رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل الثاني والعشرون:
وصلت غزل أخيرا أمام الحارة فصفت السيارة على الطريق العام .. و تطلعت للقصر بشوق لآسرها .. ثم تنهدت مطولا و تطلعت للحارة بألم ..
عدلت من نقابها و طالعت نفسها بمرآة السيارة و إطمأنت بأنه لن يعرفها أحد .. و ترجلت من السيارة و أغلقتها و عبرت الطريق و دلفت للحارة بتوجس و تخبط ....
سارت بخطوات قلقة حتى وصلت لبيت جدتها صعدت الدرج مسرعة و هى تتنفس براحة بعدما تخطت مرحلة بنجاح .. و وقفت أمام باب الشقة بقلق و طرقته ..
بعد قليل فتحت دنيا الباب و قالت بتعجب و هى تطالعها بقلق :
- مين حضرتك .
رفعت غزل نقابها .. فإتسعت عينى دنيا بصدمة و صرخت قائلة بفرحة :
- غزل !!!
وضعت غزل يدها على فم دنيا و دفعتها لداخل الشقة و أغلقت الباب و قالت لها بضيق :
- وطى صوتك يا مجنونة .
إحتضنتها دنيا و قالت بشوق :
- وحشتينى وحشتينى قوى يا غزل .
ضمتها غزل لصدرها و قالت بحنو :
- و إنتى كمان وحشتينى قوى يا دودو .
شددت دنيا من ضمتها لها و قالت بضيق :
- سبتينا ليه .. ده إحنا كنا هنموت من القلق عليكى .
ملست غزل على شعراتها و قالت بهدوء :
- سامحينى يا حبيبة قلبى .. غصب عنى و الله .
خرجت ميناس مسرعة بعدما سمعت إسم غزل .. ما أن رأتها حتى ركضت نحوها و دفعت دنيا بعيدة عنها و إحتضنتها قائلة بدموعها :
- هونت عليكى تسبينى لوحدى يا غزل .. أنا تعبانة قوى و محتجاكى معايا .
ربتت غزل على ظهرها و قالت بصوت عميق :
- أنا رجعت علشانك إنتى و دنيا و هاخدكم معايا و دلوقتى .
إبتعدت ميناس عنها و قطبت حاجبيها بشدة و قالت متعجبة :
- هنروح فين ؟!!
تمسكت غزل بذراعيها و هزتها قليلا و هى تقول بصرامة :
- مش وقته بس بسرعة حضروا شنطكم و خدوا معاكم كل حاجة هتحتاجوها .. تمام .
فسألتها دنيا بضيق :
- يعنى مش هتعرفى أبيه فارس إنك هنا .
إبتلعت غزل ريقها بتوتر و هزت رأسه نافية و هى تفلت ميناس من يدها و قالت بحزن دقيق :
- ﻷ .
ثم تهاوت جالسة على أحد الأرائك و قالت بشوق مرهق :
- بس عاوزة أشوف مهاب قبل ما نمشى .
حملت ميناس هاتفها و قالت بنبرة ثابتة :
- هو كمان هيتجنن عليكى أكتر مننا .. هتصل بيه .
إبتسمت غزل بتلهف .. بينما جلست دنيا بجوارها و قالت بحذر :
- مهاب من يوم ما مشيتى و هو مش بيكلم حد و متعصب طول الوقت .. فا لو قالك حاجة إستحمليه لأنه تعب جدا و إنتى بعيدة عنه .
تنهدت غزل تنهيدة طويلة مرتجفة و قالت بألم :
- يا حبيبى .. يعمل اللى هو عاوزه بس أشوفه .
لكل شخص منا قوة تحمل .. طاقة غرببة كامنة بداخلنا .. ككرة الثلج التى كلما تدحرجت على الجليد إزداد حجمها ..
فلصبرنا حدود أيضا .. مهما بلغ عشقنا .. نأتى لنقطة معينة و نتمرد حتى على أنفسنا ..
و شعور غريب يتملكها لأول مرة و يحثها على التمرد .. فهى الآن تحمل أمانة بأحشائها و لن يستطيع أحد مسها ...
وصل رامى و ليال للقصر .. و قد تملك الخوف منها لما ينتظرها منه خصوصا من صمته طوال الطريق و تشنج جسده .. و صوت تحطيمه لأسنانه من شدة صكه إليهم كاظما غيظه ...
ترجلت من السيارة و حاولت الإبتعاد مسرعة و لكنه لحقها و جذبها من ذراعها بالقوة و سار متوجها بها لجناحهم ..
دلفا سويا لغرفتهم فأغلقها رامى بغضب و إلتفت إليها و قد إكتست عيناه بلون أحمر من شدة غضبه .. و إقترب منها قائلا بنبرة خشنة و جافة :
- بتتعرفوا مش كده يا هانم .
ضمت يديها أمام صدرها بخوف و هى تطالع هيأته الغاضبة و قالت بتلعثم :
- و الله مش زى ما إنت فاكر .
تطلع رامى لسقف الغرفة يستلهم الصبر و صاح بها بصوت هادر :
- و أنا مش قولت مليون مرة ما تتكلميش مع حد غريب .
كففت ليال دموعها و قالت بضيق :
- لغاية إمتى هفضل أقول حاضر و طيب وإنت تتحكم فيا أكتر و أكتر .. بقيت بخاف أتعامل مع الناس .. لو إنت فاكر إن ده إسمه حب تبقى بتضحك على نفسك و عليا .. إنت مش بتحب إلا نفسك و بس .
أخرستها صفعة قوية على وجهها فسقطت على الأرض من شدتها ..
رفعت ليال عيونها ناحية رامى و هى تتحسس وجهها .. ثم وقفت متثاقلة من ألم ببطنها و قالت بقوة :
- خسارة فيك عمرى اللى ضيعته مع واحد أنانى زيك .
جذبها من حجابها بقوة آلمتها و قال بعصبية :
- لسانك طول و عاوز قصه .. و أنا هربيكى و هعلمك الأدب .
تأوهت من جذبه لشعراتها و قالت بتألم :
- آآآآآه .. سيبنى يا حيوان .
قطب حاجبيه بغضب و إحتدت نظراته أكثر و هو يتحول ببطء لشيطان هائج و قال بشراسة :
- بتشتمينى يا ليال .
و هنا سقطت يديه على وجهها كالسوط مرة بعد مرة و هو لا يرى من شدة غضبه .. أعماه شيطانه و نسى أنها حامل .. لم تدافع عن نفسها و بغريزة طبيعية لفت بطنها بذراعيها لتحمى صغيرها من بطشه ..
لم يكتفى حتى أنه قذفها على الأرضية بقوة لتسقط صارخة و متألمة من ظهرها .. رفع سبابته بوجهها و قال بتحذير قاتم :
- عاوزة تقلدى غزل و تعملى راسك براسى .. مش أنا يا ليال .
رغم الألم العاصف بأحشائها و وجهها و التى تشعر بتضاعف حجمه من تورمه .. إلا أنها ضحكت ضحكة عالية .. حزينة .. و قالت بصوت متحشرج :
- غزل دى أحسن منى و منك .
فبض على شعراتها مجددا و هزها بعنف و قال بنبرة قاتمة :
- بقا البت الصايعة دى أحسن منى .. ما سألتيش نفسك جوزها سابها ليه ليلة دخلتهم .. دى ***** .
صرخت به بوحشية لما يرها بها من قبل و قالت بهيستيرية :
- دى أشرف منك يا حقير .. إياك تجيب سيرتها على لسانك القذر ده .. لو كانت مش كويسة وزى ما إنت بتقول كان جوزها هيقلب الدنيا علشان يرجعها ليه .
قبض على فكها بقوة حتى أن أظافره إنغرست بلحم وجهها و هو يقول بجنون :
- أنا حقير يا زبالة .. و دينى لهربيكى و أقصلك لسانك و هوريكى أيام أسود من قرن الخروب .
و قذفها مجددا على الأرضية .. فإنطرحت للخلف و ساقيها مثنيتان تحتها .
و تركها و خرج .. لم تكن تراه و ربما لم تسمعه لتميل للجانب مغشى عليها ....
وقفت غزل مسرعة و هى تستمع لطرقات على باب شقتهم .. أنزلت نقابها على وجهها بقلق .. فتحت دنيا الباب ليدلف مهاب بشغبه قائلا بحدة :
- أنا سبت ال home work بتاعى بسببكم .. إيه ما فيش صبر يعنى.
وضعت غزل يدها على فمها و دموعها تتجمع بمقلتيها بغزارة .. لاحظ مهاب غزل فجذب دنيا من عبائتها فانحنت إليه فسألها بهمس :
- مين دى يا دودو .
ردت دنيا و هى تخفى إبتسامتها :
- دى صاحبة مينو .
أومأ برأسه و صاح بميناس قائلا بفقدان صبر :
- إنتى فين يا مينو .. سيبانى ساعة علشان تيجى .
خرجت ميناس من غرفتها بعدما حزمت حقيبتها و قالت بإبتسامة هادئة :
- بتزعق ليه يا أستاذ إنت .
هز كتفيه بطفولة و أجابها بتأدب :
- أنا مش بزعق على فكرة .. عاوزانى ليه يا مينو .
دنت ميناس منه و جثت على ركبتها و سألته بهدوء :
- ماما غزل وحشتك يا مهاب .
تجهم وجهه و إنعقد حاجبيه و كأنه صورة مصغرة من والده و قال بضيق :
- ﻷ .. هى سابتنى و مشيت تبقى مش ماما خلاص .
شعرت غزل بخنجر قد طعن فى قلبها .. و إقتربت منه و وقفت أمامه ثم هبطت لمستواه و هو يطالعها بتعجب من تلك الغريبة التى تقترب منه بشدة ..
طالعته مطولا قبل أن إحتضنته بهدوء .. فإبتسم مهاب بخفوت و قد إحمر وجهه و تجمعت دموعه بسرعة كبيرة و حاوط عنقها بيديه و إنهمرت دموعه و هو يقول بنحيب :
- وحشتينى قوى يا ماما .
لأول مرة تشعر بتدفق الدماء بشراينها .. و خرجت منها آهة متألمة و هى تضمه لصدرها أكثر و غاصت بأنفها بشعراته تستنشق رائحته الذكية بتوق ....
قبلتهبوجنته و قالت بصوت مرتحف من بكائها :
- أنا اللى كنت بموت و أنا بعيدة عنك .
قبلها هو الآخر على نقابها و قال برجاء يدمى القلب :
- خلاص ما تبعديش عنى تانى .
ملست على شعراته الناعمة و التى إستطالت مؤخرا و قالت بحنو :
- سامحنى يا حبيبى غصب عنى و الله .
إبتعد عنها و رفع النقاب عن وجهها و تطلع إليها مطولا و كفف دموعها براحتيه الصغيرتين و قال بقوة :
- عارف إن فيه مشكلة بينك و بين العوو بس هو بيحبك قوى و الله و أنا كمان بحبك .
مسحت غزل دموعه و قالت بتعقل :
- و أنا كمان بحبكم جدا .
قبلها بوجنتها مطولا و إبتعد عنها قائلا بفرحة :
- خلاص رجعتى و مش هتسبينى تانى صح .
لعقت غزل دموعها التى إنسابت على شفتيها و قالت بنبرة بائسة :
- ﻷ يا حبيبى .. بس مضطرة أبعد فترة و بعد كده هتبقى معايا على طول .
إبتعد عنها و قد إشتدت ملامحه و قال بغضب :
- إنتى مش عوزانى و أنا كمان مش عاوزك .
جذبته من ذراعيه و قربته منها و قالت بصدمة :
- ليه يا حبيبى بتقول كده .. أنا ما إرتاحتش غير لما شوفتك .. و لو عليا عاوزة أخدك معايا .
طالعها بنظرات متألمة و قال بتمنى :
- طب خدينى معاكى و الله هبقى مؤدب و هادى و مش هعمل شقاوة .
طأطأت رأسها و قالت بحزن :
- صدقنى هرجع أنا مش هقدر أعيش من غيركم .. بس محتاجة شوية وقت علشان أنا زعلانة من بابا قوى .
رفع ذقنها بيده و و كفف دموعها مجددا و قال بصرامة و تعقل مقلدا كلمات فارس :
- مش مرات العوو اللى توطى راسها أبدا .. إوعى تكونى فكرانى صغير .. أنا فاهم كل حاجة .. إنتى زعلانة منه علشان ضربك و زعقلك لما كنتى بتكلمينى صح .
إبتسمت بخفوت و هى تطالع فارس أمامها .. ببأسه و قوته .. و حنيته و دفئه و قالت بجدية :
- أيوة يا قلب ماما .. و لازم بابا يعرف إنه غلطان علشان ما يعملش كده تانى .
أومأ مهاب برأسه بتفهم و قال بلين و هو يملس بأنامله على وجنتيها :
- طب و بابا مش هتعرفيه إنك كويسة .
رفعت كفيها و تمسكت بأنامله و قبلتهما بحنو و قالت بإبتسامة هادئة :
- هعرفه يا حبيبى بس الأول ليا طلب عندك .
تطلع إليها مهاب بقوة و سألها بفضول :
- طلب إيه ؟!
ملست غزل على كفه و قالت بهدوء :
- عاوزة أتصل بيك كل يوم علشان أطمن عليك .. بس من غير ما حد يعرف خالص .. فاهمنى يا حبيبى خالص .
فكر قليلا و قال مبتسما بثقة :
- حاضر .. محدش هيعرف و أنا اللى هبقى أتصل بيكى كمان .. بس أنا عارف برضه إنك هترجعى للعوو تانى .. صح .
بعثرت غزل شعراته الطويلة بمداعبة و قالت بإبتسامة مشرقة :
- لمض لماضة .. بس بحبك هعمل إيه .. هو إنت ليه مش بتقص شعرك ده طول قوى .
مشط شعراته بيده كما يفعل فارس بالضبط و قال بضيق :
- هما البنات بيحبونى غير علشان شعرى ده .. و كل ما يطول بنات أكتر تحبنى .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قرصته بوجنتيه الممتلئة قليلا و قالت بحدة مازحة :
- هو بشكله و طباعه و غروره .. بنات إيه اللى بتفكر فيهم من دلوقتى يا أستاذ إنت .
فجأها قائلا بنظرات تقتلها :
- أنا بحبك قوى .
قاومت ضعفها و شيطانها يخبرها أن تأخذه معها و ليحدث ما يحدث و لكن شعورها بالمسؤلية نحوه و أنه يجب ألا يقصر بمدرسته جعلها تتراجع قائلة بصدق :
- أنا بحبك أكتر يا روحى .. يالا يا عمرى روح لتيتة علشان محدش يقلق عليك و هبقى أكلمك دايما done .
أومأ برأسه و هو يطالعها بحزن :
- done .
لوح لهم بيده و هم منصرفا فجذبته مجددا لصدرها و هى تضمه بقوة و دموعها عادت للهطول مجددا .. بينما تعلق هو بعنقها و جسده يهتز بقوة من شدة نحيبه ..
قاومت ذلك الشعور البغيض بالضعف و الذى لا يلائم ذلك الوقت تحديدا لأنها تريد أن تستجمع قواها ليس من أجلها بل من أجل أمانة جدتها بعنقها ...
أبعدته عنها و هى تدفعه أن يبتعد عنها و يغادر .. و لم تستطع النطق بحرف واحد ..
فجذبته دنيا لصدرها و ودعته قائلة بمداعبة تخفى بها دموعها :
- و أنا كمان هبقى أكلمك لما غزل تكلمك .. و هبقى أطمن عليك كل يوم .
ملس على ظهرها بحنو و قال بدموعه :
- حاضر .. يا باختك هتبقى مع ماما طول الوقت .
إنحنت ميناس و حملته على ذراعها و قالت بتأوه مشاغب :
- إيه ده إنت تقلت كده ليه يا واد إنت .
لم تنطوى عليه تماسكها و إحتضنها قائلا :
- عارف إنك زعلانة من حمزة .. و إنك هتعاقبيه زى ماما .. بس خلى بالك من نفسك و منهم .
أبعدته عنها و قالت بعبوس :
- بتجيب الكلام ده منين يا واد إنت .
قبلها بوجنتها و قال بحب و هو يتطلع إليهم ثلاثتهم :
- هتوحشونى .. و أول ما توصلوا كلمونى علشان أطمن .
أنزلته ميناس على قدمه و عدل من ملابسه و هو يطالع غزل بشجن و إنطلق راكضا ناحية باب الشقة هاربا من تلك اللحظة المؤلمة .. أغلقت دنيا الباب و قالت بتماسك :
- هطمن عليه من البلكونة .
جلست غزل على أحد الأرائك و هى تتألم لفراقه .. و إلتفتت لميناس و قالت بحزم :
- جاهزين يا بنات .. مش عاوزين نتأخر الطريق طويل .
أومأت ميناس برأسها و قالت بجمود :
- جاهزين .
و سارت ناحية الشرفة و وقفت خلف باب شرفتها تتطلع لحمزة الجالس بشرفة غرفته يدخن سيجارته شاردا .. ملأت عينيها بصورته لتحملها معها ...
ربتت غزل على كتفها و قالت بألم :
- يالا يا ميناس .. أنا هاخد شنطتك و هنزل .. و دنيا هتجيب شنطتها و تيجى ورايا و إنتى آخر واحدة تنزل .. علشان محدش يحس بحاجة غريبة تمام .
أومأت ميناس برأسها و قالت بنبرة محطمة :
- هطفى نور البيت و أقفله وأجى وراكم .
خرجت غزل أولا تجذب حقيبة ميناس و هى تتشبث بنقابها خوفا من أن يتعرف عليها أحدهم ....
تبعتها دنيا و هى حاملة لحقيبتها .. وضعت غزل حقيبة ميناس بالسيارة و ثوانى و إنضمت إليها دنيا و وضعت حقيبتها أيضا بجوارها .. صعدوا السيارة فى إنتظار ميناس .. و القلق مصيبهم ...
إقتربت منهم ميناس و إستقلت السيارة بجوار غزل و إلتفتت إليها بجسدها و قالت برجاء :
- عاوزة أسلم على ليال يا غزل .. علشان خاطرى .
سحبت غزل نفسا طويلا و قالت بإعتراض :
- بس يا ميناس إحنا كده هندخل برجلينا فى عش الدبابير .
ربتت ميناس على صدرها تستجدى عطف غزل و قالت بإستعطاف :
- علشان خاطرى .. مش هرتاح غير لو إطمنت عليها .
زمت غزل شفتيها و هى تفكر ثم أومأت برأسها موافقة و قالت بجدية :
- حاضر .. أنا كمان عاوزة أطمن عليها .
إلتفت غزل بالسيارة و سارت بها فى الطريق المؤدى إلى القصر .. و وقفت أمام البوابة الحديدية الضخمة بقلق و ضغطت بوق السيارة .. ففتح لها الحرس الباب بعدما رأوا ميناس ..
وقفت غزل بالسيارة أمام باب القصر و ترجلوا منها ..
طرقت ميناس الباب و دنيا تقف خلفها تحجب غزل .. فتحت لهم نشوى الباب و قالت مرحبة بميناس بسعادة :
- منورة الدنيا يا ست ميناس .
أخفت غزل عينيها حتى لا تتعرف عليها نشوى .. بينما ردت ميناس بإبتسامتها الملائكية :
- تسلميلى يا نشوى .. ليال فى أوضتها .
أومأت نشوى برأسها و هى تشير إليهم بيدها ليدلفوا قائلة بهدوء :
- أيوة .. سى رامى لسه نازل من شوية .
تركوها و صعدوا الدرج و نبضات قلب غزل تكاد تكون مرئية .. و صلو لطابق ليال .. و صدرها يعلو و يهبط بقوة .. و عطره يخترق أنفها .. و صوت خطواته يصدح بعقلها .. فوقفت متصنمة مكانها و قلبها يدق طبول الفرح ..
تطلعت إليها دنيا و ميناس بتعجب من وقفتها المفاجأة .. بينما رفعت هى عيناها أعلى الدرج لتراه بهيأته الجذابة و هيبته الآسرة ..
صوت شهقتها جعلت دنيا و ميناس يتطلعون لما جذب أنظارها حتى زمت دنيا شفتيها و قالت بخوف :
- أوبا وقعنا فى شر أعمالنا .
وقفت أمامها دنيا مسرعة تحجبها بجسدها .. و أسرعت ميناس قائلة له بإرتباك :
- أبيه فارس .. أخبارك إيه .
تنهد فارس بإرهاق و وقف أمامها قالئلا بنبرة خافتة مهلكة لقلبها الضعيف :
- تعبان يا ميناس .. هى غزل ما إتصلتش بيكى .
إبتعد ميناس بنظراتها عنه و قالت بتوتر :
- ﻷ يا أبيه .. إنت ما عرفتش عنها حاجة .
أومأ فارس برأسه نافيا و قال بضيق :
- لأ .. هتجنن يا ميناس .. ماسبتش حتة إلا و دورت فيها .. أعمل إيه بس .
أجابته دنيا لتشتيت نظراته ااتى بدأت فى التجول خلفها بتعجب :
- قول يا رب .. ده ساعات يبقى بينك و بين اللى بتتمناه خطوة و إنت مش حاسس .
عضت ميناس على شفتها بغضب .. و لكن رد فعل غزل كان قرصة مؤلمة بوسط ظهرها .. إحمرت على آثرها و هى تكتم صراخها المتألم ...
أجابها فارس قائلا و هو يطالع تلك المنتقبة بقلق :
- يا رب .. بس لو عرفتوا أى حاجة كلمونى أو إقنعوها ترحع بقا كفاية كده .
تنحنحت ميناس بتوتر و هى تخفى إرتجافها و قالت بإنصياع كاااااذب :
- إن شاء الله .
زاد تعجبه فمال على ميناس و قال هامسا :
- مين المنقبة دى يا ميناس .
إبتلعت ميناس ريقها بصعوبة و قالت بتخبط :
- دى .. دى صاحبة ليال و جاية تباركلها على الحمل .
إبتسم فارس بود و قال بتهذب :
- طب إتفضلوا إدخلوا ليها .. بعد إذنكم .
أخفت غزل وجهها بيدها .. و لكن حركة فارس التى تمهلت بجوارها .. جعلتها ترتعد خوفا ...
كأن قلبه أخبره أنها بجواره .. لم يجد داعى لتمهله بالسير و مطالعة تلك المنتقبة بطرف عينيه بفضول .. شئ ما بداخله ينتفض من قربه منها .. و لكنه قاوم شعوره الغريب و إبتعد حتى لا يشعرهم بالإحراج ..
تابعته غزل بعينيها و هى تتأمل وهنه البادى على ملامح وجهه .. و ذقنه الطويلة و نحافة جسده التى لا تلاحظها سوى عين خبيرة بكل تفاصيله .. و تحفظه عن ظهر قلب ...
وخزتها دنيا فى ذراعها لتنبيهها و قالت بعفوية :
- هياخد باله يا مجنونة .
ردت عليها غزل و هى تتنفس عطره بقوة و شوقها له غلبها و هى تقول بتنهيدة ملتاعة :
- واحشنى قوى .
هزت دنيا رأسها بيأس و قالت بسخرية :
- طب ما تريحيه و تريحى نفسك و تريحينا كلنا من الفيلم الحمضان ده و ترجعى .
وخزتها غزل بذراعها و قالت من بين أسنانها بهمس غاضب :
- لسانك طول و هقصهولك إن شاء الله .. بقا بينك و بين اللى بتتمناه خطوة مش كده .. بتسلمينى يا واطية .
ضحكت دنيا بخفوت و هى تمسد ذراعها و قالت بمداعبة :
- الحق عليا .. يعنى لو دلوقتى كان حس بيكى و أخدك فى حضنه و شدك وراه للجناح بتاعكم و توتا توتا فرغت الحدوتة مش كان أحسن من فيلم الهروب ده .
زفرت ميناس بغضب و قالت بحدة :
- يخرب بيت الأفلام اللى لحست دماغك الفاضية دى .
إعتدلت غزل فى وقفتها و قالت بجدية :
- خبطوا على ليال يالا قعدتنا هنا خطر .
طرقوا باب غرفة ليال و لم يأتهم رد .. تطلعا ببعضهما بتعجب .. فتحت ميناس الباب و دلفوا داخل جناحها و ما أن وصلوا إلى غرفتها حتى صرخت ميناس قائلة بصدمة :
- ليااال .. إلحقيها يا غزل .
ركضت غزل ناحيتها و أبعدتها لتجحظ عينيها من هول ما رأت .. فقد كانت ليال تبكى بدون صوت .. فقط دموع منهمرة و هى تتطلع لبؤرة الدماء بملابسها و التى إنسابت أسفلها و تركت آثرها على الأرضية ....
و وجهها قد صبغ باللون الأحمر و الأزرق .. و دماء منسابة على شفتيها .. إتسعت عينى دنيا و كتمت صرختها بكفيها و هى تطالعها بذعر ...
بينما صكت غزل أسنانها و إنطلقت من عيناها أشعتها الحارقة و قالت بصرامة :
- و رحمة أمى الغالية لهربيكم يا ولاد السعيد .
و إلتفتت لميناس المتصنمة من الصدمة و هزتها بعنف كى تفيق من صدمتها و هى تصرخ بها بعصبية :
- ميناس .. هاتيلى هدوم نضيفة بسرعة علشان نغيرلها لبسها ده .
أومأت ميناس برأسها و أسرعت ناحية خزانتها .. تطلعت غزل ناحية دنيا و قالت بنبرة آمرة :
- و إنتى يا دنيا ساعدينى أقلعها هدومها بسرعة .
أومأت دنيا برأسها و ساعدتها فى تبديل ملابسها و ليال بين أيديهم كخرقة بالية لا تشعر بشئ .. فقط تذرف دموعها بصمت قاسى ...
بدلوا لها ملابسها و ساعدتها غزل و دنيا على النهوض .. و هى مازالت فى عالم آخر .. كانت مغيبة تماما .. حثتها غزل على السير معهم فسارت معهم متألمة و هى تحتضن بطنها بخوف على قطعة منها ستتخلى عنها أيضا ...
هبطوا الدرج و خرجوا من القصر مسرعين .. ساعدوا ليال فى الجلوس بالخلف و جلست بجوارها دنيا التى حثتها على الحديث قائلة :
- ليال ... سمعانى يا حبيبتى ... يا ليال ردى عليا علشان خاطرى .
لم تجيبها .. صعدت غزل و ميناس التى أخذت تفرك لليال كفها علها تخرج من صدمتها .. و هى تقول بتعجب :
- معقول رامى يعمل فيها كده .. ده بيحبها قوى .
قادت غزل السيارة بغضب و هى تطالع ليال بالمرآة الأمامية بندم و كلمات والدتها بالرؤية تصدح بعقلها ..
إبتلعت ريقها بصعوبة و هى تقول بداخلها :
- سامحينى يا تيتة .. ما كنتش قد الأمانة .. بس و غلاوتك عندى لهعمل المستحيل علشان أحميهم من نفسهم قبل ما أحميهم من أى حد .
منعت عبرة غادرة من التسلل لوجنتها و علقت بأهدابها و هى مازالت تتحرك بسيارتها حتى خرجوا من القصر ...
دلف رامى لشقة صبرى و هو يجر جسده المنهك جرا .. و عقله يكاد ينفجر من شدة ألمه .. كلما تذكر عندها و تحديها المتعصب إليه .. و نظرات الإحتقار نحوه .. و كلماتها المستفزة .. يزداد ضغط الألم برأسه بقوة ...
إبتسم بخفوت و هو يرى زينب جالسة أمام التلفاز و تتابع ذلك الطاهى للسنة الرابع على التوالى .. لا تمل من رؤيته .. وضع مفاتيحه على الطاولة أمامها و قال بإنهاك :
- أخبارك إيه يا حبيبتى .
طالعته بقلق و هى تتفرس فى ملامحه الشاحبة و جلسته الحزينة تلك .. تعرف أنه الآن يتألم و بشدة ..
و ما زاد تأكيدها تمدده على الأريكة بجوارها و وضعه لرأسه على ساقيها و تشبسه بقميصها ....
أغلقت التلفاز و طالعته بقلق .. منذ أصبح أمانة بعنقها و هى تعامله كما تعامل أبنائها و مع الوقت إكتسب بقلبها مكانتهم .. أوقات كثيرة تتناسى فكرة أنه ليس إبنها و تتعامل معه كأنها هى من وضعته من داخلها ....
لم تشعره بالعطف و الشفقة من قبل ...
عاملته بحب غريزى إنغرس بقلبها و هى تضمه يوم وفاة والده .. آخر أمل له بعد وفاة والدته و هو صغير .. فقط يومها تمدد بجوارها و دفن رأسه ببطنها و أخرج ما بداخله من حزن عميق و شعور باليتم إختفى فور أن مسدت على شعراته بحنو و غفى وقتها و لم تتحرك طوال الليل خشية أن يستيقظ مفزوعا ...
تنهدت مطولا و هى ترى قبضته قد إشتدت على قميصها و لم تسأله .. فقط تركته يهدأ كعادته ...
و قلبها ينبؤها بالأسوء .. فسبب حالته تلك شئ جلل ....
توجهت غزل لمشفى قريب .. و ترجلت من السيارة مسرعة و هى تطلب المساعدة لإدخال ليال للمعاينة .. و بالفعل تمت معاينتها و الفتيات فى إنتظار خروج الطبيب بفارغ الصبر .. حتى خرج إليهم و أغلق باب الغرفة ورائه ..
حاوطوه بفقدان صبر بينما سألته غزل بتوجس :
- ليال كويسة يا دكتور .. و البيبى كويس و لا .
أعاد الطبيب نظارته للخلف و قال بألم :
- هى إتعرضت لضرب على وشها شديد جدا .. و وقعت بقوة على ضهرها و ده سبب نزيف .. بس سبحان الله البيبى كويس الحمد لله .
أغمضت غزل عيناها براحة و هى تحمد ربها بداخلها و ما أن إستوعبت حتى فتحت عيناها و طالعته بود و قالت له بقوة :
- متشكرة جدا يا دكتور .. هى تقدر تخرج إمتى .
أجابها مسرعا :
- لا مافيش خروج دلوقتى .. أنا عملتلها عملية ربط للرحم و لازم ترتاح على ضهرها فترة .. و أنا كمان مضطر أبلغ الشرطة .. ده ضرب مبرح و محاولة إجهاض .. بعد إذنكم .
تنهدت غزل براحة و قالت بهدوء :
- الحمد لله .. كده لازم نسيب المستشفى فورا ..ساعدونى يا بنات .
جذبتها ميناس و قالت بتعجب :
- الدكتور قال لازم ترتاح .. مش ربنا يحمى البيبى و إحنا نموته .
ضمت غزل وجه ميناس بين راحتيها و قالت بهدوء متزن لتهدأتها :
- هششش .. أنا عارفة هعمل إيه .. و صدقينى أنا عاوزة البيبى ده أكتر من ليال نفسها .. ده هو الأمل الوحيد علشان ليال تقف على رجليها تانى .
طالعتها ميناس بعدم إقتناع .. فأردفت غزل قائلة بحزم :
- ميناس كل ثانية بتعدى و إحنا هنا فيها خطر على ليال أكتر .. يرضيكى ترجع للحيوان ده تانى .
هزت ميناس رأسها نافية و قالت بذعر :
- ﻷ .. مش عوزاها ترجعله تانى .. أنا عارفة شعور الضرب ده .. حاجة بتوجع قوى .
صكت غزل أسنانها بقوة مع كلمات ميناس و ضمت رأسها بقوة و هى تقول بتوعد :
- هيدفعوا تمن ده .. كلهم.
إبتعدت عنها و تطلعت بدنيا و قالت بتنظيم مدروس :
- دنيا .. هاتى الكرسى اللى بعجل ده بسرعة قبل البوليس ما ييجى و أنا و ميناس هنقعدها عليه و إنتى إيديكى على ضهرها و إحنا بنقعدها ما تشليهاش .. تمام .
أومأت دنيا برأسها و ذهبت لإحضار الكرسى .. بينما دلفت غزل و ميناس لغرفة ليال و تمسكت كل واحدة بذراع و وضعوها على الكرسى بحرص .. و خرجوا من المشفى بهدوء ..
مددتها غزل بالكرسى الخلفى و ركبت ميناس معها و وضعت رأسها على قدميها و دموع ميناس لا تتوقف على ما صاب أختها ..
و بعدما إطمأنت غزل على تمددها أغلقت الباب و توجهت ناحية أحد الأكشاك و طلبت الهاتف من البائع و أعطاها إياه..
هاتفت رامى و الذى ما زال بشقة صبرى .. كان كالمجنون الذى فقد عقله كليا ... لقد تمادت و عبرت كل الخطوط الحمراء .. لا يحق لأى رجل غيره أن يذوب بشهد عيناها و لا بأنفها الصغيرة و لا بشفتيها الناعمة ...
فهى كلها له هو .. كيف إستباحت لنفسها أن يقف أمامها غيره و يطالع ما له .. فهى خلقت له و فقط ..
كز على أسنانه بقوة كادت تهشمها و صورتهما تعود و تلف فى رأسه حتى إنتبه على رنين هاتفه .. ظنها هى و لكنه تطلع لشاشة هاتفه و خاب ظنه .. أخذه الفضول من هذا الرقم الغريب و رد قائلا بصوت جاف أجش :
- ألو .
أجابته غزل بغضب لو طاله لقتله و هى تقبض كفها بتشنج :
- إنت إنسان و لا عندك ضمير و لا عندك ريحة الدم .. ظلمتك أنا لما قولت عليك إنسان أصلا .
وقف رامى منتصبا و قطب جبينه بتعجب و قال بغضب :
- غزل ... إنتى إزاى تكلمينى كده .
إزداد صوتها قسوة و حزم و هى تصرخ به بهياج أعمى :
- هو أنا لسه إتكلمت .. حذرتك قبل كده يا رامى لو لمستها إنت ما تعرفش أنا ممكن أعمل إيه و كنت فاكرنى بقول أى كلام .. بس و حياة ليال عندى ما هتشوفها تانى .
إتسعت عينى رامى بفزع و قال بصوت خشن ينذر بالأسوء :
- إنتى بتخرفى بتقولى إيه .
هدرت به غزل بغضب قائلة بمجون و بصوت محتد خطير :
- أنا اللى بخرف يا عديم الإحساس تضرب مراتك و هى حامل .. إبقى روح أوضتك و شوف دم إبنك اللى سيحته بإديك يا حيوان .
إتسعت عينى رامى و وضع يده على فمه مصدوما بحدة و كأنه تذكر للتو أن ليال .. حامل .. خرج صوته متحشرجا مرتجفا و هو يقول بصراخ :
- إبنى مات .
خرج على صياحه حمزة و صبرى و زينب التى قالت بتوجس :
- مين اللى مات يا رامى .
أجابته غزل بنبرة ساخرة و متشفية :
- لسه فاكر إنه ليك إبن فى بطنها .. تضربها بالشكل ده .. تشوه وشها كده .. أنا مش قادرة أتخيل هانت عليك إزاى .. بس و رحمة أمى لهدفعك تمن اللى عملته غالى .. و هحرمك منها .
مرر انامله بشعراته و هو يجتذبها بقوة و صرخ بها قائلا من بين أسنانه :
- رجعيلى مراتى يا غزل .. أنا دلوقتى لو طولت رقبتك هخنقك بإديا .
وصله صوت ضحكتها العالية المقللة من شأنه و هو تزداد عينيه و حشية و إنقباضا .. و أجابته بنفور :
- ليك عين تتكلم .. إنت حيوان سامعنى حيوان مش بنى آدم .
جذب صبرى الهاتف منه و خاطبها قائلا بقلق :
- غزل أنا عمك صبرى يا بنتى .. إنتى فين .. و فى إيه و ليال مالها .
سحبت غزل نفسا طويلا و قالت بهدوء لا يلائم وجهها المتصلب و عيناها الغاضبتين :
- الحيوان إبن أخوك يا عمى ضرب مراته و هى حامل .. وشها كله كدمات .. ده غير الحمل اللى راح .
جلس صبرى و هو يتهاوى بصدمة و قال بحزن :
- يا نهار إسود .. إنا لله و إنا إليه راجعون .
رأفت غزل بحاله و قالت بتأسف خجل :
- سامحنى يا عمى بس البيبى كويس الحمد لله و أنا عاوزة حضرتك تقوله إنه مات علشان يتربى .. و مش هو و بس قول لحمزة إنه مش هيشوف ميناس هو كمان .. و قول للكبير إنى عاوزة أطلق .
تنهد صبرى براحة بعدما إطمئن على حفيده و قال متابعا و هو يمرر نظراته بينهما :
- عندك حق يا بنتى .. هما محتاجين يتربوا .
إحتدت نظرات حمزة و سأله بقلق تملكه من بداية المكالمة و قال بتحفز :
- هما مين دول اللى محتاجين يتربوا .. هى ميناس معاها .
و جذب الهاتف من والده و قال بقوة و إندفاع ستجعله يهم واقفا من شدتها :
- ميناس معاكى ؟!!
تعالت ضحكات غزل مجددا و قالت ببطء ساخر :
- أهلا .. هو إنت أيوة ميناس معايا يا حمزة .
لو رأت تعابير وجهه الآن لربما ندمت على إستثارته .. إنقبض فكه و هو يهدر بها بصراخ إخترق طبلة أذنها من قوته كإعصار مدوى سيقتلعها من جذورها قائلا بجنون :
- قسما بالله لو بعدتى بميناس متر واحد كمان لهخليكى تكرهى اليوم اللى شوفتينى فيه .
عادت ضحكاتها الساخرة فى الرنين و الدوى بعقله و هى تجيبه بإستهزاء و وعيد :
- و دينى لهلففكم حوالين نفسكوا و إنت بالذات هخليك تتحسر عليها .. زى ما بتتحسر على شبابك دلوقتى .
صرخ بوحشية و هو يضرب ذراعى كرسيه كأسد غاضب و مكبل من قدميه .. لأول مرة يشعر بمرارة العجز .. و هو لا يستطيع خنق تلك الحقيرة بيديه و يستمتع برؤيتها و هى تلفظ أنفاسها الأخيرة .. قائلا بهياج :
- رجعيها لهموتك .. و الله هموتك .
خرج هو الآخر من غرفته متعجبا و هو يطالع وجوه الجميع بقلق و يطالع حمزة بالأخص بتعجب من صراخه و عنفه الغير مبرر حتى و صل لمسامعه حديث رامى الذى جذب الهاتف من حمزة و قال لها بغضب هادر :
- رجعيلى مراتى أحسنلك يا غزل لقسما بالله هوصلك و هموتك بإيدى .
زفرت غزل بضيق و قالت بنبرة متحدية .. و متوعدة :
- مش هتشوفها تانى غير لما تشوف حلمة ودنك .. و أنا هربيكم إنتم التلاتة .. إنتم فاكرنا مالناش حد أنا أقدر أدافع عنهم و عنى كويس جدا .
- و أنا بقولك إنى بحبك و آسف يا أميرتى بس إرجعيلى و أنا هعوضك عن كل ثانية إتألمتى فيها سواء بسببى أو ﻷ .
سرت رجفة شديدة بجسد غزل وهى تستمع لصوت فارس .. أسبلت جفناها .. وهى تسمع آسرها يتضرع بحبها و يعتذر إليها .. إبتلعت ريقها بتوتر و إستجمعت أنفاسها الهاربة و قالت بضيق :
- فا... إنت .
فهمس بترجى آمر :
- قولى إسمى يا غزل .. أنا فارس حبيبك يا عمرى .. سامحينى علشان خاطرى .
إستجمعت قواها و قالت و هى تتطلع للسيارة متخيلة هيئة ليال :
- عمرى ما هسامحكم سامع .. و إنتم التلاتة لازم تدفعوا تمن اللى عملتوه فينا .. و غالى قوى .
أغمض عينيه و هو يتمسك بالهاتف بيده و بيده الأخرى يصد هجوم رامى على الهاتف و قال بلين و ترفق حذر :
- أنا قولتلك أنا آسف .. و عمرى ما حبيت و لا هحب غيرك .. إرجعى ده أنا بموت من غيرك .
قبضت بكفها على صدر عبائتها ربما تتحكم فى دقات قلبها التى زادت بقوة مع صوته الهامس و أجابته بهدوء :
- و أنا كنت بموت معاك .. مارحمتنيش و لا فكرت فى وجعى كنت بتعمل كل حاجة علشان توجعنى و حابة أقولك إنك نجحت و وجعتنى .. قوى .
أجابها بنبرة صوت عالية و هو مازال يصارع ذلك الوحش بذراع واحدة :
- أنا كنت فاهم غلط .. ليه ما قولتليش الحقيقة .
تنهدت مطولا و أجابته ببرود :
- خلصنا بقا .. و عاوزاك تطلقنى فى أسرع وقت .
صرخ بها فارس قائلا بفقدان صبر نتيجة غضبه الشديد :
- ده بعينك .. إرجعى من نفسك يا غزل لأنى هرجعك و ساعتها هتندمى ندم عمرك .
ضحكت غزل ضحكتها الرنانة الساحرة و قالت بسخرية :
- أهلا يا عوو .. كنت مستغربة برضه نبرة السهوكة الجديدة عليك دى .. بس خليك فاكر أنا عمرى ما و عدتك بحاجة و خلفت وعدى .. قولت ههرب منك و هربت و دلوقتى بقولك مش هتشوفونا تانى إلا بمزاجى و أعلى ما فى خيلك إركبه يا .. يا عوو .
و أغلقت الهاتف .. أغمض عينيه و صرخ قائلا بشراسة :
- غزززززززل .
عادت للسيارة و هى تسبهم جميعا .. سألتها ميناس و هى تكفف دموعها بقلق :
- هنروح فين يا غزل .
ردت غزل بضيق :
- هنروح الغردقة .. عند دكتور أحمد كان زميلى فى مستشفى فارس .. و هو سايبلى بيته أقعد فيه و إنتم هتقعدوا معايا لغاية ما أشترى بيت لينا نقعد فيه .
ساد الصمت بالسيارة .. و إنطلقت غزل فى طريق عودتها .. و فى خطتها التى ستعدل بها جميع شئونهم و لو بالقوة الجبرية .. لن تقابل جدتها و هى غاضبة منها .. لو دفعت عمرها كله ثمنا لذلك ....
بداية الطريق .....
أصعب مرحلة نمر بها بحياتنا هى مرحلة ما بعد السقوط .. أن تتكأ على نفسك .. و تلملم جروحك و مشاعرك المتخبطة .. و تحاول النهوض مجددا ...
و أصعب شئ يلى ذلك هو بداية الطريق .. أن تسير على خطى مدروسة بإتجاه هدف محدد و رؤية مستقبلية ..
منحيا مشاعرك و أحلامك الوردية على جانب ..
و الأصعب أنك تتقدم و أنت مكبل بأثقال تجعلك بطئ فى حركتك .. لأنك لست بمفردك بل هناك أشخاصا برقبتك و عليك أن تدفعهم بقوة قبلك حتى و لو ستتعثر أنت .....
فكرة أن تهتم بأمر غيرك أكثر من أمرك .. و لو على حساب نفسك ستوقعك فى فخ الخطايا السبع ...
أن تقع فريسة لثقتك بنفسك و غرورك و أنت مغيب العقل و القلب .
أن تبتسم إبتسامة صافية من القلب الذى يبكى دون توقف على ألمه و جرحه .
أن تختزن ضعفك و تحتويه و تدعى القوة التى يتشربها الجميع من حولك ليزداد ذبولك .
أن ترسم طريقك أنت و تسخر طموحك أنت من أجل إسعادهم و مساعدتهم .
أن تشعر من داخلك باليتم و الوحدة و تشع أمومة و حنانا و دفء للجميع .
أن تقاوم و تحارب و تتحدى و تصارع ... لتحافظ على أمانة باتت كل شئ فى حياتك .
أن تقع .. صريعا .. لتضحيتك اللا متناهية من أجل روح باتت لك السعادة و الراحة و الملاذ النقى .
فخا بكل المعانى و تسقط به بإستمتاع و شعور بالراحة يغمرك حتى أنفاسك اللاهثة .. حاملا متحملا أصعب الظروف التى تمر بك و ليس من أجلك فقط ...
أن تضع رأسك على وسادتك متمنيا يوما جديد مشرق .. هادئ .. يحمل السلام الداخلى لنفسك المرهقة و المنهكة و التى تبدأ ذلك اليوم بتلك الخطايا مجددا ..
و كأنها أصبحت الطريق الغير ممهد الذى تتعثر بصخوره و تجمعات مياهه الراكدة حتى ينتهى يومك و تعود لوسادتك مرة أخرى كى تحتويك ..
طوال طريقهم الطويل و الصمت يصاحبهم .. طالعتها بإشفاق و هى تتوسد ساقيها و محتضنة بطنها بصمت مؤلم ..
سابقا كانتا صديقتين أكتر من كونهما أختين .. و كانت تعاملها كأختها الكبرى لا الصغرى .. متى تركتها فريسة لذلك المتوحش عديم القلب مدعى العشق و الهيام ..
و من أجل من .. متوحش آخر بشكل و منطق مختلفين .. عانت معه الأمرين و إحتملت فوق طاقتها و تركت أختها ليتلاعب بها بأنامله كعرائس الماريونت ..
ملست ميناس على وجنة ليال بهدوء و مرت على أنامل رامى التى إرتسمت بمنتهى الدقة باللون الأزرق على وجهها .. حتى وصلت لذلك الجرح العميق بجوار شفتيها و المتخثر حوله الدماء ...
فلاحظت إنقباض وجه ليال بتألم .. فرفعت أناملها مسرعة و دموعها تعود للهطول بندم و إحساس بالذنب ...
و مع كل عبرة سقطت من عيناها شعور بالإشتعال يزداد و يزداد كالنيران الخافتة و التى تغترف من فحم أيامها و تشعلها أكتر و أكتر و هى تتوعد الجميع على ما أصابها جسديا و نفسيا هى و .. ليال ..
مررت دنيا أنظارها على الجميع بألم بدئا من غزل التى تطالع الطريق بتحفز و تقود السيارة بحذر شديد .. و ملامحها متصلبة و تصارع وحوش و شياطين وجهها بدموية ..
و ليال المغيبة تماما و سابحة بآلامها بمكان آخر فقط إنقباضات وجهها و جبهتها دليلهم على أنها مازالت تعانى من آلام جسدها ...
و لكنها توقفت قليلا على وجه ميناس المحتقن بحمرة قانية كبركان خامد و فى إنتظار الوقت المناسب كى ينثر حممه بوجه شخصا ما .. و لن تكون هى ..
فآثرت السلامة و عادت بعيناها لمطالعة الطريق و هى تدعو ربها ألا ترتبط بشخص يؤلمها و يجرحها حتى و لو لن يعشقها
فقط ما تحتاجه أن يعاملها برفق و حنو .. و هذا آخر طموحها بعدما رأته معهم ....
قطع تلك الحالة رنين هاتف غزل .. التى تنبهت و رفعت رأسها بحدة و طالعت دنيا قائلة بحزم :
- تليفونك و تليفون ميناس فين ؟!!
أخرجتهما دنيا من حقيبة يدها و قالت بتعجب :
- معايا .. ليه فى حاجة .
إلتقطتهم منها غزل و قذفتهم من نافذة السيارة .. إتسعت عينى دنيا بصدمة و هى تتابع تدحرج هاتفها على الطريق .. عادت بعينيها لغزل و سألتها بإندهاش و حزن :
- ليه كده .. هما كانوا زعلوكى فى حاجة .
إمتعض وجه غزل و أجابتها ببديهية :
- ﻷنه بسببهم بكرة الصبح كنا هنلاقى فارس و رامى فوق دماغنا يا فالحة .
كتفت دنيا ذراعيها بغضب و قالت بتذمر :
- بس هعمل إيه من غيره دلوقتى أنا صفحتى على الفيس بوك كنت بدخلها منه .
نظرة واحدة من غزل كانت كفيلة بإخراسها للأبد .. فهزت رأسها بإنصياع و عادت لمطالعة الطريق ...
رن هاتف غزل مجددا فأجابته و فتحت سماعته الخارجية كى لا يترك المقود كفيها و هى تقود بحذر و هدوء و أجابته بإبتسامة رقيقة رغم تصلب ملامحها :
- وحشتنى يا عمرى .
أجابها مهاب بخفوت و هو يهمس بصوته مسببا خشخشة أزعجتهم و هو يقول بتريث :
- و إنتى وحشتينى .. وصلتم .
رفعت غزل حاجبيها و أذنيها قد تألمتا من صوته و قالت بحنو :
- لسه يا حبيبى إيه الأخبار عندك .
أغلق باب غرفته و ركض ناحية فراشه و إندس تحت غطائه و أجابها قائلا بضيق :
_ زعلانين علشان مشيتوا و رامى و حمزة بيشتموكى الصراحة .. و بابا عمال يضرب كل حاجة بتقابله .
شعور غريب بالتشفى تسلل لقلبها .. و شعور أكبر من الإيجابية تملكها كى تتابع طريقها الواعر ...
عادت لمهاب مجددا و هى تسأله بفضول :
- طب ما إتصلوش بحد قدامك علشان يدور علينا .
رفع مهاب الغطاء عن رأسه بعدما وصله صراخ رامى الهستيرى و زم شفتيه بتوجس و ذعر و قال بسخرية :
- أوبا ... رامى إتجنن .. ده بيصرخ أكتر منى لما الدكتورة إدتنى الحقنة فى التوتا .
رغم حزنهم و آلامهم إلا إنهم إبتسموا بخفوت .. حتى ميناس .. ركض مسرعا و فتح باب غرفته و قال لغزل بهدوء :
- أنا هخرج و الموبايل فى إيدى و إنتى إسمعى كل حاجة تمام .
أجابته غزل مسرعة :
- تمام .. بس بسرعة يالا و خد بالك .
- حاضر .
و خرج بتريث و وقف بعيدا بأحد الأركان يتابع قطع رامى للشقة ذهابا و إيابا و هو يقول بغضب :
- و رحمة أمى يا غزل لهخليكى تندمى .. أنا اللى سمحتلها تلعب بعقل مراتى .
وقف فارس قبالته و قال بصرامة :
- إنت إتهرشت فى عقلك .. هتندم مين يا زفت إنت مش كفاية المصيبة اللى إنت عاملها .
نظر له رامى مستنكرا كلماته المستفزة و قال بشراسة :
- مراتى و أنا حر معاها .. و أعاملها بالطريقة اللى أنا عايزها و شايفها صح .
وخزه فارس بقبضته بصدره بالقوة و هو يهدر به بحدة :
- و مين قالك إنك صح .. فوق بقا لسه بتتكلم عن مراتك و طريقتك و نسيت إبنك اللى مات .. إنت ما عندكش إحساس .
عض رامى على شفته بقوة أدمتها بالفعل و هو يقول بصوت جاهورى مرعب :
- ما قصدتش و الله ما كنت أقصد هى اللى إستفزتنى و طولت لسانها عليا .
حرك فارس رأسه بسخرية و هو يقترب من وجهه قائلا بإستياء :
- إستفزتك .. بجد .. إنت متخلف ياله .. مخك ده مفوت بقولك قتلت إبنك بإيدك .. ده أنا لو مكانك أدفن نفسى بالحيا .
أكد حمزة على كلماته قائلا بعبوس :
- سيبه يا عوو ده الكلام معاه مضيعة للوقت .
صرخ بهم رامى قائلا بمجون :
- بقيت أنا الشيطان و إنتم الملايكة .. كل واحد منكم يبص لنفسه كويس قبل ما يحاسبنى .
ثم تطلع ناحية فارس و قال بوعيد و عينيه تشع نارا حارقة :
- و الزفتة مراتك دى قسما عظما لو شوفتها لهفعصها تحت جزمتى .
لم يتمالك فارس نفسه و لكمه بوجهه و إستمرت لكماته حتى أبعده صبرى عنه قائلا بحزم :
- إنتوا هتضربوا بعض قدامى .. ما عدش فى إحترام ليا .. خلاص موتونى بالحيا .
مسح رامى دماء إنسابت من فمه و رفع سبابته فى وجه فارس و قال بتوعد قاسى كنبرته المحتدة :
- مش هسيبك صدقنى و هاخد حقى منك .. دى مش أول مرة تضربنى علشانها .
إقترب منه فارس و قال بسخرية و إستهزاء :
- ورينى نفسك يا دكر .
ضيق رامى عينيه و خرج عن تعقله و لكمه فى وجهه بقوة تلتها لكمة من فارس و ركلة بركبته فى بطن رامى .. فصرخت زينب قائلة بذعر و عويل :
- إنتوا إتجننتوا .. بتضربوا بعض قدامنا يا خسارة تربيتى فيكم .. حسبى الله و نعم الوكيل .. عليه العوض و منه العوض .
وقف حمزة بكرسيه حائل بينهما و صاح بهما قائلا بصوت محتقن :
- بعد ما كنتم بتضربوا علشان بعض و ضهركم فى ضهر بعض و دايما تقولوا لو قلبك مات متجيش على إتنين إخوات .. بقيتوا بتضربوا بعض .. فوقوا بقا .
فرك صبرى جبهته بألم و تهاوى على الأريكة و سقط منه عكازه و قال بصوت محبط :
- سيبهم يا حمزة يموتوا بعض و الله هرتاح .
و وضع يده على صدره متألما .. فجلست زينب بجواره و هى تطالعه بقلق و سألته بذعر :
- مالك يا حاج .. فى حاجة وجعاك يا أخويا .
إلتفت برأسه ناحيتها و قال بوهن :
- هيكون مالى يا زينب .. مال بختى بعيالى أربى و أتعب و فى الآخر يشوفوا نفسهم على حريمهم .
ربتت على كفه و قالت بتحذير مترفق :
- طب إهدى يا حاج .. كده مش كويس على صحتك .
تطلع إليهم شرزا و رفع أنامله و أشار على فارس قائلا بوهن :
- واحد حبس عروسته يوم صباحيتها علشان متخلف و ما فكرش الناس ممكن تفكر فيها إيه أو تقول عليها إيه .
إبتلعت غزل ريقها بتوتر و شعور الضعف يعود و يتملك منها حتى أن قبضتيها بدأتا بالإرتجاف .. و ملامح وجهها تهدلت بحزن .. فربتت دنيا على كفها مسرعة لتخرجها من حالة الخمول تلك و هى تطالعها عن كثب ...
حرك صبرى يده و أشار بأنامله على رامى و قال بصوت مرهق :
- و واحد ضرب مراته الحامل و قتل إبنه بإيده علشان متخلف هو كمان .. و لسه بيلف فى دوامة إنها كسرت كلامه اللى هو مش قرآن يعنى علشان تسمعه حرف حرف .
رد فعل ليال كان دمعة ساخنة إنسابت من عيناها و مرت على وجنتها المتورمة حتى إستقرت بجرجها العميق متخثر الدم ...
هبطت ذراع صبرى بجواره و تمسك بكلتا يديه بالأريكة و قال و هو مطأطأ رأسه بخزى :
- أنا ما قصرتش فى تربيتكم .. و إنتم التلاتة ما تستاهلوش البنات دى .. و الله خسارة فيكم .
خرج حمزة عن صمته قائلا بصوت منفعل :
- خسارة بقا مش خسارة أنا عاوز مراتى ترجع و بس و إلا هطربق الدنيا على دماغتهم لو لقتهم أنا .
رفع صبرى رأسه و طالعه بنظرات لطالما أرعبت رجالا من قبل و قال بشراسة لا تلائم حالته الصحية :
- بقت مراتك دلوقتى .. هى مش دى اللى هتطلقها علشان ما تدورش على اللى ناقصها مع غيرك .
خرجت شهقة طويلة من ميناس و هى تستمع لحديثهم و رفعت كفها و وضعته على فمها و قد إتسعت عيناها بصدمة .. و لكنها لم تطل و هى تستمع لصراخ حمزة الهستيرى :
- أنا بمووت .. محدش فيكم حاسس بيا .. بس بتلمونى على قتل هديل يوم الحادثة .. و أنا مش فارق معاكم فى حاجة .
سقط الهاتف من مهاب الذى تصنم و تحولت ملامحه بصدمة لوحش صغير مكظوم ...
إلتفتوا جميعا ناحيته و هالهم هيأته المذعورة المصدومة المتحفزة .. إلتف حمزة بكرسيه ناحيته و حركه مسرعا و هو يقول معللا ما سمعه :
- مهاب .... أنا ما قتلتش أمك و الله .. دى .. دى كانت حادثة عربية .. و أنا ....
ضغطت غزل مكابح سيارتها و قالت بصدمة :
- مهاب ... مهاب سامعنى يا حبيبى .
هدأتها دنيا قائلة بنبرة ثابتة :
- إهدى يا غزل علشان ليال .
إلتفتت إليها غزل و قالت بصوت قاتم حاد :
- الغبى هيضيع الواد .. يا ريتنى خدته معايا .. سبته ليه .. سبته ليه ؟!
بينما قطع مهاب حديث حمزة قائلا بجمود :
- أمى ماتت بسببك .
هز حمزة رأسه بقوة نافيا و قال بتريث :
- ﻷ يا حبيبى .. أنا كنت سايق العربية و كنت تعبان شوية .. فا .. فاعملنا حادثة و هى ماتت و أنا أهه مشلول .. بس و الله أنا مقتلتهاش .
بدأت الدموع فى التجمع بعينى مهاب و إحتقن وجهه و هو يقول بنبرة مرتجفة :
- أنا بقيت أخاف منكم .. إنت قتلت ماما و ضربت ميناس .. و رامى قتل البيبى الصغنن و ضرب ليال .
رفع عينيه ناحية فارس و أردف قائلا بعويل :
- و بابا ضرب ماما و خلاها تمشى و تسيبنى .. أنا مش عاوز أكلمكم .. إبعدوا عنى إنتم وحشين .
و إنحنى و إلتقط هاتفه و ركض ناحية غرفته .. بينما طالعه صبرى بتعجب و إبتسامة خافتة إرتسمت على شفتيه واراها مسرعا و هو يقول بقوة :
- حتى الواد اللى طلعت بيه من الدنيا هتعقدوه ... هى كده خلصت و أنا هساعد البنات علشان يخلصوا منكم .. و هجوزهم بنفسى .
إستدار فارس نحو والده و قال بقوة قاطعة :
- مراتى و مش هسيبها و هرجعها ليا مهما حصل .. و هدور عليها لو كانت فى سابع أرض .
رد رامى بتلقائية :
- قوله يا فارس .. أنا كمان عمرى ما هستغنى عن ليال و النهاردة قبل بكرة هتبقى معايا .
ضحك حمزة بسخرية و قال بمجون لرامى :
- قوله يا فارس .. نسيت إنكم قطعتم بعض من ثوانى .. طب و الله الحاج عنده حق .
طالعه فارس بحدة و تركهم و سار ناحية غرفة مهاب ...
طرق الباب و قال بهدوء :
- إفتح يا مهاب .
أجابه مهاب من خلف الباب بصوت مبحوح :
- ﻷ مش فاتح سيبونى لوحدى .
رفع فارس عينيه بملل و طرق الباب بقوة و هو يصيح بغضب :
- إفتح الزفت ده أحسنلك .
إنكمش مهاب فى نفسه بذعر .. بينما جذبته زينب من ذراعه و هى تقول بغضب :
- سيب الواد فى حاله .. مش كفاية بيدفع تمن أغلاطكم .. و يالا إمشوا بقا كل واحد يروح يدور على مراته .
لم يهدأ صراخ غزل و هى تضرب مقود السيارة بغضب و تلعن نفسها و غبائها أنها تركته لهؤلاء الحمقى .. عنفتها ميناس قائلة بضيق :
- إهدى بقا يا غزل ... و لو عاوزة ترجعى إرجعى و خلصينا من التوتر بتاعك ده .
لم تؤثر بها كلمات ميناس .. و لكن رنين هاتفها جعلها تضغط زر الإجابة مجددا و قالت بإندفاع قلق :
- ما تصدقش أى حاجة سمعتها يا مهاب .. هما متعصبين و مش عارفين بيق?
وصلت غزل أخيرا أمام الحارة فصفت السيارة على الطريق العام .. و تطلعت للقصر بشوق لآسرها .. ثم تنهدت مطولا و تطلعت للحارة بألم ..
عدلت من نقابها و طالعت نفسها بمرآة السيارة و إطمأنت بأنه لن يعرفها أحد .. و ترجلت من السيارة و أغلقتها و عبرت الطريق و دلفت للحارة بتوجس و تخبط ....
سارت بخطوات قلقة حتى وصلت لبيت جدتها صعدت الدرج مسرعة و هى تتنفس براحة بعدما تخطت مرحلة بنجاح .. و وقفت أمام باب الشقة بقلق و طرقته ..
بعد قليل فتحت دنيا الباب و قالت بتعجب و هى تطالعها بقلق :
- مين حضرتك .
رفعت غزل نقابها .. فإتسعت عينى دنيا بصدمة و صرخت قائلة بفرحة :
- غزل !!!
وضعت غزل يدها على فم دنيا و دفعتها لداخل الشقة و أغلقت الباب و قالت لها بضيق :
- وطى صوتك يا مجنونة .
إحتضنتها دنيا و قالت بشوق :
- وحشتينى وحشتينى قوى يا غزل .
ضمتها غزل لصدرها و قالت بحنو :
- و إنتى كمان وحشتينى قوى يا دودو .
شددت دنيا من ضمتها لها و قالت بضيق :
- سبتينا ليه .. ده إحنا كنا هنموت من القلق عليكى .
ملست غزل على شعراتها و قالت بهدوء :
- سامحينى يا حبيبة قلبى .. غصب عنى و الله .
خرجت ميناس مسرعة بعدما سمعت إسم غزل .. ما أن رأتها حتى ركضت نحوها و دفعت دنيا بعيدة عنها و إحتضنتها قائلة بدموعها :
- هونت عليكى تسبينى لوحدى يا غزل .. أنا تعبانة قوى و محتجاكى معايا .
ربتت غزل على ظهرها و قالت بصوت عميق :
- أنا رجعت علشانك إنتى و دنيا و هاخدكم معايا و دلوقتى .
إبتعدت ميناس عنها و قطبت حاجبيها بشدة و قالت متعجبة :
- هنروح فين ؟!!
تمسكت غزل بذراعيها و هزتها قليلا و هى تقول بصرامة :
- مش وقته بس بسرعة حضروا شنطكم و خدوا معاكم كل حاجة هتحتاجوها .. تمام .
فسألتها دنيا بضيق :
- يعنى مش هتعرفى أبيه فارس إنك هنا .
إبتلعت غزل ريقها بتوتر و هزت رأسه نافية و هى تفلت ميناس من يدها و قالت بحزن دقيق :
- ﻷ .
ثم تهاوت جالسة على أحد الأرائك و قالت بشوق مرهق :
- بس عاوزة أشوف مهاب قبل ما نمشى .
حملت ميناس هاتفها و قالت بنبرة ثابتة :
- هو كمان هيتجنن عليكى أكتر مننا .. هتصل بيه .
إبتسمت غزل بتلهف .. بينما جلست دنيا بجوارها و قالت بحذر :
- مهاب من يوم ما مشيتى و هو مش بيكلم حد و متعصب طول الوقت .. فا لو قالك حاجة إستحمليه لأنه تعب جدا و إنتى بعيدة عنه .
تنهدت غزل تنهيدة طويلة مرتجفة و قالت بألم :
- يا حبيبى .. يعمل اللى هو عاوزه بس أشوفه .
لكل شخص منا قوة تحمل .. طاقة غرببة كامنة بداخلنا .. ككرة الثلج التى كلما تدحرجت على الجليد إزداد حجمها ..
فلصبرنا حدود أيضا .. مهما بلغ عشقنا .. نأتى لنقطة معينة و نتمرد حتى على أنفسنا ..
و شعور غريب يتملكها لأول مرة و يحثها على التمرد .. فهى الآن تحمل أمانة بأحشائها و لن يستطيع أحد مسها ...
وصل رامى و ليال للقصر .. و قد تملك الخوف منها لما ينتظرها منه خصوصا من صمته طوال الطريق و تشنج جسده .. و صوت تحطيمه لأسنانه من شدة صكه إليهم كاظما غيظه ...
ترجلت من السيارة و حاولت الإبتعاد مسرعة و لكنه لحقها و جذبها من ذراعها بالقوة و سار متوجها بها لجناحهم ..
دلفا سويا لغرفتهم فأغلقها رامى بغضب و إلتفت إليها و قد إكتست عيناه بلون أحمر من شدة غضبه .. و إقترب منها قائلا بنبرة خشنة و جافة :
- بتتعرفوا مش كده يا هانم .
ضمت يديها أمام صدرها بخوف و هى تطالع هيأته الغاضبة و قالت بتلعثم :
- و الله مش زى ما إنت فاكر .
تطلع رامى لسقف الغرفة يستلهم الصبر و صاح بها بصوت هادر :
- و أنا مش قولت مليون مرة ما تتكلميش مع حد غريب .
كففت ليال دموعها و قالت بضيق :
- لغاية إمتى هفضل أقول حاضر و طيب وإنت تتحكم فيا أكتر و أكتر .. بقيت بخاف أتعامل مع الناس .. لو إنت فاكر إن ده إسمه حب تبقى بتضحك على نفسك و عليا .. إنت مش بتحب إلا نفسك و بس .
أخرستها صفعة قوية على وجهها فسقطت على الأرض من شدتها ..
رفعت ليال عيونها ناحية رامى و هى تتحسس وجهها .. ثم وقفت متثاقلة من ألم ببطنها و قالت بقوة :
- خسارة فيك عمرى اللى ضيعته مع واحد أنانى زيك .
جذبها من حجابها بقوة آلمتها و قال بعصبية :
- لسانك طول و عاوز قصه .. و أنا هربيكى و هعلمك الأدب .
تأوهت من جذبه لشعراتها و قالت بتألم :
- آآآآآه .. سيبنى يا حيوان .
قطب حاجبيه بغضب و إحتدت نظراته أكثر و هو يتحول ببطء لشيطان هائج و قال بشراسة :
- بتشتمينى يا ليال .
و هنا سقطت يديه على وجهها كالسوط مرة بعد مرة و هو لا يرى من شدة غضبه .. أعماه شيطانه و نسى أنها حامل .. لم تدافع عن نفسها و بغريزة طبيعية لفت بطنها بذراعيها لتحمى صغيرها من بطشه ..
لم يكتفى حتى أنه قذفها على الأرضية بقوة لتسقط صارخة و متألمة من ظهرها .. رفع سبابته بوجهها و قال بتحذير قاتم :
- عاوزة تقلدى غزل و تعملى راسك براسى .. مش أنا يا ليال .
رغم الألم العاصف بأحشائها و وجهها و التى تشعر بتضاعف حجمه من تورمه .. إلا أنها ضحكت ضحكة عالية .. حزينة .. و قالت بصوت متحشرج :
- غزل دى أحسن منى و منك .
فبض على شعراتها مجددا و هزها بعنف و قال بنبرة قاتمة :
- بقا البت الصايعة دى أحسن منى .. ما سألتيش نفسك جوزها سابها ليه ليلة دخلتهم .. دى ***** .
صرخت به بوحشية لما يرها بها من قبل و قالت بهيستيرية :
- دى أشرف منك يا حقير .. إياك تجيب سيرتها على لسانك القذر ده .. لو كانت مش كويسة وزى ما إنت بتقول كان جوزها هيقلب الدنيا علشان يرجعها ليه .
قبض على فكها بقوة حتى أن أظافره إنغرست بلحم وجهها و هو يقول بجنون :
- أنا حقير يا زبالة .. و دينى لهربيكى و أقصلك لسانك و هوريكى أيام أسود من قرن الخروب .
و قذفها مجددا على الأرضية .. فإنطرحت للخلف و ساقيها مثنيتان تحتها .
و تركها و خرج .. لم تكن تراه و ربما لم تسمعه لتميل للجانب مغشى عليها ....
وقفت غزل مسرعة و هى تستمع لطرقات على باب شقتهم .. أنزلت نقابها على وجهها بقلق .. فتحت دنيا الباب ليدلف مهاب بشغبه قائلا بحدة :
- أنا سبت ال home work بتاعى بسببكم .. إيه ما فيش صبر يعنى.
وضعت غزل يدها على فمها و دموعها تتجمع بمقلتيها بغزارة .. لاحظ مهاب غزل فجذب دنيا من عبائتها فانحنت إليه فسألها بهمس :
- مين دى يا دودو .
ردت دنيا و هى تخفى إبتسامتها :
- دى صاحبة مينو .
أومأ برأسه و صاح بميناس قائلا بفقدان صبر :
- إنتى فين يا مينو .. سيبانى ساعة علشان تيجى .
خرجت ميناس من غرفتها بعدما حزمت حقيبتها و قالت بإبتسامة هادئة :
- بتزعق ليه يا أستاذ إنت .
هز كتفيه بطفولة و أجابها بتأدب :
- أنا مش بزعق على فكرة .. عاوزانى ليه يا مينو .
دنت ميناس منه و جثت على ركبتها و سألته بهدوء :
- ماما غزل وحشتك يا مهاب .
تجهم وجهه و إنعقد حاجبيه و كأنه صورة مصغرة من والده و قال بضيق :
- ﻷ .. هى سابتنى و مشيت تبقى مش ماما خلاص .
شعرت غزل بخنجر قد طعن فى قلبها .. و إقتربت منه و وقفت أمامه ثم هبطت لمستواه و هو يطالعها بتعجب من تلك الغريبة التى تقترب منه بشدة ..
طالعته مطولا قبل أن إحتضنته بهدوء .. فإبتسم مهاب بخفوت و قد إحمر وجهه و تجمعت دموعه بسرعة كبيرة و حاوط عنقها بيديه و إنهمرت دموعه و هو يقول بنحيب :
- وحشتينى قوى يا ماما .
لأول مرة تشعر بتدفق الدماء بشراينها .. و خرجت منها آهة متألمة و هى تضمه لصدرها أكثر و غاصت بأنفها بشعراته تستنشق رائحته الذكية بتوق ....
قبلتهبوجنته و قالت بصوت مرتحف من بكائها :
- أنا اللى كنت بموت و أنا بعيدة عنك .
قبلها هو الآخر على نقابها و قال برجاء يدمى القلب :
- خلاص ما تبعديش عنى تانى .
ملست على شعراته الناعمة و التى إستطالت مؤخرا و قالت بحنو :
- سامحنى يا حبيبى غصب عنى و الله .
إبتعد عنها و رفع النقاب عن وجهها و تطلع إليها مطولا و كفف دموعها براحتيه الصغيرتين و قال بقوة :
- عارف إن فيه مشكلة بينك و بين العوو بس هو بيحبك قوى و الله و أنا كمان بحبك .
مسحت غزل دموعه و قالت بتعقل :
- و أنا كمان بحبكم جدا .
قبلها بوجنتها مطولا و إبتعد عنها قائلا بفرحة :
- خلاص رجعتى و مش هتسبينى تانى صح .
لعقت غزل دموعها التى إنسابت على شفتيها و قالت بنبرة بائسة :
- ﻷ يا حبيبى .. بس مضطرة أبعد فترة و بعد كده هتبقى معايا على طول .
إبتعد عنها و قد إشتدت ملامحه و قال بغضب :
- إنتى مش عوزانى و أنا كمان مش عاوزك .
جذبته من ذراعيه و قربته منها و قالت بصدمة :
- ليه يا حبيبى بتقول كده .. أنا ما إرتاحتش غير لما شوفتك .. و لو عليا عاوزة أخدك معايا .
طالعها بنظرات متألمة و قال بتمنى :
- طب خدينى معاكى و الله هبقى مؤدب و هادى و مش هعمل شقاوة .
طأطأت رأسها و قالت بحزن :
- صدقنى هرجع أنا مش هقدر أعيش من غيركم .. بس محتاجة شوية وقت علشان أنا زعلانة من بابا قوى .
رفع ذقنها بيده و و كفف دموعها مجددا و قال بصرامة و تعقل مقلدا كلمات فارس :
- مش مرات العوو اللى توطى راسها أبدا .. إوعى تكونى فكرانى صغير .. أنا فاهم كل حاجة .. إنتى زعلانة منه علشان ضربك و زعقلك لما كنتى بتكلمينى صح .
إبتسمت بخفوت و هى تطالع فارس أمامها .. ببأسه و قوته .. و حنيته و دفئه و قالت بجدية :
- أيوة يا قلب ماما .. و لازم بابا يعرف إنه غلطان علشان ما يعملش كده تانى .
أومأ مهاب برأسه بتفهم و قال بلين و هو يملس بأنامله على وجنتيها :
- طب و بابا مش هتعرفيه إنك كويسة .
رفعت كفيها و تمسكت بأنامله و قبلتهما بحنو و قالت بإبتسامة هادئة :
- هعرفه يا حبيبى بس الأول ليا طلب عندك .
تطلع إليها مهاب بقوة و سألها بفضول :
- طلب إيه ؟!
ملست غزل على كفه و قالت بهدوء :
- عاوزة أتصل بيك كل يوم علشان أطمن عليك .. بس من غير ما حد يعرف خالص .. فاهمنى يا حبيبى خالص .
فكر قليلا و قال مبتسما بثقة :
- حاضر .. محدش هيعرف و أنا اللى هبقى أتصل بيكى كمان .. بس أنا عارف برضه إنك هترجعى للعوو تانى .. صح .
بعثرت غزل شعراته الطويلة بمداعبة و قالت بإبتسامة مشرقة :
- لمض لماضة .. بس بحبك هعمل إيه .. هو إنت ليه مش بتقص شعرك ده طول قوى .
مشط شعراته بيده كما يفعل فارس بالضبط و قال بضيق :
- هما البنات بيحبونى غير علشان شعرى ده .. و كل ما يطول بنات أكتر تحبنى .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قرصته بوجنتيه الممتلئة قليلا و قالت بحدة مازحة :
- هو بشكله و طباعه و غروره .. بنات إيه اللى بتفكر فيهم من دلوقتى يا أستاذ إنت .
فجأها قائلا بنظرات تقتلها :
- أنا بحبك قوى .
قاومت ضعفها و شيطانها يخبرها أن تأخذه معها و ليحدث ما يحدث و لكن شعورها بالمسؤلية نحوه و أنه يجب ألا يقصر بمدرسته جعلها تتراجع قائلة بصدق :
- أنا بحبك أكتر يا روحى .. يالا يا عمرى روح لتيتة علشان محدش يقلق عليك و هبقى أكلمك دايما done .
أومأ برأسه و هو يطالعها بحزن :
- done .
لوح لهم بيده و هم منصرفا فجذبته مجددا لصدرها و هى تضمه بقوة و دموعها عادت للهطول مجددا .. بينما تعلق هو بعنقها و جسده يهتز بقوة من شدة نحيبه ..
قاومت ذلك الشعور البغيض بالضعف و الذى لا يلائم ذلك الوقت تحديدا لأنها تريد أن تستجمع قواها ليس من أجلها بل من أجل أمانة جدتها بعنقها ...
أبعدته عنها و هى تدفعه أن يبتعد عنها و يغادر .. و لم تستطع النطق بحرف واحد ..
فجذبته دنيا لصدرها و ودعته قائلة بمداعبة تخفى بها دموعها :
- و أنا كمان هبقى أكلمك لما غزل تكلمك .. و هبقى أطمن عليك كل يوم .
ملس على ظهرها بحنو و قال بدموعه :
- حاضر .. يا باختك هتبقى مع ماما طول الوقت .
إنحنت ميناس و حملته على ذراعها و قالت بتأوه مشاغب :
- إيه ده إنت تقلت كده ليه يا واد إنت .
لم تنطوى عليه تماسكها و إحتضنها قائلا :
- عارف إنك زعلانة من حمزة .. و إنك هتعاقبيه زى ماما .. بس خلى بالك من نفسك و منهم .
أبعدته عنها و قالت بعبوس :
- بتجيب الكلام ده منين يا واد إنت .
قبلها بوجنتها و قال بحب و هو يتطلع إليهم ثلاثتهم :
- هتوحشونى .. و أول ما توصلوا كلمونى علشان أطمن .
أنزلته ميناس على قدمه و عدل من ملابسه و هو يطالع غزل بشجن و إنطلق راكضا ناحية باب الشقة هاربا من تلك اللحظة المؤلمة .. أغلقت دنيا الباب و قالت بتماسك :
- هطمن عليه من البلكونة .
جلست غزل على أحد الأرائك و هى تتألم لفراقه .. و إلتفتت لميناس و قالت بحزم :
- جاهزين يا بنات .. مش عاوزين نتأخر الطريق طويل .
أومأت ميناس برأسها و قالت بجمود :
- جاهزين .
و سارت ناحية الشرفة و وقفت خلف باب شرفتها تتطلع لحمزة الجالس بشرفة غرفته يدخن سيجارته شاردا .. ملأت عينيها بصورته لتحملها معها ...
ربتت غزل على كتفها و قالت بألم :
- يالا يا ميناس .. أنا هاخد شنطتك و هنزل .. و دنيا هتجيب شنطتها و تيجى ورايا و إنتى آخر واحدة تنزل .. علشان محدش يحس بحاجة غريبة تمام .
أومأت ميناس برأسها و قالت بنبرة محطمة :
- هطفى نور البيت و أقفله وأجى وراكم .
خرجت غزل أولا تجذب حقيبة ميناس و هى تتشبث بنقابها خوفا من أن يتعرف عليها أحدهم ....
تبعتها دنيا و هى حاملة لحقيبتها .. وضعت غزل حقيبة ميناس بالسيارة و ثوانى و إنضمت إليها دنيا و وضعت حقيبتها أيضا بجوارها .. صعدوا السيارة فى إنتظار ميناس .. و القلق مصيبهم ...
إقتربت منهم ميناس و إستقلت السيارة بجوار غزل و إلتفتت إليها بجسدها و قالت برجاء :
- عاوزة أسلم على ليال يا غزل .. علشان خاطرى .
سحبت غزل نفسا طويلا و قالت بإعتراض :
- بس يا ميناس إحنا كده هندخل برجلينا فى عش الدبابير .
ربتت ميناس على صدرها تستجدى عطف غزل و قالت بإستعطاف :
- علشان خاطرى .. مش هرتاح غير لو إطمنت عليها .
زمت غزل شفتيها و هى تفكر ثم أومأت برأسها موافقة و قالت بجدية :
- حاضر .. أنا كمان عاوزة أطمن عليها .
إلتفت غزل بالسيارة و سارت بها فى الطريق المؤدى إلى القصر .. و وقفت أمام البوابة الحديدية الضخمة بقلق و ضغطت بوق السيارة .. ففتح لها الحرس الباب بعدما رأوا ميناس ..
وقفت غزل بالسيارة أمام باب القصر و ترجلوا منها ..
طرقت ميناس الباب و دنيا تقف خلفها تحجب غزل .. فتحت لهم نشوى الباب و قالت مرحبة بميناس بسعادة :
- منورة الدنيا يا ست ميناس .
أخفت غزل عينيها حتى لا تتعرف عليها نشوى .. بينما ردت ميناس بإبتسامتها الملائكية :
- تسلميلى يا نشوى .. ليال فى أوضتها .
أومأت نشوى برأسها و هى تشير إليهم بيدها ليدلفوا قائلة بهدوء :
- أيوة .. سى رامى لسه نازل من شوية .
تركوها و صعدوا الدرج و نبضات قلب غزل تكاد تكون مرئية .. و صلو لطابق ليال .. و صدرها يعلو و يهبط بقوة .. و عطره يخترق أنفها .. و صوت خطواته يصدح بعقلها .. فوقفت متصنمة مكانها و قلبها يدق طبول الفرح ..
تطلعت إليها دنيا و ميناس بتعجب من وقفتها المفاجأة .. بينما رفعت هى عيناها أعلى الدرج لتراه بهيأته الجذابة و هيبته الآسرة ..
صوت شهقتها جعلت دنيا و ميناس يتطلعون لما جذب أنظارها حتى زمت دنيا شفتيها و قالت بخوف :
- أوبا وقعنا فى شر أعمالنا .
وقفت أمامها دنيا مسرعة تحجبها بجسدها .. و أسرعت ميناس قائلة له بإرتباك :
- أبيه فارس .. أخبارك إيه .
تنهد فارس بإرهاق و وقف أمامها قالئلا بنبرة خافتة مهلكة لقلبها الضعيف :
- تعبان يا ميناس .. هى غزل ما إتصلتش بيكى .
إبتعد ميناس بنظراتها عنه و قالت بتوتر :
- ﻷ يا أبيه .. إنت ما عرفتش عنها حاجة .
أومأ فارس برأسه نافيا و قال بضيق :
- لأ .. هتجنن يا ميناس .. ماسبتش حتة إلا و دورت فيها .. أعمل إيه بس .
أجابته دنيا لتشتيت نظراته ااتى بدأت فى التجول خلفها بتعجب :
- قول يا رب .. ده ساعات يبقى بينك و بين اللى بتتمناه خطوة و إنت مش حاسس .
عضت ميناس على شفتها بغضب .. و لكن رد فعل غزل كان قرصة مؤلمة بوسط ظهرها .. إحمرت على آثرها و هى تكتم صراخها المتألم ...
أجابها فارس قائلا و هو يطالع تلك المنتقبة بقلق :
- يا رب .. بس لو عرفتوا أى حاجة كلمونى أو إقنعوها ترحع بقا كفاية كده .
تنحنحت ميناس بتوتر و هى تخفى إرتجافها و قالت بإنصياع كاااااذب :
- إن شاء الله .
زاد تعجبه فمال على ميناس و قال هامسا :
- مين المنقبة دى يا ميناس .
إبتلعت ميناس ريقها بصعوبة و قالت بتخبط :
- دى .. دى صاحبة ليال و جاية تباركلها على الحمل .
إبتسم فارس بود و قال بتهذب :
- طب إتفضلوا إدخلوا ليها .. بعد إذنكم .
أخفت غزل وجهها بيدها .. و لكن حركة فارس التى تمهلت بجوارها .. جعلتها ترتعد خوفا ...
كأن قلبه أخبره أنها بجواره .. لم يجد داعى لتمهله بالسير و مطالعة تلك المنتقبة بطرف عينيه بفضول .. شئ ما بداخله ينتفض من قربه منها .. و لكنه قاوم شعوره الغريب و إبتعد حتى لا يشعرهم بالإحراج ..
تابعته غزل بعينيها و هى تتأمل وهنه البادى على ملامح وجهه .. و ذقنه الطويلة و نحافة جسده التى لا تلاحظها سوى عين خبيرة بكل تفاصيله .. و تحفظه عن ظهر قلب ...
وخزتها دنيا فى ذراعها لتنبيهها و قالت بعفوية :
- هياخد باله يا مجنونة .
ردت عليها غزل و هى تتنفس عطره بقوة و شوقها له غلبها و هى تقول بتنهيدة ملتاعة :
- واحشنى قوى .
هزت دنيا رأسها بيأس و قالت بسخرية :
- طب ما تريحيه و تريحى نفسك و تريحينا كلنا من الفيلم الحمضان ده و ترجعى .
وخزتها غزل بذراعها و قالت من بين أسنانها بهمس غاضب :
- لسانك طول و هقصهولك إن شاء الله .. بقا بينك و بين اللى بتتمناه خطوة مش كده .. بتسلمينى يا واطية .
ضحكت دنيا بخفوت و هى تمسد ذراعها و قالت بمداعبة :
- الحق عليا .. يعنى لو دلوقتى كان حس بيكى و أخدك فى حضنه و شدك وراه للجناح بتاعكم و توتا توتا فرغت الحدوتة مش كان أحسن من فيلم الهروب ده .
زفرت ميناس بغضب و قالت بحدة :
- يخرب بيت الأفلام اللى لحست دماغك الفاضية دى .
إعتدلت غزل فى وقفتها و قالت بجدية :
- خبطوا على ليال يالا قعدتنا هنا خطر .
طرقوا باب غرفة ليال و لم يأتهم رد .. تطلعا ببعضهما بتعجب .. فتحت ميناس الباب و دلفوا داخل جناحها و ما أن وصلوا إلى غرفتها حتى صرخت ميناس قائلة بصدمة :
- ليااال .. إلحقيها يا غزل .
ركضت غزل ناحيتها و أبعدتها لتجحظ عينيها من هول ما رأت .. فقد كانت ليال تبكى بدون صوت .. فقط دموع منهمرة و هى تتطلع لبؤرة الدماء بملابسها و التى إنسابت أسفلها و تركت آثرها على الأرضية ....
و وجهها قد صبغ باللون الأحمر و الأزرق .. و دماء منسابة على شفتيها .. إتسعت عينى دنيا و كتمت صرختها بكفيها و هى تطالعها بذعر ...
بينما صكت غزل أسنانها و إنطلقت من عيناها أشعتها الحارقة و قالت بصرامة :
- و رحمة أمى الغالية لهربيكم يا ولاد السعيد .
و إلتفتت لميناس المتصنمة من الصدمة و هزتها بعنف كى تفيق من صدمتها و هى تصرخ بها بعصبية :
- ميناس .. هاتيلى هدوم نضيفة بسرعة علشان نغيرلها لبسها ده .
أومأت ميناس برأسها و أسرعت ناحية خزانتها .. تطلعت غزل ناحية دنيا و قالت بنبرة آمرة :
- و إنتى يا دنيا ساعدينى أقلعها هدومها بسرعة .
أومأت دنيا برأسها و ساعدتها فى تبديل ملابسها و ليال بين أيديهم كخرقة بالية لا تشعر بشئ .. فقط تذرف دموعها بصمت قاسى ...
بدلوا لها ملابسها و ساعدتها غزل و دنيا على النهوض .. و هى مازالت فى عالم آخر .. كانت مغيبة تماما .. حثتها غزل على السير معهم فسارت معهم متألمة و هى تحتضن بطنها بخوف على قطعة منها ستتخلى عنها أيضا ...
هبطوا الدرج و خرجوا من القصر مسرعين .. ساعدوا ليال فى الجلوس بالخلف و جلست بجوارها دنيا التى حثتها على الحديث قائلة :
- ليال ... سمعانى يا حبيبتى ... يا ليال ردى عليا علشان خاطرى .
لم تجيبها .. صعدت غزل و ميناس التى أخذت تفرك لليال كفها علها تخرج من صدمتها .. و هى تقول بتعجب :
- معقول رامى يعمل فيها كده .. ده بيحبها قوى .
قادت غزل السيارة بغضب و هى تطالع ليال بالمرآة الأمامية بندم و كلمات والدتها بالرؤية تصدح بعقلها ..
إبتلعت ريقها بصعوبة و هى تقول بداخلها :
- سامحينى يا تيتة .. ما كنتش قد الأمانة .. بس و غلاوتك عندى لهعمل المستحيل علشان أحميهم من نفسهم قبل ما أحميهم من أى حد .
منعت عبرة غادرة من التسلل لوجنتها و علقت بأهدابها و هى مازالت تتحرك بسيارتها حتى خرجوا من القصر ...
دلف رامى لشقة صبرى و هو يجر جسده المنهك جرا .. و عقله يكاد ينفجر من شدة ألمه .. كلما تذكر عندها و تحديها المتعصب إليه .. و نظرات الإحتقار نحوه .. و كلماتها المستفزة .. يزداد ضغط الألم برأسه بقوة ...
إبتسم بخفوت و هو يرى زينب جالسة أمام التلفاز و تتابع ذلك الطاهى للسنة الرابع على التوالى .. لا تمل من رؤيته .. وضع مفاتيحه على الطاولة أمامها و قال بإنهاك :
- أخبارك إيه يا حبيبتى .
طالعته بقلق و هى تتفرس فى ملامحه الشاحبة و جلسته الحزينة تلك .. تعرف أنه الآن يتألم و بشدة ..
و ما زاد تأكيدها تمدده على الأريكة بجوارها و وضعه لرأسه على ساقيها و تشبسه بقميصها ....
أغلقت التلفاز و طالعته بقلق .. منذ أصبح أمانة بعنقها و هى تعامله كما تعامل أبنائها و مع الوقت إكتسب بقلبها مكانتهم .. أوقات كثيرة تتناسى فكرة أنه ليس إبنها و تتعامل معه كأنها هى من وضعته من داخلها ....
لم تشعره بالعطف و الشفقة من قبل ...
عاملته بحب غريزى إنغرس بقلبها و هى تضمه يوم وفاة والده .. آخر أمل له بعد وفاة والدته و هو صغير .. فقط يومها تمدد بجوارها و دفن رأسه ببطنها و أخرج ما بداخله من حزن عميق و شعور باليتم إختفى فور أن مسدت على شعراته بحنو و غفى وقتها و لم تتحرك طوال الليل خشية أن يستيقظ مفزوعا ...
تنهدت مطولا و هى ترى قبضته قد إشتدت على قميصها و لم تسأله .. فقط تركته يهدأ كعادته ...
و قلبها ينبؤها بالأسوء .. فسبب حالته تلك شئ جلل ....
توجهت غزل لمشفى قريب .. و ترجلت من السيارة مسرعة و هى تطلب المساعدة لإدخال ليال للمعاينة .. و بالفعل تمت معاينتها و الفتيات فى إنتظار خروج الطبيب بفارغ الصبر .. حتى خرج إليهم و أغلق باب الغرفة ورائه ..
حاوطوه بفقدان صبر بينما سألته غزل بتوجس :
- ليال كويسة يا دكتور .. و البيبى كويس و لا .
أعاد الطبيب نظارته للخلف و قال بألم :
- هى إتعرضت لضرب على وشها شديد جدا .. و وقعت بقوة على ضهرها و ده سبب نزيف .. بس سبحان الله البيبى كويس الحمد لله .
أغمضت غزل عيناها براحة و هى تحمد ربها بداخلها و ما أن إستوعبت حتى فتحت عيناها و طالعته بود و قالت له بقوة :
- متشكرة جدا يا دكتور .. هى تقدر تخرج إمتى .
أجابها مسرعا :
- لا مافيش خروج دلوقتى .. أنا عملتلها عملية ربط للرحم و لازم ترتاح على ضهرها فترة .. و أنا كمان مضطر أبلغ الشرطة .. ده ضرب مبرح و محاولة إجهاض .. بعد إذنكم .
تنهدت غزل براحة و قالت بهدوء :
- الحمد لله .. كده لازم نسيب المستشفى فورا ..ساعدونى يا بنات .
جذبتها ميناس و قالت بتعجب :
- الدكتور قال لازم ترتاح .. مش ربنا يحمى البيبى و إحنا نموته .
ضمت غزل وجه ميناس بين راحتيها و قالت بهدوء متزن لتهدأتها :
- هششش .. أنا عارفة هعمل إيه .. و صدقينى أنا عاوزة البيبى ده أكتر من ليال نفسها .. ده هو الأمل الوحيد علشان ليال تقف على رجليها تانى .
طالعتها ميناس بعدم إقتناع .. فأردفت غزل قائلة بحزم :
- ميناس كل ثانية بتعدى و إحنا هنا فيها خطر على ليال أكتر .. يرضيكى ترجع للحيوان ده تانى .
هزت ميناس رأسها نافية و قالت بذعر :
- ﻷ .. مش عوزاها ترجعله تانى .. أنا عارفة شعور الضرب ده .. حاجة بتوجع قوى .
صكت غزل أسنانها بقوة مع كلمات ميناس و ضمت رأسها بقوة و هى تقول بتوعد :
- هيدفعوا تمن ده .. كلهم.
إبتعدت عنها و تطلعت بدنيا و قالت بتنظيم مدروس :
- دنيا .. هاتى الكرسى اللى بعجل ده بسرعة قبل البوليس ما ييجى و أنا و ميناس هنقعدها عليه و إنتى إيديكى على ضهرها و إحنا بنقعدها ما تشليهاش .. تمام .
أومأت دنيا برأسها و ذهبت لإحضار الكرسى .. بينما دلفت غزل و ميناس لغرفة ليال و تمسكت كل واحدة بذراع و وضعوها على الكرسى بحرص .. و خرجوا من المشفى بهدوء ..
مددتها غزل بالكرسى الخلفى و ركبت ميناس معها و وضعت رأسها على قدميها و دموع ميناس لا تتوقف على ما صاب أختها ..
و بعدما إطمأنت غزل على تمددها أغلقت الباب و توجهت ناحية أحد الأكشاك و طلبت الهاتف من البائع و أعطاها إياه..
هاتفت رامى و الذى ما زال بشقة صبرى .. كان كالمجنون الذى فقد عقله كليا ... لقد تمادت و عبرت كل الخطوط الحمراء .. لا يحق لأى رجل غيره أن يذوب بشهد عيناها و لا بأنفها الصغيرة و لا بشفتيها الناعمة ...
فهى كلها له هو .. كيف إستباحت لنفسها أن يقف أمامها غيره و يطالع ما له .. فهى خلقت له و فقط ..
كز على أسنانه بقوة كادت تهشمها و صورتهما تعود و تلف فى رأسه حتى إنتبه على رنين هاتفه .. ظنها هى و لكنه تطلع لشاشة هاتفه و خاب ظنه .. أخذه الفضول من هذا الرقم الغريب و رد قائلا بصوت جاف أجش :
- ألو .
أجابته غزل بغضب لو طاله لقتله و هى تقبض كفها بتشنج :
- إنت إنسان و لا عندك ضمير و لا عندك ريحة الدم .. ظلمتك أنا لما قولت عليك إنسان أصلا .
وقف رامى منتصبا و قطب جبينه بتعجب و قال بغضب :
- غزل ... إنتى إزاى تكلمينى كده .
إزداد صوتها قسوة و حزم و هى تصرخ به بهياج أعمى :
- هو أنا لسه إتكلمت .. حذرتك قبل كده يا رامى لو لمستها إنت ما تعرفش أنا ممكن أعمل إيه و كنت فاكرنى بقول أى كلام .. بس و حياة ليال عندى ما هتشوفها تانى .
إتسعت عينى رامى بفزع و قال بصوت خشن ينذر بالأسوء :
- إنتى بتخرفى بتقولى إيه .
هدرت به غزل بغضب قائلة بمجون و بصوت محتد خطير :
- أنا اللى بخرف يا عديم الإحساس تضرب مراتك و هى حامل .. إبقى روح أوضتك و شوف دم إبنك اللى سيحته بإديك يا حيوان .
إتسعت عينى رامى و وضع يده على فمه مصدوما بحدة و كأنه تذكر للتو أن ليال .. حامل .. خرج صوته متحشرجا مرتجفا و هو يقول بصراخ :
- إبنى مات .
خرج على صياحه حمزة و صبرى و زينب التى قالت بتوجس :
- مين اللى مات يا رامى .
أجابته غزل بنبرة ساخرة و متشفية :
- لسه فاكر إنه ليك إبن فى بطنها .. تضربها بالشكل ده .. تشوه وشها كده .. أنا مش قادرة أتخيل هانت عليك إزاى .. بس و رحمة أمى لهدفعك تمن اللى عملته غالى .. و هحرمك منها .
مرر انامله بشعراته و هو يجتذبها بقوة و صرخ بها قائلا من بين أسنانه :
- رجعيلى مراتى يا غزل .. أنا دلوقتى لو طولت رقبتك هخنقك بإديا .
وصله صوت ضحكتها العالية المقللة من شأنه و هو تزداد عينيه و حشية و إنقباضا .. و أجابته بنفور :
- ليك عين تتكلم .. إنت حيوان سامعنى حيوان مش بنى آدم .
جذب صبرى الهاتف منه و خاطبها قائلا بقلق :
- غزل أنا عمك صبرى يا بنتى .. إنتى فين .. و فى إيه و ليال مالها .
سحبت غزل نفسا طويلا و قالت بهدوء لا يلائم وجهها المتصلب و عيناها الغاضبتين :
- الحيوان إبن أخوك يا عمى ضرب مراته و هى حامل .. وشها كله كدمات .. ده غير الحمل اللى راح .
جلس صبرى و هو يتهاوى بصدمة و قال بحزن :
- يا نهار إسود .. إنا لله و إنا إليه راجعون .
رأفت غزل بحاله و قالت بتأسف خجل :
- سامحنى يا عمى بس البيبى كويس الحمد لله و أنا عاوزة حضرتك تقوله إنه مات علشان يتربى .. و مش هو و بس قول لحمزة إنه مش هيشوف ميناس هو كمان .. و قول للكبير إنى عاوزة أطلق .
تنهد صبرى براحة بعدما إطمئن على حفيده و قال متابعا و هو يمرر نظراته بينهما :
- عندك حق يا بنتى .. هما محتاجين يتربوا .
إحتدت نظرات حمزة و سأله بقلق تملكه من بداية المكالمة و قال بتحفز :
- هما مين دول اللى محتاجين يتربوا .. هى ميناس معاها .
و جذب الهاتف من والده و قال بقوة و إندفاع ستجعله يهم واقفا من شدتها :
- ميناس معاكى ؟!!
تعالت ضحكات غزل مجددا و قالت ببطء ساخر :
- أهلا .. هو إنت أيوة ميناس معايا يا حمزة .
لو رأت تعابير وجهه الآن لربما ندمت على إستثارته .. إنقبض فكه و هو يهدر بها بصراخ إخترق طبلة أذنها من قوته كإعصار مدوى سيقتلعها من جذورها قائلا بجنون :
- قسما بالله لو بعدتى بميناس متر واحد كمان لهخليكى تكرهى اليوم اللى شوفتينى فيه .
عادت ضحكاتها الساخرة فى الرنين و الدوى بعقله و هى تجيبه بإستهزاء و وعيد :
- و دينى لهلففكم حوالين نفسكوا و إنت بالذات هخليك تتحسر عليها .. زى ما بتتحسر على شبابك دلوقتى .
صرخ بوحشية و هو يضرب ذراعى كرسيه كأسد غاضب و مكبل من قدميه .. لأول مرة يشعر بمرارة العجز .. و هو لا يستطيع خنق تلك الحقيرة بيديه و يستمتع برؤيتها و هى تلفظ أنفاسها الأخيرة .. قائلا بهياج :
- رجعيها لهموتك .. و الله هموتك .
خرج هو الآخر من غرفته متعجبا و هو يطالع وجوه الجميع بقلق و يطالع حمزة بالأخص بتعجب من صراخه و عنفه الغير مبرر حتى و صل لمسامعه حديث رامى الذى جذب الهاتف من حمزة و قال لها بغضب هادر :
- رجعيلى مراتى أحسنلك يا غزل لقسما بالله هوصلك و هموتك بإيدى .
زفرت غزل بضيق و قالت بنبرة متحدية .. و متوعدة :
- مش هتشوفها تانى غير لما تشوف حلمة ودنك .. و أنا هربيكم إنتم التلاتة .. إنتم فاكرنا مالناش حد أنا أقدر أدافع عنهم و عنى كويس جدا .
- و أنا بقولك إنى بحبك و آسف يا أميرتى بس إرجعيلى و أنا هعوضك عن كل ثانية إتألمتى فيها سواء بسببى أو ﻷ .
سرت رجفة شديدة بجسد غزل وهى تستمع لصوت فارس .. أسبلت جفناها .. وهى تسمع آسرها يتضرع بحبها و يعتذر إليها .. إبتلعت ريقها بتوتر و إستجمعت أنفاسها الهاربة و قالت بضيق :
- فا... إنت .
فهمس بترجى آمر :
- قولى إسمى يا غزل .. أنا فارس حبيبك يا عمرى .. سامحينى علشان خاطرى .
إستجمعت قواها و قالت و هى تتطلع للسيارة متخيلة هيئة ليال :
- عمرى ما هسامحكم سامع .. و إنتم التلاتة لازم تدفعوا تمن اللى عملتوه فينا .. و غالى قوى .
أغمض عينيه و هو يتمسك بالهاتف بيده و بيده الأخرى يصد هجوم رامى على الهاتف و قال بلين و ترفق حذر :
- أنا قولتلك أنا آسف .. و عمرى ما حبيت و لا هحب غيرك .. إرجعى ده أنا بموت من غيرك .
قبضت بكفها على صدر عبائتها ربما تتحكم فى دقات قلبها التى زادت بقوة مع صوته الهامس و أجابته بهدوء :
- و أنا كنت بموت معاك .. مارحمتنيش و لا فكرت فى وجعى كنت بتعمل كل حاجة علشان توجعنى و حابة أقولك إنك نجحت و وجعتنى .. قوى .
أجابها بنبرة صوت عالية و هو مازال يصارع ذلك الوحش بذراع واحدة :
- أنا كنت فاهم غلط .. ليه ما قولتليش الحقيقة .
تنهدت مطولا و أجابته ببرود :
- خلصنا بقا .. و عاوزاك تطلقنى فى أسرع وقت .
صرخ بها فارس قائلا بفقدان صبر نتيجة غضبه الشديد :
- ده بعينك .. إرجعى من نفسك يا غزل لأنى هرجعك و ساعتها هتندمى ندم عمرك .
ضحكت غزل ضحكتها الرنانة الساحرة و قالت بسخرية :
- أهلا يا عوو .. كنت مستغربة برضه نبرة السهوكة الجديدة عليك دى .. بس خليك فاكر أنا عمرى ما و عدتك بحاجة و خلفت وعدى .. قولت ههرب منك و هربت و دلوقتى بقولك مش هتشوفونا تانى إلا بمزاجى و أعلى ما فى خيلك إركبه يا .. يا عوو .
و أغلقت الهاتف .. أغمض عينيه و صرخ قائلا بشراسة :
- غزززززززل .
عادت للسيارة و هى تسبهم جميعا .. سألتها ميناس و هى تكفف دموعها بقلق :
- هنروح فين يا غزل .
ردت غزل بضيق :
- هنروح الغردقة .. عند دكتور أحمد كان زميلى فى مستشفى فارس .. و هو سايبلى بيته أقعد فيه و إنتم هتقعدوا معايا لغاية ما أشترى بيت لينا نقعد فيه .
ساد الصمت بالسيارة .. و إنطلقت غزل فى طريق عودتها .. و فى خطتها التى ستعدل بها جميع شئونهم و لو بالقوة الجبرية .. لن تقابل جدتها و هى غاضبة منها .. لو دفعت عمرها كله ثمنا لذلك ....
بداية الطريق .....
أصعب مرحلة نمر بها بحياتنا هى مرحلة ما بعد السقوط .. أن تتكأ على نفسك .. و تلملم جروحك و مشاعرك المتخبطة .. و تحاول النهوض مجددا ...
و أصعب شئ يلى ذلك هو بداية الطريق .. أن تسير على خطى مدروسة بإتجاه هدف محدد و رؤية مستقبلية ..
منحيا مشاعرك و أحلامك الوردية على جانب ..
و الأصعب أنك تتقدم و أنت مكبل بأثقال تجعلك بطئ فى حركتك .. لأنك لست بمفردك بل هناك أشخاصا برقبتك و عليك أن تدفعهم بقوة قبلك حتى و لو ستتعثر أنت .....
فكرة أن تهتم بأمر غيرك أكثر من أمرك .. و لو على حساب نفسك ستوقعك فى فخ الخطايا السبع ...
فخا بكل المعانى و تسقط به بإستمتاع و شعور بالراحة يغمرك حتى أنفاسك اللاهثة .. حاملا متحملا أصعب الظروف التى تمر بك و ليس من أجلك فقط ...
أن تضع رأسك على وسادتك متمنيا يوما جديد مشرق .. هادئ .. يحمل السلام الداخلى لنفسك المرهقة و المنهكة و التى تبدأ ذلك اليوم بتلك الخطايا مجددا ..
و كأنها أصبحت الطريق الغير ممهد الذى تتعثر بصخوره و تجمعات مياهه الراكدة حتى ينتهى يومك و تعود لوسادتك مرة أخرى كى تحتويك ..
طوال طريقهم الطويل و الصمت يصاحبهم .. طالعتها بإشفاق و هى تتوسد ساقيها و محتضنة بطنها بصمت مؤلم ..
سابقا كانتا صديقتين أكتر من كونهما أختين .. و كانت تعاملها كأختها الكبرى لا الصغرى .. متى تركتها فريسة لذلك المتوحش عديم القلب مدعى العشق و الهيام ..
و من أجل من .. متوحش آخر بشكل و منطق مختلفين .. عانت معه الأمرين و إحتملت فوق طاقتها و تركت أختها ليتلاعب بها بأنامله كعرائس الماريونت ..
ملست ميناس على وجنة ليال بهدوء و مرت على أنامل رامى التى إرتسمت بمنتهى الدقة باللون الأزرق على وجهها .. حتى وصلت لذلك الجرح العميق بجوار شفتيها و المتخثر حوله الدماء ...
فلاحظت إنقباض وجه ليال بتألم .. فرفعت أناملها مسرعة و دموعها تعود للهطول بندم و إحساس بالذنب ...
و مع كل عبرة سقطت من عيناها شعور بالإشتعال يزداد و يزداد كالنيران الخافتة و التى تغترف من فحم أيامها و تشعلها أكتر و أكتر و هى تتوعد الجميع على ما أصابها جسديا و نفسيا هى و .. ليال ..
مررت دنيا أنظارها على الجميع بألم بدئا من غزل التى تطالع الطريق بتحفز و تقود السيارة بحذر شديد .. و ملامحها متصلبة و تصارع وحوش و شياطين وجهها بدموية ..
و ليال المغيبة تماما و سابحة بآلامها بمكان آخر فقط إنقباضات وجهها و جبهتها دليلهم على أنها مازالت تعانى من آلام جسدها ...
و لكنها توقفت قليلا على وجه ميناس المحتقن بحمرة قانية كبركان خامد و فى إنتظار الوقت المناسب كى ينثر حممه بوجه شخصا ما .. و لن تكون هى ..
فآثرت السلامة و عادت بعيناها لمطالعة الطريق و هى تدعو ربها ألا ترتبط بشخص يؤلمها و يجرحها حتى و لو لن يعشقها
فقط ما تحتاجه أن يعاملها برفق و حنو .. و هذا آخر طموحها بعدما رأته معهم ....
قطع تلك الحالة رنين هاتف غزل .. التى تنبهت و رفعت رأسها بحدة و طالعت دنيا قائلة بحزم :
- تليفونك و تليفون ميناس فين ؟!!
أخرجتهما دنيا من حقيبة يدها و قالت بتعجب :
- معايا .. ليه فى حاجة .
إلتقطتهم منها غزل و قذفتهم من نافذة السيارة .. إتسعت عينى دنيا بصدمة و هى تتابع تدحرج هاتفها على الطريق .. عادت بعينيها لغزل و سألتها بإندهاش و حزن :
- ليه كده .. هما كانوا زعلوكى فى حاجة .
إمتعض وجه غزل و أجابتها ببديهية :
- ﻷنه بسببهم بكرة الصبح كنا هنلاقى فارس و رامى فوق دماغنا يا فالحة .
كتفت دنيا ذراعيها بغضب و قالت بتذمر :
- بس هعمل إيه من غيره دلوقتى أنا صفحتى على الفيس بوك كنت بدخلها منه .
نظرة واحدة من غزل كانت كفيلة بإخراسها للأبد .. فهزت رأسها بإنصياع و عادت لمطالعة الطريق ...
رن هاتف غزل مجددا فأجابته و فتحت سماعته الخارجية كى لا يترك المقود كفيها و هى تقود بحذر و هدوء و أجابته بإبتسامة رقيقة رغم تصلب ملامحها :
- وحشتنى يا عمرى .
أجابها مهاب بخفوت و هو يهمس بصوته مسببا خشخشة أزعجتهم و هو يقول بتريث :
- و إنتى وحشتينى .. وصلتم .
رفعت غزل حاجبيها و أذنيها قد تألمتا من صوته و قالت بحنو :
- لسه يا حبيبى إيه الأخبار عندك .
أغلق باب غرفته و ركض ناحية فراشه و إندس تحت غطائه و أجابها قائلا بضيق :
_ زعلانين علشان مشيتوا و رامى و حمزة بيشتموكى الصراحة .. و بابا عمال يضرب كل حاجة بتقابله .
شعور غريب بالتشفى تسلل لقلبها .. و شعور أكبر من الإيجابية تملكها كى تتابع طريقها الواعر ...
عادت لمهاب مجددا و هى تسأله بفضول :
- طب ما إتصلوش بحد قدامك علشان يدور علينا .
رفع مهاب الغطاء عن رأسه بعدما وصله صراخ رامى الهستيرى و زم شفتيه بتوجس و ذعر و قال بسخرية :
- أوبا ... رامى إتجنن .. ده بيصرخ أكتر منى لما الدكتورة إدتنى الحقنة فى التوتا .
رغم حزنهم و آلامهم إلا إنهم إبتسموا بخفوت .. حتى ميناس .. ركض مسرعا و فتح باب غرفته و قال لغزل بهدوء :
- أنا هخرج و الموبايل فى إيدى و إنتى إسمعى كل حاجة تمام .
أجابته غزل مسرعة :
- تمام .. بس بسرعة يالا و خد بالك .
- حاضر .
و خرج بتريث و وقف بعيدا بأحد الأركان يتابع قطع رامى للشقة ذهابا و إيابا و هو يقول بغضب :
- و رحمة أمى يا غزل لهخليكى تندمى .. أنا اللى سمحتلها تلعب بعقل مراتى .
وقف فارس قبالته و قال بصرامة :
- إنت إتهرشت فى عقلك .. هتندم مين يا زفت إنت مش كفاية المصيبة اللى إنت عاملها .
نظر له رامى مستنكرا كلماته المستفزة و قال بشراسة :
- مراتى و أنا حر معاها .. و أعاملها بالطريقة اللى أنا عايزها و شايفها صح .
وخزه فارس بقبضته بصدره بالقوة و هو يهدر به بحدة :
- و مين قالك إنك صح .. فوق بقا لسه بتتكلم عن مراتك و طريقتك و نسيت إبنك اللى مات .. إنت ما عندكش إحساس .
عض رامى على شفته بقوة أدمتها بالفعل و هو يقول بصوت جاهورى مرعب :
- ما قصدتش و الله ما كنت أقصد هى اللى إستفزتنى و طولت لسانها عليا .
حرك فارس رأسه بسخرية و هو يقترب من وجهه قائلا بإستياء :
- إستفزتك .. بجد .. إنت متخلف ياله .. مخك ده مفوت بقولك قتلت إبنك بإيدك .. ده أنا لو مكانك أدفن نفسى بالحيا .
أكد حمزة على كلماته قائلا بعبوس :
- سيبه يا عوو ده الكلام معاه مضيعة للوقت .
صرخ بهم رامى قائلا بمجون :
- بقيت أنا الشيطان و إنتم الملايكة .. كل واحد منكم يبص لنفسه كويس قبل ما يحاسبنى .
ثم تطلع ناحية فارس و قال بوعيد و عينيه تشع نارا حارقة :
- و الزفتة مراتك دى قسما عظما لو شوفتها لهفعصها تحت جزمتى .
لم يتمالك فارس نفسه و لكمه بوجهه و إستمرت لكماته حتى أبعده صبرى عنه قائلا بحزم :
- إنتوا هتضربوا بعض قدامى .. ما عدش فى إحترام ليا .. خلاص موتونى بالحيا .
مسح رامى دماء إنسابت من فمه و رفع سبابته فى وجه فارس و قال بتوعد قاسى كنبرته المحتدة :
- مش هسيبك صدقنى و هاخد حقى منك .. دى مش أول مرة تضربنى علشانها .
إقترب منه فارس و قال بسخرية و إستهزاء :
- ورينى نفسك يا دكر .
ضيق رامى عينيه و خرج عن تعقله و لكمه فى وجهه بقوة تلتها لكمة من فارس و ركلة بركبته فى بطن رامى .. فصرخت زينب قائلة بذعر و عويل :
- إنتوا إتجننتوا .. بتضربوا بعض قدامنا يا خسارة تربيتى فيكم .. حسبى الله و نعم الوكيل .. عليه العوض و منه العوض .
وقف حمزة بكرسيه حائل بينهما و صاح بهما قائلا بصوت محتقن :
- بعد ما كنتم بتضربوا علشان بعض و ضهركم فى ضهر بعض و دايما تقولوا لو قلبك مات متجيش على إتنين إخوات .. بقيتوا بتضربوا بعض .. فوقوا بقا .
فرك صبرى جبهته بألم و تهاوى على الأريكة و سقط منه عكازه و قال بصوت محبط :
- سيبهم يا حمزة يموتوا بعض و الله هرتاح .
و وضع يده على صدره متألما .. فجلست زينب بجواره و هى تطالعه بقلق و سألته بذعر :
- مالك يا حاج .. فى حاجة وجعاك يا أخويا .
إلتفت برأسه ناحيتها و قال بوهن :
- هيكون مالى يا زينب .. مال بختى بعيالى أربى و أتعب و فى الآخر يشوفوا نفسهم على حريمهم .
ربتت على كفه و قالت بتحذير مترفق :
- طب إهدى يا حاج .. كده مش كويس على صحتك .
تطلع إليهم شرزا و رفع أنامله و أشار على فارس قائلا بوهن :
- واحد حبس عروسته يوم صباحيتها علشان متخلف و ما فكرش الناس ممكن تفكر فيها إيه أو تقول عليها إيه .
إبتلعت غزل ريقها بتوتر و شعور الضعف يعود و يتملك منها حتى أن قبضتيها بدأتا بالإرتجاف .. و ملامح وجهها تهدلت بحزن .. فربتت دنيا على كفها مسرعة لتخرجها من حالة الخمول تلك و هى تطالعها عن كثب ...
حرك صبرى يده و أشار بأنامله على رامى و قال بصوت مرهق :
- و واحد ضرب مراته الحامل و قتل إبنه بإيده علشان متخلف هو كمان .. و لسه بيلف فى دوامة إنها كسرت كلامه اللى هو مش قرآن يعنى علشان تسمعه حرف حرف .
رد فعل ليال كان دمعة ساخنة إنسابت من عيناها و مرت على وجنتها المتورمة حتى إستقرت بجرجها العميق متخثر الدم ...
هبطت ذراع صبرى بجواره و تمسك بكلتا يديه بالأريكة و قال و هو مطأطأ رأسه بخزى :
- أنا ما قصرتش فى تربيتكم .. و إنتم التلاتة ما تستاهلوش البنات دى .. و الله خسارة فيكم .
خرج حمزة عن صمته قائلا بصوت منفعل :
- خسارة بقا مش خسارة أنا عاوز مراتى ترجع و بس و إلا هطربق الدنيا على دماغتهم لو لقتهم أنا .
رفع صبرى رأسه و طالعه بنظرات لطالما أرعبت رجالا من قبل و قال بشراسة لا تلائم حالته الصحية :
- بقت مراتك دلوقتى .. هى مش دى اللى هتطلقها علشان ما تدورش على اللى ناقصها مع غيرك .
خرجت شهقة طويلة من ميناس و هى تستمع لحديثهم و رفعت كفها و وضعته على فمها و قد إتسعت عيناها بصدمة .. و لكنها لم تطل و هى تستمع لصراخ حمزة الهستيرى :
- أنا بمووت .. محدش فيكم حاسس بيا .. بس بتلمونى على قتل هديل يوم الحادثة .. و أنا مش فارق معاكم فى حاجة .
سقط الهاتف من مهاب الذى تصنم و تحولت ملامحه بصدمة لوحش صغير مكظوم ...
إلتفتوا جميعا ناحيته و هالهم هيأته المذعورة المصدومة المتحفزة .. إلتف حمزة بكرسيه ناحيته و حركه مسرعا و هو يقول معللا ما سمعه :
- مهاب .... أنا ما قتلتش أمك و الله .. دى .. دى كانت حادثة عربية .. و أنا ....
ضغطت غزل مكابح سيارتها و قالت بصدمة :
- مهاب ... مهاب سامعنى يا حبيبى .
هدأتها دنيا قائلة بنبرة ثابتة :
- إهدى يا غزل علشان ليال .
إلتفتت إليها غزل و قالت بصوت قاتم حاد :
- الغبى هيضيع الواد .. يا ريتنى خدته معايا .. سبته ليه .. سبته ليه ؟!
بينما قطع مهاب حديث حمزة قائلا بجمود :
- أمى ماتت بسببك .
هز حمزة رأسه بقوة نافيا و قال بتريث :
- ﻷ يا حبيبى .. أنا كنت سايق العربية و كنت تعبان شوية .. فا .. فاعملنا حادثة و هى ماتت و أنا أهه مشلول .. بس و الله أنا مقتلتهاش .
بدأت الدموع فى التجمع بعينى مهاب و إحتقن وجهه و هو يقول بنبرة مرتجفة :
- أنا بقيت أخاف منكم .. إنت قتلت ماما و ضربت ميناس .. و رامى قتل البيبى الصغنن و ضرب ليال .
رفع عينيه ناحية فارس و أردف قائلا بعويل :
- و بابا ضرب ماما و خلاها تمشى و تسيبنى .. أنا مش عاوز أكلمكم .. إبعدوا عنى إنتم وحشين .
و إنحنى و إلتقط هاتفه و ركض ناحية غرفته .. بينما طالعه صبرى بتعجب و إبتسامة خافتة إرتسمت على شفتيه واراها مسرعا و هو يقول بقوة :
- حتى الواد اللى طلعت بيه من الدنيا هتعقدوه ... هى كده خلصت و أنا هساعد البنات علشان يخلصوا منكم .. و هجوزهم بنفسى .
إستدار فارس نحو والده و قال بقوة قاطعة :
- مراتى و مش هسيبها و هرجعها ليا مهما حصل .. و هدور عليها لو كانت فى سابع أرض .
رد رامى بتلقائية :
- قوله يا فارس .. أنا كمان عمرى ما هستغنى عن ليال و النهاردة قبل بكرة هتبقى معايا .
ضحك حمزة بسخرية و قال بمجون لرامى :
- قوله يا فارس .. نسيت إنكم قطعتم بعض من ثوانى .. طب و الله الحاج عنده حق .
طالعه فارس بحدة و تركهم و سار ناحية غرفة مهاب ...
طرق الباب و قال بهدوء :
- إفتح يا مهاب .
أجابه مهاب من خلف الباب بصوت مبحوح :
- ﻷ مش فاتح سيبونى لوحدى .
رفع فارس عينيه بملل و طرق الباب بقوة و هو يصيح بغضب :
- إفتح الزفت ده أحسنلك .
إنكمش مهاب فى نفسه بذعر .. بينما جذبته زينب من ذراعه و هى تقول بغضب :
- سيب الواد فى حاله .. مش كفاية بيدفع تمن أغلاطكم .. و يالا إمشوا بقا كل واحد يروح يدور على مراته .
لم يهدأ صراخ غزل و هى تضرب مقود السيارة بغضب و تلعن نفسها و غبائها أنها تركته لهؤلاء الحمقى .. عنفتها ميناس قائلة بضيق :
- إهدى بقا يا غزل ... و لو عاوزة ترجعى إرجعى و خلصينا من التوتر بتاعك ده .
لم تؤثر بها كلمات ميناس .. و لكن رنين هاتفها جعلها تضغط زر الإجابة مجددا و قالت بإندفاع قلق :
- ما تصدقش أى حاجة سمعتها يا مهاب .. هما متعصبين و مش عارفين بيق?