رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الثالث والعشرون:
جالسا فى شقته شاردا و الإضائة حوله خافتة و زاد خفوتها الغيمة التى سببها دخان سجائره و هو يطالع سقف الشقة بشرود ...
و صوتها لا يفارقه .. و صورتها المرحة تغزو كيانه بأكمله .. كلما تذكر ليلتهم الوحيدة يشتاق و يلتاع .. كانت بين يديه .. حلم عمره كله كانت بين يديه و هو من أضاعها بحماقته و تسرعه ...
ليست حماقه .. خوفه من أنه سيخسرها مجددا مهما إقتربا هو ما يمتلكه ..
ذعر مرضى من كونها ستتركه للأبد مجددا هو ما يجعل لسانه يسبق عقله و طريقته فى الإمساك بها هى أسوء ما فعله .. لأنه يحتاج القليل من التمسك خيرا من الإمساك ....
زفر فارس دخان سيجارته العاشرة ليزيد من تلك الغيمة المحيطة له .. و دقات على باب شقته جعلته يتركها أخيرا ...
فتح باب الشقة ... ليرفع عينيه بملل و يعود لداخل الشقة تاركا الباب مفتوح ..
تطلع رامى حوله بتعجب من ذلك الدخان الكثيف فتوجه مباشرة ناحية شرفة البهو و فتحها ليدخل الهواء النظيف و الضوء ..
أغلق فارس عينيه مسرعا و غطى عينيه بيديه قائلا بضيق :
- إقفل الباب ده عنيا وجعتنى .
لم يهتم لما قاله و فتح الشرفة المجاورة له أيضا و هو يقول بتعجب :
- إنت بتنتحر يا إبنى .. إنت شارب كام سيجاره للدخان ده .
أجابه فارس بإمتعاض :
- ماليكش فيه و يالا غور من هنا مش عاوز أشوف وشك .
إرتمى رامى بجسده على الأريكة المقابلة له و تمدد عليها قائلا بسخرية :
- وشى ده أى واحد اللى إنت فرمطته ده و لا وشى السليم .
إعتدل فارس فى جلسته و تمسك بذقن رامى و حرك وجهه لليمين و اليسار و قال ببرود :
- اللى إتنين .. قوم إطلع برة .
تنهد رامى مطولا تنهيدة مرتجفة طويلة و قال بأسى :
- إنت هنا مش هربان صح .. إنت أكيد بتفكر هنرجعهم إزاى .
أجابه فارس بنبرة محتدة :
- طبعا .. سيبنى لواحدى بقا .
إعتدل رامى بجلسته و أنزل ساقيه و تمسك بكف فارس و ترجاه قائلا بضعف :
- سامحنى يا فارس مش عارف كنت بقول إيه .. الله يخليك رجعلى ليال .. شوية اللى بعدتهم عنى و بموت .
جذب فارس كفه من بين راحتيه و قال شرزا :
- ما تدور عليها أنا ماسكك .
مرر رامى كفيه على وجهه و قال بعجز :
- عقلى مشلول مش قادر أفكر فى حاجة .. و إنت من الشبورة اللى كنت عاملها دى أكيد كنت بتفكر هترجع مراتك إزاى .
شرد فارس قليلا قبل أن يقول بنبرة عميقة :
- أنا عاوز أعرف مكانها بس علشان أبقى مطمن عليها .
رفع رامى حاجبه بتعجب و سأله بإستياء بادى بنبرته الحادة و ملامحه المتجهمة :
- تطمن عليها .. يا برودك يا أخى .. يا عم أنا عايز مراتى تبقى معايا و بين إيديا و إنت تقولى أطمن عليها .
حك فارس مؤخرة رأسه كاظما غيظه من ذلك الغبى و قذف كلماته الغاضبة بوجهه قائلا بتصلب :
- إنت لسه مافهمتش حاجة .. قولى يا أذكى إخواتك لما مراتك هترجعلك دلوقتى هتقولها إيه على إبنها اللى موته بإيدك .. قولى هتداويها إزاى .
إبتلع رامى ريقه بتوتر و طأطأ رأسه و قال بوهن :
- أنا بس اللى أقدر أداويها يا فارس .. ليال دى كتالوجها كله معايا .. أنا عملت كل ده لأن عين غيرى شافتها .. دى بتاعتى لواحدى .
وضع فارس ساقا فوق الأخرى و إلتفت بجسده كى لا يلكمه مجددا بوجهه المتورم .. و هو يقنع نفسه أنه رحل .. تركه و رحل ..
وقف رامى و إلتف حول فارس و جلس مقابلا له و قال له برجاء لا يليق به نهائيا :
- هتنهار من غيرى يا فارس و حياة إبنك رجعهالى .. لو جه عليا بكرة و هى مش معايا هتجنن و مش هعرف أسيطر على أعصابى .
إقترب فارس منه بوجهه و قال بحزم و حدة تلائمانه جدا :
- طب ورحمة إبنك إنت .. لو أنا مكانها ما أشوف وشك تانى .. يا إبنى ما فيش تأنيب ضمير جواك بقولك إبنك ماااااات .. حاسس و لا مش معانا على الكوكب ده يا عديم الإحساس .
إستند رامى بظهره على الأريكة و قال بملامح حزينة و مهزومة :
- أنت مش فاهم حاجة .. محدش قادر يفهمنى ﻷنه محدش بيفهمنى و بيحس بيا غيرها .
قبض فارس قبضته متحكما فى إنفعلاته و قال بتماسك يحسد عليه :
- قوم يا رامى إمشى .. أنا ماسك نفسى عنك بالعافية و وشك مافيش فيه حتة سليمة علشان أضربك فيها .
ثم وقف مسرعا و حمل مفاتيحه و هاتفه و قال بحدة :
- أقولك أسيبلك أنا الشقة و همشى .
رن هاتفه فتطلع لشاشته و أجابه مسرعا بتلهف :
- ألو .. وصلتوا لإيه ؟!!
إعتدل رامى بجلسته و هو يطالع ملامح فارس متفرسا بوجهه .. بعدما فطن أن لإتصاله علاقة بهروب الفتيات فملأه الأمل .. و لكن شعور بالقلق ملأه و هو يرى تجهم وجهه و شراسة ملامحه و هو يقول بعصبية :
- يعنى إيه .. التليفونين اللى إديتك أرقامهم لقيتوهم فى الطريق .. طب كده خلاص .. أخبط دماغى أنا فى الحيطة .
إشتداد قبضة فارس و صكه لأسنانه أخبروه أنه لا أمل له برؤيتها اليوم .. رفع عينيه مذعورا مع صياح فارس الهيستيرى :
- أنا ما أفهمش فى الكلام ده .. شوف الطريق ده بيودى فين و ساعات و تجيبلى خبر .. و دور فى كل المستشفيات هما أكيد يا إما هنا فى مستشفى يا مشيوا و ده ضعيف و أكيد هيروحوا مستشفى .. و إلا ودينى هخلى أيامك سودا .
و أغلق هاتفه و قذفه على الأرضية فسقط متحطما .. و أخذ يدور حول نفسه بغضب و هو يضرب رأسه بقبضته ...
ثم إنحنى و حمل حطام هاتفه و خرج مسرعا .. جذبه رامى من ذراعه و سأله بتلهف :
- فى إيه ؟!
أجابه فارس و هو ينفس نارا من أنفه و عينيه تشع شرارا غاضبا :
- الموضوع مش هيبقى سهل يا رامى .. غزل و أنا عارفها دى مشيت على الحيطة و إحنا فى التالت ماخافتش تقع و تموت .. الموضوع مش سهل صدقنى .
و جذب ذراعه و تركه و خرج .. إرتمى رامى بجسده مجددا على الأريكة و قال بهستيرية و عدم تركيز :
- ليال هتتعب من غيرى .. غزل مش فاهمة حاجة .. مش فاهمة حاجة .
لم يلتفت إليه فارس و تركه فى تخبطه و مضى ...
وقفت غزل أمام غرفة المعاينة فى إنتظار خروج الطبيبة و أحمد .. حينما خرجوا إقتربت منهم و سألت بقلق :
- ليال كويسة يا دكتور .
ردت الطبيبة بضيق :
- نفسيا الوضع صعب جدا .. بس البيبى كويس و هى كويسة هترتاح هنا يومين بس علشان نطمن أكتر .. بعد إذنكم .
تنهدت غزل مطولا و هى تتوعدهم جميعا .. و ملامحها تنذر بما لا يحمد عقباه .. ربت أحمد على كتفها و قال بهدوء :
- ما تقلقيش عليها .. خلى البنات يروحوا البيت و أنا هفضل معاها لما ترجعى .
تنفست بصعوبة و سألته بتوجس :
- خايفة البيبى ما يستحملش طريق السفر الطويل ده و يموت و أبقى أنا السبب .
أجابها بعملية :
- جرى إيه يا دكتور .. أمال مركز إيه اللى عاوزة تفتحيه .. ما إنتى أكيد عارفة إن حالتها من الأول محتاجة معجزة إن الطفل ده يعيش .. و عاش قلقانة ليه بس .
طالعته بوهن و إستندت بظهرها على الحائط و قالت بإشفاق :
- ليال دى عاملة زى البسكوتة .. هى أكتر واحدة خايفة عليها .. لما تعرف إنى مش هخليها تشوفه تانى مش عارفة ردة فعلها هتبقى إيه .
خلع نظارته الطبية و قال بحدة :
- هو إنتى مش قولتى إن جوزها ده بيحبها .. طب عمل فيها ليه كده .. ده واضح إنه كان بيشدها من شعرها لأن البنات و هما بيقلعوها الحجاب إتألمت منه .
أغمضت غزل عيناها و هى تزفر بقوة و قالت بوعيد حاقد :
- و رحمة أمى و أمها لهخليه يلف حوالين نفسه و يبوس رجلها قبل إيدها علشان .. هى .. توافق ترجعله و لو لآخر يوم فى عمرى .
هز رأسه مستنكرا و سألها ببديهية :
- إسمه رامى مش كده .
تطلعت إليه غزل بتعجب فأجابها مسرعا :
- أصلها بتنده بإسمه و هى نايمة .. و عاوزاه يسامحها .. هى عملت فيه إيه علشان يضربها كده و هى حامل .
إعتدلت غزل بوقفتها و قالت بوهن :
- بكرة لما تعرفها .. هتتأكد إنها مستحيل تقتل ناموسة قرصتها .. دى هادية جدا و لو قال لها إرمى نفسك فى النار مش هتعارضه .
هز كتفيه بعدم فهم و حثها على المغادرة قائلا بتريث :
- ربنا يهدى .. يالا بقا روحى وصلى البنات و إرجعى بسرعة .
أومأت غزل برأسها و قالت مؤكدة :
- عندك حق .. و هما تعبوا الصراحة .. هوصلهم و هرجع على طول .
تركته و توجهت لإستراحة المشفى و طلبت من ميناس و دنيا الذهاب معها .. وقفت ميناس مسرعة و قالت بنفى قاطع :
- ﻷ .. أنا مش هسيب أختى .
طالعتها غزل برجاء و قالت بهدوء :
- و حياة ليال عندك أنا مش حمل مناقشات .. إسمعوا الكلام على طول .. ليال نايمة .. و أنا هوصلكم ترتاحوا و هرجعلها و هفضل جنبها لبكرة و لما هتعب هخليكم تيجوا تقعدوا معاها و أنا هروح أرتاح .
خرجت دنيا من صمتها و قالت بمعارضة :
- بس يا غزل أنا أقدر أستحمل .. إنتم روحوا و أنا هفضل .
ضغطت غزل عيناها بقوة و قالت بحدة فاقدة صبرها :
- أصوت و ألم عليا الناس يا ربى علشان يرتاحوا .. إرحمونى أنا من الصبح و بضغط على أعصابى و خلاص هنفجر فيكم .
إنكمشت ميناس بدنيا و هما تطالعان شراسة غزل و قالتا بإنصياع :
- خلاص هنمشى .
أشارت لهما غزل بعيناها و قالت بحدة :
- قدامى يالا .
أوصلتهم غزل للمنزل و طلبت من أم أشرف أن تهتم بهم و بطلباتهم .. و تركتهم و عادت لليال .. ظلت جوارها طوال الليل .. حتى إطمأنت عليها و رأت إستقرار حالتها بعيناها ...
كلما تذكرت إستجدائه و تعطفه كى تصفح عنه و تسامحه .. يتلهف قلبها و يهفو بنعومة .. رؤيتها له اليوم جعلتها تتألم لحالته ..
ذبول وجهه و ذقنه الطويلة و نحافة جسده الغير ملحوظة .. أخبراها أنها أصابت هدفها ..
و أصابت نفسها معه .. تحتاجه الآن بجوارها و تحتاج ضمته التى تغمرها بصدره الرحب موطنها الأساسى و ملجأها وقت ضيقها و وهنها ...
ليته يعلم أنه خسر و تسبب فى مرور أيامهما ببرود عكس ما كانت تتوقع ..
إبتسمت بخفوت و هى تتذكر أحلامها الوردية .. و التى تحقق منها جزءا ضئيلا و هو ليلتهم الوحيدة .. تتذكرها بكل تفاصيلها بجموحه النارى و لمساته الهادئة الخبيرة ببواطن مفاتيحها ...
و قبلاته العميقة و العنيفة و الذى أطلق بها ذلك القابع بداخله و إنتظرها لسنوات و سنوات على أمل عودتها .. ليلتهمها دون رحمة أو شفقة بضعفها و إحتياجها للأكسجين لتملأ رئتيها ...
فى حينها كانت طائرة بأجنحة ناعمة فى عالمه الساحر .. و الذى جذبها إليه بكل قوته .. لتفيق على طعنة غادرة بظهرها ..
إختفت إبتسامتها و تجهم وجهها و وقفت بتثاقل و سارت حتى الشرفة و فتحتها و سمحت للهواء بالتدفق لصدرها و هى تطالع القمر الغير مكتمل كحبها ....
و حبه .. آلاف الأسئلة تتدفق برأسه كجيشا كاملا تلومه و توبخه على حماقته .. لماذا أضاعها .. هل باتت تكرهه ...
هل ستعود لصدره مجددا .. سيغمر وجهه بشعراتها مجددا .. سيرسم طرقه على جسدها كما فعل ...
إستند فارس برأسه على سيارته و هو يتأمل القمر الحزين كحاله .. و كأنه يلومه أيضا على ما فعله ...
و صورتها يوم كانت تنتفض فى غفوتها و تهذى بكلمات غير مفهومة بغرفة مهاب لا تفارقه .. و ما فهمه و فسره كان إسمه ..
وقتها أشفق عليها .. فإقترب منها و ملس على شعراتها بحنو كما كان يفعل عندما يأخذ منها علاء ألعابها ..
و الذى صنمه أنها تمسكت بقميصه كما كانت تفعل فيضمها لصدره ...
لم يتردد و ضمها إليه بقوة و سحب نفسا طويلا ليشعر أنه بقربها فقط يتنفس و يشعر أنه كائن حى لا جلمود ثلجى متحجر المشاعر ..
تمسكها به جعله يحملها على ساقيه و يهدهدها كطفلة صغيرة مذعورة .. لم تهدأ إلا عندما إستمعت لصوته و هو يهدأها بكلماته الحقيقية الصافية و النابعة من قلبه ....
لحظتها تناسى حقده و إنتقامه الواهى و حملها و سار بها حتى فراشهما .. لم تتركه فإضطر أن يمددها و يتمدد بجوارها ..
لو تعود تلك الليلة مجددا .. لن يتركها سيتمسك بها لآخر نفس بصدره .. سيعوضها كل ما رأته بحياتها البائسة و الذى زادها هو بؤسا و ألما ....
تنهيدة طويلة ملتاعة هى ما جمعتهما بنفس الوقت و القمر الحزين هو ما يطالعاه الآن ...
مر يومان و خرجت ليال مع غزل من المشفى و أخذتها للمنزل بسيارة أحمد .. و طوال الطريق و ليال صامته و شارده بحزن ...
و ما أن وصلا حتى تطلعت ليال للبحر مطولا براحة .. ترجلت غزل أولا و فتحت الباب المجاور لها و ساعدتها على الترجل .. حثتها على السير معها قائلة بهدوء :
- يالا يا حبيبتى علشان ترتاحى .. مش لازم تقفى كتير .
أوقفتها ليال و قالت برجاء واهن :
- سبينى قدام البحر لوحدى يا غزل لو سمحتى .
زمت غزل شفتيها و أومأت برأسها و قالت بإنصياع :
- حاضر يا حبيبتى .. تعالى معايا و أنا هخليكى تمددى على الكرسى علشان ضهرك يبقى مرتاح و هدخل أجيبلك مفرش أغطيكى بيه .. و المنطقة هنا هادية و الجو بادئ يبرد و مافيش ناس كتير بتيجى هنا .
أومأت ليال برأسها بهدوء و إستندت على يدها حتى جلست و تمددت على المقعد .. تركتها غزل و عادت للمنزل و هى تطالعها بإشفاق ..
إستقبلتها ميناس التى سألتها بقلق :
- ليال كويسة يا زولا .
إلتفتت غزل برأسها ناحية ليال و قالت بتريث :
- أيوة الحمد لله .. سبيها لوحدها شوية لو سمحتى .. هى دنيا فين .
ضحكت ميناس بخفوت و قالت ساخرة بحدة :
- ماسكة فى خناق أم أشرف .. طول الوقت بيتخانقوا لما تعبت .
إبتسمت غزل و هى ترى دنيا تتقدم نحوها .. مقطبة الجبين من غضبها و تهز ذراعيها بقوة و قالت بضيق :
- غزل لو سمحتى شوفى حل مع الست دى .. أنا مش بحب حد يعملى حاجة و هى رافضة إنى أساعدها و أنا مش بحب القاعدة .
هدأتها غزل قائلة بتعقل :
- صلى على النبى كده و إهدى .
كتفت دنيا ذراعيها و قالت بقوة :
- عليه الصلاة و السلام .. بس ﻷ مش ههدى .. أنا مش متعودة على الملل ده .. لا فى سوق أروحه و لا بيت أشتغل فيه و أخرج طاقتى .. و أنا مش بعرف أقعد .
لفت غزل ذراعها حول كتفيها و قالت بهدوء :
- حاضر يا قمر .. سبيها فى حالها و أنا هشوفلك شغلانة .
لمعت عينى دنيا بسعادة و قالت بتمنى حزين :
- بجد هشتغل .. بس أنا معايا دبلوم بس .
حمستها غزل قائلة بإبتسامة خافتة :
- كويس .. بكرة هكلم أحمد يشوفلك شغل فى المستشفى اللى شغال فيها .
غمزت لها دنيا و سألتها قائلة بمشاغبة :
- هموت و أشوف أحمد ده .. من ساعة ما جينا و إنتى مش بتقولى غير أحمد عمل .. أحمد هيعمل .. ما تعزميه على العشا و أنا هطبخله بإيدى علشان نشكره .
لم تبدى غزل أى إعتراض من فكرة دنيا و قالت بموافقة :
- عندك حق يا دودو .. ده حتى هو بقاله كام يوم محروم من أكل أم أشرف .
جلست غزل على أقرب أريكة و إنحنت قليلا لخلع حذائها .. فسألتها دنيا بفضول :
- هو أحمد ده غنى يا غزل .
أجابتها غزل و هى تطالع حذائها بهدوء :
- ﻷ .. هو مش غنى و مش فقير .. يعنى دكتور كبير بيشتغل فى مستشفى خاصة و عنده شقة فى مصر بتاعته و العربية اللى كنا راكبينها .
تطلعت دنيا حولها و عيناها تدور بتلك الفيلا الصغيرة بتعجب و سألتها بإهتمام :
- طب و الفيلا دى بتاعته برضه .
رفعت غزل رأسها و طالعتها بهدوء و هى تجيبها معللة :
- البيت ده بتاع صاحب المستشفى اللى هو بيشتغل فيها .. و لأنه صاحبه و عارف إنه لواحده خلاه يعيش فيها .
هزت دنيا رأسها بتفهم و قالت بحماس :
- أقوم بقا أشوف ناقصنا إيه أبعت أم أشرف تجيبه خلينى أطبخ بمزاج .
فتحت عزل حقيبتها و أخرجت حافظتها و أعطت دنيا مبلغا ماليا و قالت بحنو :
- خدى الفلوس دى و اللى ناقصك هاتيه يا حبيبتى .. أنا عارفة إنى مقصرة معاكى بقالى فترة .
إنحنت دنيا ناحيتها و قبلتها مطولا و قالت برقة :
- ربنا يخليكى ليا .. يا أحن أخت فى الدنيا .
و تركتها و ركضت ناحية المطبخ بسعادة .. إلتفتت غزل برأسها و تطلعت بميناس التى مازالت تطالع أختها بحزن و زفرت بقوة و ضيق .....
أخرجت هاتفها من حقيبتها و هاتفت أحمد و دعته على تناول العشاء معهم .. و وافق ..
دمعة غادرة إنسابت على وجهها المتورم و هى تفكر بعذابها ببعده .. و قلبها يأن على فراقه ..
هل تركته بالفعل .. تركت جزءا من كيانها و روحها .. على من ستضحك .. على نفسها التى تعشقه رغم ما فعله .. أيامها أصبحت بلا معنى و الليل طويل و بارد بدون ضمته و صوته العميق ...
تركت معه كل شئ قلبها و حياتها و نفسها .. رفعت عيناها للسماء و ناجت ربها بداخلها :
- صبرنى يا رب .. مش قادرة حاسة إنى بتخنق من غيره و متأكده إنه مخنوق زيى .. أنا هستحمل هو ﻷ .. يا رب خفف عليه بعدى و إجمعنى بيه قريب .
توقف سيل دموعها و هى تشعر بشئ يلف جسدها و يدفأها بصمت ..
هزت غزل رأسها بيأس و هى تطالع دموعها المنهمرة و وجهها المحتقن فإكتفت بلف الغطاء حول جسدها و تركتها و عادت للمنزل ....
وقف أمام باب غرفته و هو مترددا فى الدلوف .. و لكنه سحب نفسا طويلا و أدار مقبض الباب و حرك عجلات كرسيه و دفع الباب بيده ...
رفع مهاب رأسه ناحية عمه .. و أشاح بوجهه عنه مسرعا و طالع دفتر الرسم أمامه و عاد بقلمه للرسم مجددا ...
إقترب منه حمزة و هو يتفرس بملامحه و خرج صوته متحشرجا و هو يقول بتوجس :
- مهاب .. إنت أغلى حاجة فى دنيتى و لو زعلت منى إنت كمان هتعب أكتر يرضيك .
لم يجيبه و لم يظهر على ملامحه أى تأثر بكلمات حمزة .. فأردف الآخر قائلا بهدوء :
- يا صاحبى أنا ماليش غيرك .. و ضحكتك بتنسينى همى ماتزودهاش عليا أنا قلبى تعبان .
أجابه مهاب قائلا بجمود :
- بسم الله الرحمن الرحيم .. { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .. صدق الله العظيم .
رفع حمزة حاجبيه بشدة و هو يتابعه بصدمة .. و ما قاله زلزل وجدانه حتى أنه شعر بإختناق و شعور غريب بالخشوع ملأه و تجمعت بمقلتيه عبرات ساخنة آلمته ...
و لكنه سأله بإندهاش جلى على ملامحه و تهدل جسده :
- قولت إيه ؟!
رفع مهاب عينيه ناحيته و قال بقوة :
- كنت كل لما بدخلها أوضتها فى القصر و أشوف إيديك معلمة على وشها .. أزعل و أعيط و أقولها إنى هخرج أضربك زى ما بتضربها .
زادت دقات قلبه و هو يطالع ملامحه المتجمدة و مهاب يتابع بنبرة ثابتة :
- و لما أسألها مش بتخافى منه .. كانت تضحك و تقولى { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .. و إنها بتستحمل الوجع لأنها عارفة إنك متضايق .
طأطأ حمزة رأسه و شرد قليلا و هو يتنهد بأسى متذكرا إستحمالها لبطشه و غضبه ... و خرج صوته ميتا و هو يقول بصوت يحمل فى طياته الشجن :
- كنت بضربها و أنا بتعذب .. و لو سألتنى ليه هقولك مش عارف .. و الله بحبها قوى .
وارى مهاب إبتسامته بصعوبة و سأله بحزم :
- و لما إنت بتحبها كنت بتضربها ليه ؟!
أجابه و هو مازال مطأطأ رأسه و يفرك أنامله بتوتر :
- كنت خايف تبعد عنى .. و قعدتى على الكرسى خلتنى زى الأعمى ما كنتش شايف غلاوتها عندى .
إعتدل مهاب بجلسته على فراشه و ثنى ساقيه و جلس فوقهما و قال بحزم :
- يعنى لو رجعتلك هتضربها تانى .
رفع حمزة رأسه ناحيته و طالعه مطولا قبل أن يجيبه قائلا بصدق :
- مش عاوزها ترجعلى و أنا لسه على الكرسى ده .. إدعيلى يا مهاب و إنت بتصلى إن ربنا يشفينى .
ترك فراشه و قفز على الأرضية و تقدم ناحيته و إلتف حول كرسيه و دفعه بكل قوته .. فسأله حمزة بتعجب :
- إنت كده زودتها إنت بتخرجنى من أوضتك يا مهاب .
واصل مهاب دفعه للكرسى و هو يلهث و أجابه قائلا بضيق :
- ممكن تقطم الكلام شوية .
إبتسم حمزة بخفوت و عاونه بتحريك عجلات الكرسى قائلا بمزاح :
- أقطم الكلام .. المرة دى لو غزل اللى سمعتك هتغزنى بمطواة فى بطنى .
دلفا سويا لغرفة حمزة و مهاب مازال يدفع كرسيه حتى وقف به أمام المرحاض و إنحنى قليلا و خلع نعليه و إلتف مجددا حوله و دفعه لداخل المرحاض ...
لم يسأله حمزة لأنه بدأ يستوعب ما يريده خصوصا و هو يشمر عن ساعديه و لفه ناحية صنبور المياة و قال له بهدوء متزن :
- هتعرف تتوضا و لا أوضيك أنا .
زادت دقات قلب حمزة بتوتر لم يعهده .. و هو يتذكر آخر مرة رفع بها يديه و كبر و صلى ....
إبتلع ريقه بتوتر و قال بصوت خفيض خجل :
- هعرف أتوضأ لوحدى .
و مد يده ناحية المياه الجارية فسرت بجسده قشعريرة غريبة و بدأ إستغفاره و هو يغسل كفيه و نهج صدره بشدة و كأنه يعدو ...
أنهى وضوءه و مهاب يتابعه بإبتسامة رضا .. و ناوله منشفة نظيفة .. فطالعه حمزة بإبتسامة هادئة لم يرها منه من قبل .. و دفعه مجددا ناحية غرفته و عدل وضع كرسيه ناحية القبلة و وقف أمامه و قال بتعقل يليق به :
- أنا لسه ما صلتش المغرب .. إنت صلى إمام و أنا هصلى وراك .
سحب حمزة نفسا طويلا قبل أن يرفع كفيه ناحية أذنيه و قال بصوت مرتجف :
- الله أكبر .
لم يتمالك نفسه أكثر و غيمت عينيه و تحشرج صوته و هو يتلو آيات الله بصوت مسموع و مزيج غريب من الراحة و الخشوع تملكه .. و مع إنحنائه رأسه ناحية ساقيه فى سجوده إنهمرت دموعه و تهدج صدره أكثر و خرج كل ما إعتمره بداخله و هو يبكى بحرقة و ناجى ربه قائلا بصوت مبحوح :
- سامحنى .. و حياة حبيبك محمد تسامحنى .. عارف إنى عاق و أصرت فى حقك .. أنا ماليش عين أنده بإسمك و ذنوبى محوطانى .. بس الحمل تقل و مش قادر خلاص .. خفف حملى و إغفرلى .. إنت الوحيد اللى حاسس باللى جوايا .
رأف بحال الصغير فرفع رأسه و تابع صلاته حتى إنتهى و رفع كفيه ناحية وجهه و تابع حديثه مع الله حتى هدأ ...
وقف مهاب أمامه و مد يده ناحية حمزة قائلا بإبتسامة مرحة :
- حرما يا صاحبى .
كفف حمزة دموعه و ضمه لصدره بقوة و تشبث به و هو يقول بخفوت :
- ربنا يكملك بعقلك يا حبيبى .. و يحميك من شياطين الإنس و الجن .
ملس مهاب على ظهره بحنو و قال بهدوء :
- والله أنا مبسوط إنك شايفنى عاقل .. أصل ماما و بابا طول الوقت بيعاملونى على إنى مجنون .
إبتعد حمزة عنه قليلا و قال بعبوس محتد :
- ده اللى يقول عليك مجنون هو اللى ستين مجنون .. بس إوعى تقول لأبوك إنى بقول عليه كده هو و غزل .. أنا وشى مش هيستحمل اللى خده رامى .
ضحك مهاب بخفوت .. فتابع حمزة حديثه قائلا براحة أثلجت صدره :
- أنا ما قتلتش أمك يا مهاب .
تمسك مهاب بكفيه و قال ببراءة :
- ماما ماتت لأنه ربنا عاوز كده .. الله يرحمها و يشفيك .
حمله حمزة و أجلسه على ساقيه و تحدثا بمرح و هو يداعبه و صوت ضحكاتهم أنسى حمزة ألمه ...
وقفت زينب تتابعهما براحة و إبتسامة خافتة إرتسمت على شفتيها و هى تدعوا لهما براحة البال ...
فى المساء أعدت دنيا العشاء .. رغم رفض أم أشرف و تزمتها .. و جهزت الطاولة بخارج المنزل بالحديقة المطلة على البحر .. و هى تبتسم بإنتشاء ....
جلست الفتيات فى إنتظار قدوم أحمد .. حتى دلف عليهم قائلا بإبتسامته الساحرة :
- السلام عليكم .
لم يرد عليه سوى غزل بينما تطلعت إليه دنيا و ميناس و ليال بدهشة .. فمالت دنيا على ميناس و قالت بهمس :
- أوبا .. إيه الموز ده .
أجابتها ميناس وهى تحدجه ببلاهه :
- إيه الحلاوة دى .. فى رجالة حلوة كده .
وخزتها ليال بذراعها و قالت بتحذير هامس :
- وطوا صوتكم أحسنلكم .
جلس أحمد على الطاولة و قال و هو يطالع الطعام بإعجاب :
- الأكل شكله تحفه .. دى أم أشرف أدائها إتطور جدا .
زمت دنيا شفتيها و قالت بضيق :
- أنا اللى طابخة على فكرة .
تطلع إليها أحمد مطولا و هو يتأمل جمالها بعيونها السوداء و بياضها الناصع و ملامحها الرقيقة .. ثم تنحنح قائلا بصوته الهادئ :
- تسلم إيدك يا... .
ردت غزل مسرعة :
- دى يا سيدى دنيا اللى كلمتك عنها علشان الشغل .. و دى ميناس بنت خالتى .. و ليال إنت عارفها طبعا .
ضحك أحمد ضحكة عالية و قال بمزاح :
- غزل .. ليال .. ميناس .. أسمائكم غريبة الصراحة .
إبتسمت غزل و قالت بهدوء و هى تكتف ذراعيها :
- أمال لو عرفت إن تيتة إسمها رأفة و ماما إسمها حور و خالتو إسمها نغم مش هتستغرب أسمائنا .
أومأ برأسه و قال متابعا :
- هو مش الأسماء بس اللى غريبة جمالكم برضه نادر .. و كل واحدة فيكم ليها جمال خاص بيها .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت له محذرة :
- خف شوية يا دكتور ده جوز أى واحدة مننا لو سمعك هتروح فى خبر كان .
فسألها أحمد بضيق :
- هى دنيا كمان متجوزة .
ردت دنيا مسرعة و هى تطالعه بهيام ذائبة فى عينيه الرماديتين و شعراته الذهبية و قالت برقة :
- لأ أنا لسه آنسة .. و ماعنديش مانع أرتبط قريب .
لأول مرة تبتسم ليال و قالت بصوت مكتوم :
- البت عقلها طار .
أكدت ميناس كلامها و قالت و هى تخفى ضحكاتها :
- ما هو عندها حق الصراحة .. يخربيت جماله .
أما هو فوارى إبتسامته و شعور غريب يغزوه .. إعتاد من قبل على تلك النظرات الهائمة و الهمسات الرقيقة .. و لكنه اليوم متحفز .. فتلك الصغيرة الشهية و التى تبدو شقية جذبت أنظاره ...
مررت غزل عيناها بينهما و هى تقطب جبينها بتوجس و إعتدلت فى جلستها و قالت بحدة :
- مش هنتعشى و لا إيه .
إنتبها عليها فقال لها أحمد و هو يشمر قميصه بحماس :
- ﻷ هنتعشى طبعا .. ده حتى الأكل النهاردة شكله غير .. و معدتى بتستغيث .
وقفت دنيا و بدأت فى ملأ طبقه و قالت بصوت ناعم :
- ليه هو حضرتك مش مرتبط .
رفعت غزل حاجبها بتعجب من سؤالها التى تعلم إجابته جيدا و لكنه أجابها بمكر :
- ﻷ مش مرتبط .. و ماعنديش مانع أرتبط .
كتمت ميناس ضحكتها بصعوبة فوخزتها ليال بذراعها و طالعتها بتحذير قوى .. فتناولت ميناس طعامها بوجه محتقن و هى تلتقط تلك الإشارات الطائرة فوق الطاولة ...
تناولوا عشائهم و دنيا و أحمد نظراتهما تحكى الكثير ..
إستمرت سهرتهم و تعالى ضحكهم و أحمد لم يدخر جهدا للترويح عنهم و إسعادهم ..
لم تشاركهم ليال و إكتفت بالمشاهدة و الإبتسام و لكن شوقها يقتلها .. تتمنى أن تركض إليه و ترتمى بين يديه القويتين و تشعر بضمته و تتنفس عطره ..
أخرجتها غزل من حالتها و قالت بحنو :
- روحتى فين يا لولو .
ردت بتلقائية :
- روحت لرامى و حسيت بحضنه .
زفرت غزل بضيق و قالت بنبرة محتدة :
- ليه كده يا ليال .. قدرتى تسامحيه إزاى بعد اللى عمله فيكى .
أجابتها ليال و هى تعتدل فى جلستها و تتطلع لغزل برجاء و قالت بتذلل :
- بحبه قوى .. هموت و أبقى قدامه و ألمسه و أبص فى عنيه .. و أشم ريحته و أنام فى حضنه .. عاوزة أسمع صوته على الأقل يا غزل علشان خاطرى .
رمقتها غزل بإزدراء و قالت بغضب :
- إنتى ماعندكيش كرامة .. و ضعيفة .. مستعدة تفضلى جزمة فى رجله يلعب ببها و يتحكم فيها زى ما هو عاوز .. ده بنى آدم أنانى و إنتى سبتيه يلعب بيكى لأنك ضعيفة .
إنهمرت دموع ليال و قالت بنبرة متوسلة :
- أبوس إيدك يا غزل رجعينى ليه .. أنا مش هعرف أعيش من غيره .. هو كل حاجة ليا .. أنا حاسة إنى بتخنق و أنا بعيدة عنه .
قبضت غزل على ذراعيها بقوة و هزتها بعنف و هى تهدر بعصبية :
- مش هيحصل يا ليال .. لازم يتربى علشان يفكر ألف مرة قبل ما يزعلك .. بس إنتى بقا أنا هعالجك من ضعفك ده غصب عنك و هتبقى ليكى شخصيتك و هتبقى قوية و كرامتك عندك أغلى منه هو شخصيا.
وقف الجميع يتابع صياح غزل بليال دون تدخل .. بينما قالت ليال بدموعها و شوقها يغلبها :
- بس أنا مش بعرف أعمل حاجة من غيره .. و لا أتعامل مع الناس من غيره .. و لا أخرج من غيره .. هو دنيتى كلها .
تركتها غزل و قالت بعدما لمعت عينيها الفيروزية بغضب و قالت ساخرة :
- خطبك و إنتى طفلة علشان يشكلك على مزاجه .. بس هسألك سؤال يا ليال و ردى عليا بصراحة .. إنتى عاجباكى ليال الضعيفة دى اللى مرخصة نفسها لحب ذلها و قهرها .
إبتلعت ليال ريقها و أطرقت رأسها و صمتت .. كففت غزل دموعها و قالت بإشفاق :
- فكرى فى ليال و بس .. لو إبنك كبر إن شاء الله تحبى يشوفك و إنتى بتضربى و يكبر جواه كلكيعة زينا .
هزت ليال رأسها بالنفى فتابعت غزل بحزم :
- عاوزاه يبقى فخور بمامته الناجحة فى حياتها .. و لا يضحك على ضعفها و قلة حيلتها .
لامست ليال بطنها و ملست عليها بحنو و قالت بقوة :
- عندك حق .. أنا لازم أتغير علشان بنتى .. مش لازم تيجى الدنيا تلاقى أمها بتتضرب و تتهان و هى ساكتة و مستسلمة .
كففت دموعها و قالت بثقة :
- هو كمان لازم يعرف إنى لو ماحبتش ليال مش هقدر أحبه .. لازم يبقى فى ليال من الأساس علشان يحبها .
إبتسمت غزل بإنتصار و إحتضنتها قائلة بفرحة :
- أيوة كده .. أنا مبسوطة قوى و متأكدة إنك هتنجحى و هترجعى ليال القديمة .. و هتخليه يموت فى ليال القوية .. و يحبها أكتر .. و يجرى وراها علشان ترضى عنه .
تذكرت ليال أيام كثيرة كانت بها تستجدى نظرة عينيه و لم تكن مخطئة .. فقد حان الوقت لتبدل الأوضاع .. تنهدت براحة و قالت بحماس :
- أنا عاوزة أصلى قوى .. محتاجة أقوى علاقتى بربنا علشان أقوى أنا كمان .
ربتت غزل على يدها و قالت بقوة :
- عندك حق يا ليال قومى يا حبيبتى أوضتك و صلى و إطلبى من ربنا يوفقك و يساعدك علشان إنت غالية .. و ربنا كرم الإنسان .. فا مش هنرخصه إحنا .. حبى ليال صدقينى هترتاحى .
وقفت ليال و توجهت للداخل و هى تحتضن بطنها بحنو ..
إبتسمت غزل براحة .. و تطلعت للبحر مطولا و هى هائمة بحبيبها المغرور .. تخفى شوقها ممكن و لكنها هى أيضا تحلم برؤيته و بحضنه و بقبلاته الشغوفة .
دلف رامى لشقة صبرى و هو متجمد الملامح .. فسألته زينب بقلق :
- أكلت حاجة يا حبيبى .
تهاوى بجسده على الأريكة و قال بإرهاق :
- مش عاوز أكل .. أنا عاوز ليال و بس .. هتجنن وحشتنى قوى .
خرج فارس من غرفة مهاب و إقترب منهم فسأله رامى بضيق :
- لسه ما فيش جديد يا عوو .. خلاص الأرض إنشقت و بلعتهم .
لاحظ فارس وهنه و ضعف قوته فقال له مطمئنا :
- هنلاقيهم إن شاء الله .. ما تقلقش على ليال هى مع غزل فلازم تتطمن .
ضم رأسه بقبضتيه و قال بوهن :
- أنا مش هتطمن غير و هى قدام عينى و معايا .
جلس بجواره و قال بهدوء :
- هترجعلك .. يعنى هى هتروح فين .. إديها وقتها يا رامى .
جلس حمزة بغرفته و حوارهم يصل إليه .. لأنه أيضا يشتاق لزهرته البيضاء و لكنه لا يستطيع البوح مثلهم .. تنهد مطولا و أغمض عينيه و هو يتخيل وجهها الصبوح بإبتسامتها الملائكية و غمازتها التى أمطرها بقبلاته سابقا ....
مر إسبوعين و الشوق مصيب الجميع .. عادت دنيا من عملها فدلفت للبيت و هى تنزع حذائها بضيق و قالت بتذمر :
- أنا ماليش فى الكعب العالى ده .. كانت فكرة هباب .
قذفت حقيبتها على أقرب مقعد و دلفت لبهو المنزل الواسع .. فوجدت ليال منكبة برأسها على الحاسوبو تطالعه بإهتمام و تركيز .. فإقتربت منها و سألتها بفضول :
- بتعملى إيه يا لولو .
أجابتها ليال بجدية :
- بدور على مكان قريب مننا علشان محتاجة آخد كورس كمبيوتر .
أومأت دنيا برأسها و قالت بهدوء :
- لو ما وصلتيش لحاجة أنا ممكن أسأل واحدة زميلتى فى الشغل و هى هتساعدنا .
رفعت ليال عيناها ناحية دنيا و قالت برجاء :
- يا ريت يا دنيا .. بس يكون مكان قريب علشان البيبى و كده .
أومأت دنيا برأسها و قالت بهدوء :
- تمام .. هروح أشوف ميناس بقا .
تركتها و صعدت الدرج بإرهاق و دلفت لغرفتها هى و ميناس فوجدتها تتطلع لكتبها بحيرة .. فسألتها بضيق :
- بتعملى إيه إنتى كمان .
إبتسمت ميناس إبتسامتها البريئة و ﻹستندت على مكتبها بمرفقيها و قالت بهدوء :
- بذاكر .. أحمد جابلى كتب سنة أولى لكليتى علشان أفتكر المواد اللى خدتها قبل ما أرجع الكلية تانى .
إرتمت دنيا بجسدها على فراشها و قالت بمداعبة :
- أيوة يا باش مهندسة .. محدش هيبقى قدك .
تنهدت ميناس مطولا و عيناها الذابلة باتت تشع حماسا و إقبالا على الحياة و قالت بتمنى :
- إدعيلى بس ربنا يوفقنى وأقدر أرجع تانى .
خلعت دنيا حجابها و قالت لها محمسة :
- إحنا واثقين فيكى .. ثقى فى نفسك بس و هتنجحى صدقينى .
ثم بحثت حولها بتعجب و تسائلت بفضول :
هى غزل فين ؟!!
ردت ميناس مسرعة :
- غزل .. مش عارفة تقريبا خرجت .
ثم رفعت حاجبيها و قالت بعدما تذكرت :
- أيوة صح النهاردة السمسار جايب المشترى اللى هيشترى
شقتها و المحل .
وقفت دنيا و قالت بهدوء ساخر :
- تمام .. هقوم أخد دش و هنزل أضايق فى أم أشرف شوية .. وحشتنى .
إتسعت إبتسامة ميناس و إكتفت بهزة كتفها بيأس و عادت لمطالعة كتبها بنفس الحيرة ....
وقف فى نافذته شاردا و صورتها تتراقص أمام عينيه .. بإغوائها المثير و ضحكتها الساحرة و نظراتها الماكرة ...
دلفت سكرتيرة فارس عليه المكتب و قالت بعملية :
- فارس بيه .
كان فى حالة شرود تامة .. و هو يتذكر أميرته الجميلة و شوقه لها يؤلمه .. يشعر الآن بمشاعر لم يعرفها قبلها و لا يهتم بتحليلها .. فهى بعد أن عادت إليه تركته بمفرده يعانى بعدها .. أردفت سكرتيرته قائلة بنبرة عالية :
- فارس بيه حضرتك سامعنى .
إنتبه إليها فإلتف بجسده و سألها بضيق :
- عاوزة إيه .
- فى إتصال لحضرتك من أميريكا .
قطب فارس جبينه متعجبا و قال بقلق :
- أمريكا !!! عموما حوليه .
خرجت السكرتيرة .. و ما هى إلا ثوانى و رن هاتفه .. رفع السماعة و رد قائلا بتحفز :
- ألو .
أتاه صوتا أنثويا متحدثا بلهجة أجنبية :
- مستر فارس السعيد .
أجابها فارس متعجبا :
- نعم أنا هو .
- حسنا .. بروفيسور ديفيد باركر يريد مقابلة حضرتك و مستر حمزة بخصوص حالته الصحية .
فسألها فارس بقلق تملكه :
- حمزة .. أنا لا أفهم شيئا .. ما علاقتى و حمزة بذلك البروفيسور .
أجابته بعملية :
- الدكتور غزل قد راسلته بخصوص مستر حمزة .. إنه مستعد لمقابلتكم فى أقرب وقت .
إبتسم فارس و سألها بفرحة :
- هل هناك أمل من حالة حمزة .
- نعم سيدى .. ما علمته أن نسبة نجاح العملية الجراحية لمستر حمزة تتخطى ال 70% على أقل تقدير .
إتسعت إبتسامة فارس و قال بسعادة :
- إذا فى أقرب وقت سنأتى إليكم .. أرجوا منك سيدتى أن ترسلى لى العنوان كامل على إميلى الخاص و هو ........ .
- حسنا مستر فارس دقائق و أرسل إليك كل المعلومات .. تحياتنا للدكتور غزل .. مع السلامة .
أجابها بإنتشاء :
- شكرا .
أغلق فارس الهاتف و هو يطير من الفرحة .. وقف و قال بتمنى و هو يحمل علبة سجائره و مفاتيحه :
- إنتى فين يا غزل .. نفسى تبقى معايا دلوقتى .
و خرج مسرعا متوجها لمنزل والديه.
وصل فارس لمنزله و هو فى قمة سعادته التى إفتقدها منذ تحررت منه أسيرته .. صعد الدرج راكضا و عينيه تتراقص بفرحة عارمة ..
فصغيره الأول رغم غضبه و حنقه منه إلا إنه سيظل صغيره .. لأنه الوحيد الذى عوض غياب غزل .. و ها هو قد وجد حلا و علاجا لمشكلته ...
دلف للشقة بحماس و صاح بالجميع قائلا :
- يا حمزة .. يا أما .. يا حاج .. إنتوا فين .
خرجت والدته من غرفتها تبعها حمزة الذى دفع كرسيه نحوه و قال بقلق :
- فى إيه يا فارس مالك ؟!
دلف صبرى لشقته و تابعهم بعينيه و أغلق ورائه الباب و قال بتعجب :
- فى إيه مالكم .
تطلعت نحوه زينب و سارت بإتجاهه و قالت بشك :
- كنت فين يا حاج من الصبح .. حتى الوكالة ما روحتهاش .
أجابها و هو يخلع مأزره قائلا بهدوء :
- كنت فى مشوار مهم .. مالكم فى إيه ؟!
أجابته ببساطتها المعهودة :
- أنا عارفة .. إسأل إبنك جاى من برة عمال ينده و يزعق .
إلتفتوا جميعا خلفهم على صوت رامى الذى دلف للتو للشقة و وقف أمام فارس و قال بلهفة :
- عرفت البنات فين يا عوو .
حك فارس مؤخرة رأسه بضيق و قال نافيا :
- ﻷ .. بس جايب لحمزة أخبار بمليون جنيه .
فسأله حمزة بفضول :
- أخبار إيه .
أجابه فارس و هو يطالع الفضول فى عيون الجميع و إبتسم بخفوت و هو يقول بسعادة ظهرت بصوته :
- النهاردة جانى إتصال من دكتور بأمريكا كانت غزل كلمته علشان حالتك .. و بعتتله الأشعة و التقارير بتاعتك .. و النهاردة كلمونى .
إبتلعت زينب ريقها بتوتر و تمسكت بذراعى فارس و سألته بقوة لتتأكد :
- كلموك ليه .. هاه ليه .. هو خير إن شاء الله مش كده .
أومأ برأسه و إحتضن وجهها بين كفيه و قال بثبات :
- أيوة يا ست الكل خير .
فصرخ به صبرى بعدما فقد صبره و قال بغضب :
- ما تخلص يا عوو .. إنت هتنقطنا بالكلام يا إبنى .
رفع ذراعيه و قال بإبتسامة متسعة :
- خلاص هقولكم .. هما عاوزينا نسافر لهم فى أقرب وقت علشان العملية بتاعتك .. تصور نسبة نجاحها سبعين فى المية .. هتمشى تانى يا حمزة .
إرتجفت كفى حمزة و هو يستمع إليه بفرحة .. و قد زاغت أبصاره بشرود و هو يتسائل بصدمة .. هل من الممكن أن يعود كما كان سابقا .. و ميناس .. هل ستصبح زوجته فعليا ..
لم يشعر بدموعه المنهمرة بغزاره على وجهه .. و لكنه إرتمى بجسده على الأرض وخر ساجدا يحمد ربه على هذه المفاجأة الغير متوقعة ..
إمتلأت العيون حوله بالدموع .. و رفعت زينب ذراعيها للأعلى و حمدت ربها قائلة بإمتنان لفضله و كرمه :
- ألف حمد و شكر ليك يا رب .
جلس صبرى على مقعد بجواره و هو يشكر ربه فى نفسه ثم قال موجها حديثه لرامى المصعوق بفرحة :
- رامى .. عاوز بكرة إن شاء الله ندبح تلت عجول لله مفهوم .
أجابه رامى و هو ينحنى ليساعد حمزة على الجلوس بكرسيه :
- حاضر يا حاج .. دى الفرحة الكبيرة .. مبروك يا حمزة .
و ساعده فارس و هو يحمله معه و أجلساه على كرسيه و هو يكفف دموعه المنهمرة بقوة و أجابه قائلا بنبرة مرتجفة :
- الله يبارك فيك .
إلتفت فارس حوله و قال بتعجب و فضول :
- هو الواد مهاب فين .. بقالى يومين مش شايفه .
ردت زينب من بين دموعها :
- فى أوضته بيلعب .. من يوم البنات ما مشيوا و هو قاعد لوحده .
توجه فارس لغرفته وفتح باب غرفته فجأة و قال بتعجب :
- واد يا مهاب إنت قاعد لوحدك ليه .
وضع مهاب الهاتف من يده مذعورا على مكتبه و قال بتلعثم :
- ما .. ما فيش يا بابا .
قطب فارس جبينه و سأله بقلق و هو يطالع هاتفه المقلوب بتوجس :
- كنت بتكلم مين ياض .
فكر مهاب قليلا و قال بعدها بتوتر :
- كنت .. كنت بكلم أنس صاحبى .. محتاج حاجة منى .
كانت غزل ما زالت على الهاتف إرتجفت يدها و هى تستمع لصوته .. و نهج صدرها و تسارعت أنفاسها و قد غلبها شوقها إليه .. فظلت على الهاتف تستمع لحوارهما ..
جلس فارس بجواره و تسائل بفضول و هو مازال يطالع هاتفه :
- ليه بقالك فترة مش بتخرج من أوضتك .
أرجع مهاب شعراته الناعمة للخلف و دارى عينيه عنه و هو يطالع أى شئ دونه و قال متصنعا الهدوء :
- مافيش يا عوو بس بحب أبقى لوحدى .
بعثر فارس شعراته و قال مازحا :
- ليه يا أخويا بتحب و أنا مش عارف .
ضحك مهاب ضحكة عالية و قال بأسى :
- عندك حق .. بحب أربعة و وحشونى قوى .
تنهد فارس مطولا و قال بضيق و هو يقبض كفيه ببعضهما :
- وحشونى أنا كمان .. ماما غزل وحشتك يا مهاب .
إبتلع مهاب ريقه و هو يخفى توتره .. خشية أن يكون كشفه و قال ببديهية و تلقائية طفولية :
- أكيد وحشتنى .. تعرف من آخر مرة شوفتها و أنا نفسى أشوفها تانى قوى .
طأطأ فارس رأسه .. و قال بشوق :
- و أنا كمان وحشتنى قوى .. و هتجنن و أشوفها .
حملت غزل صورتهما سويا و هى تتأمله بشوق و مررت أنامله على وجهه و قالت بهمس خافت :
- و إنت كمان وحشتنى قوى .
ضحك مهاب ضحكة عالية و قال ببساطة دون وعى منه :
- كل ما أفتكر آخر مرة و هى لابسة على وشها البتاع الإسود ده .. تعرف أنا عرفتها اول ما حضنتنى .
إتسعت عينى غزل من صدمتها و قالت بذعر :
- هتكشفنا يا مجنون .
رفع فارس حاجبه بتعجب و قال مستفهما :
- ﻷ ذكى .. و البتاع الإسود ده اللى هو إيه يا شبح .
إعتدل مهاب فى جلسته و شرح له بذراعيه قائلا بتلقائية :
- عارف إنت البتاع ده اللى مامت أنس بتلبسه علشان محدش يشوف وشها.
أومأ فارس برأسه و قال بتنفهم :
- قصدك النقاب .. طب و إمتى كانت آخر مرة دى .
تابع مهاب تصريحاته البريئة قائلا بإسترسال :
- يوم ما إنت ضربت رامى .. لما ميناس مشيت .
ضربت غزل جبهتها و قالت بخوف :
- .. oh my godيا رب ما تقول أكتر من كده يا مهاب .
فكر فارس قليلا حتى قفزت لذاكرته ميناس و دنيا و تلك المنتقبة التى رآها بالقصر .. و التى قالت عنها ميناس أنها صديقة ليال .. صفع جبهته بقوة و قال بنبرة غاضبة :
- يا بنت اللذين .. و أنا إزاى صدقت إنها صاحبة ليال .. من إمتى كان لليال أصحاب .
وقف بحدة و هو يعتصر شعراته بين أنامله بقوة .. و ضرب خزانة مهاب بيده و مهاب يطالعه بتعجب ..
و غزل تملكها الخوف .. قطعت غرفتها ذهابا و غيابا ... بينما رفع فارس رأسه و قال بضيق :
- أنا غبى .. كانت فى إيديا و أنا سبتها تروح منى تانى .. بس أنا حسيت بحاجة غريبة يومها .. قلبى حس بيها و الله .
ثم تطلع ناحية مهاب بنظرات نارية ثاقبة و قال بغضب :
- و إنت إزاى ما تقوليش على حاجة زى دى .
تصنع مهاب الدهشة بعدما شعر بخطأه و إبتلع ريقه بتوتر و قال ببراءة :
- هو أنا ما قولتلكش قبل كده .
أجابه فارس مقلدا نبرة صوته المتعجبة البريئة و قال بسخرية :
- ﻷ يا أخويا ما قولتليش .. إنت هتستعبط ياض .. إنت تعرف مكانها و لا بتكلمك .
هز رأسه مسرعا بالنفى و قال بتلعثم :
- هاه .. لأ مش عارف عنها أى حاجة خالص .
غمز له فارس بعينيه و قال بشراسة :
- عليا يا أصفر .. ده إنت طلعت سوسة .
إنكمش مهاب فى نفسه بينما حمله فارس من ياقة منامته و تطلع داخل عينيه بقوة و هو يسأله بنبرة مهددة :
- تعرف لو إكتشفت إنك مخبى عليا حاجة هعلقك من شعرك اللى إنت فرحان بيه ده .. لأ هاخدك للحلاق و هقصه زيرو .
أصدر مهاب شهقة طويلة و هو يتمسك بشعراته بذعر .. و قال برجاء :
- شعرى لأ .. أنا مش خببت عليك حاجة .
أنزله فارس على قدميه و إنحنى نحوه و هو يحذره رافعا سبابته بوجهه :
- خليك فاكر إنى حذرتك يا أصفر .
زم مهاب شفتيه و تصنع البكاء و قال بتشنج :
- بتشتمنى يا بابا .. طب أنا عملت إيه .
شعر فارس بخطأه و تسرعه فعدل من ملابسه و قال له آسفا بنبرة متريثة :
- خلاص ما تزعلش منى .. بس غزل وحشانى علشان كده متنرفز .. لو عرفت عنها حاجة تانى عرفنى علشان أقابلها و أعتذر لها و أرجعها معانا تانى .. تمام .
إبتسم مهاب بهدوء و قال بأدب شديد :
- done .
تركه فارس و خرج .. فزفر مهاب براحة و حمل هاتفه و قال بخوف :
- كنا هنتكشف يا ماما .
ردت غزل و هى تتنفس بصعوبة :
- ربنا ستر .. خلى بالك بعد كده للعوو شك فيك .
همس بالهاتف و هو يحاوطه بكفه :
- مش هكلمك تانى غير لما أتأكد إنه مش موجود .
فقالت له غزل بإبتسامة هادئة :
- okخلى بالك من نفسك يا عمرى .
إبتسمت شفتيه و هو يقول :
- حاضر .. سلميلى على البنات .
- الله يسلمك يا حبيبى مع السلامة .
وضعت غزل هاتفها بجوارها و هى تشعر براحة غريبة بعدما إستمعت لصوته .. و صدقا فلسماعها صوت فارس الآثر الأكبر .. تمنتها و نالتها ...
تنهدت مطولا بشوق مهلك حتى طرقت ميناس باب غرفتها و قالت بصوت عالى :
- أحمد تحت يا غزل يالا جعانين .
ردت عليها غزل و هى مازالت تحتفظ بإبتسامتها المشرقة :
- حاضر هلبس و هنزل .
جلس أحمد على رأس الطاولة و قال بفرحة :
- إيه كل ده .. شكرا يا دودو تسلم إيدك .
تنهدت دنيامطولا و هى تتأمل وسامته الزائدة اليوم و قالت بهيام :
- بالهنا و الشفا .. كل الأكل ده علشانك .
طالعها أحمد مطولا و قال بمداعبة :
- شكرا .. بس إيه القمطة اللى على دماغك دى مصدعة و لا إيه .
إتسعت عينى دنيا و هى تلامس رأسها و حجابها المربوط بتلقائية .. ثم طالعته بنبرة محتدة و قالت بضيق :
- تصدق بالله .. إنت أمين مخازن الغتاتة و البواخة .
إنفجر الجميع ضاحكا فقالت ميناس من بين ضحكاتها :
- إلبس يا معلم .
وقف أحمد مسرعا و قال معتذرا بهمس مثير :
- آسف يا دودو .. إوعى تزعلى منى .
فضربته دنيا على صدره بقوة و هى تطالع بلوم .. فرفع كفه مكان ضربتها و قال مدعى الألم بنعومة :
- آه يا قلبى .
ضحكت دنيا و قالت برقة :
- سلامة قلبك .
تطلع إليها أحمد هائما بعينيها و صوتها و كأنه نسى العالم من حوله .. تطلعت إليهما ليال و ميناس بإبتسامة ساخرة .. بينما إقتربت منهم غزل و قالت بصوت عالى :
- أنا جيت .
فزعت دنيا من صوتها العالى و قالت بضيق :
- نعمل إيه يعنى .. طب سمعنى أحلى سلام علشان غزل إجت .
قطبت غزل حاجبيها و قالت لدنيا بغضب :
- حسابك عسير معايا .
رد أحمد مسرعا :
- عسير قصب .
زم الجميع شفاههم بإذدراء .. فقالت له ليال بوجه ممتعض :
- بايخة آخر حاجة يا أحمد .
أكدت غزل كلامها و قالت و هى تسحب مقعدها :
- يع بجد .. بس كابسة يا معلم .
رد قائلا بسخرية :
- كابسة باللحمة و لا بالفراخ .
إمتعض وجه دنيا و قالت بضيق :
- لأ بالظرافة يا خفيف .
و تركتهم و صعدت لغرفتها لتبديل ملابسها .. طالعها حتى إختفت من أمام عينيه و جلس مكانه .. فمالت غزل ناحيته و قالت بتحذير شرس :
- سيب دنيا فى حالها يا أحمد .. دى أمانة فى رقبتى و مش هسمح لحاجة تضايقها .
إبتسمت شفتيه و عقد ذراعيه أمام صدره و قال بثبات :
- ما تقلقيش منى يا غزل .. و قريب جدا هعرفك إنى آخر واحد تخافى عليها منى .
عادت غزل لجلستها مجددا و هى تطالع ليال التى غمزت لها بعينها تأكيدا على وجهة نظرها .
بعد قليل عادت دنيا و قد تأنقت .. ما أن رآها أحمد حتى وقف مسرعا و قال بإعجاب و عينيه تحاصرها بتملك :
- و النبى قمر .
جذبته غزل من ذراعه بالقوة و أجلسته قائلة بتحذير نارى :
- لم نفسك لهلمك .. إيه ما فيش كبير للقاعدة دى هتعاكسها قدامى .
فقال و هو ما زال يتطلع لدنيا بإعجاب :
- خلاص يا دكتور .. إحنا آسفين .. مش هناكل و لا إيه .
ردت ميناس بمزاح و هى تطالعه بتعجب :
- اللى يشوف عصعصتك دى ما يشوفش كمية الأكل اللى بتاكلها .
رفع أحمد كفه بوجه ميناس و قال بقوة :
- الله أكبر فى عنيكى اللى لسه ما إستوتش دى .
إبتسمت ميناس إبتسامة مصطنعه و قالت بسخرية :
- حبوب قوى .
تطلع إليهم أحمد و قال بإبتسامة مشرقة :
- أنا ماليش إخوات بنات و ربنا عوضنى بأربعة بنات
جالسا فى شقته شاردا و الإضائة حوله خافتة و زاد خفوتها الغيمة التى سببها دخان سجائره و هو يطالع سقف الشقة بشرود ...
و صوتها لا يفارقه .. و صورتها المرحة تغزو كيانه بأكمله .. كلما تذكر ليلتهم الوحيدة يشتاق و يلتاع .. كانت بين يديه .. حلم عمره كله كانت بين يديه و هو من أضاعها بحماقته و تسرعه ...
ليست حماقه .. خوفه من أنه سيخسرها مجددا مهما إقتربا هو ما يمتلكه ..
ذعر مرضى من كونها ستتركه للأبد مجددا هو ما يجعل لسانه يسبق عقله و طريقته فى الإمساك بها هى أسوء ما فعله .. لأنه يحتاج القليل من التمسك خيرا من الإمساك ....
زفر فارس دخان سيجارته العاشرة ليزيد من تلك الغيمة المحيطة له .. و دقات على باب شقته جعلته يتركها أخيرا ...
فتح باب الشقة ... ليرفع عينيه بملل و يعود لداخل الشقة تاركا الباب مفتوح ..
تطلع رامى حوله بتعجب من ذلك الدخان الكثيف فتوجه مباشرة ناحية شرفة البهو و فتحها ليدخل الهواء النظيف و الضوء ..
أغلق فارس عينيه مسرعا و غطى عينيه بيديه قائلا بضيق :
- إقفل الباب ده عنيا وجعتنى .
لم يهتم لما قاله و فتح الشرفة المجاورة له أيضا و هو يقول بتعجب :
- إنت بتنتحر يا إبنى .. إنت شارب كام سيجاره للدخان ده .
أجابه فارس بإمتعاض :
- ماليكش فيه و يالا غور من هنا مش عاوز أشوف وشك .
إرتمى رامى بجسده على الأريكة المقابلة له و تمدد عليها قائلا بسخرية :
- وشى ده أى واحد اللى إنت فرمطته ده و لا وشى السليم .
إعتدل فارس فى جلسته و تمسك بذقن رامى و حرك وجهه لليمين و اليسار و قال ببرود :
- اللى إتنين .. قوم إطلع برة .
تنهد رامى مطولا تنهيدة مرتجفة طويلة و قال بأسى :
- إنت هنا مش هربان صح .. إنت أكيد بتفكر هنرجعهم إزاى .
أجابه فارس بنبرة محتدة :
- طبعا .. سيبنى لواحدى بقا .
إعتدل رامى بجلسته و أنزل ساقيه و تمسك بكف فارس و ترجاه قائلا بضعف :
- سامحنى يا فارس مش عارف كنت بقول إيه .. الله يخليك رجعلى ليال .. شوية اللى بعدتهم عنى و بموت .
جذب فارس كفه من بين راحتيه و قال شرزا :
- ما تدور عليها أنا ماسكك .
مرر رامى كفيه على وجهه و قال بعجز :
- عقلى مشلول مش قادر أفكر فى حاجة .. و إنت من الشبورة اللى كنت عاملها دى أكيد كنت بتفكر هترجع مراتك إزاى .
شرد فارس قليلا قبل أن يقول بنبرة عميقة :
- أنا عاوز أعرف مكانها بس علشان أبقى مطمن عليها .
رفع رامى حاجبه بتعجب و سأله بإستياء بادى بنبرته الحادة و ملامحه المتجهمة :
- تطمن عليها .. يا برودك يا أخى .. يا عم أنا عايز مراتى تبقى معايا و بين إيديا و إنت تقولى أطمن عليها .
حك فارس مؤخرة رأسه كاظما غيظه من ذلك الغبى و قذف كلماته الغاضبة بوجهه قائلا بتصلب :
- إنت لسه مافهمتش حاجة .. قولى يا أذكى إخواتك لما مراتك هترجعلك دلوقتى هتقولها إيه على إبنها اللى موته بإيدك .. قولى هتداويها إزاى .
إبتلع رامى ريقه بتوتر و طأطأ رأسه و قال بوهن :
- أنا بس اللى أقدر أداويها يا فارس .. ليال دى كتالوجها كله معايا .. أنا عملت كل ده لأن عين غيرى شافتها .. دى بتاعتى لواحدى .
وضع فارس ساقا فوق الأخرى و إلتفت بجسده كى لا يلكمه مجددا بوجهه المتورم .. و هو يقنع نفسه أنه رحل .. تركه و رحل ..
وقف رامى و إلتف حول فارس و جلس مقابلا له و قال له برجاء لا يليق به نهائيا :
- هتنهار من غيرى يا فارس و حياة إبنك رجعهالى .. لو جه عليا بكرة و هى مش معايا هتجنن و مش هعرف أسيطر على أعصابى .
إقترب فارس منه بوجهه و قال بحزم و حدة تلائمانه جدا :
- طب ورحمة إبنك إنت .. لو أنا مكانها ما أشوف وشك تانى .. يا إبنى ما فيش تأنيب ضمير جواك بقولك إبنك ماااااات .. حاسس و لا مش معانا على الكوكب ده يا عديم الإحساس .
إستند رامى بظهره على الأريكة و قال بملامح حزينة و مهزومة :
- أنت مش فاهم حاجة .. محدش قادر يفهمنى ﻷنه محدش بيفهمنى و بيحس بيا غيرها .
قبض فارس قبضته متحكما فى إنفعلاته و قال بتماسك يحسد عليه :
- قوم يا رامى إمشى .. أنا ماسك نفسى عنك بالعافية و وشك مافيش فيه حتة سليمة علشان أضربك فيها .
ثم وقف مسرعا و حمل مفاتيحه و هاتفه و قال بحدة :
- أقولك أسيبلك أنا الشقة و همشى .
رن هاتفه فتطلع لشاشته و أجابه مسرعا بتلهف :
- ألو .. وصلتوا لإيه ؟!!
إعتدل رامى بجلسته و هو يطالع ملامح فارس متفرسا بوجهه .. بعدما فطن أن لإتصاله علاقة بهروب الفتيات فملأه الأمل .. و لكن شعور بالقلق ملأه و هو يرى تجهم وجهه و شراسة ملامحه و هو يقول بعصبية :
- يعنى إيه .. التليفونين اللى إديتك أرقامهم لقيتوهم فى الطريق .. طب كده خلاص .. أخبط دماغى أنا فى الحيطة .
إشتداد قبضة فارس و صكه لأسنانه أخبروه أنه لا أمل له برؤيتها اليوم .. رفع عينيه مذعورا مع صياح فارس الهيستيرى :
- أنا ما أفهمش فى الكلام ده .. شوف الطريق ده بيودى فين و ساعات و تجيبلى خبر .. و دور فى كل المستشفيات هما أكيد يا إما هنا فى مستشفى يا مشيوا و ده ضعيف و أكيد هيروحوا مستشفى .. و إلا ودينى هخلى أيامك سودا .
و أغلق هاتفه و قذفه على الأرضية فسقط متحطما .. و أخذ يدور حول نفسه بغضب و هو يضرب رأسه بقبضته ...
ثم إنحنى و حمل حطام هاتفه و خرج مسرعا .. جذبه رامى من ذراعه و سأله بتلهف :
- فى إيه ؟!
أجابه فارس و هو ينفس نارا من أنفه و عينيه تشع شرارا غاضبا :
- الموضوع مش هيبقى سهل يا رامى .. غزل و أنا عارفها دى مشيت على الحيطة و إحنا فى التالت ماخافتش تقع و تموت .. الموضوع مش سهل صدقنى .
و جذب ذراعه و تركه و خرج .. إرتمى رامى بجسده مجددا على الأريكة و قال بهستيرية و عدم تركيز :
- ليال هتتعب من غيرى .. غزل مش فاهمة حاجة .. مش فاهمة حاجة .
لم يلتفت إليه فارس و تركه فى تخبطه و مضى ...
وقفت غزل أمام غرفة المعاينة فى إنتظار خروج الطبيبة و أحمد .. حينما خرجوا إقتربت منهم و سألت بقلق :
- ليال كويسة يا دكتور .
ردت الطبيبة بضيق :
- نفسيا الوضع صعب جدا .. بس البيبى كويس و هى كويسة هترتاح هنا يومين بس علشان نطمن أكتر .. بعد إذنكم .
تنهدت غزل مطولا و هى تتوعدهم جميعا .. و ملامحها تنذر بما لا يحمد عقباه .. ربت أحمد على كتفها و قال بهدوء :
- ما تقلقيش عليها .. خلى البنات يروحوا البيت و أنا هفضل معاها لما ترجعى .
تنفست بصعوبة و سألته بتوجس :
- خايفة البيبى ما يستحملش طريق السفر الطويل ده و يموت و أبقى أنا السبب .
أجابها بعملية :
- جرى إيه يا دكتور .. أمال مركز إيه اللى عاوزة تفتحيه .. ما إنتى أكيد عارفة إن حالتها من الأول محتاجة معجزة إن الطفل ده يعيش .. و عاش قلقانة ليه بس .
طالعته بوهن و إستندت بظهرها على الحائط و قالت بإشفاق :
- ليال دى عاملة زى البسكوتة .. هى أكتر واحدة خايفة عليها .. لما تعرف إنى مش هخليها تشوفه تانى مش عارفة ردة فعلها هتبقى إيه .
خلع نظارته الطبية و قال بحدة :
- هو إنتى مش قولتى إن جوزها ده بيحبها .. طب عمل فيها ليه كده .. ده واضح إنه كان بيشدها من شعرها لأن البنات و هما بيقلعوها الحجاب إتألمت منه .
أغمضت غزل عيناها و هى تزفر بقوة و قالت بوعيد حاقد :
- و رحمة أمى و أمها لهخليه يلف حوالين نفسه و يبوس رجلها قبل إيدها علشان .. هى .. توافق ترجعله و لو لآخر يوم فى عمرى .
هز رأسه مستنكرا و سألها ببديهية :
- إسمه رامى مش كده .
تطلعت إليه غزل بتعجب فأجابها مسرعا :
- أصلها بتنده بإسمه و هى نايمة .. و عاوزاه يسامحها .. هى عملت فيه إيه علشان يضربها كده و هى حامل .
إعتدلت غزل بوقفتها و قالت بوهن :
- بكرة لما تعرفها .. هتتأكد إنها مستحيل تقتل ناموسة قرصتها .. دى هادية جدا و لو قال لها إرمى نفسك فى النار مش هتعارضه .
هز كتفيه بعدم فهم و حثها على المغادرة قائلا بتريث :
- ربنا يهدى .. يالا بقا روحى وصلى البنات و إرجعى بسرعة .
أومأت غزل برأسها و قالت مؤكدة :
- عندك حق .. و هما تعبوا الصراحة .. هوصلهم و هرجع على طول .
تركته و توجهت لإستراحة المشفى و طلبت من ميناس و دنيا الذهاب معها .. وقفت ميناس مسرعة و قالت بنفى قاطع :
- ﻷ .. أنا مش هسيب أختى .
طالعتها غزل برجاء و قالت بهدوء :
- و حياة ليال عندك أنا مش حمل مناقشات .. إسمعوا الكلام على طول .. ليال نايمة .. و أنا هوصلكم ترتاحوا و هرجعلها و هفضل جنبها لبكرة و لما هتعب هخليكم تيجوا تقعدوا معاها و أنا هروح أرتاح .
خرجت دنيا من صمتها و قالت بمعارضة :
- بس يا غزل أنا أقدر أستحمل .. إنتم روحوا و أنا هفضل .
ضغطت غزل عيناها بقوة و قالت بحدة فاقدة صبرها :
- أصوت و ألم عليا الناس يا ربى علشان يرتاحوا .. إرحمونى أنا من الصبح و بضغط على أعصابى و خلاص هنفجر فيكم .
إنكمشت ميناس بدنيا و هما تطالعان شراسة غزل و قالتا بإنصياع :
- خلاص هنمشى .
أشارت لهما غزل بعيناها و قالت بحدة :
- قدامى يالا .
أوصلتهم غزل للمنزل و طلبت من أم أشرف أن تهتم بهم و بطلباتهم .. و تركتهم و عادت لليال .. ظلت جوارها طوال الليل .. حتى إطمأنت عليها و رأت إستقرار حالتها بعيناها ...
كلما تذكرت إستجدائه و تعطفه كى تصفح عنه و تسامحه .. يتلهف قلبها و يهفو بنعومة .. رؤيتها له اليوم جعلتها تتألم لحالته ..
ذبول وجهه و ذقنه الطويلة و نحافة جسده الغير ملحوظة .. أخبراها أنها أصابت هدفها ..
و أصابت نفسها معه .. تحتاجه الآن بجوارها و تحتاج ضمته التى تغمرها بصدره الرحب موطنها الأساسى و ملجأها وقت ضيقها و وهنها ...
ليته يعلم أنه خسر و تسبب فى مرور أيامهما ببرود عكس ما كانت تتوقع ..
إبتسمت بخفوت و هى تتذكر أحلامها الوردية .. و التى تحقق منها جزءا ضئيلا و هو ليلتهم الوحيدة .. تتذكرها بكل تفاصيلها بجموحه النارى و لمساته الهادئة الخبيرة ببواطن مفاتيحها ...
و قبلاته العميقة و العنيفة و الذى أطلق بها ذلك القابع بداخله و إنتظرها لسنوات و سنوات على أمل عودتها .. ليلتهمها دون رحمة أو شفقة بضعفها و إحتياجها للأكسجين لتملأ رئتيها ...
فى حينها كانت طائرة بأجنحة ناعمة فى عالمه الساحر .. و الذى جذبها إليه بكل قوته .. لتفيق على طعنة غادرة بظهرها ..
إختفت إبتسامتها و تجهم وجهها و وقفت بتثاقل و سارت حتى الشرفة و فتحتها و سمحت للهواء بالتدفق لصدرها و هى تطالع القمر الغير مكتمل كحبها ....
و حبه .. آلاف الأسئلة تتدفق برأسه كجيشا كاملا تلومه و توبخه على حماقته .. لماذا أضاعها .. هل باتت تكرهه ...
هل ستعود لصدره مجددا .. سيغمر وجهه بشعراتها مجددا .. سيرسم طرقه على جسدها كما فعل ...
إستند فارس برأسه على سيارته و هو يتأمل القمر الحزين كحاله .. و كأنه يلومه أيضا على ما فعله ...
و صورتها يوم كانت تنتفض فى غفوتها و تهذى بكلمات غير مفهومة بغرفة مهاب لا تفارقه .. و ما فهمه و فسره كان إسمه ..
وقتها أشفق عليها .. فإقترب منها و ملس على شعراتها بحنو كما كان يفعل عندما يأخذ منها علاء ألعابها ..
و الذى صنمه أنها تمسكت بقميصه كما كانت تفعل فيضمها لصدره ...
لم يتردد و ضمها إليه بقوة و سحب نفسا طويلا ليشعر أنه بقربها فقط يتنفس و يشعر أنه كائن حى لا جلمود ثلجى متحجر المشاعر ..
تمسكها به جعله يحملها على ساقيه و يهدهدها كطفلة صغيرة مذعورة .. لم تهدأ إلا عندما إستمعت لصوته و هو يهدأها بكلماته الحقيقية الصافية و النابعة من قلبه ....
لحظتها تناسى حقده و إنتقامه الواهى و حملها و سار بها حتى فراشهما .. لم تتركه فإضطر أن يمددها و يتمدد بجوارها ..
لو تعود تلك الليلة مجددا .. لن يتركها سيتمسك بها لآخر نفس بصدره .. سيعوضها كل ما رأته بحياتها البائسة و الذى زادها هو بؤسا و ألما ....
تنهيدة طويلة ملتاعة هى ما جمعتهما بنفس الوقت و القمر الحزين هو ما يطالعاه الآن ...
مر يومان و خرجت ليال مع غزل من المشفى و أخذتها للمنزل بسيارة أحمد .. و طوال الطريق و ليال صامته و شارده بحزن ...
و ما أن وصلا حتى تطلعت ليال للبحر مطولا براحة .. ترجلت غزل أولا و فتحت الباب المجاور لها و ساعدتها على الترجل .. حثتها على السير معها قائلة بهدوء :
- يالا يا حبيبتى علشان ترتاحى .. مش لازم تقفى كتير .
أوقفتها ليال و قالت برجاء واهن :
- سبينى قدام البحر لوحدى يا غزل لو سمحتى .
زمت غزل شفتيها و أومأت برأسها و قالت بإنصياع :
- حاضر يا حبيبتى .. تعالى معايا و أنا هخليكى تمددى على الكرسى علشان ضهرك يبقى مرتاح و هدخل أجيبلك مفرش أغطيكى بيه .. و المنطقة هنا هادية و الجو بادئ يبرد و مافيش ناس كتير بتيجى هنا .
أومأت ليال برأسها بهدوء و إستندت على يدها حتى جلست و تمددت على المقعد .. تركتها غزل و عادت للمنزل و هى تطالعها بإشفاق ..
إستقبلتها ميناس التى سألتها بقلق :
- ليال كويسة يا زولا .
إلتفتت غزل برأسها ناحية ليال و قالت بتريث :
- أيوة الحمد لله .. سبيها لوحدها شوية لو سمحتى .. هى دنيا فين .
ضحكت ميناس بخفوت و قالت ساخرة بحدة :
- ماسكة فى خناق أم أشرف .. طول الوقت بيتخانقوا لما تعبت .
إبتسمت غزل و هى ترى دنيا تتقدم نحوها .. مقطبة الجبين من غضبها و تهز ذراعيها بقوة و قالت بضيق :
- غزل لو سمحتى شوفى حل مع الست دى .. أنا مش بحب حد يعملى حاجة و هى رافضة إنى أساعدها و أنا مش بحب القاعدة .
هدأتها غزل قائلة بتعقل :
- صلى على النبى كده و إهدى .
كتفت دنيا ذراعيها و قالت بقوة :
- عليه الصلاة و السلام .. بس ﻷ مش ههدى .. أنا مش متعودة على الملل ده .. لا فى سوق أروحه و لا بيت أشتغل فيه و أخرج طاقتى .. و أنا مش بعرف أقعد .
لفت غزل ذراعها حول كتفيها و قالت بهدوء :
- حاضر يا قمر .. سبيها فى حالها و أنا هشوفلك شغلانة .
لمعت عينى دنيا بسعادة و قالت بتمنى حزين :
- بجد هشتغل .. بس أنا معايا دبلوم بس .
حمستها غزل قائلة بإبتسامة خافتة :
- كويس .. بكرة هكلم أحمد يشوفلك شغل فى المستشفى اللى شغال فيها .
غمزت لها دنيا و سألتها قائلة بمشاغبة :
- هموت و أشوف أحمد ده .. من ساعة ما جينا و إنتى مش بتقولى غير أحمد عمل .. أحمد هيعمل .. ما تعزميه على العشا و أنا هطبخله بإيدى علشان نشكره .
لم تبدى غزل أى إعتراض من فكرة دنيا و قالت بموافقة :
- عندك حق يا دودو .. ده حتى هو بقاله كام يوم محروم من أكل أم أشرف .
جلست غزل على أقرب أريكة و إنحنت قليلا لخلع حذائها .. فسألتها دنيا بفضول :
- هو أحمد ده غنى يا غزل .
أجابتها غزل و هى تطالع حذائها بهدوء :
- ﻷ .. هو مش غنى و مش فقير .. يعنى دكتور كبير بيشتغل فى مستشفى خاصة و عنده شقة فى مصر بتاعته و العربية اللى كنا راكبينها .
تطلعت دنيا حولها و عيناها تدور بتلك الفيلا الصغيرة بتعجب و سألتها بإهتمام :
- طب و الفيلا دى بتاعته برضه .
رفعت غزل رأسها و طالعتها بهدوء و هى تجيبها معللة :
- البيت ده بتاع صاحب المستشفى اللى هو بيشتغل فيها .. و لأنه صاحبه و عارف إنه لواحده خلاه يعيش فيها .
هزت دنيا رأسها بتفهم و قالت بحماس :
- أقوم بقا أشوف ناقصنا إيه أبعت أم أشرف تجيبه خلينى أطبخ بمزاج .
فتحت عزل حقيبتها و أخرجت حافظتها و أعطت دنيا مبلغا ماليا و قالت بحنو :
- خدى الفلوس دى و اللى ناقصك هاتيه يا حبيبتى .. أنا عارفة إنى مقصرة معاكى بقالى فترة .
إنحنت دنيا ناحيتها و قبلتها مطولا و قالت برقة :
- ربنا يخليكى ليا .. يا أحن أخت فى الدنيا .
و تركتها و ركضت ناحية المطبخ بسعادة .. إلتفتت غزل برأسها و تطلعت بميناس التى مازالت تطالع أختها بحزن و زفرت بقوة و ضيق .....
أخرجت هاتفها من حقيبتها و هاتفت أحمد و دعته على تناول العشاء معهم .. و وافق ..
دمعة غادرة إنسابت على وجهها المتورم و هى تفكر بعذابها ببعده .. و قلبها يأن على فراقه ..
هل تركته بالفعل .. تركت جزءا من كيانها و روحها .. على من ستضحك .. على نفسها التى تعشقه رغم ما فعله .. أيامها أصبحت بلا معنى و الليل طويل و بارد بدون ضمته و صوته العميق ...
تركت معه كل شئ قلبها و حياتها و نفسها .. رفعت عيناها للسماء و ناجت ربها بداخلها :
- صبرنى يا رب .. مش قادرة حاسة إنى بتخنق من غيره و متأكده إنه مخنوق زيى .. أنا هستحمل هو ﻷ .. يا رب خفف عليه بعدى و إجمعنى بيه قريب .
توقف سيل دموعها و هى تشعر بشئ يلف جسدها و يدفأها بصمت ..
هزت غزل رأسها بيأس و هى تطالع دموعها المنهمرة و وجهها المحتقن فإكتفت بلف الغطاء حول جسدها و تركتها و عادت للمنزل ....
وقف أمام باب غرفته و هو مترددا فى الدلوف .. و لكنه سحب نفسا طويلا و أدار مقبض الباب و حرك عجلات كرسيه و دفع الباب بيده ...
رفع مهاب رأسه ناحية عمه .. و أشاح بوجهه عنه مسرعا و طالع دفتر الرسم أمامه و عاد بقلمه للرسم مجددا ...
إقترب منه حمزة و هو يتفرس بملامحه و خرج صوته متحشرجا و هو يقول بتوجس :
- مهاب .. إنت أغلى حاجة فى دنيتى و لو زعلت منى إنت كمان هتعب أكتر يرضيك .
لم يجيبه و لم يظهر على ملامحه أى تأثر بكلمات حمزة .. فأردف الآخر قائلا بهدوء :
- يا صاحبى أنا ماليش غيرك .. و ضحكتك بتنسينى همى ماتزودهاش عليا أنا قلبى تعبان .
أجابه مهاب قائلا بجمود :
- بسم الله الرحمن الرحيم .. { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .. صدق الله العظيم .
رفع حمزة حاجبيه بشدة و هو يتابعه بصدمة .. و ما قاله زلزل وجدانه حتى أنه شعر بإختناق و شعور غريب بالخشوع ملأه و تجمعت بمقلتيه عبرات ساخنة آلمته ...
و لكنه سأله بإندهاش جلى على ملامحه و تهدل جسده :
- قولت إيه ؟!
رفع مهاب عينيه ناحيته و قال بقوة :
- كنت كل لما بدخلها أوضتها فى القصر و أشوف إيديك معلمة على وشها .. أزعل و أعيط و أقولها إنى هخرج أضربك زى ما بتضربها .
زادت دقات قلبه و هو يطالع ملامحه المتجمدة و مهاب يتابع بنبرة ثابتة :
- و لما أسألها مش بتخافى منه .. كانت تضحك و تقولى { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } .. و إنها بتستحمل الوجع لأنها عارفة إنك متضايق .
طأطأ حمزة رأسه و شرد قليلا و هو يتنهد بأسى متذكرا إستحمالها لبطشه و غضبه ... و خرج صوته ميتا و هو يقول بصوت يحمل فى طياته الشجن :
- كنت بضربها و أنا بتعذب .. و لو سألتنى ليه هقولك مش عارف .. و الله بحبها قوى .
وارى مهاب إبتسامته بصعوبة و سأله بحزم :
- و لما إنت بتحبها كنت بتضربها ليه ؟!
أجابه و هو مازال مطأطأ رأسه و يفرك أنامله بتوتر :
- كنت خايف تبعد عنى .. و قعدتى على الكرسى خلتنى زى الأعمى ما كنتش شايف غلاوتها عندى .
إعتدل مهاب بجلسته على فراشه و ثنى ساقيه و جلس فوقهما و قال بحزم :
- يعنى لو رجعتلك هتضربها تانى .
رفع حمزة رأسه ناحيته و طالعه مطولا قبل أن يجيبه قائلا بصدق :
- مش عاوزها ترجعلى و أنا لسه على الكرسى ده .. إدعيلى يا مهاب و إنت بتصلى إن ربنا يشفينى .
ترك فراشه و قفز على الأرضية و تقدم ناحيته و إلتف حول كرسيه و دفعه بكل قوته .. فسأله حمزة بتعجب :
- إنت كده زودتها إنت بتخرجنى من أوضتك يا مهاب .
واصل مهاب دفعه للكرسى و هو يلهث و أجابه قائلا بضيق :
- ممكن تقطم الكلام شوية .
إبتسم حمزة بخفوت و عاونه بتحريك عجلات الكرسى قائلا بمزاح :
- أقطم الكلام .. المرة دى لو غزل اللى سمعتك هتغزنى بمطواة فى بطنى .
دلفا سويا لغرفة حمزة و مهاب مازال يدفع كرسيه حتى وقف به أمام المرحاض و إنحنى قليلا و خلع نعليه و إلتف مجددا حوله و دفعه لداخل المرحاض ...
لم يسأله حمزة لأنه بدأ يستوعب ما يريده خصوصا و هو يشمر عن ساعديه و لفه ناحية صنبور المياة و قال له بهدوء متزن :
- هتعرف تتوضا و لا أوضيك أنا .
زادت دقات قلب حمزة بتوتر لم يعهده .. و هو يتذكر آخر مرة رفع بها يديه و كبر و صلى ....
إبتلع ريقه بتوتر و قال بصوت خفيض خجل :
- هعرف أتوضأ لوحدى .
و مد يده ناحية المياه الجارية فسرت بجسده قشعريرة غريبة و بدأ إستغفاره و هو يغسل كفيه و نهج صدره بشدة و كأنه يعدو ...
أنهى وضوءه و مهاب يتابعه بإبتسامة رضا .. و ناوله منشفة نظيفة .. فطالعه حمزة بإبتسامة هادئة لم يرها منه من قبل .. و دفعه مجددا ناحية غرفته و عدل وضع كرسيه ناحية القبلة و وقف أمامه و قال بتعقل يليق به :
- أنا لسه ما صلتش المغرب .. إنت صلى إمام و أنا هصلى وراك .
سحب حمزة نفسا طويلا قبل أن يرفع كفيه ناحية أذنيه و قال بصوت مرتجف :
- الله أكبر .
لم يتمالك نفسه أكثر و غيمت عينيه و تحشرج صوته و هو يتلو آيات الله بصوت مسموع و مزيج غريب من الراحة و الخشوع تملكه .. و مع إنحنائه رأسه ناحية ساقيه فى سجوده إنهمرت دموعه و تهدج صدره أكثر و خرج كل ما إعتمره بداخله و هو يبكى بحرقة و ناجى ربه قائلا بصوت مبحوح :
- سامحنى .. و حياة حبيبك محمد تسامحنى .. عارف إنى عاق و أصرت فى حقك .. أنا ماليش عين أنده بإسمك و ذنوبى محوطانى .. بس الحمل تقل و مش قادر خلاص .. خفف حملى و إغفرلى .. إنت الوحيد اللى حاسس باللى جوايا .
رأف بحال الصغير فرفع رأسه و تابع صلاته حتى إنتهى و رفع كفيه ناحية وجهه و تابع حديثه مع الله حتى هدأ ...
وقف مهاب أمامه و مد يده ناحية حمزة قائلا بإبتسامة مرحة :
- حرما يا صاحبى .
كفف حمزة دموعه و ضمه لصدره بقوة و تشبث به و هو يقول بخفوت :
- ربنا يكملك بعقلك يا حبيبى .. و يحميك من شياطين الإنس و الجن .
ملس مهاب على ظهره بحنو و قال بهدوء :
- والله أنا مبسوط إنك شايفنى عاقل .. أصل ماما و بابا طول الوقت بيعاملونى على إنى مجنون .
إبتعد حمزة عنه قليلا و قال بعبوس محتد :
- ده اللى يقول عليك مجنون هو اللى ستين مجنون .. بس إوعى تقول لأبوك إنى بقول عليه كده هو و غزل .. أنا وشى مش هيستحمل اللى خده رامى .
ضحك مهاب بخفوت .. فتابع حمزة حديثه قائلا براحة أثلجت صدره :
- أنا ما قتلتش أمك يا مهاب .
تمسك مهاب بكفيه و قال ببراءة :
- ماما ماتت لأنه ربنا عاوز كده .. الله يرحمها و يشفيك .
حمله حمزة و أجلسه على ساقيه و تحدثا بمرح و هو يداعبه و صوت ضحكاتهم أنسى حمزة ألمه ...
وقفت زينب تتابعهما براحة و إبتسامة خافتة إرتسمت على شفتيها و هى تدعوا لهما براحة البال ...
فى المساء أعدت دنيا العشاء .. رغم رفض أم أشرف و تزمتها .. و جهزت الطاولة بخارج المنزل بالحديقة المطلة على البحر .. و هى تبتسم بإنتشاء ....
جلست الفتيات فى إنتظار قدوم أحمد .. حتى دلف عليهم قائلا بإبتسامته الساحرة :
- السلام عليكم .
لم يرد عليه سوى غزل بينما تطلعت إليه دنيا و ميناس و ليال بدهشة .. فمالت دنيا على ميناس و قالت بهمس :
- أوبا .. إيه الموز ده .
أجابتها ميناس وهى تحدجه ببلاهه :
- إيه الحلاوة دى .. فى رجالة حلوة كده .
وخزتها ليال بذراعها و قالت بتحذير هامس :
- وطوا صوتكم أحسنلكم .
جلس أحمد على الطاولة و قال و هو يطالع الطعام بإعجاب :
- الأكل شكله تحفه .. دى أم أشرف أدائها إتطور جدا .
زمت دنيا شفتيها و قالت بضيق :
- أنا اللى طابخة على فكرة .
تطلع إليها أحمد مطولا و هو يتأمل جمالها بعيونها السوداء و بياضها الناصع و ملامحها الرقيقة .. ثم تنحنح قائلا بصوته الهادئ :
- تسلم إيدك يا... .
ردت غزل مسرعة :
- دى يا سيدى دنيا اللى كلمتك عنها علشان الشغل .. و دى ميناس بنت خالتى .. و ليال إنت عارفها طبعا .
ضحك أحمد ضحكة عالية و قال بمزاح :
- غزل .. ليال .. ميناس .. أسمائكم غريبة الصراحة .
إبتسمت غزل و قالت بهدوء و هى تكتف ذراعيها :
- أمال لو عرفت إن تيتة إسمها رأفة و ماما إسمها حور و خالتو إسمها نغم مش هتستغرب أسمائنا .
أومأ برأسه و قال متابعا :
- هو مش الأسماء بس اللى غريبة جمالكم برضه نادر .. و كل واحدة فيكم ليها جمال خاص بيها .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت له محذرة :
- خف شوية يا دكتور ده جوز أى واحدة مننا لو سمعك هتروح فى خبر كان .
فسألها أحمد بضيق :
- هى دنيا كمان متجوزة .
ردت دنيا مسرعة و هى تطالعه بهيام ذائبة فى عينيه الرماديتين و شعراته الذهبية و قالت برقة :
- لأ أنا لسه آنسة .. و ماعنديش مانع أرتبط قريب .
لأول مرة تبتسم ليال و قالت بصوت مكتوم :
- البت عقلها طار .
أكدت ميناس كلامها و قالت و هى تخفى ضحكاتها :
- ما هو عندها حق الصراحة .. يخربيت جماله .
أما هو فوارى إبتسامته و شعور غريب يغزوه .. إعتاد من قبل على تلك النظرات الهائمة و الهمسات الرقيقة .. و لكنه اليوم متحفز .. فتلك الصغيرة الشهية و التى تبدو شقية جذبت أنظاره ...
مررت غزل عيناها بينهما و هى تقطب جبينها بتوجس و إعتدلت فى جلستها و قالت بحدة :
- مش هنتعشى و لا إيه .
إنتبها عليها فقال لها أحمد و هو يشمر قميصه بحماس :
- ﻷ هنتعشى طبعا .. ده حتى الأكل النهاردة شكله غير .. و معدتى بتستغيث .
وقفت دنيا و بدأت فى ملأ طبقه و قالت بصوت ناعم :
- ليه هو حضرتك مش مرتبط .
رفعت غزل حاجبها بتعجب من سؤالها التى تعلم إجابته جيدا و لكنه أجابها بمكر :
- ﻷ مش مرتبط .. و ماعنديش مانع أرتبط .
كتمت ميناس ضحكتها بصعوبة فوخزتها ليال بذراعها و طالعتها بتحذير قوى .. فتناولت ميناس طعامها بوجه محتقن و هى تلتقط تلك الإشارات الطائرة فوق الطاولة ...
تناولوا عشائهم و دنيا و أحمد نظراتهما تحكى الكثير ..
إستمرت سهرتهم و تعالى ضحكهم و أحمد لم يدخر جهدا للترويح عنهم و إسعادهم ..
لم تشاركهم ليال و إكتفت بالمشاهدة و الإبتسام و لكن شوقها يقتلها .. تتمنى أن تركض إليه و ترتمى بين يديه القويتين و تشعر بضمته و تتنفس عطره ..
أخرجتها غزل من حالتها و قالت بحنو :
- روحتى فين يا لولو .
ردت بتلقائية :
- روحت لرامى و حسيت بحضنه .
زفرت غزل بضيق و قالت بنبرة محتدة :
- ليه كده يا ليال .. قدرتى تسامحيه إزاى بعد اللى عمله فيكى .
أجابتها ليال و هى تعتدل فى جلستها و تتطلع لغزل برجاء و قالت بتذلل :
- بحبه قوى .. هموت و أبقى قدامه و ألمسه و أبص فى عنيه .. و أشم ريحته و أنام فى حضنه .. عاوزة أسمع صوته على الأقل يا غزل علشان خاطرى .
رمقتها غزل بإزدراء و قالت بغضب :
- إنتى ماعندكيش كرامة .. و ضعيفة .. مستعدة تفضلى جزمة فى رجله يلعب ببها و يتحكم فيها زى ما هو عاوز .. ده بنى آدم أنانى و إنتى سبتيه يلعب بيكى لأنك ضعيفة .
إنهمرت دموع ليال و قالت بنبرة متوسلة :
- أبوس إيدك يا غزل رجعينى ليه .. أنا مش هعرف أعيش من غيره .. هو كل حاجة ليا .. أنا حاسة إنى بتخنق و أنا بعيدة عنه .
قبضت غزل على ذراعيها بقوة و هزتها بعنف و هى تهدر بعصبية :
- مش هيحصل يا ليال .. لازم يتربى علشان يفكر ألف مرة قبل ما يزعلك .. بس إنتى بقا أنا هعالجك من ضعفك ده غصب عنك و هتبقى ليكى شخصيتك و هتبقى قوية و كرامتك عندك أغلى منه هو شخصيا.
وقف الجميع يتابع صياح غزل بليال دون تدخل .. بينما قالت ليال بدموعها و شوقها يغلبها :
- بس أنا مش بعرف أعمل حاجة من غيره .. و لا أتعامل مع الناس من غيره .. و لا أخرج من غيره .. هو دنيتى كلها .
تركتها غزل و قالت بعدما لمعت عينيها الفيروزية بغضب و قالت ساخرة :
- خطبك و إنتى طفلة علشان يشكلك على مزاجه .. بس هسألك سؤال يا ليال و ردى عليا بصراحة .. إنتى عاجباكى ليال الضعيفة دى اللى مرخصة نفسها لحب ذلها و قهرها .
إبتلعت ليال ريقها و أطرقت رأسها و صمتت .. كففت غزل دموعها و قالت بإشفاق :
- فكرى فى ليال و بس .. لو إبنك كبر إن شاء الله تحبى يشوفك و إنتى بتضربى و يكبر جواه كلكيعة زينا .
هزت ليال رأسها بالنفى فتابعت غزل بحزم :
- عاوزاه يبقى فخور بمامته الناجحة فى حياتها .. و لا يضحك على ضعفها و قلة حيلتها .
لامست ليال بطنها و ملست عليها بحنو و قالت بقوة :
- عندك حق .. أنا لازم أتغير علشان بنتى .. مش لازم تيجى الدنيا تلاقى أمها بتتضرب و تتهان و هى ساكتة و مستسلمة .
كففت دموعها و قالت بثقة :
- هو كمان لازم يعرف إنى لو ماحبتش ليال مش هقدر أحبه .. لازم يبقى فى ليال من الأساس علشان يحبها .
إبتسمت غزل بإنتصار و إحتضنتها قائلة بفرحة :
- أيوة كده .. أنا مبسوطة قوى و متأكدة إنك هتنجحى و هترجعى ليال القديمة .. و هتخليه يموت فى ليال القوية .. و يحبها أكتر .. و يجرى وراها علشان ترضى عنه .
تذكرت ليال أيام كثيرة كانت بها تستجدى نظرة عينيه و لم تكن مخطئة .. فقد حان الوقت لتبدل الأوضاع .. تنهدت براحة و قالت بحماس :
- أنا عاوزة أصلى قوى .. محتاجة أقوى علاقتى بربنا علشان أقوى أنا كمان .
ربتت غزل على يدها و قالت بقوة :
- عندك حق يا ليال قومى يا حبيبتى أوضتك و صلى و إطلبى من ربنا يوفقك و يساعدك علشان إنت غالية .. و ربنا كرم الإنسان .. فا مش هنرخصه إحنا .. حبى ليال صدقينى هترتاحى .
وقفت ليال و توجهت للداخل و هى تحتضن بطنها بحنو ..
إبتسمت غزل براحة .. و تطلعت للبحر مطولا و هى هائمة بحبيبها المغرور .. تخفى شوقها ممكن و لكنها هى أيضا تحلم برؤيته و بحضنه و بقبلاته الشغوفة .
دلف رامى لشقة صبرى و هو متجمد الملامح .. فسألته زينب بقلق :
- أكلت حاجة يا حبيبى .
تهاوى بجسده على الأريكة و قال بإرهاق :
- مش عاوز أكل .. أنا عاوز ليال و بس .. هتجنن وحشتنى قوى .
خرج فارس من غرفة مهاب و إقترب منهم فسأله رامى بضيق :
- لسه ما فيش جديد يا عوو .. خلاص الأرض إنشقت و بلعتهم .
لاحظ فارس وهنه و ضعف قوته فقال له مطمئنا :
- هنلاقيهم إن شاء الله .. ما تقلقش على ليال هى مع غزل فلازم تتطمن .
ضم رأسه بقبضتيه و قال بوهن :
- أنا مش هتطمن غير و هى قدام عينى و معايا .
جلس بجواره و قال بهدوء :
- هترجعلك .. يعنى هى هتروح فين .. إديها وقتها يا رامى .
جلس حمزة بغرفته و حوارهم يصل إليه .. لأنه أيضا يشتاق لزهرته البيضاء و لكنه لا يستطيع البوح مثلهم .. تنهد مطولا و أغمض عينيه و هو يتخيل وجهها الصبوح بإبتسامتها الملائكية و غمازتها التى أمطرها بقبلاته سابقا ....
مر إسبوعين و الشوق مصيب الجميع .. عادت دنيا من عملها فدلفت للبيت و هى تنزع حذائها بضيق و قالت بتذمر :
- أنا ماليش فى الكعب العالى ده .. كانت فكرة هباب .
قذفت حقيبتها على أقرب مقعد و دلفت لبهو المنزل الواسع .. فوجدت ليال منكبة برأسها على الحاسوبو تطالعه بإهتمام و تركيز .. فإقتربت منها و سألتها بفضول :
- بتعملى إيه يا لولو .
أجابتها ليال بجدية :
- بدور على مكان قريب مننا علشان محتاجة آخد كورس كمبيوتر .
أومأت دنيا برأسها و قالت بهدوء :
- لو ما وصلتيش لحاجة أنا ممكن أسأل واحدة زميلتى فى الشغل و هى هتساعدنا .
رفعت ليال عيناها ناحية دنيا و قالت برجاء :
- يا ريت يا دنيا .. بس يكون مكان قريب علشان البيبى و كده .
أومأت دنيا برأسها و قالت بهدوء :
- تمام .. هروح أشوف ميناس بقا .
تركتها و صعدت الدرج بإرهاق و دلفت لغرفتها هى و ميناس فوجدتها تتطلع لكتبها بحيرة .. فسألتها بضيق :
- بتعملى إيه إنتى كمان .
إبتسمت ميناس إبتسامتها البريئة و ﻹستندت على مكتبها بمرفقيها و قالت بهدوء :
- بذاكر .. أحمد جابلى كتب سنة أولى لكليتى علشان أفتكر المواد اللى خدتها قبل ما أرجع الكلية تانى .
إرتمت دنيا بجسدها على فراشها و قالت بمداعبة :
- أيوة يا باش مهندسة .. محدش هيبقى قدك .
تنهدت ميناس مطولا و عيناها الذابلة باتت تشع حماسا و إقبالا على الحياة و قالت بتمنى :
- إدعيلى بس ربنا يوفقنى وأقدر أرجع تانى .
خلعت دنيا حجابها و قالت لها محمسة :
- إحنا واثقين فيكى .. ثقى فى نفسك بس و هتنجحى صدقينى .
ثم بحثت حولها بتعجب و تسائلت بفضول :
هى غزل فين ؟!!
ردت ميناس مسرعة :
- غزل .. مش عارفة تقريبا خرجت .
ثم رفعت حاجبيها و قالت بعدما تذكرت :
- أيوة صح النهاردة السمسار جايب المشترى اللى هيشترى
شقتها و المحل .
وقفت دنيا و قالت بهدوء ساخر :
- تمام .. هقوم أخد دش و هنزل أضايق فى أم أشرف شوية .. وحشتنى .
إتسعت إبتسامة ميناس و إكتفت بهزة كتفها بيأس و عادت لمطالعة كتبها بنفس الحيرة ....
وقف فى نافذته شاردا و صورتها تتراقص أمام عينيه .. بإغوائها المثير و ضحكتها الساحرة و نظراتها الماكرة ...
دلفت سكرتيرة فارس عليه المكتب و قالت بعملية :
- فارس بيه .
كان فى حالة شرود تامة .. و هو يتذكر أميرته الجميلة و شوقه لها يؤلمه .. يشعر الآن بمشاعر لم يعرفها قبلها و لا يهتم بتحليلها .. فهى بعد أن عادت إليه تركته بمفرده يعانى بعدها .. أردفت سكرتيرته قائلة بنبرة عالية :
- فارس بيه حضرتك سامعنى .
إنتبه إليها فإلتف بجسده و سألها بضيق :
- عاوزة إيه .
- فى إتصال لحضرتك من أميريكا .
قطب فارس جبينه متعجبا و قال بقلق :
- أمريكا !!! عموما حوليه .
خرجت السكرتيرة .. و ما هى إلا ثوانى و رن هاتفه .. رفع السماعة و رد قائلا بتحفز :
- ألو .
أتاه صوتا أنثويا متحدثا بلهجة أجنبية :
- مستر فارس السعيد .
أجابها فارس متعجبا :
- نعم أنا هو .
- حسنا .. بروفيسور ديفيد باركر يريد مقابلة حضرتك و مستر حمزة بخصوص حالته الصحية .
فسألها فارس بقلق تملكه :
- حمزة .. أنا لا أفهم شيئا .. ما علاقتى و حمزة بذلك البروفيسور .
أجابته بعملية :
- الدكتور غزل قد راسلته بخصوص مستر حمزة .. إنه مستعد لمقابلتكم فى أقرب وقت .
إبتسم فارس و سألها بفرحة :
- هل هناك أمل من حالة حمزة .
- نعم سيدى .. ما علمته أن نسبة نجاح العملية الجراحية لمستر حمزة تتخطى ال 70% على أقل تقدير .
إتسعت إبتسامة فارس و قال بسعادة :
- إذا فى أقرب وقت سنأتى إليكم .. أرجوا منك سيدتى أن ترسلى لى العنوان كامل على إميلى الخاص و هو ........ .
- حسنا مستر فارس دقائق و أرسل إليك كل المعلومات .. تحياتنا للدكتور غزل .. مع السلامة .
أجابها بإنتشاء :
- شكرا .
أغلق فارس الهاتف و هو يطير من الفرحة .. وقف و قال بتمنى و هو يحمل علبة سجائره و مفاتيحه :
- إنتى فين يا غزل .. نفسى تبقى معايا دلوقتى .
و خرج مسرعا متوجها لمنزل والديه.
وصل فارس لمنزله و هو فى قمة سعادته التى إفتقدها منذ تحررت منه أسيرته .. صعد الدرج راكضا و عينيه تتراقص بفرحة عارمة ..
فصغيره الأول رغم غضبه و حنقه منه إلا إنه سيظل صغيره .. لأنه الوحيد الذى عوض غياب غزل .. و ها هو قد وجد حلا و علاجا لمشكلته ...
دلف للشقة بحماس و صاح بالجميع قائلا :
- يا حمزة .. يا أما .. يا حاج .. إنتوا فين .
خرجت والدته من غرفتها تبعها حمزة الذى دفع كرسيه نحوه و قال بقلق :
- فى إيه يا فارس مالك ؟!
دلف صبرى لشقته و تابعهم بعينيه و أغلق ورائه الباب و قال بتعجب :
- فى إيه مالكم .
تطلعت نحوه زينب و سارت بإتجاهه و قالت بشك :
- كنت فين يا حاج من الصبح .. حتى الوكالة ما روحتهاش .
أجابها و هو يخلع مأزره قائلا بهدوء :
- كنت فى مشوار مهم .. مالكم فى إيه ؟!
أجابته ببساطتها المعهودة :
- أنا عارفة .. إسأل إبنك جاى من برة عمال ينده و يزعق .
إلتفتوا جميعا خلفهم على صوت رامى الذى دلف للتو للشقة و وقف أمام فارس و قال بلهفة :
- عرفت البنات فين يا عوو .
حك فارس مؤخرة رأسه بضيق و قال نافيا :
- ﻷ .. بس جايب لحمزة أخبار بمليون جنيه .
فسأله حمزة بفضول :
- أخبار إيه .
أجابه فارس و هو يطالع الفضول فى عيون الجميع و إبتسم بخفوت و هو يقول بسعادة ظهرت بصوته :
- النهاردة جانى إتصال من دكتور بأمريكا كانت غزل كلمته علشان حالتك .. و بعتتله الأشعة و التقارير بتاعتك .. و النهاردة كلمونى .
إبتلعت زينب ريقها بتوتر و تمسكت بذراعى فارس و سألته بقوة لتتأكد :
- كلموك ليه .. هاه ليه .. هو خير إن شاء الله مش كده .
أومأ برأسه و إحتضن وجهها بين كفيه و قال بثبات :
- أيوة يا ست الكل خير .
فصرخ به صبرى بعدما فقد صبره و قال بغضب :
- ما تخلص يا عوو .. إنت هتنقطنا بالكلام يا إبنى .
رفع ذراعيه و قال بإبتسامة متسعة :
- خلاص هقولكم .. هما عاوزينا نسافر لهم فى أقرب وقت علشان العملية بتاعتك .. تصور نسبة نجاحها سبعين فى المية .. هتمشى تانى يا حمزة .
إرتجفت كفى حمزة و هو يستمع إليه بفرحة .. و قد زاغت أبصاره بشرود و هو يتسائل بصدمة .. هل من الممكن أن يعود كما كان سابقا .. و ميناس .. هل ستصبح زوجته فعليا ..
لم يشعر بدموعه المنهمرة بغزاره على وجهه .. و لكنه إرتمى بجسده على الأرض وخر ساجدا يحمد ربه على هذه المفاجأة الغير متوقعة ..
إمتلأت العيون حوله بالدموع .. و رفعت زينب ذراعيها للأعلى و حمدت ربها قائلة بإمتنان لفضله و كرمه :
- ألف حمد و شكر ليك يا رب .
جلس صبرى على مقعد بجواره و هو يشكر ربه فى نفسه ثم قال موجها حديثه لرامى المصعوق بفرحة :
- رامى .. عاوز بكرة إن شاء الله ندبح تلت عجول لله مفهوم .
أجابه رامى و هو ينحنى ليساعد حمزة على الجلوس بكرسيه :
- حاضر يا حاج .. دى الفرحة الكبيرة .. مبروك يا حمزة .
و ساعده فارس و هو يحمله معه و أجلساه على كرسيه و هو يكفف دموعه المنهمرة بقوة و أجابه قائلا بنبرة مرتجفة :
- الله يبارك فيك .
إلتفت فارس حوله و قال بتعجب و فضول :
- هو الواد مهاب فين .. بقالى يومين مش شايفه .
ردت زينب من بين دموعها :
- فى أوضته بيلعب .. من يوم البنات ما مشيوا و هو قاعد لوحده .
توجه فارس لغرفته وفتح باب غرفته فجأة و قال بتعجب :
- واد يا مهاب إنت قاعد لوحدك ليه .
وضع مهاب الهاتف من يده مذعورا على مكتبه و قال بتلعثم :
- ما .. ما فيش يا بابا .
قطب فارس جبينه و سأله بقلق و هو يطالع هاتفه المقلوب بتوجس :
- كنت بتكلم مين ياض .
فكر مهاب قليلا و قال بعدها بتوتر :
- كنت .. كنت بكلم أنس صاحبى .. محتاج حاجة منى .
كانت غزل ما زالت على الهاتف إرتجفت يدها و هى تستمع لصوته .. و نهج صدرها و تسارعت أنفاسها و قد غلبها شوقها إليه .. فظلت على الهاتف تستمع لحوارهما ..
جلس فارس بجواره و تسائل بفضول و هو مازال يطالع هاتفه :
- ليه بقالك فترة مش بتخرج من أوضتك .
أرجع مهاب شعراته الناعمة للخلف و دارى عينيه عنه و هو يطالع أى شئ دونه و قال متصنعا الهدوء :
- مافيش يا عوو بس بحب أبقى لوحدى .
بعثر فارس شعراته و قال مازحا :
- ليه يا أخويا بتحب و أنا مش عارف .
ضحك مهاب ضحكة عالية و قال بأسى :
- عندك حق .. بحب أربعة و وحشونى قوى .
تنهد فارس مطولا و قال بضيق و هو يقبض كفيه ببعضهما :
- وحشونى أنا كمان .. ماما غزل وحشتك يا مهاب .
إبتلع مهاب ريقه و هو يخفى توتره .. خشية أن يكون كشفه و قال ببديهية و تلقائية طفولية :
- أكيد وحشتنى .. تعرف من آخر مرة شوفتها و أنا نفسى أشوفها تانى قوى .
طأطأ فارس رأسه .. و قال بشوق :
- و أنا كمان وحشتنى قوى .. و هتجنن و أشوفها .
حملت غزل صورتهما سويا و هى تتأمله بشوق و مررت أنامله على وجهه و قالت بهمس خافت :
- و إنت كمان وحشتنى قوى .
ضحك مهاب ضحكة عالية و قال ببساطة دون وعى منه :
- كل ما أفتكر آخر مرة و هى لابسة على وشها البتاع الإسود ده .. تعرف أنا عرفتها اول ما حضنتنى .
إتسعت عينى غزل من صدمتها و قالت بذعر :
- هتكشفنا يا مجنون .
رفع فارس حاجبه بتعجب و قال مستفهما :
- ﻷ ذكى .. و البتاع الإسود ده اللى هو إيه يا شبح .
إعتدل مهاب فى جلسته و شرح له بذراعيه قائلا بتلقائية :
- عارف إنت البتاع ده اللى مامت أنس بتلبسه علشان محدش يشوف وشها.
أومأ فارس برأسه و قال بتنفهم :
- قصدك النقاب .. طب و إمتى كانت آخر مرة دى .
تابع مهاب تصريحاته البريئة قائلا بإسترسال :
- يوم ما إنت ضربت رامى .. لما ميناس مشيت .
ضربت غزل جبهتها و قالت بخوف :
- .. oh my godيا رب ما تقول أكتر من كده يا مهاب .
فكر فارس قليلا حتى قفزت لذاكرته ميناس و دنيا و تلك المنتقبة التى رآها بالقصر .. و التى قالت عنها ميناس أنها صديقة ليال .. صفع جبهته بقوة و قال بنبرة غاضبة :
- يا بنت اللذين .. و أنا إزاى صدقت إنها صاحبة ليال .. من إمتى كان لليال أصحاب .
وقف بحدة و هو يعتصر شعراته بين أنامله بقوة .. و ضرب خزانة مهاب بيده و مهاب يطالعه بتعجب ..
و غزل تملكها الخوف .. قطعت غرفتها ذهابا و غيابا ... بينما رفع فارس رأسه و قال بضيق :
- أنا غبى .. كانت فى إيديا و أنا سبتها تروح منى تانى .. بس أنا حسيت بحاجة غريبة يومها .. قلبى حس بيها و الله .
ثم تطلع ناحية مهاب بنظرات نارية ثاقبة و قال بغضب :
- و إنت إزاى ما تقوليش على حاجة زى دى .
تصنع مهاب الدهشة بعدما شعر بخطأه و إبتلع ريقه بتوتر و قال ببراءة :
- هو أنا ما قولتلكش قبل كده .
أجابه فارس مقلدا نبرة صوته المتعجبة البريئة و قال بسخرية :
- ﻷ يا أخويا ما قولتليش .. إنت هتستعبط ياض .. إنت تعرف مكانها و لا بتكلمك .
هز رأسه مسرعا بالنفى و قال بتلعثم :
- هاه .. لأ مش عارف عنها أى حاجة خالص .
غمز له فارس بعينيه و قال بشراسة :
- عليا يا أصفر .. ده إنت طلعت سوسة .
إنكمش مهاب فى نفسه بينما حمله فارس من ياقة منامته و تطلع داخل عينيه بقوة و هو يسأله بنبرة مهددة :
- تعرف لو إكتشفت إنك مخبى عليا حاجة هعلقك من شعرك اللى إنت فرحان بيه ده .. لأ هاخدك للحلاق و هقصه زيرو .
أصدر مهاب شهقة طويلة و هو يتمسك بشعراته بذعر .. و قال برجاء :
- شعرى لأ .. أنا مش خببت عليك حاجة .
أنزله فارس على قدميه و إنحنى نحوه و هو يحذره رافعا سبابته بوجهه :
- خليك فاكر إنى حذرتك يا أصفر .
زم مهاب شفتيه و تصنع البكاء و قال بتشنج :
- بتشتمنى يا بابا .. طب أنا عملت إيه .
شعر فارس بخطأه و تسرعه فعدل من ملابسه و قال له آسفا بنبرة متريثة :
- خلاص ما تزعلش منى .. بس غزل وحشانى علشان كده متنرفز .. لو عرفت عنها حاجة تانى عرفنى علشان أقابلها و أعتذر لها و أرجعها معانا تانى .. تمام .
إبتسم مهاب بهدوء و قال بأدب شديد :
- done .
تركه فارس و خرج .. فزفر مهاب براحة و حمل هاتفه و قال بخوف :
- كنا هنتكشف يا ماما .
ردت غزل و هى تتنفس بصعوبة :
- ربنا ستر .. خلى بالك بعد كده للعوو شك فيك .
همس بالهاتف و هو يحاوطه بكفه :
- مش هكلمك تانى غير لما أتأكد إنه مش موجود .
فقالت له غزل بإبتسامة هادئة :
- okخلى بالك من نفسك يا عمرى .
إبتسمت شفتيه و هو يقول :
- حاضر .. سلميلى على البنات .
- الله يسلمك يا حبيبى مع السلامة .
وضعت غزل هاتفها بجوارها و هى تشعر براحة غريبة بعدما إستمعت لصوته .. و صدقا فلسماعها صوت فارس الآثر الأكبر .. تمنتها و نالتها ...
تنهدت مطولا بشوق مهلك حتى طرقت ميناس باب غرفتها و قالت بصوت عالى :
- أحمد تحت يا غزل يالا جعانين .
ردت عليها غزل و هى مازالت تحتفظ بإبتسامتها المشرقة :
- حاضر هلبس و هنزل .
جلس أحمد على رأس الطاولة و قال بفرحة :
- إيه كل ده .. شكرا يا دودو تسلم إيدك .
تنهدت دنيامطولا و هى تتأمل وسامته الزائدة اليوم و قالت بهيام :
- بالهنا و الشفا .. كل الأكل ده علشانك .
طالعها أحمد مطولا و قال بمداعبة :
- شكرا .. بس إيه القمطة اللى على دماغك دى مصدعة و لا إيه .
إتسعت عينى دنيا و هى تلامس رأسها و حجابها المربوط بتلقائية .. ثم طالعته بنبرة محتدة و قالت بضيق :
- تصدق بالله .. إنت أمين مخازن الغتاتة و البواخة .
إنفجر الجميع ضاحكا فقالت ميناس من بين ضحكاتها :
- إلبس يا معلم .
وقف أحمد مسرعا و قال معتذرا بهمس مثير :
- آسف يا دودو .. إوعى تزعلى منى .
فضربته دنيا على صدره بقوة و هى تطالع بلوم .. فرفع كفه مكان ضربتها و قال مدعى الألم بنعومة :
- آه يا قلبى .
ضحكت دنيا و قالت برقة :
- سلامة قلبك .
تطلع إليها أحمد هائما بعينيها و صوتها و كأنه نسى العالم من حوله .. تطلعت إليهما ليال و ميناس بإبتسامة ساخرة .. بينما إقتربت منهم غزل و قالت بصوت عالى :
- أنا جيت .
فزعت دنيا من صوتها العالى و قالت بضيق :
- نعمل إيه يعنى .. طب سمعنى أحلى سلام علشان غزل إجت .
قطبت غزل حاجبيها و قالت لدنيا بغضب :
- حسابك عسير معايا .
رد أحمد مسرعا :
- عسير قصب .
زم الجميع شفاههم بإذدراء .. فقالت له ليال بوجه ممتعض :
- بايخة آخر حاجة يا أحمد .
أكدت غزل كلامها و قالت و هى تسحب مقعدها :
- يع بجد .. بس كابسة يا معلم .
رد قائلا بسخرية :
- كابسة باللحمة و لا بالفراخ .
إمتعض وجه دنيا و قالت بضيق :
- لأ بالظرافة يا خفيف .
و تركتهم و صعدت لغرفتها لتبديل ملابسها .. طالعها حتى إختفت من أمام عينيه و جلس مكانه .. فمالت غزل ناحيته و قالت بتحذير شرس :
- سيب دنيا فى حالها يا أحمد .. دى أمانة فى رقبتى و مش هسمح لحاجة تضايقها .
إبتسمت شفتيه و عقد ذراعيه أمام صدره و قال بثبات :
- ما تقلقيش منى يا غزل .. و قريب جدا هعرفك إنى آخر واحد تخافى عليها منى .
عادت غزل لجلستها مجددا و هى تطالع ليال التى غمزت لها بعينها تأكيدا على وجهة نظرها .
بعد قليل عادت دنيا و قد تأنقت .. ما أن رآها أحمد حتى وقف مسرعا و قال بإعجاب و عينيه تحاصرها بتملك :
- و النبى قمر .
جذبته غزل من ذراعه بالقوة و أجلسته قائلة بتحذير نارى :
- لم نفسك لهلمك .. إيه ما فيش كبير للقاعدة دى هتعاكسها قدامى .
فقال و هو ما زال يتطلع لدنيا بإعجاب :
- خلاص يا دكتور .. إحنا آسفين .. مش هناكل و لا إيه .
ردت ميناس بمزاح و هى تطالعه بتعجب :
- اللى يشوف عصعصتك دى ما يشوفش كمية الأكل اللى بتاكلها .
رفع أحمد كفه بوجه ميناس و قال بقوة :
- الله أكبر فى عنيكى اللى لسه ما إستوتش دى .
إبتسمت ميناس إبتسامة مصطنعه و قالت بسخرية :
- حبوب قوى .
تطلع إليهم أحمد و قال بإبتسامة مشرقة :
- أنا ماليش إخوات بنات و ربنا عوضنى بأربعة بنات