📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم آية احمد عرفة


23 "خديعة الطريق"


«تتبدّل الأقدار في هفوةٍ عابرة دون أن تُدرك شيئًا؛ وفي لحظةٍ واحدة تجد نفسك إلى جوار من أردتَ معاداته، تصبح حاميًا له. كم للصدف من جمالٍ خادع، غير أنّ صاحبها كثيرًا ما يبغض وقوعه بها.
هل كانت هذه خديعة،أم نجاة تُيقظ قلبه القاسي على أقرب ما كان له أن يحنّ عليه؟»

ـــــــــــــــــــــــ

كان يجلس في مكانه، يحاول استيعاب ذلك الاسم الذي ألقي على أذنه. الآن تمنى لو كان مجرد تشابه فقط. كيف له أن يطالبه بحماية من كان سببًا في فصله لمدة أسبوع دون وجه حق؟ هل السلطة والنفوذ تصنع كل هذا؟
بدأ الموقف يزداد سخافة في نظره. تنحنح ليحتوي شعور التوتر، ثم رفع نظره إلى اللواء متسائلًا بهدوء، محاولًا جاهدًا أن يظهر ثابتًا، ثم هتف:
ـــ حضرتك، مين عمران الزيني؟ هو نفس الشخص اللي اتسبب في فصلي وقدم شكوى ضدي.
أومأ له ببطء ليؤكد توقعه، ثم قال بوقار وهو يتكئ بظهره إلى الخلف:
— هو نفسه، بس دي أوامر يا أيوب.
كتم غيظَه، ثم هتف بضيق:
— بس ده اتسببلي أذية في شغلي… بسهوله كده أرجع لا؟ وكمان مطالب بحمايته!
17

شبك اللواء يديه معًا ثم أردف:
— قولتلك، دي أوامر جهات عليا… هي اللي قررت إنك هتكون مسؤول عن سلامته من أول ما ييجي يقدم الورق رسمي. مش هيخرج من الباب إلا وانت معاه وموفر له كل التأمينات اللازمة.

ثم أضاف بحزم:
— عمران الزيني مش بس مجرد شخص يسلّم ورق ويوقع سلطات، لأ، ده كمان معاه جنسية أمريكية وواجب حمايته. ولا انت عاوز المسؤولين يستغلوا ده ضدنا لو حصله حاجة؟

بدأ الموقف يبدو سخيفًا بالنسبة له، لكنه اضطر مجبرًا على الموافقة. هتف على مضض وهو ينهض:
— تمام، موافق… عشان ده شغلي يا فندم. ابقى عرفني إمتى جنابه هيشرف، وأنا هجهّز باقي الترتيبات.

أومأ له اللواء ليغادر المكتب، ثم أغلق الباب ليواصل سيره بضيق، ليقترب صديقه ويسير بجواره متسائلًا:
— في إيه؟

اتبع سيره ودلف إلى مكتبه قائلاً بضيق:
— عاوزني أحمي عمران الزيني وأكون مسؤول عن حمايته!

أغلق الباب خلفه، ليلتفت بدهشة إلى هذا الذي جلس خلف مكتبه، قال متسائلًا:
ـــ ده بجد؟

صاح الآخر بنفاد صبر، كأنه يريد أن يصب غضبه بأي طريقة كانت:
— ههزر في حاجة زي كده يا علي!

ثم أضاف بضيق:
— بقيت أنا في الآخر أشتغل حارس للي اسمه عمران ده كمان حاجة تطهق!

أومأ الآخر بتفهم، محاولًا استشفاف غضبه:
— ده شغلك يا أيوب، والجهات عمرها ما تتطلب كده إلا لو هو يستاهل الحماية فعلًا، وحياته في خطر.

أومأ مؤكّدًا، قائلاً:
— مع الأسف فعلاً… مضطر أستحمل السمج ده لفترة.

ليصيح بضيق أكبر:
— أنا مش عارف عيلة الزيني دي إيه بلاء! حل عليا مش عارف أخلص منه!

ابتسم صديقه بخفوت، ليتمتم:
— على رأي المثل… من لا يدير شيئًا يظل ملتصقًا به.
طالعه بضيق، ليضحك الآخر على عبثه.
ـــــــــــــــ

داخل المشفى، طلب الطبيب عمران للحديث معه، ليُعلمه أن التحاليل التي أُجريت لأخيه قد ظهرت، واتضح وجود آثار مخدرات في جسده. حاول عمران احتواء الأمر، مؤكدًا للطبيب أنه سيأخذ أخاه ليعالجه بنفسه، وطلب منه أن يكتب له على خروج حتى يتمكّن من المغادرة معه.
وبعد تردد، وافق الطبيب أخيرًا على خروجه.
خرج عمران من المكتب وتنفس بارتياح. ها هو اليوم سيأخذه معه؛ فقد لاحظ منذ فترة أن وضعه يسوء، لكنه كان يحاول إخفاء الأمر عنه. قرر أن يصطحبه إلى الشقة التي اشتراها، وأن يحبسه بها حتى يتعافى من ذلك السم الذي تسلل إلى جسده.
دلف إلى الغرفة، وألقى نظرة عليه قائلًا:
— هتخرج النهارده.

هتف الآخر مسرعًا:
— أنا هرجع بيتي، مش جاي معاك في حتة، ومش من حقك تمنعني.

اقترب عمران منه محاولًا ضبط غضبه؛ ففي النهاية، لم يكن يراه سوى طفلٍ بجانبه، هكذا كان ينظر إليه. ولو امتلك قدرًا من النضج، لما وصل إلى هذه الحالة الآن. هتف بحدّة:
— هتيجي معايا، وأمر مامتك ده تنساه خالص. أنا دلوقتي موجود، وهصلّح اللي خربته في تربيتك.

ثم أكمل بتهكم وهو يرمقه:
— اعتبر إني هعمل لك إعادة تأهيل من أول وجديد، أعوّض بيهم العشرين سنة اللي سبتك فيهم. إيه رأيك؟ مش ده ديل حلو؟

زفر بضيق، وأشاح بوجهه إلى الجانب الآخر. لم يكن واعيًا لكل تلك الترهات؛ رأسه كان ممتلئًا بما يكفي ليفتك به، لكنه يحاول التماسك قدر الإمكان. كان يعتقد أنه سيذهب، وحينها سيعثر على هاتف أي شخص، ويتواصل مع صديقه ليأتي له بالجرعة التي، من وجهة نظره، ستُخفف آلامه.

لكن كيف لسمٍّ يتآكل به الجسد أن يكون دواءً له؟
فهو ما كان إلا داءً، وقد جاء من هم عونًا، ليكونوا سببًا، بعد الله سبحانه وتعالى، في الإقلاع عن هذا الداء المميت.

ـــــــــــــــ

داخل بيت الزيني، وفي المطبخ، كانت تقف تسكب الشاي الساخن في الكوب، والبخار يتصاعد من الماء. وضعت البراد، ثم أمسكت الملعقة لتقلب الشاي، التفتت لتأخذ عود النعناع ليعطيه نكهة، لكنها اصطدمت بالشخص الذي كان يقف خلفها. توترت بسبب قربه الشديد، لتبتعد خطوة إلى الخلف قائلة:
— أنا آسفة، ما خدتش بالي... انت اللي كنت ورايا.

توقفت عن الحركة كادت أن تغادر، لكنه أمسك بذراعها برفق ليبقيها أمامه، قائلاً بهدوء:
— عاوز معنى الكلام اللي انتي قولتيه.

ترددت، ثم رفعت نظرها إليه:
— مش... دي الحقيقة اللي أنا وانت عارفينها.

نفى برأسه، موضحًا:
— على كده بقى أي واحدة هتقع في مشكلة أو الموبايل يتهكر، هروح أتجوزها صح.


لم تعرف ماذا أصابها عند سماع هذه الكلمات، فقد أشعلت قلبها غيظًا. هل لا يكفي زوجته التي تشاركها الحياة، فيتمسخر الآن عليها؟ أردفت بضيق:
— وليه لأ؟ ما هي كل الرجالة كده بتحب تتجوز مرة واثنين، وانت أكيد زيهم، وهتلاقيك ماشي، يمقولة الشرع محللي أربعة، ده انت حتى فضلك اتنين... وتقرب تكون زي مصطفى شعبان.

لحّت ابتسامة على خفة دمها، ثم قال متسائلًا:
— ليه مش نور الشريف مثلا؟

ابتسمت هي هذه المرة، لا تعرف ما هذا الهراء الذي يتفوه به. استرسل هو في حديثه:
— سكن، أنا الأول معرفش ليه قولت أتجوزك... مكنتش فاهم إزاي أخد خطوة زي دي، بس فهمت. وبصراحة مش هفضل كتير عامل مش فاهم. أنا مش في نيتي أسيبك، ولا انتي جوازة لمدة وهطلقك. انتي مراتي، افهمي بقى، أرجوكِ. أنا لغاية النهارده بتعامل معاكي بما يرضي الله، مش أجبرتك على حاجة.

ثم تابع برفق:
— حاولي تكوني رافه بحالتي شوية يا دكتورة.

قال آخر حديثه بمزاح، ثم أمسك كوب الشاي ليرتشف منه. هتفت بضيق:
— ده كوبايتي أنا على فكرة!

أومأ لها ليأخذ رشفه أخرى، قائلاً:
— عارف على فكرة.

صدح صوت هاتفه، وضع الشاي وأخرجه. كان عمران  أجاب على الاتصال، ليأتي صوت أخيه:
— عمار، اتكتب له على خروج، معلش. هات معاك غيار وانت جاي.

أجاب بهدوء:
— حاضر، محتاج حاجة تانية؟

كادت الأخرى أن تذهب، لكنه أمسك يدها مرة أخرى. هتف أخيه:
— سلامتك.

قال ذلك وأغلق الهاتف، ليضعه في جيبه، ثم نظر لها:
— عاوزه تهربي مع أن لسه مش كملنا كلامنا؟

هتفت بضيق:
— أنا كلامي خلص.

رفع كلتا يديه، وضعهما على كتفيها قائلاً برفق:
— سكن، أنا مش قاصد أضايقك كمان. أنا ماشي، مش هسيبك زعلانه. يلا ابتسمي وفكي التكشيرة دي.

لكنها هتفت مسرعة:
— تمشي؟ إيه انت حتى مش اتغديت، وكمان كنت فين؟
كاد أن يرد عليها ولكن قد دلفت هند، اقتربت وأمسكت يده قائلة:
— قلقتني عليك يا حبيبي، كنت فين كل ده؟

طالعتها سكن بضيق، كادت أن تذهب، لكنه أوقفها:
— خدي الشاي، هيبرد.

نظرت له، كانت تريد إلقاء حديثها، وتقول إنك قد احتسيت منه، ولا تريد، لكنها أخذت الكوب وغادرت لتنظر هند إليه:
— كنت فين؟

نظر إليها:
— أخويا في المستشفى، روحت أشوفه.

ثم أضاف:
— هروح آخد غيار من عند حمزة عشان أمشي.

ليغادر هو أيضًا، دلف إلى غرفة إخوته، ليفتح الدرفة الخاصة بحمزة. أيقن أن عمار قريب من جسده. جذب حقيبة صغيرة ووضع بها الغيار، خرج من الغرفة لينظر إلى أميرة:
— ماما فين؟

أجابت وهي تقلب بالقنوات:
— دخلت ترتاح.

ثم أضافت:
— انت ماشي من غير ما تتغدى؟

أردف بهدوء:
— هاكل برا، عاوزه حاجة أجيبها وأنا جاي.
— سلامتك يا حبيبي.

قالت ذلك ليبتسم لها ليغادر الشقة.
هبط إلى الأسفل، دخل إلى المحل:
— شباب، أنا ماشي، وبطلوا رن، أنا كويس قدامكم اهو.

هتف مهاب:
— طيب، فهمني في إيه؟

أردف بهدوء:
— أخوكم عمار في المستشفى، عمل حادثة امبارح بالليل، بس الحمدلله بسيطة.

أومأ مهاب، لينظر براء إلى حمزة الذي كان منشغلًا بهاتفه، واثقًا أنه قد استمع إلى الحديث لكنه لا يعبر عن شيء. نظر إلى مهاب:
— أنا ماشي.

أومأ الآخر دون أن يسأل عن مكان تواجد أخيه أو بأي مستشفى، ليعلم براء أن القادم سيكون أشد صعابًا.
صعد سيارته، وأدارها بطريقه إلى المستشفى.

ـــــــــــــــ

فتح باب الشقة ثم نظر إليها.
– تعالي، ادخلي.

نظرت إليه بتردد، لتُحسم أمرها، ودلفت إلى الداخل. أغلق الباب خلفها، مستمعًا وهي تبدي إعجابها:
– الشقة حلوة أوي، والديكور لذيذ.

كان صامتًا، يتابع تحركاتها بخفة، هنا وهناك، بعد أن أقنعها أن تأتي معه لتراها. والحقيقة أن هذه ليست سوى شقة مفروشة بالإيجار لعدة أيام، ليستعد لتنفيذ خطته التي وضعها. فقد قرر الانتقام، وترك الأفعى وأمسك في جذورها.

تحدّث أخيرًا، وصوته يحمل دفئًا مصطنعًا:
— إيه رأيك يا روما؟ أنا بنيت أحلامي معاكي هنا، في الشقة دي. بكرة تكوني عروستي، والبيت ده يبقى ملكك.

نظرت إليه بخجل، ثم أوضحت بتردّد:
— لسه بدري على الكلام ده يا باسل… لما أخلص السنة دي وأدخل الكلية، بعدين يبقى ليه وقتها.

اقترب حتى صار مقابلًا لها، رفع يده يلاعب خصلات شعرها بأنامله، وهو ينظر داخل عينيها:
— روما، إنتِ عارفة أنا بحبك قد إيه؟ مش عارف إزاي هستنى كل ده عشان نكون مع بعض.

ابتسمت له، وقد راق لها اهتمامه كثيرًا:
— بجد يا باسل بتحبني؟

أومأ مؤكدًا، بنبرة واثقة:
— جدًا يا روما… مش قادر أوصفلك بحبك قد إيه. ومستني اليوم اللي تكوني فيه ملكي، وتبقي بتاعتي أنا بس، وتكوني حرم باسل الشهاوي.

هزّ حديثه المعسول قلبها؛ فقدت الأمان والاهتمام ممن حولها، وكان هو قادرًا على جذبها إليه بمهارة.
أمسك بيدها، وسارا معًا حتى جلسا على الأريكة. كانت هناك ورقتان تشبهان العقود. نظر إليها مبتسمًا ابتسامة أخفت خبث فعلته:
— أنا عندي فكرة… إيه رأيك تكوني مراتي؟

توترت، وارتسمت الدهشة على وجهها، وهتفت بعدم فهم:
— مراتك إزاي يعني؟

شدّ على يدها برفق، وقال بهدوء:
— دي عقود جواز… آه مش رسمية، بس تثبت إننا متجوزين. بصراحة أنا مش عايز حاجة خالص، يكفيني إنك تكوني مراتي وبس.

ثم قبّل باطن يدها، وأضاف بنبرة ناعمة:
— لو بتحبيني وافقي. عايزك تكوني بتاعتي دلوقتي ولو عرفي، وبعد كام شهر تخلصي مدرسة وأنا أتقدم رسمي وتبقى جوازة رسمي قدام الكل.

بدأ التردد يظهر على وجهها، نهضت قائلة بارتباك:
— لا… لا مش هينفع.

ثم أضافت بخوف:
— عمار لو عرف حاجة زي دي، أو بابا، مش هيسكتوا يا باسل… وممكن يأذوني.

نهض سريعًا وأمسك بيدها مرة أخرى، وقال بنبرة ملتوية:
— هو إنتِ فارق معاكي مين؟ باباكي اللي مش يعرف عنك حاجة؟ ولا مامتك اللي طول الوقت بره الفيلا؟ ولا أخوكي عمار اللي مقضيها سهر برا؟ عمره قرب منك؟ عمره كلمك؟

ثم تابع بلهجة أقسى:
— أنا الوحيد اللي مهتم بيكي، في عز ما أهلك كلهم مشغولين. إنتِ حتى لو غبتي عن البيت محدش هيسأل عنك.

انهمرت دموعها، فمدّ أنامله يمسحها برفق مصطنع:
— لا لا، أنا مش بقول كده عشان تعيطي… أنا بعرفك الحقيقة. أنا الوحيد اللي مصلحتك عنده مهمة، الوحيد اللي لو وقعتي في مشكلة هتلاقيني جنبك. صح ولا لأ؟

أومأت برأسها بنعم، فناولها العقد والقلم:
— يلا يا حبيبتي، امضي. متخافيش، دي مجرد ورقة… بس عشان اثبت لنفسي إنك بتاعتي. يلا، يا قلب باسل.

نظرت إليه للحظات، ثم مدت يدها وأخذت القلم، ودوّنت توقيعها على العقد. ناولها العقد الآخر، ففعلت الشيء نفسه.
وضع الأوراق على الطاولة بعد أن وقّع هو أيضًا، ثم نظر إليها قائلًا:
— أهو… إنتِ دلوقتي حرم باسل الشهاوي. قولا عقبال ما تبقى فعلًا، يا رومتّي.

قالت بتوتر واضح:
— يلا نمشي… ممكن؟

لاحظ الذعر المرتسم على ملامحها، فأومأ مبتسمًا:
— طبعًا، يلا.

غادرا الشقة؛ كان هو سعيدًا، فقد حقق أول نصرٍ بالنسبة له.
أما هي، فقد أقدمت على فعلٍ يقودها إلى الهاوية، وها هي الآن تسير نحوها، دون أن تدري.

«أتعلم ما هي الهاوية حين تسقط، لكنك تعتبر نفسك آيلًا للسقوط.»
ـــــــــــــــ

كان يجلس عمران يعبث بالهاتف لحين وصول براء، بينما الآخر يجلس بضيقٍ واضح. هتف أخيرًا بنفاد صبر:
— أنا مش هاجي معاك في حتة دي، عشان تبقى عارف.

ترك عمران الهاتف على الطاولة ونظر إليه بحدّة:
— عمار، بلاش تستفزّني… أنا على آخري لوحدي.

لكنّه هتف مرةً أخرى بعناد:
— مش هاجي، أنا هرجع الفيلا.

ثم أضاف بلهجة آمرة:
— لو سمحت هات الموبايل، خلّيني أكلم بابا ييجي.

كفى… لقد نفد صبره. نهض عمران واقترب منه، مال عليه قائلًا بتحذيرٍ قاسٍ:
— ملكش غير أب واحد… ومات، فاهم؟ ولا أفهّمك بطريقتي؟

ثم رفع يده محذّرًا وأضاف:
— راشد مش أبوك، عشان هو لو قدر يكون زي أبوك. ما كنتش زمانك في الحالة دي دلوقتي. وكلمة مش هاجي معاك دي… مش عايز أسمعها، عشان مش هتحصل. هتيجي يا عمار.

صاح الآخر بضيقٍ :
— إنت عايز مني إيه؟ غبت عشرين سنة، وجاي دلوقتي تعيش دور أخويا الكبير! ابعد عني بقى، سيبني في حالي، ارجع لحياتك وسيبني في اللي أنا فيه!
قال آخر حديثه بنبرةٍ مرتفعة… صفعه عمران

قائلا بغضبٍ عاصف:
— أسيبك في اللي إنت فيه؟! هو فين اللي إنت فيه ده؟ قولي حاجة واحدة صح عشان أسيبك!

ثم أضاف بصرامة قاتلة:
— صوتك ما يعلاش تاني. أنا لحد دلوقتي بتعامل بهدوء عشان حالتك، بس لو هتتمادى أكتر من كده… هوريك اللي عمرك ما شوفته، فــــاهم؟

رمقه الآخر بنظراتٍ حارقة مشبعة بالغضب، قبل أن يدلف براء إلى الغرفة.
استقام عمران قائلًا:
— كويس إنك جيت. يلا نمشي بقى، عشان القط بيتمرد ومحتاج اللي يروّضه.

فهم براء أن الأجواء متوترة… هذا واضح وضوح الشمس. أردف وهو يغادر الغرفة:
— خلّيه يغيّر هدومه عشان نمشي.

صفق الباب خلفه.
تنهد براء من هذا الوضع الذي يزداد سوءًا، وضع الحقيبة على الأريكة وأخرج ثيابًا: بنطال جينز وهودي. اقترب منه قائلًا بهدوء:
— خلّيني أساعدك تغيّر عشان نمشي.
انتفض الآخر مبتعدًا بذعر:
— لا، لا! أنا هغيّر لوحدي، مش عايز حاجة من حد.

سحب الملابس من يده وأضاف بحدة:
— اطلع برا.

كاد براء يتحدث، لكنه قاطعه سريعًا:
— هغير واخرج… متقلقش، هسمع الكلام، عشان الهمجي اللي برا ده، مش يمد إيده عليّ تاني.

زفر براء بضيق وغادر الغرفة.
نظر إلى عمران الذي كان يجلس يهز ساقه اليسرى بعصبية، عيناه تفضحان الغضب الكامن بداخله. قال بنبرة هادئة:
— عمران… ليه مديت إيدك عليه؟

هتف الآخر بنبرة لا تقبل النقاش:
— هو لسه شاف حاجة؟ البيه بيتطاول بالكلام عليّ. بس هو صح، الغلط عندي… سبته عشرين سنة، وجاي دلوقتي أكون أخ مثالي.

وضع براء يده على كتفه محاولًا التخفيف:
— هونها، دي مرحلة أزمة وهتعدي. بكرة يبطل، وساعتها يفهم إننا مش أعداءه.

بعد دقائق، خرج من الغرفة. نهض عمران فورًا:
— يلا.
دخل براء، التقط الحقيبة، وغادروا المستشفى.
صعد عمران إلى المقعد الأمامي، وصعد الآخر إلى الخلف، بينما جلس براء خلف المقود وأدار السيارة متسائلًا:
— هنروح فين

أجابه عمران:
— هشرحلك الطريق… هنروح شقة أنا اشتريتها من كام يوم.
أومأ براء، وانطلقت السيارة تشق الطريق.

ـــــــــــــــ

داخل مركبةٍ تسير في عرض البحر، كانت تجلس راحيل بصحبة بعض الشباب الذين يتبعون الديانة الصهيونية اللعينة. نظرت إلى أحدهم قائلة:
— لقد تبقّى فقط بضع ساعات، أليس كذلك؟

أومأ لها مجيبًا:
— نعم، ولا تقلقي. من الصعب استعادة وعيه الآن، فما زال أثر المخدِّر مسيطرًا عليه، وسيظل كذلك حتى وصولنا.

— حسنا.

قالتها بارتياح؛ فكل ما يهمّها أن تكتمل مهمتها على أكمل وجه.

ــــــــــــــــ

توقفت السيارة، فنظر إلى أخيه قائلاً:
— هنا.
أومأ له، ثم التفت إلى الخلف متطلعًا إلى من يجلس، ووجهه جاف متهجّم، لكنه بدا أنه يحاول الإصلاح:
— الأمير عمار مش ناوي تتكرم وتنزل ولا خلاص أخدت على الإجبـار؟… لو كده، معنديش مانع.

زفر بضيق، وبدأ يرمقه بنظرات غاضبة، ثم فتح باب السيارة وترجل منها ليصفع الباب بقوة. نزل براء أيضًا قائلاً بمعاتبة:
— ليه يا حبيبي؟ هو اللي نرفزك مش أنا… براحة على عربيتي!
ازداد تهجمه، فشيح بنظره بعيدًا، ليهز عمران رأسه بأسي محاولًا أن يفهمه أن الصبر مطلوب، وأنهم فقط من يمكن الوثوق بهم وحدهم.
ما أجمل علاقة الإخوة حين تكون اليد التي تمتد للانتشال قبل الغوص إلى الهاوية… أكثر من ذلك.
صعدوا إلى الطابق الرابع ودلفوا إلى الشقة. أغلق عمران الباب بعد دخولهم، ثم وجه نظره إلى عمار الذي يتلفت حوله ويكتشف المكان. هتف بهدوء، ممزوج ببعض الحدة، مشيرًا إلى إحدى الغرف الجانبية:
— دي أوضتك.

ثم أضاف بثقة:
— بوعدك، مش هتخرج من البيت ده إلا وانت مبطل ذوق عافية. هتبطل يا عمار، فاهم؟

ألقي نظره بإزدراء، ثم دخل الغرفة التي أشار إليها ليصفع الباب خلفه. اتجه بنظره إلى براء الذي كان واقفًا يتابع كل شيء لكنه ملتزم الصمت. صاح عمران بنفاد صبر:
— عجبك كده؟ شوفت تصرفاته!

أردف الآخر بهدوء:
— قولتلك محتاج صبر… اهدا يا عمران. مش معقول يكون قادر يستفزك بالطريقة دي.

ثم وضع يده على كتفه وربت عليه برفق:
— احنا لسه على أول الطريق يا غيمة… مش تقفش كده. اديني صبرك يا أخي.

تنهد عمران ليبتسم بخفوت قائلاً:
— الصبر يارب…

قد وطأ قدميه على أول خطوة، غير أنهم لا يدرون أن الصعود أصعب بكثير مما يظنون.

ـــــــــــــــــ

أوقف السيارة، ثم نظر إليها قائلًا:
— أنا مش عارف ليه قبلتي ترجعي بالسرعة دي، كنا فضلنا شوية كمان.

هتفت بتوتر:
— كده كويس بصراحة، حاسة إني عايزة أنام، وبكرة ورايا مدرسة.

أومأ بتفهم:
— خلي بالك من نفسك، هكلمك الصبح أطمن عليكي قبل ما تروحي المدرسة.

ثم جذبها إلى أحضانه. انتفضت إلى الخلف، فهتف مسرعًا ببراءةٍ كأنه يبرر فعلته:
— إيه يا حبيبتي مالك؟ إنتي ناسية إنك مراتي؟

هزّت رأسها نافية، ثم أردفت:
— باسل، ما تخوفنيش منك… إنت قولت دي مجرد ورقة، مش أكتر من كده.

فتحت باب السيارة لتغادر، فأمسك يدها برفق:
— آه، قولت كده، بس ده مجرد حضن بري يا روما. خلاص، مدام بتزعلي مش هعمل كده تاني. عمري ما أكون سبب خوفك أبدًا… أنا آخر حد تخافي منه.
ابتسمت له، وبدا الارتياح واضحًا على قسمات وجهها بعد حديثه المعسول، لكنها غافلة عن أن هذا الكلام كان مغلفًا بلؤمٍ وغلٍّ يخفيان خلفهما الكثير.

ترجلت من السيارة، ولوّحت له بيدها، ثم دلفت إلى الداخل، بينما أدار هو السيارة وغادر.
أما هي، فبالداخل أوقفت أحد الخدم متسائلة:
— ماما جات؟

هتف نافيًا:
— لا يا مروة هانم.
— طيب بابا؟
قالتها متسائلة، ليهتف مرة أخرى:
— لا.
ثم أضافت:
— محدش هنا، وعمار بيه مرجعش من امبارح.

رفعت كتفيها بلا مبالاة:
— ده العادي.
ثم صعدت إلى الأعلى، نزعت حذاءها، وألقت بنفسها على الفراش، تحدّق في سقف الغرفة. كان قلبها ينساق كل يوم أكثر خلف باسل؛ فهو من احتواها، والوحيد الذي أغدق عليها اهتمامًا طالما حاولت عبثًا أن تناله من أقرب الناس إليها. غمرتها سعادة خادعة بسبب حديثه الفريد الذي لا يقوله أحدٌ غيره لها.

غريبٌ هو الإنسان… يبرّر الخطأ الذي يرتكبه، وهو غير مدرك لما قد يفضي إليه الطريق الذي يسير فيه.
نظنّ أن الطمأنينة تأتي على هيئة كلماتٍ ناعمة،
ولا ندرك أنّ بعض القلوب تُخفي الخطر خلف أصدق الابتسامات.

ـــــــــــــــــــــ

كان يجلس داخل الغرفة، واضعًا يده على رأسه، يحاول جاهدًا تحمّل ذلك الألم، لكن ما به فاض عن الاحتمال؛ لم يعد قادرًا على الصمود أكثر من ذلك.
نهض متعثرًا، وكاد يفتح الباب، لكنه تفاجأ بأنه مغلق عليه من الخارج. اشتعلت نوبات ثورته، فانهال على الباب ضربًا وهو يصيح بنبرة مرتفعة:
— افتحوا الباب! افتحوا الباب ده! حرام عليكم… مش قادر!

ضرب الباب بقوة أكبر، ثم ركله عدة مرات، لكن لا أحد يرد، ولا أحد يُبدي أي ردّ فعل تجاه تلك الثورات. كان الألم يزداد داخله، ينهش جسده بلا رحمة. لم يكن يريد سوى أن يحصل على تلك المادة البيضاء التي يظنها خلاصه، غير مدرك أن هذا هو بداية خروجها من جسده، لا نهايته.

في الخارج، كان يجلس على الأريكة، يحمل كوب القهوة، يراقب الوضع ببرود لاذع. هتف براء بنفاد صبر:
— هتسيبه كده؟

أومأ الآخر بلا اكتراث:
— سيبه شوية، وهيسكت، وساعتها أنا هتصرف.

نهض براء وصفع يده بالأخرى بعصبية:
— إيه البرود اللي إنت فيه ده؟ مش قادر أسمعه وهو بيتألم بالشكل ده!

وضع الكوب جانبًا ونظر إليه بثبات:
— حبيبي، اركن قلبك الطيب ده على جنب. أنا عارف أتعامل معاه إزاي. خروج القرف ده من جسمه مش بالسهولة دي، عشان كده لازم يستحمل، وإحنا كمان لازم ما نضعفش قدّام صريخه وتوسله، وإلا نكون بنضيّع وقت. سيبه يزعق، يخبط، يتوسل، يكسر… يعمل اللي هو عايزه.
1

ثم أضاف بعد لحظة:
— وبعدين لما يهدى، هندخله، ومعايا مسكنات هتريحه.

جلس براء مجددًا وهو يهمس بسخرية:
— طبعًا… ما إنت عندك خبرة سابقة في اللي بتشتغل فيه.

ابتسم الآخر وقال:
— عارف؟ أنا فهمت دلوقتي يعني إيه كوميديا سودا.

ضحك بصخب، ثم أضاف:
— هي فعلًا خبرة… إنت مش غلط.

دوّى صوت تكسير من الداخل، فأشار إليه قائلاً:
— مش قولتلك؟ هيبقى في تكسير. سيبه، دي بالنسبة له آخر مرحلة… بعد كده هيسكت لوحده.

قال براء بقلق:
— ما تنساش إنه لسه خارج من عمليات امبارح.

اتكأ بظهره وزفر بضيق:
— أعمل إيه يعني؟ أروح أقوله خد شمّة عشان خايف عليك وإنت لسه خارج من عمليات؟

نفى براء حديثه بصمت؛ كان يعلم أنه محق.
في الداخل، ظل الوضع أشبه بعاصفة. نبرات عالية، توسلات متكسرة، ضربات عشوائية، وتكسير لكل ما تطاله يداه. حتى انهار أخيرًا وجلس على الأرض، يلهث، يحاول تنظيم أنفاسه. أحاط رأسه بكلتا يديه، محاولًا تحمّل ذلك الألم الذي يضرب عقله ويلتهم جسده.
انهمرت كلماته أخيرًا بصوت واهن، بعد أن استُنزفت طاقته تمامًا:
— افتحوا الباب… افتحوا…

بعد دقائق، فتح عمران الباب، ودلف وهو يتفحّص الإعصار الذي حلّ بالغرفة. تبعه براء، فتوقفت نظراتهما عليه؛ كان جالسًا على الأرض، يحاصر أذنيه بكفّيه، يضم جسده إلى نفسه، ويرتجف بعنف.
اقترب منه براء وقال بصوت منخفض:
— تعالى… قوم معايا.

لم تكن لديه طاقة للمقاومة. أسنده عمران من ذراعه الأخرى، ليساعداه على النهوض، ثم أعاداه إلى الفراش بحذر. انحنى عمران ونزع حذاءه، بينما جذب براء الغطاء ووضعه فوقه، يدثّره جيدًا.
ظل يتمتم ببعض الكلمات غير المفهومة، عيناه زائغتان، لا يعي ما حوله، وقد غلبه الإرهاق بعد تلك العاصفة.

أحضر عمران حقنةً مسكّنة، وحقنه بها، فخرجت من فمه همهمات خافتة. رفع عمران نظره إلى براء وقال:
— الحقنة دي هتساعده يرتاح، والألم هيهدى شوية.

أومأ له براء، قبل أن يصدح صوت هاتفه. أخرجه ونظر إلى شاشته، ثم أجاب ليستمع إلى المتصل، وقال بعد لحظة:
— طيب، تمام… بكرة الصبح هاجي.

أغلق الهاتف ووضعه على الكومود. هتف براء متسائلًا:
— مين؟

جلس عمران على حافة الفراش، يطالع أخاه الذي غفا أخيرًا، وقال بصوت خافت:
— بحاول أنضّف قبل فوات الأوان. كل اللي ماسك عليهم حاجة هقدّمها للجهاز، وهم هيبعِتوها لمكتب الاستخبارات الأمريكية، وهناك هيقوموا بالواجب… وهيقبضوا على المسؤولين.

هتف براء بقلق:
— مش ده خطر عليك؟ أكيد المسؤولين مش هيسكتوا!

أومأ عمران بتأكيد، محاولًا طمأنته:
— مش تقلق… هما قالوا هيوفروا لي الحماية اللازمة.

أومأ له ليحدث براء مهاب، وقال له إن الليلة قد يبات بالخارج ليطمئن والدته عليه. ثم أغلق الهاتف، واتصل بهند أيضًا، وأخبرها بنفس الشيء، ولم تعلق على شيء. أخيرًا اتصل بسكن، وأخبرها أنه سيبات الليلة بالخارج، منتظرًا أن يستمع إلى جوابها.
هتفت متفاجئة:
— ليه؟

قال بهدوء:
— لما أجي هفهمك… مش ينفع على الموبايل.

ابتسمت وقالت:
— طيب… خلي بالك من نفسك، الجو برد أوي.

أجابها:
— حاضر… وإنتي كمان خلي بالك من نفسك.

أغلق الهاتف، ثم نظر إلى أخيه الذي يجلس على ايطالع الفوضى التي فعلها أخاه، هتف له:
— قوم نام يا عمران… يلا عشان تكون فايق لمشوارك الصبح.

أومأ له ليقف، قائلاً:
— أنا هنام هنا… افرد صحي، بس المسكن مش هيصحّيه غير الصبح.

حاول براء أن يطمنه:
— أدّيك قولت الصبح، وعليك خير بقى… يلا روح نام، وأنا كمان هنام بس هنا، بلاش إنت… عارفك لو صحي مزربن، هتعمل إيه فيه.

ابتسم بخفوت إلى أخيه قائلاً:
— أنا مش عارف أقولك إيه على اللي بتعمله… كفاية وقفتك معايا.

عانقه وهمس:
— إحنا إخوات… مش بينا الكلام ده.

ثم ابتعد ونظر إليه، وقال متذكرًا والده:
— بابا كان دايمًا يقول: أنا جايب خمس رجالة، بس أنا وإنت هنكون عكاز للثلاثة التنين.

ضحك عمران وهو يستحضر الذكرى، وأضاف:
— فعلاً… وهنظلّل على البنت الوحيدة… ربنا يرحمه الحاج لو كان عايش، شاف الوضع ده كان هيتحسر على عياله.

ثم أضاف بابتسامة خافتة:
— هروح أنام… تصبح على خير
ــــ وإنت من أهله.
غادر عمران، ونظر براء إلى أخيه، وإلى الغرفة التي كسر كل شيء طالته يداه.

ــــــــــــــــــــــ

حلّ الصباح عليهم؛ منهم من تغيّر مصيره، ومنهم من سيتفاجأ بشيء لم يكن في توقعاته، ومنهم من سيعلم بنجبة أخرى غير التي بها.
دخل عمران الغرفة بعد أن تجهّز، حاملاً حقيبة سوداء صغيرة تحتوي على الأوراق التي سيقدّمها. نظر إلى براء قائلاً:
— صحيت أمتي؟

هتف الأخير بهدوء:
— من نص ساعة صليت وما ردتش ادخل عندك لتصحي.

أومأ له عمران ليتابع الآخر:
— إنت ماشي؟

هتف:
— آه، هروح أقدّم الورق ده عشان أخلص من الحمل اللي فوق كتافي… متوقع في أي لحظة إنّي ألاقي باب الشقة بيتكسر ويدخلوا يخدّروا الورق.

نظر إليه براء بريبة:
— هما عارفين إنّك ماسك عليهم ورق يسجنهم؟

أومأ الآخر قائلاً ببساطة:
— إيه، عشان كده فصلوا أيوب نصار أسبوع… خايفين من الورق ده.

هتف براء مسرعاً:
— ليه تجيبلي اسمه على الصبح… هو أول ناقص!

ضحك عمران بصخب:
— معلش.

ثم نظر إلى أخيه:
— لسه نايم؟

هتف براء:
— آه، ساعات بيقول كلام مش مفهوم وبعدين بينام تاني

هتف عمران بتفهم:
ــــ يخرف مش أكتر، سلام، مش هتأخر
قال ذلك ليغادر، لكنه توقف لحظة:
— هاخد مفاتيح عربيتك.
أومأ له براء بموافقة، فأخذ المفاتيح وغادر.

هبط إلى الأسفل، استقل السيارة، وأدارها متجهًا إلى الجهاز… مصيره على وشك أن يتبدل تمامًا.

بعد قليل، جلس داخل مكتب اللواء، وقدم له الورق. اطلع اللواء عليه ثم رفع بصره قائلاً:
— تمام يا عمران بيه، الورق هيتقدم بشكل رسمي. وبالنسبة لحمايتك… أنا عملت الترتيبات اللازمة.

رفع السماعة الهاتف قائلاً:
— تعالا على مكتبي.

وضع السماعة مرة أخرى، ثم نظر إلى عمران:
— الظابط اللي هيكون مسؤول عن حمايتك من أكفأ الناس اللي بيشتغله هنا. والموضوع كله أيام بس لغاية ما يتم القبض والمحاكمة.

أومأ عمران بتفهم، ثم طرق الباب ودلف أيوب قائلاً:
— حضرتك طلبتني؟

رفع اللواء بصره إليه:
— تعالا يا أيوب.

ثم نظر إلى عمران:
— أيوب نصار هو اللي هيكون مسؤول عن حمايتك
.
حلت صدمة على عمران دون عناء؛ أن يكون أيوب هو المسؤول، لم يكن يتوقع ذلك أبداً. نظر إلى اللواء متسائلاً:
— بس…
قاطعه اللواء بسرعة، قبل أن يعترض:
— أهم حاجة المصلحة، اركن الخلافات على جنب يا عمران بيه. سيادة المقدم من أكفأ الناس اللي أقدر أأمنلك حياتك معاه، والجهات العليا هي اللي قررت كده.
أومأ عمران على مضض، ملقيًا نظرة متوترة إلى أيوب، ثم تذكر حديث أخيه: قد يكون قد تضايق من ذكر اسمه، والآن سيجد نفسه مضطرًا للتعامل معه. بدا الموقف ساخرًا لا يُصدق، وأيضًا أمر بأن يكون عمار ولا بد يكون حذرًا من أيوب إذا علم بشيء عن حالة عمار يستغله ضده.
كل شيء بدا متباثراً في رأسه: من سيحمي، ومن سيهدّئ، ومن سيتحمل المسؤولية…
1

ــــــــــــــــ

داخل الشقة، كان قد استعاد وعيه، والآلام ما تزال تجري في جسده. دلف براء إلى الغرفة حاملاً كوبًا من الحليب الساخن، ومد يده إليه:
— اشرب الكوباية دي، تهدي أعصابك وكمان تعوض اللي بتتعرض له.

نظر إليه بضيق، ليشيح بنظره بعيدًا، وضع الكوب على الكومود، ثم جلس على حافة الفراش ونظر إليه:
— عاوزين مصلحتك… افهم بقي، عاوز تروح لأصحابك الصيع ولا تكمل الطريق الأسود اللي ماشي فيه؟

وضع يده فوق كفّه وهو يتابع:
— مش تزعل من عمران، هو خايف عليك… عاوز يلحقك قبل ما تغرس أكتر في الطريق ده. صدقني، أحمد ربنا جنبك ناس بتحاول يرجعوك، وفي ناس تانية مش لاقية اللي ياخد بأيديهم ويساعدهم.

رفع عمار نظره إليه، ثم قال بصوت واهن:
— هو… أنا لسه مش غرست؟ أنا بقيت في طريق مفيش منه رجعة مهما عملت.

نظر إليه براء بعدم فهم:
— قصدك إيه؟

صمت عمار لحظة، يحاول أن يتلمس خوفه، ثم حثه على الحديث:
— حبيبي اتكلم يلا، مش تخاف… بوعدك، اللي هتقوله ليا مش هقوله لحد.

ارتاح له قليلًا، لكنه ما زال يظهر عليه التردد. ابتلع ريقه وقال:
— عشان أنا مش بس مدمن…

ازداد براء حيرة:
— قصدك إيه؟ وضح يا عمار.

زاغ بعينه يمينًا ويسارًا، يحاول أن يبدأ الحديث، لكن الكلمة لا تبوح من شفتيه. أخيرًا هتف:
— أنا… ديلر.
5

وقعت الكلمة على أذن براء مثل صاعقة، لا بد من مواجهتها.
.
.
مدَّ يدك لي، يا من أنت مني، لا تتركني يا أخي وحيدًا بين الظلام.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات