📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الرابع والعشرين 24 بقلم آية احمد عرفة

24 "صرخة لا تُنسى"

أريد الهروب إلى الهاوية، لا أستحق اليد التي امتدت إليّ، فأنا غارق في معاصيّ.
هل توجد مغفرة؟
هل تسمح لي التوبة أن أكون إنسانًا جديدًا؟
أم يكفي أن أنغمس أكثر، فأفرّ إلى الحياة التي اخترتها، لا التي اختارتني؟

أتساءل، وأنتَ مجرد عبدٍ،
أنسيتَ الآيةَ الكريمة؟
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
وكيف يُقنِطك ذنبٌ
ورحمةُ الله أوسع من كل ما أثقل صدرك؟

قل فقط: التوبة.
وضع قدمك على أول الطريق.
ـــــــــــــــــــــــــ

صعق من حديثه، يحاول تقبّل هذه الكلمة الصغيرة، لكنها وقعت على مسمعه مثل الفاجعة. هو ليس مدمناً فحسب، بل أيضاً ديلر يتاجر بها. أي حمل هذا الذي يثقل فوق اكتافه؟ قبل أيام قليلة، اعترف عمران بأنه يتاجر بها، والآن يعترف أخوه الصغير بنفس الشيء.
من مننم سيضعه تحت الامتحان، والمطلوب منه فقط الصبر عليهم؟ إذا كان الكبير قد ضل الطريق، فماذا ينتظر من الأصغر؟

أغلق عينيه، محاولاً جاهداً التحكم في نوبة غضبه. لو كان الأمر بيده، لترك هذا الغضب يثور فيه، لكن السؤال ظل قائماً: ما ذنبه؟ هو مجني عليه، وليس الجاني، وليس هو من يُحاكم.
هم من كان من واجبهم أن يعتنوا به، أن يمدوا له يد الاحتواء. لكن أين هم؟ هو عاجز عن لقاء أحدهم، أما الآخر فقد رحل خارج البلاد. كل منهم ضل بطريقته المختلفة، لكن يبقى المحتوى واحداً...

تخلّى عن هالة الصمت التي احتوته، وقال:
ـ ليه يا عمار؟ ها؟ رد عليّ! ليه؟ لو بتعمل كده عشان الفلوس، اللي أعرفه أن حالتكم المادية فوق الممتازة، وأكيد دخلت أحسن مدارس وأحسن كلية... إيه اللي كان ناقصك عشان تبقى ديلر؟

احتدت نبرته، فقد اكتفى من المفاجآت أردف بنفاد صبر:
ـ رد عليّ! طب لو على الإدمان، أصحاب السوء عملوا فيك كده، ولا أنت اللي اخترت تكون كده؟ ولا دي تربيتك اللي كبرت عليها؟

ثم ارتفعت نبرته أكثر، وصاح:
ـ إنما ليه تكون ديلر؟ ليه؟ إيه كان ناقصك عشان تتاجر في السم ده؟

نهض يسير ذهاباً وإياباً، محاولاً التحكم في غضبه، أشار بسبابته عليه، قائلًا:
ـ عارف أنه كان ممكن يتقبض عليك مستقبلك يضيع... قولي إيه كان هدفك من كده؟

كان الآخر فقط يطالعه بصمت غريب، صمت لا يشبه الكلمة التي ألقاها، كأنه يلوم نفسه لأنه اعترف له. تنهد أخيراً، ثم أردف بنبرةٍ يكسوها القهر:
ـ أنا إنسان وحش، شوفت بقى خليني أمشي وسبني في حالي، وكل وأحد يرجع يباشر حياته زي ما كانت.
ـ أنا ديلر، لا وكمان بشتغل لحسابي أنا.

وما أنهى حديثه، دلف عمران مثل الإعصار، فهو قد آتى ويحاول أن يرتب حديثه ويقنع براء بوجود أيوب، ولكنه استمع إلى آخر جملة قد تفوه بها، ليصدم براء أيضاً، الذي كان على وشك أن يتحدث:
ـ انت بتشتغل ايه؟ رد عليا! اللي سمعته ده صح؟ أنت شغال ديلر.


أردف الآخر بغضب مماثل:
ـ أه، وفكك مني وسبني لحياتي بقى.
ـ اسيبك لحياتك.

هكذا ردد كلماته، لينهال عليه بالضرب بعد أن فقد آخر ذرة من صبره. كان يلقيه بالضربات، ويصيح به بأفظع الكلمات:
ـ مش كفاية مدمن وكمان ديلر وبجح.
اقترب براء ليوقف هذا الشجار، أو بالأصح يحاول خلاص عمار من بين براثن عمران، هتف بنبرة مرتفعة:
ـ بس بقى خلاص، سيبه يا عمران، بطل جنان بقى.
ليدفعه بعيداً عن الآخر، ليلقي نظره على عمر، شفتيه تنزف أثر اللكمات التي تلقاها منه، ووجهه أحمر بعض الشيء. نظر إلى عمران الذي يلهث بقوة، محاولاً أخذ أنفاسه التي سلبت أثناء ضربه لأخيه، وقذفه بالشتائم، صاح بغضب:
ـ عجبك كده؟ خلاص بتضربه، فاكر كده كل حاجة هتتحل صح؟ مش تنسى أنك سبب في كل ده، لو مكنتش سافرت زمان، مكنش زمانه كده. أنت اللي جنيت عليه لما سبتوا لأم مهملة وجوز أم مش يختلف كتير عنها. كنت منتظر ترجع تلاقيه أمام جامع فوق. يا عمران، من اللي أنت فيه؟
1

ثم توقف أمامه، وهو يتابع:
ـ إيدك مش هتترفع عليه تاني، لو أنت أخوه الكبير، أنا كمان أخوه. أساليبك المندفعة دي تبطلها، أنا مش ناقص ضغط أكتر من كده.

أومأ له، ثم أردف ساخرًا:
ـ الإشكال دي مش هتعرف تتعامل معاها، سبهولي وسبني أنا، أعيد تربيته من أول وجديد، عشان التربية مش عدت عليه.
ـ ولا عليك.
هكذا تفوه براء، لتجحظ عين عمران بصدمه، ليصيح بضيق وهو يتمتم:
ـ ولا عليا، واعي بتقول إيه يا براء؟

صاح براء بضيق:
ـ آه، واعي هو اللي غلط، فأنت يا كبير غلط برده، كان لازم تكون جنبه، بس سيبته ومشيت. مش تحط الحق على كفة واحدة، انتوا ميزان، ومع الأسف الكفيتين مالوا فيه.

ألقى نظره أخيراً قبل أن يغادر الغرفة بوجه متجهم، لينظر إلى أيوب الذي يجلس، وعلامات البرود ترتسم على وجهه، ثم أردف:
ـ ما شاء الله، الأخ اتطبع على أخوه، هو هيجيبه من برا.

ثم تابع حديثه بعدم اكتراث:
ـ أنت قدرت تنفد عشان مش عليك حاجة، وكمان استغليت الوضع لصالحك، وجيت قدمت ورق ينفي مسؤولين كتير، بس أخوك تفتكر عليه حاجة ممكن يتقبض عليه فيها؟ أصله أكيد مش في ذكائك، وسايب خيوط وراه.

ابتسم ساخراً، ثم قال:
ـ جيتك معايا، كانت وش سعد عليا.
ـ ده أكيد.
هكذا كان رده يتصف بالبرود. خرج براء ليقع نظره على هذا الذي يجلس على الأريكة بكل أريحية.
أردف بغضب وهو يشير عليه وينظر إلى أخيه:
ـ الكائن ده بيعمل إيه هنا؟

نهض أيوب، وهو من يتولى الرد عليه:
ـ اتكلم بأسلوب أحسن من كده.

تدخل عمران مسرعاً في الحديث:
ـ براء اهدا وتعالا معايا، أنا هفهمك.

هتف براء بنفاد صبر:
ـ فهمني دلوقتي.

أومأ له ليقول:
ـ قولت ليك هيأمنوا ليا الحماية اللازمة، اتفاجأت إنه هو اللي هيكون مسؤول عن كده.


زفر بضيق ثم نظر إلى أيوب قائلًا:
ـ يعني أنا هصطبح بوشك بعد كده؟

ابتسم الآخر بسخرية لاذعة:
ـ بوعدك هتتمسا كمان.

زفر بضيق ثم هتف بنفاد صبر:
ـ الصبر يارب، استغفرا الله العظيم، استغفر الله العظيم.

أردف أيوب بضيق وهو يرمقه:
ـ فيه ايه، هو أنا عفريت وبتصرفه؟
1

كان عمران يجاهد حتى لا تنفلت ضحكته ويغضب أخاه، لكنه فشل بذلك، ليضحك بصخب على هذا التعليق الذي ألقاه أيوب، ليصفع براء يده باليد الأخرى ليأخذ متعلقاته. كاد أن يذهب، لكنه توقف والتفت لعمران محذراً له:
ـ ملكش دعوة بعمار، وإيدك مش تترفع عليه، راجع تاني، بس هروح أشم هواء، عشان حاسس إن روحي راحت عليا بعد الخبر المؤسف اللي عرفته.

ثم أشار إلى أيوب وهو يتابع حديثه:
ـ وجود ده معايا في مكان واحد خبر، أنيل من الخبر اللي عرفته.

ليفتح الباب ويصفعه خلفه، لينظر عمران إلى أيوب الذي يقف ثابتاً، كأن هذا الحديث لشخص ليس له، أو بالأصح كأن براء يلقيه على أحد آخر، ليصفع عمران أيضاً يده باليد الأخرى قائلاً:
ـ ده رد فعل واحد بس، ربنا يستر من مهاب وحمزة، علاقتي بيهم هتبوظ قبل ما تبتدي، ده ايه الغلب ده يارب، هلاقيها منين ولا منين؟

ليدلف إلى إحدى الغرف ويصفع الباب خلفه.

أما عن الآخر جلس على الأريكة، أمسك أحد الأطباق الصغيرة التي يضع بها المسليات، ليبدأ أن يتناولها، وأمسك بجهاز التحكم وأشعل الشاشة
كأن الذي حدث من بضع ثوانٍ ليس له يد فيه.
ــــــــــــــــــــــــ

داخل كلية الهندسة، جلس حمزة في المدرج بمكانه المعتاد، وكعادته وضع جميع حواسه على الكتب فقط، ليقطع تركيزه هذه الدخيلة قائلة:
ـ حمزة، عامل إيه؟

رفع نظره ليتجنب الاتصال المباشر معها، ليرد:
ـ بخير الحمدلله.

خفض نظره بالكتاب مرة أخرى، أردفت بضيق:
ـ مش هتكملي شرح ولا إيه؟

هتف دون أن يرفع نظره:
ـ المحاضرة هتبدأ بعد خمس دقايق، بعد ما نخلص هبقي أشرحلك.
ـ شكرا

قالت ذلك بابتسامة ثم جلست في مكانها، ألقت نظره عليه ليتنهد ويعيد نظره بالكتاب. دلف الدكتور وبدأ الجميع ينتبه له. وبعد مدة قصيرة من الشرح، اقترح سؤالا قائلًا:
ـ جسمان لهما نفس الكتلة ونفس الحجم، أُسقطا من نفس الارتفاع وفي نفس اللحظة.
الأول يسقط سقوطًا حرًا،
والثاني ينزلق دون احتكاك على مستوى مائل ثم يُترك عند نهايته ليسقط عموديًا.
أيّهما يصل إلى الأرض أولًا؟ ولماذا؟
ليشاور إلى حمزة قائلا:
ـ جاوب.

نهض حمزة يجيب بسلاسة متقنة معهود عليها:
ـ  الجسم الذي يسقط سقوطًا حرًا يصل أولًا، لأن مساره أقصر وزمنه يعتمد فقط على تسارع الجاذبية، بينما الجسم على المستوى المائل، رغم أن تسارعه أقل، إلا أن مساره أطول، فيستغرق زمنًا أكبر.

ابتسم الدكتور له:
ـ توقعت أني مش محتاج أسألك، إجابة دقيقة. اتفضل اقعد.

جلس حمزة ليلتقط نظرة سريعة من الفتاة التي تحدق فيه بابتسامة بلهاء، وما كانت إلا مريم، هذه الدخيلة التي باتت مثل العلكة في حياته.
1

ـــــــــــــــــــ

دلف براء إلى المحل، كان يجلس مهاب فقط. ألقى نظره إليه، وسأل:
ـ  إمال فين حمزة؟

نظر له مهاب:
ـ راح الكلية، عنده محاضرات مهمة.

أومأ براء ليجلس قائلًا:
ـ كويس أوي، يرجع يباشر حياته العادية. كنت فاكر بعد اللي مر بيه هياخد وقت أكتر من كده.

ابتسم مهاب له:
ـ ليه؟ أخوه الكبير بيصدر له العزيمة والثقة في النفس طول الوقت.

ضحك براء على أخيه ثم أردف بمزاح:
ـ وانت بتصدر له قصف الجبهات؟

نفى مهاب مسرعًا:
ـ لا لا، ده حمزة هو الملك في قصف الجبهات عليه، صراحة مش عند حد.

نهض براء وهو يغادر:
ـ  هطلع اشوفهم وراجعلك يا لمض.
ــــــــــــــــــــــ

بعد قليل دلف إلى الشقة وأغلق الباب خلفه.
كانت تجلس فريدة أمام الطاولة، ومعها اسكتش أبيض ومجموعة من الألوان الخشبية، ترسم كمحاولةٍ لتسلية نفسها.
اقترب منها وهو يقبّل رأسها قائلًا:
ـ  إيه الحلاوة دي يا فريدة؟

نظرت له بابتسامة:
ـ بجد يا خالو حلو؟
ـ  أكيد، أي حاجة فريدة تعملها تكون حلوة زيّها.
قال ذلك وهو يداعب وجنتها، فاردفت:
ـ إنت اللي حلو يا خالو.

هتفت أميرة التي خرجت من المطبخ للتو، بعد أن استمعت إلى آخر حديثهما، قائلة:
ـ بتتغزل فيك!

نظر إلى أخته بابتسامة:
ـ  براحتها، مدام فيّا، معنديش مانع.

ثم أردف:
ـ عاوزين نبقى نروح نعمل توكيل لمحامي عشان يمشي في الإجراءات، ابقي خدي مهاب وروحي، وأنا هديه معلومات عن المحامي.

أومأت بموافقة، ثم تساءلت:
ـ أمال ماما وهند وسكن فين؟

جلست قائلة:
ـ هند فوق عند أهلها، وسكن كانت بتساعدني في الأكل وبعدين دخلت أوضتها، تلاقيها بتصلي. وماما صلّت الضهر وريّحت شوية.
طمني عليك إنت، كنت فين من امبارح؟

أردف بهدوء:
ـ مفيش، كنت بخلص شوية حاجات كده مع عمران، متقلقيش. قولت أجي أطمن عليكم وهرجع تاني. وقولي لمهاب يروح معاكي عشان تعملوا التوكيل، ولو مش قادرة خليها لبكرة الصبح عادي.

أومأت له، لتخرج سكن وتجلس هي الأخرى.
كان كلٌّ منهم ينظر إلى الآخر بطرف عينه، فالتقطت أميرة الأمر لتردف:
ـ فريدة حبيبتي، تعالي معايا في الأوضة شوية.

نهضت معها وذهبوا، وقد تعمدت المغادرة لتترك لهما المساحة ليتحدثا.
ليهتف أخيرًا:
ـ  ممكن أعرف لغاية إمتى هتفضلي تتهربي مني؟
نظرت له:
ـ أنا عاوزه أنزل الشغل.

تنهد ثم هتف:
ـ  لا، هتنزلي ليه؟ محتاجة حاجة؟ ناقصك حاجة؟ قولي وأنا أجيبها ليكي.

حاولت إقناعه:
ـ  مش لازم يكون ناقصني حاجة، بس ده شغلي اللي بحبه.
ـ  طب ما تحبيني أنا أسهل.
ارتبكت من فرط صراحته، وانخفض نظرها، تحاول منع نفسها من الاستسلام لتأثير جملته غير المتوقعة.
أردفت:
ـ براء، أنا بتكلم جد، عاوزه أرجع المستشفى و…
2

قاطع حديثها حين وضع سبابته على شفتيها، مانعًا إياها من إكمال الحديث، قائلًا برفق:
ـ  أنا كراجل مش حابب مراتي تشتغل، ومش رجعية ولا تحكم ولا بفرض رأيي ولا الكلام الفاضي بتاع النت، لا أبدًا. أنا شخص غيور على أهل بيتي، وأنا مش هقدر أسمح بكده.

كاد أن يذهب، لكنها توقفت أمامه مسرعة:
ـ  براء، لو سمحت، مش ترفض رفض قاطع. على الأقل نتناقش، يا تقنعني يا أقنعك، كل واحد فينا ليه وجهة نظر يقدر يقنع بيها التاني.

جلس مرة أخرى قائلًا:
ـ طيب، يلا اقنعيني يا سكن، كلي إذن صاغية، بس اقنعي بسرعة عشان مستعجل.

لم تعرف هل يسخر منها أم أنه بالفعل لديه شيء يشغله.
جلست الأخرى ونظرت له:
ـ  كنت فين امبارح؟ قولتلي لما تيجي هتقولي.
نظر إليها:
ـ متخافيش، مكنتش عند مراتي التالتة.
رفعت إحدى حاجبيها، ترمقه بسبب هذا الاستهتار وجملته المعتادة.

فهتفت بضيق:
ـ تالتة، رابعة، إنت حر، أنا بس كنت بسأل ليكون حصل معاك مشكلة.

كادت أن تنهض، لكنه أمسك يدها برفق ليحثها على الجلوس مرة أخرى، متطلعًا إليها:
ـ سكن، هو إنتِ ليه بتقفشي وبعدها تبقي عاوزه تهربي؟ على فكرة، لحظتها فيكي.

ترك ذراعها واتكأ بظهره إلى الخلف، قائلًا بصوتٍ واهن:
ـ  أنا فعلًا كنت في مشكلة، بس مش  معايا، أنا مع أخويا.
ـ عمران؟

هكذا هتفت متسائلة، لينفي قائلًا:
ـ لا، عمار. أنا ليا أخين من الأب، عمران، وفيه عمار في سن مهاب تقريبًا.

أومأت بتفهم، ثم أردفت متسائلة:
ـ  إيه هي المشكلة اللي أخوك وقع فيها؟

نظر لها وصمت، لتفهم أنه لا يريد الحديث، فتفوهت بتفهم:
ـ  عادي، أنا عارفة إنها مشاكل شخصية، ومش من حقي أسألك. براحتك لو مش عاوز تتكلم.

تنهد تنهيدة طويلة ثم هتف:
ـ  عارفة يا سكن، لما الإنسان يحس إن فيه جبل على صدره، مش عاوز يتزحزح، كأنه بيقول: هكتم على نفسك أو هخنقك لغاية ما تجيب آخرك.

أومأت بتفهم تشبيهه، ليضيف أخيرًا:
ـ  أهو أنا حاسس بكده حاليًا. عمار ضايع في طريق ملوش ملامح، ومش عارف أعمل إيه. في نفس الوقت حالته خانقاني، بس أنا متربط، مش في إيدي أعملها حاجة، بس هو صعبان عليّا قوي.

لم تُنكر أنها لم تفهم شيئًا كاملًا، لكنها علمت أمرًا واحدًا؛
أنه داخل اختبارٍ مع أخيه، إما أن يسحبه من هذا الطريق، أو يتركه للهاوية.

أردفت برفق:
ـ  مهما كان اللي عمله، بيفضل أخوك الصغير، حتى لو من الأب. بيفضل أخوك اللي شايل نفس كنيتك، والدم رابط بينكم مهما حصل. حاول معاه، ساعات الإنسان بيكون محتاج إيد تتمدّ له بس، عشان يقدر يقوم ويعافر ويرجع عن الطريق ده.
وإنت متزعلش نفسك، كله مكتوب، مش يمكن في حكمة من كده إنت مش فاهمها دلوقتي.
إنت معاه، اعمل معاه نفس اللي عملته مع مهاب وحمزة، اتعامل معاه بنفس المعاملة.

ثم أضافت:
ـ إنت عارف، مفيش أجمل من الحنية.
الشخص لما يشوف حنية من اللي قدامه لدرجة إنها تلمسه ويحس بيها، ممكن يعمل أي حاجة عشان يتغير.

ثم ختمت حديثها أخيرًا:
ـ وافتكر، مش هيلاقي الحنية غير منك، يبقى إنت اللي تقدر تغيّره.

ابتسم إليها، لا يعلم كيف استطاعت أن تتفهمه هكذا دون أن يدخل في تفاصيل أكثر، فأردف أخيرًا:
ـ عارفة يا سكن، أنا تقريبًا عمري ما كنت بتكلم مع حد عن حاجة مضيقاني. كنت بقول لنفسي: هشيل أمي الهم، كفاية عليها مشاكل إخواتي.
حتى إخواتي كنت بقول صغيرين، طول عمري أشوفهم كده، وهيفضلوا كده في نظري.

صمت، لترمقه بفضول قائلة:
ـ طيب ومراتك… قصدي هند يعني؟ مش بتتكلم معاها؟  وكمان بقالكم سبع سنين متجوزين، عرفت من أميرة.
مش رقم قليل على فكرة.

أومأ بتفهم قائلًا:
ـ  هند هي تاخد ٤٠٪ من مشاكلي. كانت بسببها، كل فترة تتخانق مع أمي، يا إما مع مهاب، ومهاب بالذات الدنيا بينهم مش موفقة أبدًا. وحمزة نفس الشيء، صريح زيادة عن اللزوم، اللي عاوز يقوله بيقوله حتى لو في وش مين، هو طبعه كده.

أومأت بتفهم، ثم هتفت:
ـ  نرجع لموضوعنا الأساسي… أنا عاوزه أنزل الشغل.

نهض قائلًا:
ـ  بوعدك هفكر في الموضوع بس زي ما إنتِ قولتي يا دكتورة، ندي لبعض فرصة ونتناقش.

ثم قال أخيرًا:
ـ  أهم حاجة بس تبطلي هروب مني، عشان أنا في الآخر إنسان على فكرة.

أشاحت بوجهها بعيدًا، فهي تتفهم مغزى مقصده، لكنها ستُمثل اللامبالاة حتى تهرب من هذا الحديث كعادتها.
ــــــــــــــ

داخل البناية، وداخل الشقة، خرج عمران من الغرفة لينظر إلى ذاك الذي يرفع ساقه على الطاولة، ويضع الأخرى عليها، ممسكًا بجهاز التحكم، يقلب بين القنوات كأن المكان بات بيته، وهم ضيوف عنده. أردف ساخرًا:
ـ أيوب باشا، فاضل أجيبلك شيشة بس، ويبقى الوضع اكتمل.

وجه نظره إليه قائلًا:
ـ لو تعمل قهوة يبقى كويس، عشان صدّعت من مشاكلكم من أول كام ساعة، بس ما بالك باللي جاي.

زفر عمران بضيق، ودلف إلى غرفة أخيه، وهو يحمل علبة صغيرة تحتوي على الشاش والقطن المعقم؛ فهو يعلم أنه بالفعل قد تغابى عليه.
كان السرير خاليًا. جال بنظره أنحاء الغرفة، ليجده جالسًا في زاوية على الأرض، يضم ساقه، ويحيط أذنه بكلتا يديه.
تفهم عمران أن جسده بات يؤلمه، ليس من الضرب الذي تلقاه، بل من تلك البودرة التي بدأت بالانسحاب رويدًا رويدًا…
لكن الطريق ما زال في أوله.
اقترب منه، فانحنى قليلًا، ووضع يده على كتفه قائلًا برفق:
ـ عمار، بص لي.

رفع الآخر نظره، فتابع عمران حديثه:
ـ لازم تعافر وتحاول، صدقني… تعب كام يوم ولا تعب عمر بحاله.

دفع يده بعيدًا عنه، ليصيح بانفعال:
ـ ملكش دعوة بيا، فاهم؟! بطل تعمل فيها مثالي، سيبني في حالي!
ـ وقِح… هنتظر منك إيه!

هكذا هتف عمران وهو يعتدل واقفًا، ثم تابع بحدة:
ـ اتفضل قوم، روح الحمّام اغسل وشك من الدم ده، وتعالى اترزع هنا عشان أعقملك الجرح.

قال ذلك وهو يقصد الجرح في شفتيه، أثر لكماته له، لكن الآخر أردف بفظاظة:
ـ مش عاوز حاجة من وشك  حاجة!

أخذ عمران نفسًا عميقًا محاولًا أن يهدأ؛ لا يريد رفع يده عليه مرة أخرى. أردف بحدة:
ـ براحتك… ماشي.

غادر الغرفة وأغلق الباب عليه من الخارج. أخرج هاتفه واتصل ببراء، وانتظر أن يرد. مرت ثوانٍ، ليأتيه صوته، فهتف عمران بنفاد صبر:
ـ براء، تعالى شوف الواد ده بدل ما أضربه تاني، وقاحته معايا دي تتحط لها حد، يا إما أتصرف أنا معاه و—

قاطعه الآخر سريعًا:
ـ جاي يا عمران، جاي… سيبه، ملكش دعوة بيه.

أغلق الخط، فزفر عمران بضيق قائلًا:
ـ فاضي أنا… عشان ادادي بقى.

ثم تمتم محدّثًا نفسه:
ـ حتى ماما لحد دلوقتي ما كلّفتش نفسها بمكالمة تسأل عنه… أنا فعلًا سبته للتهلكة ومشيت. حتى راشد… حكايته معايا حكاية.

قال ذلك قاصدًا زوج والدته؛ فهو شخصية ماكرة، وعمران يعلم هذا جيدًا. ذلك الرجل، صاحب السلطة والمال، له وجه آخر سيكشف عنه قريبًا.
باتت حياته كقطار لا يعرف متى سيتوقف، ولا في أي محطة سينزل. لا يعلم إن كانت تلك المحطة هي راحته، أم طريقًا لا رجعة منه… ولا حتى اختيار.

ــــــــــــــــ

داخل المدرسة، انتهت الحصة وغادرت المعلمة، لتنهض وجدان وتقترب من نور قائلة:
ـ بقولك، تعالي ننزل ونتكلم شوية مع بعض زي ما كنا بنعمل زمان.

كادت نور أن تجيب، لكن مروة أمسكت يدها وسحبتها معها قائلة:
ـ لا يا وجدان، روحي إنتِ، أنا عاوزة نور في كلمتين.

لم تنتظر ردّها، وغادرت بها، لتزفر وجدان بضيق من مروة؛ فهي تتعمد منعها من الحديث مع نور. وجدان تعلم أن داخل نور ليس هكذا، وتربيتها أيضًا، وكانت ترغب في الحديث معها لعلها تنقذها من طريق قد يقودها إلى الهاوية.

في الأسفل كانتا تسيران في ساحة المدرسة، فنظرت نور إليها قائلة:
ـ عاوزاني في إيه؟
أردفت مروة بفضول:
ـ يعني احكيلي… عملتي إيه مع لؤي؟
ابتسمت نور عند ذكر اسمه، ثم هتفت:
ـ كويسين بصراحة. عندك حق، كان لازم أدي له فرصة عشان نتكلم بصراحة. هو لذيذ وبيفهمني، بس—
نظرت مروة إليها باستفهام:
ـ بس إيه؟ كمّلي.
تنهدت نور وقالت بتردد:
ـ خايفة ماما أو أيوب يعرفوا حاجة… قصدي إني بكلم شاب وبخرج معاه من وراهم. أنا عمري ما كنت كده يا روما، وفي نفس الوقت حاسة إني عاوزة أجرب الشعور ده. بقيت تايهة؛ نص عقلي عارف إن اللي بعمله غلط، والنص التاني طاغي عليه وبيقنعني إني صح.
المشكلة إن حتى ماما شاكّة إني بكلم شاب، وهددتني إنها لو اتأكدت بس هتقول لأيوب… والفكرة نفسها رعباني، إنه يعرف.

ضحكت مروة بصخب بعد حديثها، ثم هتفت:
ـ واو! عندك أخ يهمه أمرك وبتخافي منه… بس أنا—

توقفت قليلًا، ثم نظرت إليها قائلة:
ـ عندي اتنين، واحد معرفش عنه حاجة ورجع من أمريكا بعد عشرين سنة، والتاني عايش معانا… زي ما يكون مش عايش. مش فارقة كتير وجوده من عدمه.
حتى مامي، مفيش بقى جو المتابعة والتهديد والتحذير. توتو هي متعرفش حاجة عني أصلًا، وبابا كل همه يكبّر ماله.
ثم زينت ابتسامة خفيفة ثغرها وأردفت:
ـ بس باسل غيرهم كلهم. إنتِ عارفة يا نور، الاهتمام حلو أوي بجد… أنا أول مرة أعيش الشعور ده.

تابعت بحماس:
ـ باسل بيهتم بيا وبتفاصيلي. أنا بقيت بسمع كلامه. قالي أوقف الفيديوهات اللي بعملها، وخلاص وقفتها. حتى كلّمني على لبسي أطيّله، وقررت أعمل شوبينج عشان أغير الستايل بتاعي. المهم… إني مش عاوزة أزعله مني.
أومأت نور بابتسامة سعيدة من أجل صديقتها، دون أن تعلم:
هل هذا الشاب الذي يُدعى باسل يُرمم ما كسرته عائلة مروة داخلها؟
أم أنه سيشوهها أكثر؟

ــــــــــــــــ

طُرق الباب، ففتحه عمران.
دلف براء وهو يحمل بعض الأكياس التي تحتوي على الطعام الذي أتى به من عند والدته، وهتف بضيق:
ـ هو لِسّه هنا؟

علم عمران من يقصد، فلا يوجد سواه… أيوب.
أومأ له برأسه، ليزفر آسر بضيق، ويتجه بخطواته نحو الغرفة التي بها أخيه، لكن عمران أوقفه قائلًا:
ـ جايب أكل من البيت، صح؟

التفت إليه:
ـ آه…
ثم أضاف بحدة:
ـ بس ده ليا أنا وعمار بس، شوف إنت بقى والكائن ده هتأكلوا إيه.
فتح الباب ودلف، ثم أغلقه خلفه.

نظر عمران إلى أيوب الذي شاهد ما حدث، فهتف بسخرية:
ـ كمان هشيل ذنب وجودك معايا؟ روح يا شيخ، أقول عليك إيه!

رد أيوب ببرود ساخر:
ـ هو أنا هفضل في الجو الهادي ده كتير؟ فين السسبنس؟ فين الأكشن؟ ادخل شوفلك حد لطش فيه وابعد عني.

ابتسم عمران بازدراء قائلًا:
ـ لا، أنا هدخل أعمل حاجة أكلها، عشان جعان.

كاد أن يذهب، فأوقفه صوت أيوب:
ـ اعمل حسابي.
1

التفت إليه عمران ونظر له بثبات:
ـ كل واحد يكون مسؤول عن نفسه أحسن يا سيادة المقدّم.

ثم أضاف ببرود:
ـ أنا مش بعمل حاجة لحد.

تركه ودلف إلى المطبخ، ليتمتم أيوب بضيق:
ـ إيه العيلة المجانين دي؟ مش فيهم واحد عاقل حتى!

أي مجانين هم؟
هو لا يشاهد شيئًا، فقط يظل متفرجًا، ليدرك لاحقًا ماذا خسر بطريقه.

ـــــــــــــــ

داخل حجرةٍ لا يوجد بها شيء، فتح عينيه بانزعاج، ليرمش عدة مرات محاولًا استيعاب أين هو.
كانت توجد كاميرا مراقبة، ومنها علم ديفيد أنه قد باشر استعادة وعيه. نظر إليها، كانت ترتدي الزيّ الخاص بالاستخبارات الإسرائيلية. هتف وهو ينهض:
ـ لقد استعاد وعيه، سأذهب إليه الآن.

أومأت على مضض، ليغادر الغرفة ويتجه إلى الغرفة الأخرى. فتح الباب ودلف قائلًا بترحاب:
ـ أهلًا بك أيها الشاب، سعيدٌ لأنك قد استعدت وعيك.

نظر أويس إليه بعدم فهم، ثم هتف:
ـ نعم؟

تابع ديفيد حديثه:
ـ أعلم أن المخدر كان تأثيره قويًا عليك، والآن دعنا نتحدث. أم تأكل أولًا؟ ما رأيك؟

ظل صامتًا ينظر حوله، يحاول فهم أين هو، ولماذا هذا الرجل يحدثه بالإنجليزية. تفهّم ديفيد ذلك، ليهتف وهو يرمقه:
ـ سأتحدث أولًا… من أتى بك إلى هنا هي رقية، أو بالأصح رحيل، فتاة يهودية الجنسية.

جحظت عيناه بصدمة، لا يعلم ماذا يقول. أهي كاميرا خفية؟ هكذا توقّع. ليتابع الآخر حديثه:
ـ وجودك هنا شيء لا مفرّ منه. أريد منك شيئًا واحدًا… عقلك، فهذا هو سبب وجودك هنا.
يوجد أشياء كثيرة نريد اختراقها، لكن كل من يحاول يفشل.
لهذا قد تتبّعتك، وأتيتُ بك إلى هذا المكان عنوةً. أريد تعاونك معي.

ظل لبضع ثوانٍ يستوعب ما ألقي عليه هما يهوديون يريدون منه التعاون هتف بغضب يصيح به:
ـ  أتريدني أن أتعاون معكم؟ معكم أنتم؟! أيها اللعين… اللعنة على احتلالكم! كفى ما تفعلونه بشعب فلسطين! كفى معاناة غزة! كفى أطفالًا تُسحق حياتهم قبل أن تبدأ، وعائلاتٍ هُدمت بيوتها فوق أعمارها! وتريدني أن أتعاون، وأن أخون وطني أيضًا؟!
أنا أفضّل الموت على ذلك!

ثم صرخ بعينين تقدحان نارًا:
ـ  أيها اللعين، يا عديم المروءة!
يا عديم الشرف!
يا من لا عهد له ولا شرف!
يا صاحب اليد الملطخة بدماء الأبرياء!
يا مغتصب الأرض الفلسطينية!

ألقى ديفيد نظرة غاضبة على أُويس، نظرة لو كان بيده لقتله على الفور، لكنه كان يحتاج إليه أكثر من أي شعور آخر بالغضب. حبس غضبه، وغادر الغرفة، تاركًا وراءه صوته يعلو  يقذقه بالشتائم، فهو  الذي قد أتى بأُويس إلى هنا، و يعلم أنه لا يوجد أي عزم لإطلاق سراحه.

أرضٌ تنزفُ من صبرها دماءً،
وقلوبٌ صامدةٌ في وجهِ الغزاة.
لن تُنكسرُ الرايات مهما اشتدت الرياح،
فالحريةُ فينا، والكرامةُ لنا البقاء.

اللهم صبر أهلنا في غزة على ما فقدوه، وأنزل عليهم رحمتك ورضوانك، ونصّرهم على من ظلمهم، وثبت أقدامهم في وجه الطغاة والمحتلين، واحفظ أطفالهم ونساءهم وشيوخهم من كل سوء. اللهم قوّهم على صمودهم، وامنحهم عزةً لا تنكس، وأعِد لهم ما سُلب منهم من بيوت وحياة وكرامة. اللهم اجعل صبرهم شاهداً على ظلم المعتدين، ونورًا يهدي العالم إلى الحق، وأخرجهم من كل محنة سالمين، وامحُ عنهم الألم والخراب، وارزقهم الأمن والسلام والحرية قريبًا، واجعل كرامتهم أبدية في أرضهم المباركة.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات