رواية ظل البراء الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم آية احمد عرفة
25 "كُن لي"
كُن لي ملاذًا أكون لك وطنًا،
كُن لي ظهرًا يُصلِبني، أكون لك يدًا لا تَخذل.
كُن لي مأوى يحتويني، أكون لك قلبًا إذا ضاقت بك السُّبُل،
كُن لي أمانًا في العاصفة، أكون لك سكينةً حين يَشتدّ الوجع.
كُن لي الحياة حين تذبل أيامي، أكون لك الخلود حين تموت الليالي.
كُن لي قصيدةً لم تُكتب بعد، أكون لك الحرف الذي لا يموت.
ـــــــــــــــــــــــ
كان يجلس بجوار أخيه، فهتف بهدوء:
ـ عمار، قوم يلا اغسل وشّك وتعالى كُل.
هزّ رأسه نفيًا، وقال بوهن:
ـ خلّوني أمشي من هنا… حرام عليكم، أنا مش مستحمل الوجع ده.
قالها وهو يضغط بكلتا يديه على رأسه في غضبٍ مكبوت، ليردف الآخر بهدوء:
ـ بُكره تستحمل، وبعده تخف خالص بس لازم تاكل عشان تقوّي شوية.
ثم وضع يده فوق كفّه، وتابع حديثه برفق:
ـ أنا معاك، وهفضل معاك لحد ما تخف وتطيب وتبقى كويس.
تمتم عمار بصوتٍ مكسور:
ـ أنا مش أستاهل معاملتك… ولا أستاهل إن حد يحبني.
ألمٌ حادّ اعتصر قلبه، أو بالأحرى على حالته. أغمض عينيه، وتنهد تنهيدةً طويلة، وهو يطالعه بحزنٍ عميق.
.
.
.
أحيانًا يكون الوجع أكبر من الاحتمال، فنرفض النجاة لأننا لا نؤمن أننا نستحقها.
ويظل الأخ سندًا لا يميل، ومأوى لا يخذل،
ظلًّا يحمي، وكتفًا يتّسع وقلبًا يحتمل كل الوجع.
.
.
.
بعد قليل، كان عمار قد فعل ما قاله أخوه وجلس براء بجواره، يحثه على الطعام، حتى دخل عمران بوجه عابس قائلا:
ـ مش عارف إيه المعاملة الملوكية اللي بتتعامل بيها معاه وبتعاملني أنا معاملة العبيد!
قال آخر حديثه بضيق، ليرمقه براء ليجيبه:
ـ خليك مع الكائن اللي برا وابعد عني.
ثم تابع بتساؤل:
ـ صحيح هو هيفضل هنا على طول؟
أومأ له ليهتف بضيق:
ـ مع الأسف، إلا في الأوقات اللي أنا مش هنزل فيها. ساعتها ممكن يمشي ساعتين تلاتة ويرجع تاني.
ثم وجه نظره إلى عمار:
ـ مبقتش عارف ألاقيها منين… ولا منين من أيوب، اللي وجوده هيخرب علاقتي بمهاب وحمزة اللي لسه مش بدأت… ولا مع الأستاذ اللي ديلر قد الدنيا.
1
ثم جلس ليتابع، قائلًا:
ـ اتفضل… رد عليا، بتشتغل لحساب مين؟
لكنه ظل صامتاً. فعاد عمران بالسؤال مرة أخرى:
ـ بتشتغل لحساب مين؟
ظل على وضعه، لا يجيب، فقط يحدق بنظرات غامضة، حتى علا صوت عمران أكثر، يصيح بنفاد صبر:
ـ ما ترد؟ يالا… بدل ما أفسخك بالقلم على وشك! كنت شغال لحساب مين؟
لكنه ظل يحدق فيه، لينفد صبره، نهض لينقض عليه، لكن أوقفه براء قائلًا:
ـ ممكن تطلع برا… أنا هتكلم معاه.
..
ظل يرمقه بنظرات متوعدة، ثم نظر إلى براء وأومأ له ليغادر الغرفة. جلس براء مرة أخرى، يطالع أخيه قائلًا برفق:
ـ عمران خايف عليك، عاوز يطمن إن مش عليك حاجة ويضمن إنك في أمان عشان كده اتكلم، قولتها وبقولها تاني إحنا إخواتك يعني آخر ناس ممكن يضروك، بل العكس هنحميك.
لكنه ظل صامتاً. تابع براء:
ـ عامة مش هضغط عليك وقت ما تحب تتكلم أنا موجود.
أبعد نظره عنه، بزغت عيناه بكل مكان، رأسه يفتك من الألم، لكنه يحاول أن يصمد حتى لا يثور كما فعل البارحة.
.
.
.
داخل الشرفة، كان أيوب يقف متحدثًا عبر الهاتف مع صديقه علي، صاحب المهنة نفسها، ليهتف أخيرًا:
ـ زي ما قولتلك يا علي، اللي عرفته إن عمار الزيني ديلر، بس لحساب مين معرفش… وممكن يكون شغال لحساب نفسه. وارد برده. دور بقى وراء الموضوع ده، وقولي الجديد.
توقف لحظة قبل أن يضيف بصوت أكثر جدية:
ـ مطلوب مني أحمي عمران الزيني وطلع من موضوع المخدرات اللي شغال فيها. لما أفشي عن المسؤولين، بس أنا مش مطلوب مني أسكت عن غلط بيحصل. أخوه غلط، يتعاقب قانونيًا.
ليستمع بعد ذلك إلى صوت علي:
ـ هشتغل على الموضوع ده… ولو وصلت لحاجة مؤكدة، هقولك.
ـ في انتظارك.
هكذا أردف ثم أغلق المكالمة بتنهيدة ثقيلة، ثم تمتم محدثًا نفسه:
ـ يا أنا يا انتوا.
ــــــــــــــــ
في السيدة زينب، داخل بيت الزيني، كانت سكن تجلس مع أميرة يتحدثان في أمور مختلفة فجاءت هند وجلست معهم، فصمتوا جميعًا. لكنها هتفت بحنق:
ـ مالكم ساكتين؟ أول ما جيت؟ كنتوا بتتكلموا عليا!
أردفت أميرة:
ـ ليه بتقولي كده؟ إحنا كنا بنتكلم في أمور شخصية.
أردفت بضيق أكبر:
ـ والأمور الشخصية مش بتحلي تتكلمي فيها غير مع ست الدكتورة وبس.
تفوهت أميرة باستغراب:
ـ قصدك إيه؟ مش فاهمه… وكمان من إمتى وإحنا بنتكلم مع بعض؟
غضبت هند، لتبرر موقفها:
ـ لو عايزة تتكلمي معايا أنا موجودة إنتي اللي مش بتحبي تتكلمي معايا.
أجابت أميرة:
ـ اتكلم معاكي ليه؟ عشان تروحي وتحكي الأبُوكي وتعرفي مامتك ومامتك تعرف قرايبها مش ده اللي هيحصل.
صاحت هند بغضب:
ـ على أساس اللي بتتكلمي معاها ملاك طاير ومش هتحكي حاجة لحد؟ دي واحده السوشيال ميديا كلها اتكلمت عليها!
عند هذا الحد نهضت سكن تصيح بغضب:
ـ أنا مش هسمحلك تكلميني بالطريقة دي فاهمة ولا لأ؟
نهضت هند أيضًا تصيح:
ـ مالها طريقتي مش دي الحقيقة ولا كنت بتبلي عليكي، ده السيدة زينب تامًا عرفت بالموضوع، ولولا إنهم سكتوا عشان عملوا حساب لجوزي اللي بيحترموه، اللي نزل نفسه لمستواكي واتجوزك عشان يخرسهم.
هتفت أميرة بغضب:
ـ هند… زودتيها! اسكتي!
أما سكن، فكانت تنظر إليها بغضب، تحاول السيطرة على انفعالها، لا تريد أن تعلم هند أنها نجحت في استفزازها، فهتفت بهدوء:
ـ واضح إن أنا حرّقاكي أوي… كل ما تحاولي تضايقيني تجيبي سيرة الموضوع ده بس عامة مش هرد عليكي ليه؟ عشان ليّا زوج لما ييجي هو اللي هيرد عليكي ويرد لي كرامتي كمان.
كادت أن تغادر، لكن أمسكت هند بذراعها قائلة بغضب:
ـ شكلك نسيتي إن الزوج ده جوزي أنا كمان وكمان عايزة تشتكي ليه؟ أنا ما قولتش حاجة قولت اللي شفته واللي الناس كلها شافته كمان.
خرجت مفيدة من الغرفة بعد أن سمعت صياحهم، متسائلة:
ـ في إيه؟ مالكم؟
كادت أن تتحدث أميرة، لتسبقها هند قائلة:
ـ شوفي سكن بدل ما تحط عينها في الأرض، وتحمد ربنا على اللي هي فيه.
ثم أضافت:
ـ مش كفاية؟ براء اتجوزها بعد الصور اللي أمّه "لا إله إلا الله" شافوها.
هتفت مفيدة بحدة:
ـ هند إيه الهبل اللي بتقوليه ده؟ من إمتى وإحنا بنتكلم في حاجة زي كده؟ مش تنسي، دي من عرض الزيني دلوقتي وبراء هو اللي هيكون له كلام معاكي لما ييجي زي ما أنا مش هسمح إنها تتكلم في حقك كلمة، مش هسمح تتكلمي في حقها كلمة بردو فاهمه؟
غضبت هند لكنها كبحت غضبها، لا تريد أن يسوء الوضع أكثر. كادت أن تذهب لتوقفها سكن قائلة ً:
ـ اعتذري.
نظرت إليها هند بصدمة، لتسمع تلك الكلمة مرة أخرى:
ـ اعتذري عشان إنتي غلطتي في حقي، ودلوقتي ليّا عندك اعتذار.
ابتسمت هند بسخرية، ترمقها بغلّ يشعل من عينيها، أردفت بغضب:
ـ أنا أعتذر منك؟ شكلك اتجننتي!
ـ توتو خالص.
هكذا أردفت سكن بهدوء، لتتابع:
ـ شكلك مع الأسف مجنونة… بس أنا موجودة، لو محتاجة مساعدة قولي.
غضبت أكثر، كادت أن تنقض عليها لتمسكها أميرة:
ـ هند، إنتي بتعملي إيه؟
لتهتف هند بغضب:
ـ بتقولي عني مجنون، قصدك إيه بقى؟
في تلك اللحظة، فتح باب الشقة ودلف مهاب الذي صعد للتو ليتوضأ لصلاة الظهر، هتف متسائلًا من هذا الوضع المريب:
ـ في إيه؟
صاحت والدته:
ـ شيطان يا بني ما تاخدش بالك.
لكن أردفت هند:
ـ مفيش غير الدخيلة دي دخلتها كانت دخلة شؤم.
صاحت سكن:
ـ أنا مش هسمحلك تتكلمي عليا بالطريقة دي فاهمة؟
هتفت هند:
ـ لو مش فاهمة هتعملي إيه بقى؟
صاحت أميرة:
ـ يا جماعة استهدوا بالله… مش ينفع كده!
أردفت سكن، مشيرة إلى هند:
ـ براء ييجي وليا كلام معاه.
هكذا قالت ودلفت إلى غرفتها، لتفعل هند أيضًا ذلك ليهتف مهاب وهو يسير باتجاه الحمام:
ـ دراما… دراما… دراما… في بيت الزيني بقى دراما!
لتنظر أميرة إلى والدتها:
ـ مش عارفة في إيه كنت أنا وسكن بنتكلم، جت هند وفضلت تلقع بكلام دبش.
جلست مفيدة لتتنهد، وقلبها مثقل على ابنها البكري، لا تعلم متى سيكتب عليه الراحة ليهدأ قلبها.
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد فترة من الوقت، حدثه مهاب وقال أن يوجد
مشكلة قد حدثت بين زوجاته.
حاول الاتصال بسكن، لكنها أغلقت الهاتف. ثم حاول الاتصال بهند، لكنها لم تجب أيضًا. قرر بعد ذلك أن يذهب إليهم بنفسه، بعدما أحس بضخامة الموقف
ــــــــــــــــــــــــــ
جاء الليل وقد جاء محاولًا التحدّث مع هند، لكنها رفضت أن تعتذر لسكن، وهربت كعادتها إلى أهلها؛ فهي تقبل أي شيءٍ سوى أن تعتذر لها.
أمّا سكن، فقد غضبت منه لأنه لم ينفّذ ما تريده، ويجعلها تعتذر منها، فصعد إلى سطح المنزل لعلّه يهدّئ من روعه.
كان يجلس بصحبة إخوته، وجهه عابس، لا يريد أن يقسو على هند، ولكن ما رواه له إخوته الآن قد أغضبه كثيرًا. فهي قد قللت من زوجته، والأخرى تنفي وتقول إنها ما فعلت ذلك، لكن قلبه يميل لتصديق سكن، لا يعلم لماذا يفكر أحيانًا هكذا؛ فهو يعلم أن هند تشاغب الجميع، قبل مجيء سكن كانت تفتعل المشاكل مع أخيه مهاب ووالدته، وأحيانًا أميرة. أمّا سكن فهي لا تفعل ذلك، من أول ما خطت قدمها في هذا البيت لا يوجد أي شكوى منها، لهذا يأخذ صف سكن أكثر. هكذا حدّث نفسه.
أفاق من هذه التيه على يد مهاب، يهتف بضيق:
ـ بصراحة بقى يا براء، ربنا يعينك دلوقتي، بس عرفت أضرار إنك تتجوز اتنين… حاجة تشل!
ـ قصدك تجيب جلطة
هكذا تفوّه حمزة تلقائيًا كعادته، ليبتسم براء على
حديثه ليتابع مهاب:
ـ شوفت؟ أينشتاين العيلة تخلّى عن صمته وعبّر عن رأيه من غير ما حد يطلب منه.
هتف الآخر بضيق وهو يتجنب التواصل المباشر معه: ـ قولتلك اسمي حمزة، بطل كلامك ده.
كاد أن يرد، ولكن أوقفه براء، وقبل أن يتحدث أوقفه مهاب قائلًا:
ـ عارف يا مهاب، مش تضايق أخوك.
ضحك براء، فهو بالفعل كان سيقول ذلك، ليتابع مهاب:
ـ حفظت.
ثم أضاف:
ـ بقولك إيه؟ أعرض عليك فكرة وقولي رأيك.
نظر إليه:
ـ قول
ـ أفكارك سودا وتودي في داهية.
أردف بذلك حمزة، فيما رمقه مهاب بضيق:
ـ في إيه يا فيلسوف؟ سيبني أقول الكلمتين اللي محشورين في زوري من ساعة ما اتجوز، مش عارف أقولهم، مش لاقي فرصة مناسبة، بس لا قلبي مش مطوّعني أشوف أخويا كده وفي إيدي ليه حل.
ثم وجّه نظره إلى براء الذي يحدق فيه بنظرات فضولية لا تخلو من الريبة، لأنه يعلم تفكير أخيه. هتف مهاب:
ـ المهم، عندي فكرة، يارب تنال إعجابك.
أومأ له يحثه على التكملة، ليتابع:
ـ بص بقى، مع احترامي ليك، كلنا عارفين ألاعيب هند بصراحة، وإن هي اللي بتبدأ المشكلة، فأنا شايف تراضي سكن وتاخدها وتبعد عن البيت شوية يوم، يومين كده يعني.
تفهم حديثه قائلًا:
ـ يوم، يومين… أممم.
ليتابع مؤكدًا:
ـ أيوه، يوم يومين، كأنكم بتقضوا وقت بعيد عن الدوشة. أصل هنا هند كل شوية تنطّ عليكم، ولازم تاخد راحتك بقى.
كاد أن يرد، ولكن أردف حمزة معجبًا:
ـ بجد يا مهاب، فاجأتني… أول مرة تقول حاجة صح!
أردف براء:
ـ مالكم إنتوا الاتنين؟ في إيه؟ هي للدرجة دي هند خانقاني؟ هو أنا كنت اشتكيت ليكم؟
ـ وإنت من إمتى بتشتكي؟
أردف بذلك حمزة، ثم أضاف وهو يتلاعب بأنامله ويخفض نظره:
ـ بس أنا واخد بالي، وبشوف نظراتك للدكتورة سكن… بتكون نظرات واحد لسه خاطب، مش متجوز بقاله فترة.
وما إن أنهى حديثه حتى ضحك مهاب بصخب، ليرمقه براء بغيظ قائلًا بحدة:
ـ عجبتك دي، صح؟
حاول أن يسيطر على نوبات الضحك ليجيبه:
ـ أحم ما إنت عارف كلام حمزة مينزلش الأرض أبدًا.
ضحك على حديثهم، ثم هتف:
ـ قلبكم عليّا أوي، لا بجد معرفتش أربي.
شاركوه الضحك، ثم أردف مهاب بحرج:
ـ عرفت تربي، متقولش كده على نفسك، بس جه وقتنا برضه عشان نشيل معاك شوية.
ثم أضاف:
ـ أنا أعرف فندق حلو، خد مراتك وروحوا قضوا كام يوم بعيد عن البيت والدوشة و
ـ والعيون الواسعة المراقبة التي تترصد لك،
أردف بذلك حمزة، ليضحك مهاب بصخب قائلًا:
ـ أكيد قصده هند، مفيش غيرها.
نظر إلى إخوته بذهول، ثم هتف بحدّة:
ـ بس بقى، زودتوها إنتوا الاتنين!
ثم نظر إلى مهاب، يصيح فيه بغضب:
ـ فندق على آخر الزمن؟ آخد مراتي وأروح فندق؟ إنت اتجننت، صح؟
فين عقلك؟ فين تربيتك؟ فين عنوان الفندق؟
1
ضحكوا على حديثه، ليهتف مهاب:
ـ هبعتلك العنوان على الواتس.
أومأ له، لينهض، فهتف حمزة:
ـ إنت رايح فين؟
أردف:
ـ هنزل أشوف سكن، أرضيها، وبعد كده آخدها ونمشي.
ثم أضاف محذرًا:
ـ محدش يقول أنا فين، قولوا متعرفوش عننا حاجة، فهمتوا ولا لسه؟
ـ فهمنا يا عمّنا.
قالها مهاب، ليهزّ براء رأسه بيأس، متمتمًا:
ـ عمّنا!
ليهتف حمزة ساخرًا:
ـ لغة تكاتك.
ليجيبه مهاب:
ـ اخرس يا مدقق، خليك في حالك.
ردّ الآخر بحدة:
ـ أكون مدقق أحسن ما أكون سوقي.
كاد مهاب أن يرد، ليصيح براء:
ـ بس بقى إيه لعب العيال ده! أنا مش هعتزل يومين، ده أنا ههج!
تركهم ومضى، لكنه التفت إليهم محذرًا:
ـ بقولكم إيه مش عاوز تقطعو اليومين عليّ بمصيبة، ها؟ أنا حذرت اهو لما أشوف اخرتها
تابع سيره وهبط إلى الأسفل، ليدلف إلى غرفته الخاصة بسكن ولج إلى الداخل وأوصد الباب خلفه، لينظر إليها؛ كانت تجلس على الفراش، والحزن يُغيم عينيها. يعلم أنها حزينة، وقد وُضعت في موقف سيئ، لتُبدله هند من سيئٍ إلى أسوأ.
جلس أمامها قائلًا:
ـ عارف إنك زعلانة، ومن حقك تزعلي. بصراحة هند زوّدتها معاكي، بس أنا اتكلمت معاها، واللي حصل مش هيتكرر، خلاص.
ثم أضاف بنبرة أهدأ:
ـ إيه رأيك نبعد كام يوم عن البيت؟
أردفت بفضول:
ـ هنروح فين؟
كاد أن يرد، ليصدح صوت هاتفه. نظر إليه، فكان مهاب قد أرسل له عنوان الفندق. رفع نظره إليها مبتسمًا:
ـ مفاجأة… يلا اجهزي.
ثم أمسك يدها وقبّل باطن كفها قائلًا:
ـ اضحكي، عشان الحزن لازم يتكسف ييجي ليكي. اضحكي، عشان عيونك مش يليق ليهم غير الفرح وبس.
تركها وغادر الغرفة، لتنظر إلى أثره. كان قلبها يخفق بقوة؛ لا تعلم أهو تأثير حديثه عليها، ككل مرة، أم لأنه في كل مرة يُفاجئها بمعاملته اللينة، فيلين قلبها تجاهه أكثر.
بعد قليل، كانا يستقلّان السيارة.
كان يخطف نظراتٍ سريعة نحوها، ليعلم من وجهها العابس أنّها ما زالت غاضبة. تنفّس بعمق وتابع الطريق، حتى توقّف بعد حين.
ترجّلا من السيارة، فالتقط الحقيبة بيد، وشبك يده الأخرى بين أناملها، متّجهًا بها إلى الداخل.
أمّا هي، فكانت تنظر إلى يده المحتضنة ليدها في صمت.
تحدّث مع موظّف الاستقبال، الذي نادى بدوره أحد العاملين ليدلّهما على الغرفة التي حجزها مهاب له.
توقّف العامل أمام الباب وفتحه لهما. دلفت سكن إلى الداخل، بينما ناول براء العامل بقشيشًا، ليغادر الأخير.
دخل براء الغرفة، ونظر إليها
كانت تقف مبهورة بتلك التحضيرات.
الغرفة مُزيّنة بالورود،
كأنها أُعدّت خصيصًا لعروسين.
ابتسم على أفكار أخيه؛ فقد راقت له المفاجأة كثيرًا.
نظر إليها وسأل بهدوء:
ـ مبسوطة؟
أومأت بخجل، قائلة:
ـ بصراحة… أول مرة أدخل فندق. يعني عمري ما روحت فندق قبل كده. لما كنا بنطلع مصيف، بابا كان بيأجر شقة، كان يقول مش بيحب قعدة الفنادق. بس الأوضة حلوة أوي، والورد جميل.
قالت آخر حديثها بابتسامة، وقد تلاشى العبوس عن ملامحها، ليشعر قلبه بالارتياح.
أمسك يدها برفق حتى صارت مقابلة له، ومدّ يده إلى الدبوس ونزعه، ثم أزال الخمار.
فكّ ربطة شعرها، لينسدل على ظهرها.
هتف متعجبًا:
ـ شعرك طويل… أول مرة أخد بالي، على فكرة.
ابتسمت بخجل:
ـ عشان مش فردته قبل كده.
أومأ بتفهّم، وراح يتلاعب بأنامله في خصلات شعرها المنسدلة قرب عينيها، ثم أضاف بصوت خافت:
ـ عيونك.
أردفت متسائلة:
ـ مالها؟
نظر إليها، يبحر داخل مقلتيها، قائلًا:
ـ بُنّيُّ عينيكِ ليس لونًا عابرًا،
هو دفءُ أرضٍ إذا اشتدّ بردُ قلبي.
خفق قلبها مع تلك الكلمات التي انسابت، فتبعتها روحها دون مقاومة. أغمضت عينيها بخجل، ليُزيح خُصلاتها المتمرّدة خلف أذنها، بينما كانت نظراته تتوغّل في ملامحها التي يتقن حفظ كل جزءٍ فيها.
ــــــــــــــــــــــ
داخل شقة عمران، وداخل إحدى الغرف، كان عمار يجلس غارقًا في أفكاره، يعود بذاكرته إلى الماضي قبل عامٍ كامل. كان يفكّر في أهله… وفي نجمته، نعم، نجمته الساطعة. أحب هذا الاسم كثيرًا، حتى بات الأقرب إلى قلبه.
قصته معها بدأت برهانٍ بخسٍ مع أحد أصدقائه، ولم يكن يعلم حينها أنه سيقع في حبها لا محالة. كان ينوي الإيقاع بها، لكنها هي من أوقعت به أولًا… وبقلبٍ لا مهرب له منه.
ليشرد بغيابه، وتعود به ذاكرته إلى ما قبل عام. حاول التقرّب منها بكل الطرق التي يتقنها، وبإلقاء الشعر والكلمات المعسولة، لكنها كانت صامدة؛ لا تمنحه اهتمامًا خاصًا.
وكان هذا أكثر ما أعجبه فيها… نعم، فالشاب يعشق الفتاة التي تحافظ على نفسها، وتثبت على موقفها، لا تهتزّ بكل هذا الغزل، لأنها تعلم أنه لا شرع يبيح ذلك.
لكنه… كان يجهل دينه آنذاك، ويجهل نفسه أكثر.
لكنه كان مُصرًّا، يريد أن يثبت لنفسه أنها مثلها مثل باقي الفتيات اللواتي كان على علاقةٍ بهن.
كان يجلس في الساحة الخاصة بالكلية، يعيد رسمها للمرة التي لا يعلم عددها. وما إن اقتربت وألقت نظرةً من بعيد، حتى اكتسى العبوس وجهها. انتزعَت الدفتر من بين يديه، وأخرجت الصفحة منه، ثم مزّقتها للمرة التي لا تعرف هي الأخرى عددها.
صاح بضيق:
ـ إنتِ إزاي تعملي كده؟! على فكرة بقى إنتِ بتتعدّي على حريتي الشخصية.
أردفت بغضب:
ـ حرية إنك ترسمني؟! صح؟ بقولك إيه، سيب موضوع الحرية ده على جنب، بس إنت زوّدتها. لو فضلت كده هاشتكيك للعميد، بجد.
قال ببساطة وهو يهز كتفيه:
ـ خمسة وتسعين في المية من الجامعة اشتكوني للعميد.
هتفت بفضول:
ـ والخمسة في المية؟
ابتسم لها:
ـ ما دول صحابي.
ابتسمت على صراحته، ثم أضافت بحدّة:
ـ طيب لو سمحت، ما ترسمنيش تاني، ولا تبحلق فيّا كده…
عشان ساعتها مش هاشتكي للعميد، لا، هاشتكي لأخويا، وهو بقى يتصرّف معاك.
كادت أن ترحل، فأوقفها متسائلًا:
ـ ليه؟ أخوك ماسك منصب إيه؟
توقفت، والتفتت إليه قائلة ببرود قاتل:
ـ ماسك مفتاح عجل وهينزل بيه على دماغك قريب.
كان ينظر إليها كالأبله، مأخوذًا بأثرها، لا يدرك ما يفعل.
ظنّها عابرة كغيرها، فإذا بها تختبر ما لم يعرفه في نفسه يومًا.
أراد أن يُسقِطها… فسقط هو في حبٍّ لم يكن له استعداد.
ـــــــــــــــــــــــ
داخل بيت علوان، كان أدهم يجلس في غرفته، لتدلف سندس وهي تحمل كوب الشاي. اعتدل في جلسته وأخذه منها قائلًا بابتسامة:
ـ تسلم إيديكي.
جلست بجانبه قائلة ً:
ـ ينفع أطلب منك طلب؟
هتف فورًا:
ـ عيوني ليكي طبعًا.
أردفت بهدوء ممزوج بالحزن:
ـ من ساعة ما إنت كلمت عمّتي، بسبب موضوع العريس اللي كانت جايباه، وهي مبقتش تيجي هنا. وأنا حاسة إن بابا زعلان، ما تنساش إنها أخته الوحيدة.
ثم أضافت:
ـ هي أكيد واخدة على خاطرها منك بسبب اللي حصل. ممكن تروح لها وتتكلم معاها وتفهمها وجهة نظرك براحة؟
ارتشف قليلًا من الشاي، ثم نظر إليها مبتسمًا:
ـ قلبك طيب يا بنت علوان هتجبيه من برا.
ابتسمت له قائلة:
ـ وإنت كمان قلبك طيب، بس عليك قفشات مش حلوة.
ضحك على حديثها، ثم قبّل رأسها قائلًا:
ـ اللي تؤمري بيه هعمله، عيوني. بكره بعد المستشفى هروح أشوفها، وهراضيها، وهجيبها معايا وأنا راجع كمان.
ثم أضاف وهو يأخذ رشفة أخرى:
ـ بس يا رب تكون اتعلّمت من الدرس، وما تدخلش في اللي ملهاش فيه.
ضحكت سندس، ثم أردفت بثقة:
ـ أنا واثقة إنها أكيد فهمت إني مش محتاجة اللي بتعمله، عشان عمري ما هقبل أتجوز بالطريقة دي.
ابتسم أدهم بحنان:
ـ ولا أنا هقبل بحاجة زي دي. إنتِ غالية، وهتفضلي طول عمرك غالية يا قلب أخوكي، ومش هياخدك غير اللي عارف قيمتك. سيبك من العمر، ده مجرد رقم المهم الروح، والأصل، والقلب اللين الهين.
وفي نظرة واحدة تكفي لتخبرنا كم نحن مقربين رغم المسافات.
ــــــــــــــــــــــــ
داخل الفندق، كان مستلقيًا على الفراش، والآخرى مستلقية بجانبه، تضع رأسها على صدره. هتفت بخجل:
ـ ينفع أسألك على حاجة؟
أجاب بهدوء:
ـ اسألي.
أردفت:
ـ إنت اتجوزتني ليه؟
ابتسم بخفوت:
ـ برضه السؤال ده مش جاوبتك عليه قبل كده؟
أردفت بنفي:
ـ لأ، مش جاوبت إجابة مقنعة.
وضع يده على ذقنها ليرفع وجهها ليكون مقابلًا له:
ـ جاية تسألي السؤال ده دلوقتي يا مدام سكن الزيني؟ فعلاً مش كفاية كان قولًا كل الفترة دي؟
اخفضت نظرها بخجل، فقبل رأسها. ثم تابع حديثه:
ـ هقولك مش عارف برضه، بس دلوقتي عرفت ليه.
ثم أمسك وجهها برفق، وقال لها بتناغم يطيفه الحب:
ـ أكادُ من فرطِ جمالِ عينيكِ
أذوبُ عشقًا…
إيَّتُها… إيَّتُها… إيَّتُها…
السكنُ الذي لا يغيب…
مسحورٌ بعينيكِ… وبقيتُ أنا المغيب.
.
.
.
أحيانًا يكفي أن تمسك يد شخص لتعرف أن كل شيء سيكون على ما يرام.
هذا هو الحب الحقيقي… الذي ينمو في النور، ويزدهر ضمن إطار شرعي وسليم.
حب لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، ولا إلى وعود خادعة، يكفيه الصدق والنية الطيبة، والاحترام الذي يجعل كل لحظة مع من تحب أمانًا وراحة للروح.
.