتي بقا متكسفيناش مع الراجل، ماصدقنا انه ادانا معاد أصلا!
2

دخلت بالفعل وهي تبتلع ريقها في توتر، ابتسم الرجل وقال لها:
_ تعالي يا بنتي متخافيش، أنا في سن والدك

شددت في مسكتها على ذراع فاطيمة وهي تسير بجانبها، ثم انتظرتها حتى جلست وجلست بجانبها تكاد تلتصق بها، تحدث الرجل في ابتسامة:
_ أنتي مايا الزيني مش كدا؟

نظرت إلى السيدة وقالت في خضة:
_ هو...هو عرف ازاي؟

ضحك الرجل وقال:
_ بلغوني باسمك أكيد برا وعرفت اني عندي كشف النهاردة بالاسم دا لبنت مش بتخلف وخايفة حماتها تجوز ابنها عليها، لازم كنت اعرف التفاصيل علشان اشوف هل الحالة تستحق إني اقبلها ولا لا... فكرك بقا إني دجال وعرفت بسبب ان العفاريت قالتلي وكدا؟

ضحك وتابع:
_ لا لا متخافيش، أنا مش زيهم، أنا الشيخ عطالله المعالج بالقرآن والشفا كله بيكون بيد الله مش الشيطان، دي جلسات معالجة من السحر او الحسد او المشاكل الزوجية اللي مش بتنتهي، هقرأ عليكي قرآن ومشاكلك هتحلل ان شاء الله
2

ابتسمة فاطيمة وقالت له:
_ متشكرين والله يا شيخ، طمنت قلوبنا، هي كانت مترددة تيجي
_ طبيعي لان الدجالين و المستغلين بقوا في كل مكان، المهم أنا عايزك براحة تحكيلي المشكلة كاملة من أول طأطأ لسلام عليكم وعرفيني إيه اللي كاتم على نفسيتك و نفسك وكل حلولك بإذن الله، عندي.
                   ************
انعقد الاجتماع في قاعة واسعة ذات سقف مرتفع، تتوسطها طاولة مستطيلة من الزجاج الداكن، تحيط بها مقاعد جلدية سوداء. الإضاءة البيضاء القوية تعكس جدّية المكان، وعلى الجدار الأمامي شاشة عرض كبيرة تحمل تفاصيل حفلة الرياض لنهاية عام 2025. القاعة هادئة، منظمة، وكل تفصيلة فيها تعكس حجم الحدث المنتظر، وكانت مليئة بالحاضرين المهتمين بذلك التنظيم العظيم.
1

وقف جياد في مقدّمة القاعة، ثابت القامة، ونظراته تجوب الوجوه أمامه بثقة مدير يعرف طريقه جيدًا. إلى جواره ناحية اليمين كانت ماهي تقف هادئة ثابتة كعادتها، بينما وقف شهاب بجانبها في الجهة الأخرى بثبات عملي، أما هانيا فكانت تقف بجانب زوجها في الناحية الأخرى، ناحية اليسار، متماسكة رغم القلق الخفيف الذي سببه لها ازدحام القاعة وكثرة الحضور؛ أخفت توترها بابتسامة محسوبة ووقفة مستقيمة، شدّت كتفيها ورفعت ذقنها، رافضة أن يظهر خوفها.

بدأ جياد الحديث، وصوته حمل نبرة امتنان واضحة في البداية، حيث قال في صوت واثق مسموع للجميع:
" قبل ما ندخل في التفاصيل، حابب أشكركم كلكم. السنة دي كانت طويلة ومتعبة، بس اللي اتعمل فيها يستاهل.
كل واحد فيكم كان جزء أساسي من النجاح اللي وصلناله، شكرا لكل حد وثق في شركة الزيني و اختارها دايما

تقدّمت ماهي قليلًا، بنبرة واثقة ومنظمة، تابعت: :
"اشتغلنا السنة كلها على بناء صورة ثابتة، خطوة خطوة. ما كانش فيه قرارات سريعة ولا حلول مؤقتة، كل حاجة كانت محسوبة علشان نوصل للنقطة دي وإحنا متطمنين، وبيكم قدرنا نوصل، شكرا لكل موظف أو موظفة ساهمت في الفخر دا ولكل المستهلكين اللي وثقوا في اسمنا

ابتسم شهاب ابتسامة خفيفة، وهو يشير نحو الشاشة، وقال:
"من أول حملات الصيف لحد دلوقتي، إحنا ما وقفناش. عدّلنا، جرّبنا، غامرنا أحيانًا… بس في الآخر عملنا شغل يليق باسمنا وبحجم السوق اللي بنخاطبه، وقدرنا نغطي كل احتياجاتكم من رجال و سيدات و أطفال"

أخذت هانيا نفسًا عميقًا قبل أن تتكلم، فلمس جياد أصابع يدها وهمس في ابتسامة دون ان ينظر إليها:
" متخافيش انتي قدها "

ابتسمت وأجمعت قواها ثم قالت  بصوت ثابت رغم توترها الداخلي وهي تنظر في وجوه الحاضرين:

"والحفلة دي تعتبر تتويج لكل اللي فات.
حفلة الرياض مهمة لينا وليكم علشان شغلنا وتعبنا كله هيظهر هناك.
الحفلة دي بالنسبة لشركتنا مش مجرد حدث في آخر السنة، دي رسالة واضحة عن إحنا مين، وإيه المستوى اللي وصلناله بعد تعب سنة كاملة."
1

أومأ جياد برأسه، وقد بدا الرضا في ملامحه فخورًا بها و بثقتها رغم التوتر، ثم أضاف:
"بالظبط. حفلة الرياض مش النهاية، دي بداية مرحلة جديدة. كل تفصيلة فيها هتعكس الشغل اللي اتبذل، من أول التخطيط لحد آخر ظهور على المسرح، وان شركتنا تترشح لحفلة زي دي، دا دليل نجاح قوي لينا قبل ما نشارك حتى"

بدأ الجميع يصفق في حرارة هاتفين باسم الشركة لمدة ثواني، ثم بدأوا يهدأون وكذلك عندما
أضافت ماهي مؤكدة:
"وده سبب تركيزنا على الموديل وطريقة ظهورهم.
الناس هتشوف المنتج وهتفهمه   من غير ما حد يشرح، ولأن الكمال لله وحده، حاولنا بكل الطرق نصمم لكم منتج يرضيكم، منتج كامل من كل حاجة هتحتاجوها أو هتخطر حتى في بالكم

اختتم شهاب الحديث بثقة:
"اللي حضر معانا السنة دي عارف إننا ما بنشتغلش بنص مجهود. والحفلة دي هتثبت إن التعب ما راحش على الفاضي ودا أما اسمنا يرج القاعة ويتم اختيار منتجنا "

بدأوا يصفقون تارة أخرى، وكان الشيخ عبدالله يبتسم في فخر بهم وتحدث إلى مجدي:
_ لا بس الولا شهاب دا عجبني، دخل دماغي جدا، عنده حضور وثقة وابتسامة تخليه يليق بكونه جوز بنتي، طول عمرها بتعرف تختار
3

ابتسم مجدي ورد وهو يبتلع ريقه:
_ ربنا يهنيهم ببعض يا شيخ وتفرح بابنهم قريب
_ يارب يا مجدي يارب

تحدث جياد وهو يتجه نحو الشاشة:
" وبعد ما المقدمة اللذيذة دي خلصت، هنبدأ بقا الشغل... دلوقتي هنعرض بشكل سريع جدا، فكرة منتجنا وكل المراحل اللي مر عليها، ياريت نركز في الفيديو دا"

شغل الفيديو وعقب انتهائه، تابع وسط تصفيقهم:
" دلوقتي بشكل سريع جدا، خلونا نرحب على المسرح بمدير الجودة مستر كمال ثروت و مدير التصميم مستر باسم عواد، ومدير المالية مستر يزيد الزيني، علشان يكلمونا بشكل مختصر عن جودة المنتج و طريقة تصميمه وكم تكلف"

صعد الثلاثة على المسرح في ثقة وبدأ كمال في الحديث، وأثناء كلامه كان باسم يقف بحوار يزيد يحاول خطف الانظار، فكان محافظًا على وقفته وثباته و حضوره، بينما يزيد فلم يعيي بتلك الأشياء والتي يمتلكها دون مجهود من الأساس وعليه كان يقف ويبتسم وحسب، وبالاخص كان يبتسم لزوجته تلك التي كانت تلوح له بيدها وتلتقط له الصور و الفيديوهات في فرحة عارمة وفخر به

أنتهوا من إلقاء كلمتهم وبدأ جياد يتحدث مرة أخرى:
_ دلوقتي هنبدأ نتكلم عن المجهود اللي بذله التسويق وهو احنا، اولا حابب أشكر كل المديرين اللي معايا واللي كانوا قائمين على العمل دا، مدام ماهيتاب الزيني، مدام هانيا الزيني، ومستر شهاب مظهر

بدأوا يصفقون، فتابع الشاب:
"  دلوقتي هناخد جولة مع بعض خليكوا معانا

بدأ الفيديو والناس تركز بشدة به، وبعدما انتهى، اخد جياد يشرح لهم الجزء الخاص به في دقائق معدودة ثم انتهى فصفقوا له وأقبلت ماهي بجوار زوجها ووقفا كلًا منهما في جانب كي يشرحا ماهو على الشاشة، واهتم شهاب بالتحدث أكثر عن الجزء الذي يخص عارضين الأزياء موضحًا أنه سيكون من ضمنهم، لذا صفقوا له في حرارة، فرحوا بذلك الخبر

وبعدما انتهوا، تقدمت هانيا كي تختم الكلام و تتحدث عن آخر شيء سيتم في الحفلة، بدأت تتنفس مرات متعددة محاولة إخفاء توترها، أخذت تتكلم ثم تعثرت أثناء الحديث فقالت:
_ ء..ء..ء
نسيت ما كانت ستقول وسيطر عليها التوتر لذا شعرت وكأن ذاكرتها محت كل ما كانت تعرفه وحفظته، وفي خطوات سريعة تقدم جياد ثم قال في ابتسامة وهو يقف بجانبها، وقال:
_ إيه مش ناوية تعرفيهم المفاجأة ولا إيه؟

ثم تابع وهو ينظر إليهم:
" هانيا يا جماعة مترددة تقولكم المفاجأة دلوقتي ولا لا، شكلها كانت هتقع بلسانها وتقول

بدأوا يضحكون ويتساءلون في صوت عالي:
" إيه هي بقا المفاجأة؟ قول بقا؟"

ضحك ورد:
_ عايزين تعرفوا؟

ردوا في صوت عالي:
_ آه
_ متحمسين؟
_ آه
_ لا مش هقول في الحفلة بقا هتعرفوا
1

بدأوا يضحكون منه ومن طريقته، وكانت هي شخصيًا تبتسم ما إن شعرت أنه أزال عنها الحرج وحوّل الموضوع كله إلى فكاهة وضحك وجعل الجميع يشعر بحماس لتلك المفاجأة والتي في الحقيقة لم تكن لها أي وجود من الأساس، بل كانت مجرد  حيلة ابتدعها جياد كي يزيل التوتر و الحرج عن زوجته.
1

وبعدما ساد الصوت العالي القاعة، فكانوا يضحكون وآخرون يتحدثون، وقف جياد بجانب زوجته وابتسم لها ثم قال:
_ يلا اختمي الاجتماع وانا واقف جمبك اهو متخافيش

وبالفعل شعرت بحافز قوي وجراءة لا مثيل لها وعليه تنفست في عمق ثم تحدثت في ثقة ملقية عليهم الجمل الاختتامية وشكرت الجميع، الحاضرين والقائمين على العمل والمديرين بالاسم واضافت كلمات وجمل أخرى من عندها، وما إن انتهت ووجدهم يصفقون في حرارة ابتسمت ابتسامة عريضة تشعر بالفخر بنفسها، ثم نظرت نحو زوجها الواقف بجوارها، كتفه يلمس كتفها، نظرة خفية وكأنها تشكره على ما فعله معها.
                  ***********
كانت ياسمين تجلس على الأريكة تقضم أظافرها في توتر وهي لا تتوقف عن متابعة الأخبار بشكل ملحوظ ودوري، كانت تقرأ أبرز العناوين كهذه:
" ياسمين المحمدي تفتري على يزيد الزيني لأجل تحقيق الشهرة و التريند "
" ياسمين المحمدي ترفض الرجوع إلى بلدها خوفًا من الفضيحة"
" اول ظهور لوالد ياسمين المحمدي والذي ينكر فعلتها و يستاء من رد فعلها"
" يزيد الزيني ينشر على صفحته منشورًا خاصًا يوضح فيه أن ما نسب إليه ماهو إلا افتراء"
" هل ستعود ياسمين؟ أم ستظل هاربة"
" ياسمين المحمدي تخسر تعاطف واسع من الجميع بعد ما قالته والدتها"
1

ووسط عنوانين تلك المقالات وعنوانين الفيديوهات و المقابلات التي أجرت مع عائلتها، كاد التوتر أن يقتلها، لقد فضحت نفسها بنفسها أمام الملأ، وعليه انهارت بالبكاء وهي تصرخ بعدما ألقت الهاتف من يدها :

" منك لله يا باسم، منك لله، انت السبب في كل دا، منك لله.... انت اللي جبرتني أعمل كدا، أنت اللي هددتني..
أنا ماكنتش عايزة...ماكنتش عايزة.."
                  **********
وعقب مرور أسبوعين، اجتهد فيهم كل منهم بشكل لا يصدق، تركوا المناوشات و المشاكل حتى يضعون كل تركيزهم في العمل، فقد أراد كل منهم أن يثبت نفسه ومكانته بين الجميع في تلك الحفلة والتي معادها الغد، لم تحدث مشاكل كبيرة تذكر في ذلك الوقت، حتى أن ماهي ركزت على نفسها و شغلها تاركة شهاب وما يفعله لحين الإجازة، وكذلك هو لم يكن لديه متسع من الوقت يفتعل المشاكل بل وضع كل تركيزه على مستقبله والذي قرر أن تكون بدايته هي شركة الزيني.
وكذلك جياد، كان مضغوطًا للغاية لذا كان يومه مليئًا بالعمل، لم يكن لديه متسع أو وقت فراغ كبير ليشاكس هانيا كما اعتاد، وهي من ساعدته بتركيزها طوال المدة على نفسها و طريقة تكلمها وسط حشد دون أن تتوتر، لذا لم يكن لدى أي منهما وقت للآخر

أما أسيل فلم تنتبه إلا لنفسها ومذاكرتها و استعدادها للحفل، غير آبهة لحسان ومشاعره والكلمات التي تنطقها عيناه قبل لسانه.

وعقب  يوم طويل قضوه في العمل، عادت تالية باكرة عنهم، دخلت القصر ثم ارتمت على الكرسي في تعب... واثناء جلوسها شعرت بالوحشة المفاجئة لجياد ذلك الذي انشغل للغاية ولم تُمنح أي فرصة لختلاس نظرات منه كالعادة، وعليه تسللت وصعدت إلى غرفته هو و زوجته.

اتجهت نحو سريره، وأخذت تشم في الوسائد، حتى عرفت وسادته من رائحته، وعليه ضمتها إلى صدرها في قوة وهي تقول:
" وحشتني اوي اوي اوي....غيابك طال يا جياد، مش عايز تطلقها ليه بقا؟
مش عايز تطلقها وتيجي لحضني ليه بقا؟
1

ظلت قليلًا تحتضن الوسادة ثم ثابت وبدأت تقلب في أشيائه، المعطر الخاص به، ساعة يده، وغيرها من الأشياء... ثم اتجهت نحو الخزانة، أخرجت تيشرت خاص به وأخذت تشمته وتحتضنه، ثم ارتمت على السرير مرة وهي تحتضن وسادته وملابسه.

وعقب مرور ساعة، وصل الجياد القصر، صعد الدرج ودخل غرفته، فكانت الأضواء مغلقة تمامًا وكانت تالية نائمة وهي ملتفة في الغطاء تولي له ظهرها منكمشة على نفسها، ابتسم معتقدًا أنها زوجته، غلق الباب في هدوء ثم بدل ملابسه، وارتمى بجانبها وضمها من ظهرها إليه ولأنها كانت تقارب لجسد زوجته تمامًا لم يلاحظ وتحدث:
_ وحشتيني أوي.. بقالنا كتير مشغولين عن بعض

فتحت عيناها وبدأت تستوعب ما يحدث حولها، فتابع الشاب:
_ إيه رأيك بقا نستغل الموضوع و نرتاح شوية!
1

أخذ يشم رقبتها كما هو معتاد أن يفعل وتابع:
_ غيرتي البرفيوم بتاعك؟ دا حلو بردو بس ابقي ثبتي واحد علشان أعلّمك بيه
متعمليش نفسك نايمة بقا، أنا عارف إنك سبقتي علشان تلحقي تهربي على البيت و تعملي نفسك نايمة وتهربي مني صح....

بدأ يدفن رأسه في عنقها، وكانت الأخرى تبتسم في فرحة صامتة مستسلمة له.

ابتسم ما إن أحس باستسلامها وعليه بدأ يفك ازرار المنامة الخاصة به، وسحبها من اكتافها ليجعلها تنام على ظهرها، ليعتليها ولكنه انتفض عندما فوجيء بها وهي ليست زوجته، تراجع إلى الخلف وهو يصرخ، ثم فتح ضوء الاباجورة فوجدها تالية وعليه صاح وهو يقوم من على السرير كله:
_ انتي بتهببي إيه هنا انتي؟ انتي مجنونة؟ انتي إزاي تدخلي اوضة نومي بالشكل دا وتنامي على سريري مكان مراتي؟
2

نهضت في بطء شاعرة بالحزن لانه ضيّع عليها الفرصة وردت وهي تسير كي تقف قباله:
_ كنت... كنت جاية اتكلم مع هانيا ونمت على نفسي
_ ايه بقا الهبل دا؟ انتي فكراني عيل صغير؟
_ يا جياد والله دا اللي حصل، غفيت كدا وانا قاعدة
2

أشار جهة الباب لا يهمه شيء سوى أن يتخلص من وجودها:
_ اطلعي برا يلا، واوعي رجلك دي تعتب باب اوضتي تاني، الكلام مع هانيا ولا غيرها مش في الاوض تمام؟

كانت تنظر إلى صدره ثم إلى جسده كله، فلاحظ نظراتها وعليه قال في غيظ:
_ انتي سافلة
3

كأنه صفعها بنطق تلك الكلمة لذا فاقت من الحلم الذي كانت تعيش فيه وصاحت في غضب:
_ أنا سافلة؟
ربنا يسامحك يا شيخ حرام عليك، ليه تظلمني بالشكل دا! بقولك نمت على نفسي والله والله نمت على نفسي وانا قاعدة من كتر تعب الشغل، انت إيه، ازاي تتهمني بالشكل دا، دا حتى بيقولوا إن الإنسان حساس بطبعه وانت طلعت عديم الإحساس بجد
طايق نفسك إزاي؟
فتّح عينك بقا فتح وكفاية عمى

رد في نبرة صوت حادة جامدة:
_ يعني انتي تدخلي اوضتي وتنامي مكان مراتي وفي الآخر تطلعيني أنا الغلطان؟
لا، نظام قلب الترابيزات دا مش عليا، علشان أنا ممكن أمسك الترابيزة وأكسرها على دماغك 

هزت رأسها رافضة وهي تقول في نبرة تحمل الحزن:
_ أنت حقيقي عمال تظلمني جدا، أنا بس كنت...
_ انتي لسه هتغنيلي؟ امشي اطلعي برا

تجمدت مكانها ولم تتحرك، وأخذت تنظر إليه بنظرات مليئة بالحب لا تصدق أنه يعاملها بتلك الطريقة القاسية، وعليه قال وهو يقترب منها:
_ انتي لسه هتبصيلي..

ثم سحبها من ذراعها هو بنفسه في قوة، ثم فتح الباب وألقاه في الخارج وغلق الباب تارة أخرى، وقف خلف الباب وتمتم في عدم تصديق:
" يخربيتك كنتي هتلبسيني مصيبة ... شيطانة "
                   **********
_ قوليلي يا مدام هانيا أنا سمعاكي
2

تحدثت الطبيبة إلى هانيا والتي ردت وهي تشعر بالألم:
_ من فترة يا دكتور، كنت بعاني من دور برد مش بيروح وبقالي مثلا بتاع أربع أيام بتعب جامد في الشغل وبحس بدوخة وبرجع، حقيقي خفت جدا ليكون البرد راجع أقوى و يتحول لالتهاب رئوي لقدر الله، فقلت لازم اكشف ضروري
1

_ اطلعي نامي على السرير خليني افصحك

فعلت ما طلبت منها، وعقب قليل، تحدثت هانيا وهي تغطي بطنها وتنزل من على السرير:
_ إيه؟ البرد بهدل معدتي ولا إيه؟

ابتسمت الطبيبة وردت:
_ لا لا ظلمتي البرد معاكي، دي أعراض الحمل بس، مش اكتر

جحظت الفتاة وردت في خضة:
_ حمل؟ حمل إيه؟ هو مين دي اللي حامل؟
_ حضرتك يا مدام هانيا حامل
_ انتي متأكدة يا دكتور؟
_ اه طبعا متأكدة، انتي حامل في ٣ أسابيع أهو، الحمل مستقر و الأمور تمام
10

ردت الفتاة في تلقائية:
_ ايوا بس هي مرة واحدة!
_ هي إيه دي؟
_ يعني، مرة واحدة بس والله
4

عقدت الطبيبة حاجبيها في استغراب وردت:
_ انتي متجوزة؟

_ آه آه طبعا، أنا بتكلم عن جوزي أكيد
_ إيه المشكلة بقا؟ قصدك في ناس ممكن تحمل من مرة واحدة؟
آه فيه عامة عادي بتحصل
7

ابتلعت الفتاة ريقها، ثم هزت رأسها موافقة ثم شكرت الطبيبة وبدأت تمشي، خرجت من العيادة شاردة، تمشي بلا وجهة كأنها تائهة...وضعت يدها على بطنها وتحدث صوتها الداخلي:
" انت إيه اللي هيجيبك بس! يعني انت لقتني مقررة الطلاق، تقوم تيجي!
سبحان الله كأن حاجة دايما عايزة تربطني بأبوك، مرة واحدة بس ياربي مرة واحدة بس، يحصل فيها حمل! صدفة غريبة، و مفاجأة أغرب بجد، مفاجأة لا كانت على البال ولا الخاطر ولا كان متخطط لها حتى..."
                *************
تقريبا عمالة اطفحكم فراشات اهو وفيه هدوء وحب علشان أما اعمل حاجة كدا ولا كدا متقولش كفاية شر



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات