رواية حلال ولكن مرفوض الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم هالة محمد
22 =حلال ولكن مرفوض - طلاق -22 /
للجميع@
في الصعيد، في منزل زهراء،
كانت تجلس في غرفتها وهي تبكي، تستعيد ذكريات الأيام الماضية. قبل أيام مضت، في منزل الغول، كانت تقف زهراء أمام الغرفة التي يجلس بها طلعت في الدور الأرضي. دقت زهراء باب الغرفة أكثر من مرة دون فائدة، لم يجب طلعت. ذهبت حتى تجلب مفتاح تلك الغرفة التي كانت مغلقة من الداخل. عادت زهراء ومعها المفتاح وفتحت الباب. عندما دخلت، شعرت برائحة كريهة تنتشر في الغرفة، تشبه رائحة الكيماويات.
وضعت زهراء يدها فوق أنفها، فلم تتحمل تلك الرائحة. نظرت في أرجاء الغرفة، وابتسمت بسخرية حين وجدت تلك الأشياء التي تعرفها جيدًا. فقد رأت طلعت يستخدمها أكثر من مرة وهو يتعاطى تلك المواد المخدرة. قامت بغلق الباب وبدأت في تنظيف الغرفة. وقفت فجأة وهي تضع يدها فوق فمها من الصدمة.
ركضت على طلعت الذي كان ملقى على الأرض، والمقعد المتحرك ملقى بجانبه. كانت عيناه مغمضتين، ووجهه شاحبًا، ووضعت يدها على وجهه، فوجدته باردًا. هزته برفق، لكنه لم يتحرك.
حاولت إفاقته أكثر من مرة دون فائدة.
قامت زهراء بوضع يديها الاثنين في خصر طلعت، ثم أمسكته بقوة وهي تحاول أن تسحبه من تلك الأرض الباردة حتى تضعه فوق السرير، ولكن لم تستطع. فبرغم جسد طلعت الذي أصبح هزيلًا، لم تقدر زهراء على حمله.
وقعت زهراء بقوة، فجعلت طلعت يتألم بشدة. فاق طلعت، ونظر لها، فقال
: "عتعملي يا بنت الكلب، عاوزة تموتني؟
" ابتعدت زهراء عن طلعت بعنف، وانفجرت فيه بحدة، قائلة: "أبويه مش كلب، وأنت الي هتموت نفسك من الزفت الي عتشرب فيه، حتى وأنت عاجز ومش قادر تقف على رجلك."
غضب طلعت وكان
وجهه مظلمًا، وكأنه يحمل عاصفة داخله. كانت عيناه حادتين، مثل سكاكين حادة. حاول طلعت الوقوف، ولكن لم يقدر. نظر في عيون زهراء ووجد داخلهم الشماتة والكراهية. سحف طلعت ومد يده حتى يمسك بقدم زهراء ويوقعها أرضًا حتى ينال منها.
ابتعدت زهراء عنه مرة أخرى وهي تضحك عليه بسخرية، ثم تحدثت بنبرة مليئة بالكراهية، ونظرت له، فقالت:
"شفت أنك عاجز يا طلعت." نظر طلعت حوله بجنون، يبحث عن شيء حتى يضرب به زهراء لخروج الغضب الذي بداخله. وجد طلعت ذلك الخرطوم الصغير الذي يستخدمه من أجل تلك السموم. ضرب زهراء بقوة فوق قدميها. صرخت زهراء، وضربها مرة أخرى بعنف شديد. ركضت زهراء حتى تخرج من الغرفة. وقبل الخروج، نظرت له، تحدثت، وقالت له:
"عامل عليا راجل، لو كنت راجل صح، ما كانش يحيى العامري ضربك وخليك عاجز."
التفت للأمام حتى تخرج، ولكن تفاجأت بنعمة أمامها. رأت الشر في عيون نعمة. حاولت
التحدث حتى تشرح لها أن ابنها يتعاطى المواد المخدرة. اقتربت نعمة، وكانت مثل شبح الموت الذي يأتي ليقبض روح زهراء من هذا العالم. لم تسمح لها نعمة بالتحدث، ولو بحرف واحد. أمسكت بها من شعرها، ثم أوقعته أرضًا، وجلست فوقها، وهي تضربها بقوة مليئة بالحقد الدفين.
... ضربتها نعمة ضربات مبرحة في كل مكان في جسدها بعنف وغل. لم تكتفِ بذلك، قامت نعمة بخلع حذائها من قدميها، وضربت به زهراء فوق رأسها ضربات شديدة مؤلمة، وهي تسبها وتسب عائلتها، وتقول لها:
" بقي عتقولي علي ولدي مش راجل يا بنت الشحات يا بنت الكلب يا بنت الجعان، مهو كله عشانك كله منك يا وش النحس يا فقر
" قامت زهراء بغرز أظافرها في قدم نعمة بعنف حتى جعلتها تنزف الدماء. ابتعدت نعمة من الألم. ركضت زهراء إلى الخارج، وكانت نعمة تركض خلفها. فتحت زهراء باب المنزل وجسدها يرتعش. خرجت زهراء تركض من المنزل. لم تستطع نعمة أن تركض خلفها في الطرقات. كانت زهراء في كل خطوة تركض فيها تقع في الخطوة الأخرى وهي تبكي. ظلت زهراء تقع وتبكي في كل خطوة. وقفت زهراء أمام منزل والدها وهي لا ترى شيئًا. شعرت بدوار شديد. ولم تعد ترا شي غير غمامة سوداء.
سقطت زهراء أرضًا. اجتمعت الناس حولها. ركضت عليها النساء وقاموا بحملها.
استمعت أمها من الداخل لهذا الأصوات ففتحت الباب ورأت بعض النساء يحملون ابنتها فصرخت وركضت عليها وهي تدخلها المنزل وتبكي وقلبها يموت رعبًا على ابنتها.
.عادت زهراء من تلك الذكريات الأليمة، وهي تستمع للحديث الدائر بين أمها ووالدها. تحدثت نادية
فقالت: "خلاص يا محمود، أنا مش هرجع بنتي تاني لبيت الغوازي دول."
ترك محمود الطعام من يده ونفخ بغيظ من حديث زوجته، فقال لها:
"أنتي متعرفيش تتكلمي الكلام الماسخ ده غير وأنا عكل اللقمة."
خبطت نادية فوق مائدة الطعام الصغيرة بغضب، وقالت: "مش هرجع بنتي يا محمود، علشان أنا عرفاك عاوز ترجعها تاني علشان الفلوس. ألي زغللت عينيك، خليتك ترمي بنتك في بيت الحلب دول، بيت شبع من بعد جوع."
نظر محمود لزوجته بسخرية، وقال:
"دلوقتي مش عجبينك يا نادية، كان عليهم سكر لم طلعت، كان كل يوم يدخل بالشنط المحملة انا مش عاوز رط حريم. كتير بتك لازم ترجع بيت زوجها."
وقفت نادية وهي تتحدث بحدة، وقالت: "
يا راجل حرام عليك بتك كل ده علشان الفلوس؟"
رد محمود بصوت مرتفع وغاضب، وقال: "اقعدي يا مرا، وحطى لسانك جوه خشمك. مش ناقص غير الحريم تتدخل في كلام الرجالة. عاوزة تطلقي بنتك بعد شهر جواز يا مراه يا أم عقل ناقص؟ مش عارفة إن بنتك قاصرة، يعني مفيش عندها قسيمة من أصله؟ بتك عند الحكومة مش متجوزة، ولو رحنا اشتكينا مش بعيد أنا وأنتي نروح السجن."
فجر تلك الحقيقة وخرج دون أن يهتم بمصير ابنته التي رماها بيده في هذا الجحيم من أجل طمعه بالمال، وتركها تحترق في هذا العذاب وهذا المصير المؤلم الذي دمرها. بكت نادية ندمًا على ما فعلت في ابنتها، وتمنت لو الزمان يعود إلى الوراء حتى تستطيع إصلاح ما فعلت في حياة ابنتها، التي كانت فتاة تحلم بمستقبل مشرق، إلى فتاة تعيش حاضرًا مؤلمًا في زواج القاصرات.
*********************
في صباح يوم جديد، داخل العمارة السكنية. كان يجلس كل من عامر ويحيى داخل مكتب عامر رافضين الذهاب إلى منزلهم. تحدث يحيى وهو مغمض العينين ومستلقي على الأريكة ذات اللون الأسود، فقال
: "وبعدين يا عامر"
. رد عامر وهو يجلس على مقعد والسجائر يتطاير دخانها من بين أصابعه، وملامحه الحزينة تنعكس على وجهه، فقال بعد صمت طويل: "
خلاص يا يحيى، أنا هقفل الباب دا نهائي"
. نظر له يحيى ورمقه بنظرة شك غير مصدق، فتلك ليست المرة الأولى التي يقول فيها عامر هذا الحديث
ابتسم عامر ابتسامة باهتة يغلب عليها الحزن، وتحدث بصوت مبحوح يحمل ألمًا، فقال:
"أنا عارف أنك سمعت الكلام دا كتير مني، بس المرة بجد أكيد مش هفضل طول عمري مغفل، دا أنا حتى بفكر أخطب
". تحرك يحيى بجسده بشكل مفاجئ وهو يرفع حاجبيه في استغراب ونظر لعامر وحدق به غير مصدق.
تنهد عامر بثقل ثم قام بإطفاء تلك السيجارة وجلس في مواجهة يحيى، فقال له: "طيب إيه رأيك إن لقيت العروسة بنت زي القمر، أنت تعرفها؟" عقد يحيى حاجبيه في استغراب من حديث صديقه.
في هذا الأثناء، دق باب المنزل الذي يسكنه يحيى وعامر في الدور الثاني
. كانت فاطمة تصلي،
وهالة تجلس داخل الغرفة، ملامحها متهدلة
ومتراخية، وعيناها فقدت بريقها. كانت تتساءل بينها وبين نفسها هل مازال يحيى يكرهها ولا يحبها مثلما يحب بقية العائلة؟ كانت دائمًا تفكر في أنه ليس يكرهها، بل هي مشاجرات واختلاف في وجهات النظر. ولكن حين تزوجت نسمه بشقيقها، زاد نفور يحيى منها وأصبح يعاملها بجفاء دون أن تفعل له شيئًا. لم تكن
تهتم في السابق لأنها قد تعودت على تلك المعاملة من والدها وجدها، حتى شقيقها الأكبر كان يعاملها بمعاملة جافة، فقط لأنها تدافع عن حقوقها ولا تسمح لهم بالتحكم بها. وبعد تلك الظروف التي مرت بها، وحين وجدت ابن عمها يقف جوارها ويحميها ويجلب لها حقوقها، قد فكرت أن بدأ يحبها مثلما يحب بقية العائلة، ولكنها اكتشفت بالأمس أنه ما زال يكرهها. تتساءل لماذا كل هذا الكره
دق الباب، فخرجت هالة من غرفتها، وهي تضع حجابها فوق رأسها بحكمة. فتحت الباب، ولم تنظر للطارق، ظنت أنه يحيى، فلم يأتِ المنزل منذ الأمس. كانت ذاهبة، ولكنها تفاجأت
باحدهم يقوم بامساكها من حجابها بقوة. حاولت أن تفلت يده، ولكن قد مسك بيديها إلى الخلف في قبضة قوية تجعلها عاجزة عن الحركة، ويده الأخرى تخنقها بقوة. لحظة فكرت في الاستسلام، لماذا لا تستسلم؟ ماذا يوجد في تلك الحياة حتى تحارب من أجل البقاء فيها؟
استسلمت للموت، ظنًا منها أن خروج الروح من الجسد لا يوجد به ألم، لم تكن تعلم أن خروج الروح من الجسد عذاب لا يوصف. كان وجهها يتحول إلى اللون الأزرق الداكن، عيناها كانتا تبرزان من محجريهما وتتوسعان بشكل غير طبيعي، وشفاهها كانتا تتحولان إلى اللون الأرجواني. كانت أنفاسها تخرج بصعوبة، ولسانها كان يتدلى من فمها، وكانت تشعر بالخوف والرهبة وهي ترى نفسها تتلاشى.
يحاول نوار إنقاذ شقيقته من أبيه الذي تمكن منه
الشيطان وغضبه أعمى بصيرته وتغلف قلبه بغلاف الكراهية، فأصبح مثل الحجر بل أشد قسوة. فهناك بعض الأحجار تلين من القسوة، أما قلب جابر لم يلين ولم يشعر بذرة الألم على ابنته التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. كان نوار يشعر بالغضب والخوف على شقيقته، وكان قلبه يصرخ من الألم.
قام الجد بإبعاد نوار حتى لا يستطيع إنقاذها، وكان نوار يشعر باليأس والغضب وهو يرى جده يمنعه من إنقاذ شقيقته. كان الجد أشد قسوة من ابنه، لم يحاول إنقاذ ابنه وإنقاذه من طريق الشيطان الذي يجعله يرتكب أبشع جرائم الإنسانية، ولم يحاول إنقاذ تلك الفتاة التي لا تعلم باي ذنب قتلت.
صرخ نوار في الجد بجنون حتى يبتعد عنه، فلا يريد أن يستخدم معه العنف احترامًا له، ولكن لن يتحمل أن يرى شقيقته تقتل على يد أحدهم مرة أخرى، وكان يشعر بالغضب والخوف على شقيقته. قال نوار:
"بعدددددددددددددددد يا جدي، أختي هتموت!
" رد الجد بصوت يتنفس كراهية وقال: "خليه يغسل عارنا!"
قطعت فاطمة الصلاة وخرجت تركض، صرخت بصوت وصل للسماء حين رأت هذا المنظر، وكانت تشعر بالألم والخوف على ابنتها. حاولت فاطمة إبعاد زوجها جابر عن ابنتها، ولكن قام جابر
"بأزاحتها بيد واحدة بقوة، ففقدت توازنها وسقطت على الأرض بعنف، وارتطم رأسها بالأرض". كانت فاطمة تصرخ بكل قوتها لتنقذ ابنتها.
لم يتحمل نوار أن يرى أمه وأخته يتعرضون لكل هذا العذاب، قام نوار بإبعاد جده بقوة وركض حتى يبعد والده عن شقيقته، وكان يشعر بالغضب والخوف على عائلته. أمسك نوار بيد ابيه وهو يحاول إفلاتها من هذا الحجاب الذي لفه جابر على عنق ابنته حتى يخنقها للأبد
استمع يحيى لصوت يأتي من منزله،
فركض دون تفكير، وقلبه يخفق بقوة كأنه سيخرج من صدره. كانت خطواته سريعة ومتلاحقة، وكانت أنفاسه تتسارع مع كل درجة يصعدها، وكأنه يركض لإنقاذ حياته. كان قلبه يدق بعنف خوفًا عليها، يزداد دقات قلبه مع كل خطوة. توقف الزمان
حين رأها تلفظ أنفاسها الاخيره شعر كان أحدهم يقوم بطعنه في قلبه بخنجر حاد، ألف طعنة.
لم يتحمل، وانطلق غاضبًا، وكأنه ثور هائج. قام بامساك عمه بقوة وبغضب حتى يبعده عنها. وأخيرًا
استطاع كل من نوار ويحيى إنقاذ هالة. احتضن نوار شقيقته التي حاولت التنفس أكثر من مرة.
أخذت أنفاسها تتسارع وتتقطع بعد الاختناق. صرخت رئتاها من أجل الهواء. توسعت أنفاسها باحثة عن الأكسجين. أنفاسها المتقطعة تعكس معاناة جسدها.
ضرب الجد بالعصا في الأرض، وقال بصوت حاد:
"والله بقيتو رجالة وعتوقفو في وش كبيركم يا عيال العامري".
اقتربت منه فاطمة وهي تبكي على ابنتها، وتحدثت بصوت يملأه الألم، قائلة:
"بيت العامري ما فيهوش رجالة يا كبير بيت العامري الرجالة يعني الظهر والسند، بس انتوا سيف غدر مسنون يضرب في الظهر ويخون".
نظر لها الجد بعيون تملأها شرار، انفجر بها بصوت حاد مرتفع، وقال:
"لو كنت طالعة من بيت مش بيت أصول كنت قلت ان أهلك ما عرفوش يربوكي يا بنت العمدة".
اقتربت منه، وتحدثت ونظرت في عينيه بتحدي، وكانها تخبر العالم أنها لم تعد تخشى أحدًا، فقالت:
"وبيت العمدة ما فيهوش رجالة زيكم بالظبط اللي يحرم أخته من ورثها ويحرمها من شرع الله عشان هي بنت، يبقى مش راجل يبقى ظالم يا بيت الظلمة يا ناس يا ظالمين اللي ما تعرفوش ربكم".
بعد جابر يحيى بغضب، اقترب من فاطمة ومسكها من يديها، ثم هزها بعنف وهو ينظر لها بشر، فقال:
"اتجننتي خلاص عيارك فلت مش عاملة اعتبار لأحد واقفة تبجحي في أبويه مش خايفة ما الفاجرة اللي تأخذ بنتها وتهرب تعمل أكتر من كده"
. طلقني يا جابر،
هكذا كان رد فاطمة، ثلاث كلمات فقط، ولكنها كانت مثل ثلاث رصاصات يقتلون حياة زوجية دامت 48 عامًا. كان الجميع في حالة من الزهول، رافضين التصديق، وكأنهم يستمعون لمزحة سخيفة.
كانت هالة تشبه شبحًا عائدًا من الموت، لا روح فيها. كان وجهها شاحبًا مثل الموتى، وجسدها يرتعش بشدة. حاولت الوقوف، لكنها لم تقدر. لقد تخلت عنها قوتها مثلما تخلى عنها الجميع. لم تستطع قدميها حملها، فجميع جسدها يرتعش. اقترب جدها منها بصعوبة، وهي تحاول التحدث، لكن دون فائدة. كان صوتها محبوسًا في حلقها، أحبالها الصوتية متضررة من الاختناق، لا تستطيع إصدار أي صوت سوى صوت خافت أو لهاث متقطع. كانت
حركات فمها ولسانها بلا جدوى، تحاول التحدث لكن لا يخرج أي كلمة. نزلت الدموع من عينيها وهي تشعر بالعجز والظلم.
نظر الجد لها وقرأ ما توريد قوله فقال
لها: "عاوزة أبوكي ما يطلقش أمك صح؟" هزت رأسها بنعم وهي ترفرف الدموع دون توقف. لم يرحمها ولم يرأف بحالها. تحدث بقلب خالي من الإنسانية وقال:
"لو عاوزاهم ما يتطلقوش، اسمعي كلامي وتعالي معايا الصعيد، واجوزي حمدان وريحي الناس وريحي نفسك من كلمة عانس".
تساءلت هالة في نفسها: "هل يكرهها لهذا الحد؟" صمتت هالة،
اقترب يحيى مثل البركان المشتعل الذي سوف يحرق الجميع. وقف أمام الجد - وهو عيناه تنظر له بنظرة صلبة، لا يهتز لها جفن، وكأنه يتحدى الجميع بثباته وقوته. تحدث يحيى بثبات وقوة وقال:
"مش هيحصل الجواز ده، مش هيتم غير على جثتي".
ضرب الجد العصا بعنف على الأرض،
لكن يحيى لم يهتز. نظر الجد له بحدة وقال:
"هتتحداني يا يحيى؟ عتوقف في وش جدك؟
" رد يحيى بثقة:
"أنا بوقف في وش الظلم، وهقف في وش أي حد مهما كان هو مين، حتى لو انت يا جدي". فقال الجد: "بقي عتكسر كلامي يا يحيى؟ خلاص كبرت على جدك"
. تنهد يحيى بثقل وقال: "جدي، أنا مقولتش علي مكانها علشان في الآخر أتزوجها لي الزفت حمدان".
كان قلبها يرقص فرحًا حين وجدت من يدافع عنها أمام جدها ويوقف له، ولكن لم تدوم تلك الفرحة. دق قلبها بألم وتكسر لألاف القطع الصغيرة التي أصبحت من الصعب تجميعها مرة أخرى. نظرت له
فنظر يحيى في الاتجاه الآخر، فلم يستطع النظر في عينيها. لقد غدر بها وكسر وعده معها. لقد وثقت فيه
وخانها. ضحكت هالة ضحكة مليئة بالوجع، ارتفعت صوتها وتحولت إلى هستيرية. صمت الجميع، لم يعد صوت في المكان غير ضحكتها.
ذهبت للداخل تحت أنظار الجميع التي كان منهم من يشعر بالقلق عليها ومن منهم يشعر بالفضول. عادت وهي تحمل السكين في يدها، اقتربت
من جدها ثم أمسكت بيده وقامت بوضع السكين بها. وقفت أمامه دون أن يهتز جفنها وتحدثت فقالت له:
"خد السكين وقتلني، أعمل اللي ما قدرش يعمله. ولدك وحفيدك"
. اقترب منها شقيقها حتى يأخذ منها تلك السكين، وقبل أن يصل لها ابتعدت
هالة وهي تمسك بالسكين بقوة نظرت لشقيقها.
..كالبركان الثائر الذي
-
- ينتظر الفرصة للانفجار.
انفجرت في وجهه شقيقها بغضب شديد:
- صوتها يخرج من بين شفتيها بصعوبة، كأنه محاصر في حلقها.
- كلماتها تخرج متقطعة، مع أنفاس متلاحقة.
فقالت:
"بعد أوع في يوم تفكر تقرب مني، أنسا أنك كان عندك أخت في يوم. أنا مت من أول ما صدقت الناس وشكيت فيي من أول ما طعنتني في شرفي. أنت قتلتني مع كل كلمة كنت بتقولها ليا، فاكر كنت بتقول إيه؟ لا شكلك ناسي، أنا هفكرك."
- فضلت تدور في المكان بجنون وهي تقول:
"سألتني وقلت: انتي لسه بنت، ولا كنتي بتروحي لود الغول، الشقة ماشية معاه يا فاجرة.
"
- صرخ بها شقيقها من أجل أن تصمت، فحديث هالة كأنه مثل المرآة التي كشفت له بشاعة نفسه.
حبس نوار تلك الدموع التي تنهمر من عينيه وتحدث بصوت يملأه الندم والرجاء، فقال
: "سمحيني وقتها كلام الناس عمى عيني."
رفعت يدها وهي تشير في اتجاه جدها وقالت:
"مش كلام الناس هو السبب، لا دا رباية كبير عيلة العامري هو اللي علمك. علشان تكون راجل، لازم يكون قلبك حجر على أهل بيتك. اضربهم، ما تخليش واحدة فيهم تتكلم ولا تقول رأيها. دول بهايم مايفهموش حاجة. البنات ملهاش أنها تتكلم ولا تقول رأيها. اضربهم، اكسرهم، اغسل عارك، واقتلهم حتى لو كانوا مظلومين، مش مهم."
:
نظرت للجد وقالت بثبات وعزيمة: "أنا مش راجعة الصعيد تاني ومش هتزوج الراجل الخرفان الشايب الي اسمه حمدان".
ارتخت ملامح يحيى وشعر بالطمأنينة حين وجد سليطة اللسان تعود لقوتها مرة أخرى، ولكن لم تدوم سعادته كثيرًا حين استمع لباقي حديث ابنة عمه. اقتربت من جدها كثيرًا وقفت أمامها وهي تنظر في عينيه بتحدي وثبات، وعناد، وقالت:
"من النهارده أنا بتبرأ من كل عيلة العامري كبيرهم وصغيرهم، أنا ما ليش في العيلة دي غير عمر وما ليش في الدنيا غير أمي وعمر بس
". اقترب والدها مثل الثور الهائج حتى يقوم بضربها،
ركضت فاطمة ووقفت أمامه وكأنها درع حماية لبنتها، عيناها تنظران إلى جابر بنظرة حادة
. تحدث جابر بحدة وزعق فيها وقال:
"بعدي من قدامي الساعة دي يا فاطمة بدل ما أمد إيدي عليك، خليني اربي قليل الأدب دي".
ثم حاول الإمساك بابنته ولكن قامت فاطمة بإبعاده عنها وهي تصرخ فيه وتقول:
طلقني""يا جابر بعد عني وعن بنتي وسبنا في حالنا، أنت عمرك ما كنت اب ولا عمرك ما كنت زوج
قلتها للمرة الثانية". نظر لها جابر بشرار وأمسك بيدها بقوة وهو ينظر في عيونها فقال
: "أنتِ طالق يا فاطمة"
. ثم ترك المكان وخرج وكانت الشياطين تلاحقه، وتركهما في حالة من الذهول
اقترب نوار من أمه وهو يقول لها بعتب: "ليه كده ليه؟"
نظرات له داخل عيونه فقالت له بدموع وحسرة:
"كنت فاكرة قلبك حنين يا نوار، بس قلبك زي ناسك. خليك عارف طول ما أختك مش مسامحاك، أنا مش مسامحاك". وانسى ان عندك أم روح بيت العامري واشرب منهم قسوة القلب، خلي قلبك يبقى حجر أكثر ما هو حجر.
حركت تلك الدموع التي حاول نوار إخفائها لم يستطع أن يرى أمه وهي تقطع علاقتها به، فطالما كانت فاطمة لها محبة خاصة في قلب نوار، يحبها حبًا جنونيًا، يحبها ولا يحب أحدًا مثلها. ولكن اليوم قد انكسر قلبه، اليوم أصبح يتيمًا وكان الطفل الصغير يودع أمه لآخر مرة. لم يستطع الكلام فترك المكان وخرج،
وكذلك خرج الجد مع يحيى الذي كان يشعر بالندم والأسف على ما فعل. لم يكن يتخيل أن كل تلك الأشياء ستحدث؟ شعر يحيى بالذنب وقال بداخله ، يا ريتني سمعت كلام قلبي و مقلتش لحدً علي مكانها، يا ريتني تركتها تمشي من البلد هي وأمها واخوها.
انا دمرت حياة الجميع، انا هدمت عيلة باكملها.
بعد خروج الجميع بكت فاطمة وهي تحتضن ابنتها، بكت هالة وهي في حضن أمها بصوت مكتوم، كان جسمها ينتفض بقوة، قالت داخلها: "يا ريتني لم آتي في تلك الحياة". كانت الدموع تنهمر من عينيها مثل المطر، وكانت تشعر بالحزن والأسى يغمرها من كل جانب.
***************************
في الصعيد
في منزل الغول
، خرج الطبيب من غرفة طلعت
. اقتربت نعمة من الطبيب وهي تشعر بالقلق الشديد على ابنها. تحدثت بقلب أم يتلهف خوفًا على ابنها، فقالت:
"طمنيني يا دكتور، طلعت عامل إيه؟
" رد الطبيب وقال: "حجه نعمة، ينفع أتكلم معاكي على انفراد خمس دقايق؟"
تمكن الخوف من نعمة مع حديث الطبيب، لم تستطع التحدث، فقد مدت يدها حتى تدل الطبيب على الطريق. جلس الطبيب مع نعمة
في غرفة الضيوف. قام الطبيب بنزع النظارة الطبية التي كان يرتديها، ثم تحدث بجدية وقال:
"بص يا حجة، مع الأسف حالة طلعت مفيش فيها أي تحسن، الوقعة اللي وقعها عملت عنده مضاعفات، دا غير إن في حاجات تانية أنا شاكك فيها."
ظهر على وجه نعمة علامات التوتر والارتباك، فنظر الطبيب لها وعلِم أن نعمة تعرف أن ابنها يتعاطى المواد المخدرة. حدث الدكتور بشكل أكثر صرامة وقال:
"طيب، من الواضح أنك عارفة أن ابنك مدمن، نصيحتي ليكي يا حاجة نعمة أنك تلحقي ابنك قبل فوات الأوان وتوديه مصحة يتعالج فيهابس طبعًا بعد ما حالته الصحية تتحسن، دلوقتي يا ريت تهتموا بيه أكتر من كده، ومن الأفضل يكون في ممرضة تاخد باله منه أفضل."
استأذن الطبيب وخرج،
وترك نعمة في دوامة من الهموم الثقيلة التي لم تعد نعمة تستطيع حملها. وسألت لماذا الله يعذبها كل هذا العذاب. كانت تعلم أن الله لا يعذبها، بل تلك أعمالهم ومن أفعالهم يحصدون. نعمة تعلم أن هذا النعيم وهذا المال الذي تعيش به هو مال حرام. تعلم أن زوجها يجلب المال من كل ما حرمه الله، ومع ذلك كانت تكذب على نفسها وتعيش في دور المظلومة، بدلاً من أن تبحث عن الخلاص من هذا المال الحرام وطريق التوبة إلى الله. فضلت أن تعيش في تلك الأكاذيب التي تخدع بها نفسها.
دق الباب، نظرت نعمة للباب وهي لا تستطيع أن تخطو وتقوم بفتح الباب. نادت على ابنتها حتى تفتح، ولكن لم تجب. أتت سمر وقامت بفتح الباب، فوجدت ان الطارق هي المدعوة عفاف التي أتت حتى تقوم بإعطاء بعض الدروس لريم وسمر.
دخلت عفاف المنزل، وترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة، ونظرت إلى المنزل بجشع، وقالت:
"أزيك يا أم طلعت؟"
ردت أم طلعت بحزن، كأنها تتحدث من خلف جدار من الألم:
"الحمد لله يا ابلة عفاف.
" كانت كلماتها خافتة، كأنها تهمس بها لنفسها، وليس لشخص آخر.
وضعت عفاف يدها فوق كتف نعمه، محاولة أن تظهر التعاطف والمواساة، ولكن عينيها كانتا تخفيان وراءها نفاقًا وخداعًا. كانت تبتسم ابتسامة زائفة، بينما كانت أفكارها بعيدة كل البعد عن المواساة الحقيقية.
قالت
عفاف: "شدّي حيلك يا أم طلعت، إن شاء الله طلعت يقوم منها بخير. ما تزعليش مني بس الصراحة مش عارفة ولد أختك يعمل كده في ولد خالته ازي ، دا قلبه أسود قوي مش عارفه، ليه عيكّره ولدك عشان ايه الكره دي كله؟"
بكلماتها السامة، استطاعت عفاف إشعال نار الغضب في قلب أم طلعت وتغذية الكراهية وتزييف الحقيقة. اشتعلت عيون نعمة بنار الانتقام، ورسم على وجهها الغضب والكراهية.
بعد صمت كبير، وجدت سمر تجلس بالقرب منهم. تحدثت نعمة بخبث شيطان وهي ترتدي قناع الطيبة الزائف فقالت نعمة :
: "معاكي حق يا عفاف، بس والله أنا ساكتة علشان أختي. أنا لو قلبي أسود زيهم، كنت قولت علي الكلام اللي سمعته بين المنشاوي وبين أبو طلعت، بس أنا وحده قلبها أبيض ."
أثارت كلمات نعمة فضول عفاف، فلم تستطع كتم فضولها وسألت نعمة بفضول كبير: "
قولي يا أم طلعت، وما تخافيش سرك في بير."
شعرت نعمه بسعادة تغمرها لنجاح خطتها، فهي تعلم أن عفاف لا تخفي السر لأحد، بل تنشر الإشاعات بين الناس وتزيف الحقيقة. نظرت نعمة بطرف عينيها وابتسمت بخبث حين رأت سمر تقترب منهم بفضول حتى تسمع.
قالت نعمه : "هقولك بس دا سر يا عفاف."
ردت عفاف بلهفة شديدة: وقالت
"قولي يا أم طلعت، متخفيشي "
تحدثت نعمة بصوت منخفض بعض الشيء حتى يصل لسمر، واقتربت من عفاف وقالت: "
من فترة كده سمعت المنشاوي وهو بيقول لعاصم إنه شاف يحيى وهو وأخد علي ماهر في البيت اللي في الأرض الزراعية وضربه لغاية ما مات."
ارتجعت عفاف للخلف وهي تقول لنعمة: "طيب لو المنشاوي شاف يحيى زي ما بتقولي، ليه ما راحش المركز وبلغ عنه بدل ما هو طلع منها براءة؟"
ردت نعمة بصوت مرتفع بعض الشيء حين وجدت علامات عدم التصديق على وجه سمر: "فقالت
ما أنتي عارفة بيت العامري ما يقدر عليهم غير ربنا، هو خايف منهم، دا راجل غريب في البلد وهم أكبر عائلة في البلد، دا غير رجالتهم."
تأكدت عفاف من كلام نعمة، فقالت: "
أيوة معاكي حق، دا الود طه ماشي في كل حتة في البلد، يقولو على العلقة اللي خداها من نوار العامري، دول عالم مفترية "
نظرت نعمة اتجاه سمر وهي جالسة، وجدتها تخرج من المنزل وشياطين الجن والإنس تركبها، وجهها مليئًا بالغضب. علمت نعمة أنها استطاعت أن تصل لما تريد، وهكذا سوف تحقق انتقامها من ابن شقيقتها.
تحدثت نعمة مرة أخرى وهي تسأل عفاف بأهتمام: "صح يا عفاف، هو بنتك مش ممرضة؟"
ردت عفاف بفخر: "أيوة، زينب بنتي أحسن ممرضة في مستشفى الحياة في سوهاج."
ردت نعمة بلهفة شديدة: وقالت
طيب "بقولك إيه يا عفاف، أنا عاوزة زينب تيجي تأخذ بالها من طلعت، وأنا هديلها مرتب أكبر من مرتب المستشفى."
ردت عفاف بجشع وقالت
: "بس أنا بنتي بتاخد 10 آلاف في الشهر."
صمتت نعمة وهي تفكر، ثم تنهدت وقالت: "
وأنا هزودها ألفين كمان."
تحدثت عفاف بلؤم وكذب: "ومن غير فلوس يا أم طلعت، دا أنتي حبيبتي."
***********************:
في المشفى دخلت مديحة الغرفة التي يجلس فيها
أحمد، وكانت تحمل بعض الأغراض المليئة بالطعام. نظر لها أحمد بابتسامة وقال: "
مكنش له داعي كل ده يا مديحة". نظرت له مديحة بندهاش ممزوج بالخجل،
وابتسم أحمد ثم تنحنح وقال:
"أقصد يا أم عامر، مع أنك شكلك صغير على أن يكون عندك ولد زي عامر".
شعرت مديحة بسخونة تسير في جسدها، وارتبكت بشدة ولم تستطع الجلوس بعد الغزل الصريح من أحمد لها، فوقفت
حتى تذهب. أمسك أحمد بيدها بجرأة وقال:
"أنا آسف يا أم عامر لو كلامي زعلك، مع أن دي الحقيقة". نظرت له مديحة ودقات قلبها تتسارع، ووجها يحمر بالخجل والتوتر الشديد.
فتح الباب فجأة، فسحبت مديحة يدها من أحمد بسرعة. وشعر الاثنان بالتوتر. نظرت لهم مريم التي دخلت من الباب ثم قالت: "
ديحي يا قلبي، إنتِ جيتي إمتى؟" ردت بصوت منخفض من الخجل وهي تنظر إلى الأرض، فقالت:
"من شوية".
قالت مريم: "
بتقولي إيه يا ديحي، مش سامعة ليه موطية صوتك كده؟ وبعدين وشك احمر ليه؟"
وضعت مديحة يدها فوق وجهها الساخن من شدة الخجل.
تحدث أحمد ووجهه يبتسم بسعادة فقال: "
أم عامر عملت أكل مخصوص
عشاني؟" نظرت له مديحة بدهشة، فهذا الرجل يصر على إحراجها ويضعها في مواقف تشعرها بالخجل. لم تفهم مريم شيء من تلميحات والدها، وابتسمت وهي تحتضن مديحة وتقبلها من وجنتيها، وقالت لها بحبك
"شكرا يا ديحي، أنا كنت بموت من الجوع هنا، دا غير إني تهت وما عرفتش أجيب أكل".
ضمتها مديحة في حضنها بحنان،
وقالت: "يا قلبي مديحة، أنا عملت ليك أكل مخصوص".
-نظر لهما أحمد بسعاده وأصر علي تنفيذ ما يريد
***********************
ا
أصر عامر على استقبال عائلة العامري في أحد الشقق السكنية التي كانت مفترضًا أن تكون مسكنًا للزوجية بعد زواجه من نور، ولكن القدر كان له رأي آخر.
دق هاتف يحيى في هذا الوقت، فاستأذن من الجميع حتى يجيب. جلس يحيى في تلك الحديقة الصغيرة الخاصة بالعمارة السكنية. أجاب يحيى على الهاتف بصوت منخفض، حزين، مبحوح، مع نبرة ندم وأسى. قال يحيى: "
الو، أخبارك يا ست الكل".
على الجانب الآخر، ردت أمينة بلهفة شديدة وقالت:
"ايوا يا حبيب، طمني، مرات عمك وبنت عمك بخير؟ أوع تخلي عمك وجدك يعملوا فيهم حاجة؟".
تنهد يحيى بثقل وهو يشعر بالذنب، وقال:
"أنا السبب في كل ده".
ارتعبت أمينة وشعرت بالخوف الشديد، فصوت ابنها وحديثه غير مطمئن. تحدثت أمينة و القلق كاد أن يقتلها، فقالت:
"قول يا يحيى، حصل إيه يا ولدي؟ قلبي هيوقف"
. رد يحيى بحزن وأسف وقال: "
عمي طلق مرته". ضربت أمينة فوق صدرها بكفها وهي على وجهها علامات الذهول والصدمة. تحدثت أمينة وهي تبكي وتقول:
"يا مرك يا فاطمة يا مرك، منك لله يا جابر، هانت عليك العشرة، هانت عليك مراتك المتحملاك ومستحملة قسوة قلبك، أخص عليك، ازاي جدك يخلي عمك يعمل كده؟ ما هو طول عمره هيسمع له". والله تلاقي جدك هو اللي عايز كده.
الو يا يحيى، قفل الهاتف فجأة.
أتت نسمه وهي تسأل أمها فقالت: "في إيه؟" ردت أمينة وهي تبكي بصدق على ما حدث لفاطمة، فقالت
لابنتها: "عمك طلق مرته"
. اقتربت نسمه من أمها وعلى وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها، وتحدثت بالصوت المليء بالشماتة والحقد فقالت: أحلفي
. لم تنظر أمينة لابنتها ولم ترى ذلك الكره في عينيها، فقالت لها بصوت حزين:
"ايه، المرة بعد العمر ده كله عمك طلقها".
ارتفعت صوت نسمه
بزغروطة من كثرة السعادة والفرح.
وقفت أمها وهي تنظر لها بغضب شديد، ثم رفعت يدها وضربتها ضربة قوية فوق وجهها، ثم نزعت حذائها من قدميها وقامت بضربها وهي تقول لها:
"يا قليلة الرباية، فرحانة في خراب البيت".
استطاعت نسمه أن تخلص نفسها من بين أيدي أمها، ولأول مرة تكشف نسمه عن وجهها الحقيقي الذي مليء بالكراهية والحقد، وتحدثت بصوت ينبع منه الغل وقالت:
"ايوا فرحانة دا أنا هرقص وأعمل فرح، أني خلصت منها، طول عمرها كاتمة على نفسي ده، أنا عمري ما حسيت إني مجوزة بسببها، كل حاجة لازم أشاور عليها، كلمتها هي بس اللي تمشي، حتى قلب جوزي قاعدة فيه ومربعة، ما عيحبش حد غيرها، ما عيفكرش في حد غيرها، عمره ما حبني ربع الحب اللي هي حبه ليها، كل حاجة أمي أمي أمي، كأني في الدنيا دي كلها ما فيش غيرها.
نظرت لها أمها بصدمة غير مصدقة إن ابنتها تحمل كل هذا الكره في قلبها. تحدثت أمينة وقالت:
"عتغيري من حب نوار لأمه، دي أمه".
صرخت نسمه في وجه أمها بجنون الغيرة وقالت:
"ايوا عغير منها، من أي حد، نوار دا ليا أنا بس، وبعدين يحبها أكتر مني ليه؟
". ابتسمت أمينة بسخرية وقالت:
"يمكن علشان هي أمه، هي اللي حملته في بطنها تسعة شهور، هي اللي كبرت وربت وسهرت الليالي، هي اللي كانت لما يمرض، تمرض قصاده هي اللي كان قلبها يتوجع لو شكته شوكة، دي أمه وهو حتة منها". يا أم عقل ناقص، ربنا يهديك يا بنت ثم تركتها وخرجت
وهي تشعر بالحزن علي ابنتها التي تحمل كل هذا الكره داخل قلبها.
فور خروج أمينة
، أمسكت نسمه الهاتف وهي تبحث، وأخيراً وجدت ما تبحث عنه. قامت نسمه بتشغيل تلك الموسيقى، ثم ظلت ترقص بسعادة وكأنها أحد الشياطين يرقص حين يستطيع أن يفرق بين المرأة وزوجها.
*************************
أثناء المحادثة الهاتفية بين أمينة ويحيى، دخل عمر العمارة السكنية، فلم يكن في المنزل طوال اليوم ولم يرَ أو يعرف شيئًا.
وقف عمر حين استمع لحديث يحيى مع أمه، وهو يشعر بالشلل التام في جميع جسده، غير مصدق أن يحيى قد أفشى سره وقد أخبر العائلة عن مكان شقيقته وأمه. أغلق يحيى الهاتف حين رأى عمر، ضغط يحيى على شفتاه بغضب، فلم يكن يريد أن يعرف عمر بتلك الطريقة. قام يحيى بمسح وجهه بقوة بكفيه، وهو يحاول جمع شجاعته حتى يواجه عمر، ولكن الشعور بالندم والخجل يجعله غير قادر على المواجهة.
نظر عمر إلى يحيى وهو في حالة من الذهول والصدمة، وكأنه قد تلقى ضربة قوية لم يتوقعها. خيبة الأمل كانت تملأ قلبه، وشعر بالغضب والاستياء، وكأنه قد تعرض للخيانة من أقرب الناس إليه. كان يحيى على وشك التحدث، ولكن قبل أن يتفوه بكلمة، هاجمه
عمر بشراسة وغضب، وانقض عليه وهو يضربه بالكلمات في وجهه. وقعا الاثنان أرضًا نتيجة الشجار العنيف. استطاع يحيى التغلب على عمر وجلس فوقه، وهو يشل حركته بقوة، ثم تحدث وهو يلهث، فقال
: "اهدأ، والله ما كنتش عارف أن ده كله هيحصل"
. رد عمر بصوت مرتفع وغاضب، وقال:
"أهدي إيه؟ أنت خنتَني يا يحيى
". رد يحيى، وقال:
"أنا ما خنتكش يا غبي، أنا كل اللي عملته إني قلت لهم لأنهم كده كده كانوا هيعرفوا، وبعدين دول أهلنا".
اجتمع الجميع على هذا الشجار العنيف. تحدثت هالة بصوت مرهق، وقالت:
"عمر
، وجه يحيى". نظر لها ، وقلبه محطّم من أجلها
. استغل عمر انشغال يحيى، واستطاع أن يخلص نفسه منه، فقام بضرب يحيى بأحد القواعد التي في الحديقة. انتبه يحيى له وتلقى الضربة على ذراعيه. تألم يحيى، ولكن لم يظهر ذلك.
ركضت هالة على شقيقها وقامت باحتضانه، وابتعاد عن يحيى. تحدث عمر بحدة، وهو يوجّه الحديث ليحيى، وقال: "أنت إنسان خائن
". غضب يحيى من حديث عمر له، ولعنه بالخائن، فتحدث بغضب مكتوم، وقال
: "لو في حد خاين يا عمر، هو أنت، أنت اللي كنت عتكذب علينا وتستغفل الكل، وخليتني اللف حول نفسي، وأنت عارف مكانهم"
. رد عمر بغضب أكبر، وهو يريد ضربه مرة أخرى، فقال
: "يعني أنت عتردها؟" يا يحيى.
ضرب الجد الأرض بعصاه بغضب، مما جعل الجميع يصمتون. تحدث الجد، وهو يوجه حديثه لكل من هالة وعمر ويحيى، وقال لهم :
"قدامي كلكم".
ذهب الجميع خلف الجد في صمت. دخل الجد إحدى الغرف وغلق الباب بعنف. وقف وهو يوزع نظره بين أحفاده الثلاثة، وملامحه يرسم عليها الغضب الشديد، وعيناه تشعل من الغضب. ثم رفع عصاه وضرب بها عمر بقوة وغيظ، وتألم عمر بصوت مرتفع من الضربة.
قامت هالة باحتضان شقيقها وهي تنظر لجده بغيظ.
تحدث الجد، وهو يوجه حديثه لعمر، وقال:
"بقي عملنا طراطير وعتلبسنا العمة".
رفع العصا حتى يضربه بها مرة أخرى، ولكن وقفت هالة فجأة وأخذت الضربة بدلاً عن شقيقها. تألمت هالة
، وتوقف كل من يحيى وعمر بغضب في وجه الجد، وتحدثا بصوت واحد يملأه الغضب والانفعال من أجل من يحبون، فقالا: "
ما تضربهاش يا جدي".
ضرب الجد الاثنين، فقام يحيى وعمر بوضع هالة خلف ظهرهم، كأنهما جبل شامخ يقف في وجه العاصفة بقوة وثبات لا يهتز
. ضرب الجد يحيى ضربة قوية فوق ذراعه المصاب، مما جعله يتألم. خرجت
هالة من خلفه ووقفت في وجه الجد، وتحدثت بحدة وهي تقول له:
"عتضربه ليه، مش شايف أن دراعه واجعه؟"
. رد عمر بغضب، وقال:
"ما يتكسر، أنتي مالك أنتي ".
أما عن الآخر كان يشعر بسعادة من أجل أنها ما زالت تهتم لأمره حتى بعد ما فعل بها. جلس الجد وهو يتنفس بصعوبة من المجهود، وتحدث بصوت مجهد وهو يوجه حديثه لهالة، فقال:
"أنتِي مش عاوزه ترجع الصعيد ولا عاوزه تتجوز حمدان؟
". ردت هالة بقوة وثبات، وقالت: "أيوة".
ثم وجه الجد الحديث لعمر، وقال:
"وأنت ضحكت علينا كلنا وخليتنا نلف حوالين نفسنا واحنا ندور عليها وأنت اللي مخبيه، من بجاحتك، عامل نفسك ما عارفش وعتدور معانا"
. لم يرد عمر بلكمة صمت. صمت الجد بعد الوقت، مما جعل الجميع يشعر بالتوتر ممزوجًا بالخوف، وكأنهم أحد المسجونين ينتظرون حكم الإفراج.
تحدث الجد، وقال:
"هي كلمة واحدة، لو عايزه تقعدي هنا، يحيى هو اللي هيكون مسؤول عنك مسؤولية كاملة"
. رد عمر بالغضب والاستياء، وقال: وا
" يحيى ليه إن شاء الله يكون مسؤول عنها مال ، وأنا رحت فين؟"
. تحدث الجد، وهو يبتسم بسخرية، وقال:
"رحت هربت بيهم من ورانا".
وقفت هالة وقالت: "لا، الكلام ده مش هيحصل، لا هروح الصعيد ولا يحيى هيكون مسؤول عني"
. وقف الجد في وجهها وتحدث بقوة وصلابة، وكأنه أحد الملوك يصدر فرمانًا ملكيًا، دون رجوع وقال
: "هي كلمة واحدة، طول ما أنتي مش على ذمة راجل، هتفضلي تحت حكم بيت العامري، وكلمة مش هتنيها، يا ترجع الصعيد يا ولد عمك هو اللي هيتولى أمرك". ".
وقف يحيى وقال: "خلاص يا جدي، أنا هتولى أمرها". تحدث الجد وهو يوجه الحديث الي يحيى وقال
، كل حاجة تعملها يكون عندي، علم بيها حتي النفس تأخذ إذنك فيه سامع يا يحيى
لم يستطيع يحيى اخفأ تلك الابتسامة التي زينت وجهه
كان يريد الهرب ولكن للقدر كلمه اخرى
ووويتبع
للجميع@
في الصعيد، في منزل زهراء،
كانت تجلس في غرفتها وهي تبكي، تستعيد ذكريات الأيام الماضية. قبل أيام مضت، في منزل الغول، كانت تقف زهراء أمام الغرفة التي يجلس بها طلعت في الدور الأرضي. دقت زهراء باب الغرفة أكثر من مرة دون فائدة، لم يجب طلعت. ذهبت حتى تجلب مفتاح تلك الغرفة التي كانت مغلقة من الداخل. عادت زهراء ومعها المفتاح وفتحت الباب. عندما دخلت، شعرت برائحة كريهة تنتشر في الغرفة، تشبه رائحة الكيماويات.
وضعت زهراء يدها فوق أنفها، فلم تتحمل تلك الرائحة. نظرت في أرجاء الغرفة، وابتسمت بسخرية حين وجدت تلك الأشياء التي تعرفها جيدًا. فقد رأت طلعت يستخدمها أكثر من مرة وهو يتعاطى تلك المواد المخدرة. قامت بغلق الباب وبدأت في تنظيف الغرفة. وقفت فجأة وهي تضع يدها فوق فمها من الصدمة.
ركضت على طلعت الذي كان ملقى على الأرض، والمقعد المتحرك ملقى بجانبه. كانت عيناه مغمضتين، ووجهه شاحبًا، ووضعت يدها على وجهه، فوجدته باردًا. هزته برفق، لكنه لم يتحرك.
حاولت إفاقته أكثر من مرة دون فائدة.
قامت زهراء بوضع يديها الاثنين في خصر طلعت، ثم أمسكته بقوة وهي تحاول أن تسحبه من تلك الأرض الباردة حتى تضعه فوق السرير، ولكن لم تستطع. فبرغم جسد طلعت الذي أصبح هزيلًا، لم تقدر زهراء على حمله.
وقعت زهراء بقوة، فجعلت طلعت يتألم بشدة. فاق طلعت، ونظر لها، فقال
: "عتعملي يا بنت الكلب، عاوزة تموتني؟
" ابتعدت زهراء عن طلعت بعنف، وانفجرت فيه بحدة، قائلة: "أبويه مش كلب، وأنت الي هتموت نفسك من الزفت الي عتشرب فيه، حتى وأنت عاجز ومش قادر تقف على رجلك."
غضب طلعت وكان
وجهه مظلمًا، وكأنه يحمل عاصفة داخله. كانت عيناه حادتين، مثل سكاكين حادة. حاول طلعت الوقوف، ولكن لم يقدر. نظر في عيون زهراء ووجد داخلهم الشماتة والكراهية. سحف طلعت ومد يده حتى يمسك بقدم زهراء ويوقعها أرضًا حتى ينال منها.
ابتعدت زهراء عنه مرة أخرى وهي تضحك عليه بسخرية، ثم تحدثت بنبرة مليئة بالكراهية، ونظرت له، فقالت:
"شفت أنك عاجز يا طلعت." نظر طلعت حوله بجنون، يبحث عن شيء حتى يضرب به زهراء لخروج الغضب الذي بداخله. وجد طلعت ذلك الخرطوم الصغير الذي يستخدمه من أجل تلك السموم. ضرب زهراء بقوة فوق قدميها. صرخت زهراء، وضربها مرة أخرى بعنف شديد. ركضت زهراء حتى تخرج من الغرفة. وقبل الخروج، نظرت له، تحدثت، وقالت له:
"عامل عليا راجل، لو كنت راجل صح، ما كانش يحيى العامري ضربك وخليك عاجز."
التفت للأمام حتى تخرج، ولكن تفاجأت بنعمة أمامها. رأت الشر في عيون نعمة. حاولت
التحدث حتى تشرح لها أن ابنها يتعاطى المواد المخدرة. اقتربت نعمة، وكانت مثل شبح الموت الذي يأتي ليقبض روح زهراء من هذا العالم. لم تسمح لها نعمة بالتحدث، ولو بحرف واحد. أمسكت بها من شعرها، ثم أوقعته أرضًا، وجلست فوقها، وهي تضربها بقوة مليئة بالحقد الدفين.
... ضربتها نعمة ضربات مبرحة في كل مكان في جسدها بعنف وغل. لم تكتفِ بذلك، قامت نعمة بخلع حذائها من قدميها، وضربت به زهراء فوق رأسها ضربات شديدة مؤلمة، وهي تسبها وتسب عائلتها، وتقول لها:
" بقي عتقولي علي ولدي مش راجل يا بنت الشحات يا بنت الكلب يا بنت الجعان، مهو كله عشانك كله منك يا وش النحس يا فقر
" قامت زهراء بغرز أظافرها في قدم نعمة بعنف حتى جعلتها تنزف الدماء. ابتعدت نعمة من الألم. ركضت زهراء إلى الخارج، وكانت نعمة تركض خلفها. فتحت زهراء باب المنزل وجسدها يرتعش. خرجت زهراء تركض من المنزل. لم تستطع نعمة أن تركض خلفها في الطرقات. كانت زهراء في كل خطوة تركض فيها تقع في الخطوة الأخرى وهي تبكي. ظلت زهراء تقع وتبكي في كل خطوة. وقفت زهراء أمام منزل والدها وهي لا ترى شيئًا. شعرت بدوار شديد. ولم تعد ترا شي غير غمامة سوداء.
سقطت زهراء أرضًا. اجتمعت الناس حولها. ركضت عليها النساء وقاموا بحملها.
استمعت أمها من الداخل لهذا الأصوات ففتحت الباب ورأت بعض النساء يحملون ابنتها فصرخت وركضت عليها وهي تدخلها المنزل وتبكي وقلبها يموت رعبًا على ابنتها.
.عادت زهراء من تلك الذكريات الأليمة، وهي تستمع للحديث الدائر بين أمها ووالدها. تحدثت نادية
فقالت: "خلاص يا محمود، أنا مش هرجع بنتي تاني لبيت الغوازي دول."
ترك محمود الطعام من يده ونفخ بغيظ من حديث زوجته، فقال لها:
"أنتي متعرفيش تتكلمي الكلام الماسخ ده غير وأنا عكل اللقمة."
خبطت نادية فوق مائدة الطعام الصغيرة بغضب، وقالت: "مش هرجع بنتي يا محمود، علشان أنا عرفاك عاوز ترجعها تاني علشان الفلوس. ألي زغللت عينيك، خليتك ترمي بنتك في بيت الحلب دول، بيت شبع من بعد جوع."
نظر محمود لزوجته بسخرية، وقال:
"دلوقتي مش عجبينك يا نادية، كان عليهم سكر لم طلعت، كان كل يوم يدخل بالشنط المحملة انا مش عاوز رط حريم. كتير بتك لازم ترجع بيت زوجها."
وقفت نادية وهي تتحدث بحدة، وقالت: "
يا راجل حرام عليك بتك كل ده علشان الفلوس؟"
رد محمود بصوت مرتفع وغاضب، وقال: "اقعدي يا مرا، وحطى لسانك جوه خشمك. مش ناقص غير الحريم تتدخل في كلام الرجالة. عاوزة تطلقي بنتك بعد شهر جواز يا مراه يا أم عقل ناقص؟ مش عارفة إن بنتك قاصرة، يعني مفيش عندها قسيمة من أصله؟ بتك عند الحكومة مش متجوزة، ولو رحنا اشتكينا مش بعيد أنا وأنتي نروح السجن."
فجر تلك الحقيقة وخرج دون أن يهتم بمصير ابنته التي رماها بيده في هذا الجحيم من أجل طمعه بالمال، وتركها تحترق في هذا العذاب وهذا المصير المؤلم الذي دمرها. بكت نادية ندمًا على ما فعلت في ابنتها، وتمنت لو الزمان يعود إلى الوراء حتى تستطيع إصلاح ما فعلت في حياة ابنتها، التي كانت فتاة تحلم بمستقبل مشرق، إلى فتاة تعيش حاضرًا مؤلمًا في زواج القاصرات.
*********************
في صباح يوم جديد، داخل العمارة السكنية. كان يجلس كل من عامر ويحيى داخل مكتب عامر رافضين الذهاب إلى منزلهم. تحدث يحيى وهو مغمض العينين ومستلقي على الأريكة ذات اللون الأسود، فقال
: "وبعدين يا عامر"
. رد عامر وهو يجلس على مقعد والسجائر يتطاير دخانها من بين أصابعه، وملامحه الحزينة تنعكس على وجهه، فقال بعد صمت طويل: "
خلاص يا يحيى، أنا هقفل الباب دا نهائي"
. نظر له يحيى ورمقه بنظرة شك غير مصدق، فتلك ليست المرة الأولى التي يقول فيها عامر هذا الحديث
ابتسم عامر ابتسامة باهتة يغلب عليها الحزن، وتحدث بصوت مبحوح يحمل ألمًا، فقال:
"أنا عارف أنك سمعت الكلام دا كتير مني، بس المرة بجد أكيد مش هفضل طول عمري مغفل، دا أنا حتى بفكر أخطب
". تحرك يحيى بجسده بشكل مفاجئ وهو يرفع حاجبيه في استغراب ونظر لعامر وحدق به غير مصدق.
تنهد عامر بثقل ثم قام بإطفاء تلك السيجارة وجلس في مواجهة يحيى، فقال له: "طيب إيه رأيك إن لقيت العروسة بنت زي القمر، أنت تعرفها؟" عقد يحيى حاجبيه في استغراب من حديث صديقه.
في هذا الأثناء، دق باب المنزل الذي يسكنه يحيى وعامر في الدور الثاني
. كانت فاطمة تصلي،
وهالة تجلس داخل الغرفة، ملامحها متهدلة
ومتراخية، وعيناها فقدت بريقها. كانت تتساءل بينها وبين نفسها هل مازال يحيى يكرهها ولا يحبها مثلما يحب بقية العائلة؟ كانت دائمًا تفكر في أنه ليس يكرهها، بل هي مشاجرات واختلاف في وجهات النظر. ولكن حين تزوجت نسمه بشقيقها، زاد نفور يحيى منها وأصبح يعاملها بجفاء دون أن تفعل له شيئًا. لم تكن
تهتم في السابق لأنها قد تعودت على تلك المعاملة من والدها وجدها، حتى شقيقها الأكبر كان يعاملها بمعاملة جافة، فقط لأنها تدافع عن حقوقها ولا تسمح لهم بالتحكم بها. وبعد تلك الظروف التي مرت بها، وحين وجدت ابن عمها يقف جوارها ويحميها ويجلب لها حقوقها، قد فكرت أن بدأ يحبها مثلما يحب بقية العائلة، ولكنها اكتشفت بالأمس أنه ما زال يكرهها. تتساءل لماذا كل هذا الكره
دق الباب، فخرجت هالة من غرفتها، وهي تضع حجابها فوق رأسها بحكمة. فتحت الباب، ولم تنظر للطارق، ظنت أنه يحيى، فلم يأتِ المنزل منذ الأمس. كانت ذاهبة، ولكنها تفاجأت
باحدهم يقوم بامساكها من حجابها بقوة. حاولت أن تفلت يده، ولكن قد مسك بيديها إلى الخلف في قبضة قوية تجعلها عاجزة عن الحركة، ويده الأخرى تخنقها بقوة. لحظة فكرت في الاستسلام، لماذا لا تستسلم؟ ماذا يوجد في تلك الحياة حتى تحارب من أجل البقاء فيها؟
استسلمت للموت، ظنًا منها أن خروج الروح من الجسد لا يوجد به ألم، لم تكن تعلم أن خروج الروح من الجسد عذاب لا يوصف. كان وجهها يتحول إلى اللون الأزرق الداكن، عيناها كانتا تبرزان من محجريهما وتتوسعان بشكل غير طبيعي، وشفاهها كانتا تتحولان إلى اللون الأرجواني. كانت أنفاسها تخرج بصعوبة، ولسانها كان يتدلى من فمها، وكانت تشعر بالخوف والرهبة وهي ترى نفسها تتلاشى.
يحاول نوار إنقاذ شقيقته من أبيه الذي تمكن منه
الشيطان وغضبه أعمى بصيرته وتغلف قلبه بغلاف الكراهية، فأصبح مثل الحجر بل أشد قسوة. فهناك بعض الأحجار تلين من القسوة، أما قلب جابر لم يلين ولم يشعر بذرة الألم على ابنته التي تلفظ أنفاسها الأخيرة. كان نوار يشعر بالغضب والخوف على شقيقته، وكان قلبه يصرخ من الألم.
قام الجد بإبعاد نوار حتى لا يستطيع إنقاذها، وكان نوار يشعر باليأس والغضب وهو يرى جده يمنعه من إنقاذ شقيقته. كان الجد أشد قسوة من ابنه، لم يحاول إنقاذ ابنه وإنقاذه من طريق الشيطان الذي يجعله يرتكب أبشع جرائم الإنسانية، ولم يحاول إنقاذ تلك الفتاة التي لا تعلم باي ذنب قتلت.
صرخ نوار في الجد بجنون حتى يبتعد عنه، فلا يريد أن يستخدم معه العنف احترامًا له، ولكن لن يتحمل أن يرى شقيقته تقتل على يد أحدهم مرة أخرى، وكان يشعر بالغضب والخوف على شقيقته. قال نوار:
"بعدددددددددددددددد يا جدي، أختي هتموت!
" رد الجد بصوت يتنفس كراهية وقال: "خليه يغسل عارنا!"
قطعت فاطمة الصلاة وخرجت تركض، صرخت بصوت وصل للسماء حين رأت هذا المنظر، وكانت تشعر بالألم والخوف على ابنتها. حاولت فاطمة إبعاد زوجها جابر عن ابنتها، ولكن قام جابر
"بأزاحتها بيد واحدة بقوة، ففقدت توازنها وسقطت على الأرض بعنف، وارتطم رأسها بالأرض". كانت فاطمة تصرخ بكل قوتها لتنقذ ابنتها.
لم يتحمل نوار أن يرى أمه وأخته يتعرضون لكل هذا العذاب، قام نوار بإبعاد جده بقوة وركض حتى يبعد والده عن شقيقته، وكان يشعر بالغضب والخوف على عائلته. أمسك نوار بيد ابيه وهو يحاول إفلاتها من هذا الحجاب الذي لفه جابر على عنق ابنته حتى يخنقها للأبد
استمع يحيى لصوت يأتي من منزله،
فركض دون تفكير، وقلبه يخفق بقوة كأنه سيخرج من صدره. كانت خطواته سريعة ومتلاحقة، وكانت أنفاسه تتسارع مع كل درجة يصعدها، وكأنه يركض لإنقاذ حياته. كان قلبه يدق بعنف خوفًا عليها، يزداد دقات قلبه مع كل خطوة. توقف الزمان
حين رأها تلفظ أنفاسها الاخيره شعر كان أحدهم يقوم بطعنه في قلبه بخنجر حاد، ألف طعنة.
لم يتحمل، وانطلق غاضبًا، وكأنه ثور هائج. قام بامساك عمه بقوة وبغضب حتى يبعده عنها. وأخيرًا
استطاع كل من نوار ويحيى إنقاذ هالة. احتضن نوار شقيقته التي حاولت التنفس أكثر من مرة.
أخذت أنفاسها تتسارع وتتقطع بعد الاختناق. صرخت رئتاها من أجل الهواء. توسعت أنفاسها باحثة عن الأكسجين. أنفاسها المتقطعة تعكس معاناة جسدها.
ضرب الجد بالعصا في الأرض، وقال بصوت حاد:
"والله بقيتو رجالة وعتوقفو في وش كبيركم يا عيال العامري".
اقتربت منه فاطمة وهي تبكي على ابنتها، وتحدثت بصوت يملأه الألم، قائلة:
"بيت العامري ما فيهوش رجالة يا كبير بيت العامري الرجالة يعني الظهر والسند، بس انتوا سيف غدر مسنون يضرب في الظهر ويخون".
نظر لها الجد بعيون تملأها شرار، انفجر بها بصوت حاد مرتفع، وقال:
"لو كنت طالعة من بيت مش بيت أصول كنت قلت ان أهلك ما عرفوش يربوكي يا بنت العمدة".
اقتربت منه، وتحدثت ونظرت في عينيه بتحدي، وكانها تخبر العالم أنها لم تعد تخشى أحدًا، فقالت:
"وبيت العمدة ما فيهوش رجالة زيكم بالظبط اللي يحرم أخته من ورثها ويحرمها من شرع الله عشان هي بنت، يبقى مش راجل يبقى ظالم يا بيت الظلمة يا ناس يا ظالمين اللي ما تعرفوش ربكم".
بعد جابر يحيى بغضب، اقترب من فاطمة ومسكها من يديها، ثم هزها بعنف وهو ينظر لها بشر، فقال:
"اتجننتي خلاص عيارك فلت مش عاملة اعتبار لأحد واقفة تبجحي في أبويه مش خايفة ما الفاجرة اللي تأخذ بنتها وتهرب تعمل أكتر من كده"
. طلقني يا جابر،
هكذا كان رد فاطمة، ثلاث كلمات فقط، ولكنها كانت مثل ثلاث رصاصات يقتلون حياة زوجية دامت 48 عامًا. كان الجميع في حالة من الزهول، رافضين التصديق، وكأنهم يستمعون لمزحة سخيفة.
كانت هالة تشبه شبحًا عائدًا من الموت، لا روح فيها. كان وجهها شاحبًا مثل الموتى، وجسدها يرتعش بشدة. حاولت الوقوف، لكنها لم تقدر. لقد تخلت عنها قوتها مثلما تخلى عنها الجميع. لم تستطع قدميها حملها، فجميع جسدها يرتعش. اقترب جدها منها بصعوبة، وهي تحاول التحدث، لكن دون فائدة. كان صوتها محبوسًا في حلقها، أحبالها الصوتية متضررة من الاختناق، لا تستطيع إصدار أي صوت سوى صوت خافت أو لهاث متقطع. كانت
حركات فمها ولسانها بلا جدوى، تحاول التحدث لكن لا يخرج أي كلمة. نزلت الدموع من عينيها وهي تشعر بالعجز والظلم.
نظر الجد لها وقرأ ما توريد قوله فقال
لها: "عاوزة أبوكي ما يطلقش أمك صح؟" هزت رأسها بنعم وهي ترفرف الدموع دون توقف. لم يرحمها ولم يرأف بحالها. تحدث بقلب خالي من الإنسانية وقال:
"لو عاوزاهم ما يتطلقوش، اسمعي كلامي وتعالي معايا الصعيد، واجوزي حمدان وريحي الناس وريحي نفسك من كلمة عانس".
تساءلت هالة في نفسها: "هل يكرهها لهذا الحد؟" صمتت هالة،
اقترب يحيى مثل البركان المشتعل الذي سوف يحرق الجميع. وقف أمام الجد - وهو عيناه تنظر له بنظرة صلبة، لا يهتز لها جفن، وكأنه يتحدى الجميع بثباته وقوته. تحدث يحيى بثبات وقوة وقال:
"مش هيحصل الجواز ده، مش هيتم غير على جثتي".
ضرب الجد العصا بعنف على الأرض،
لكن يحيى لم يهتز. نظر الجد له بحدة وقال:
"هتتحداني يا يحيى؟ عتوقف في وش جدك؟
" رد يحيى بثقة:
"أنا بوقف في وش الظلم، وهقف في وش أي حد مهما كان هو مين، حتى لو انت يا جدي". فقال الجد: "بقي عتكسر كلامي يا يحيى؟ خلاص كبرت على جدك"
. تنهد يحيى بثقل وقال: "جدي، أنا مقولتش علي مكانها علشان في الآخر أتزوجها لي الزفت حمدان".
كان قلبها يرقص فرحًا حين وجدت من يدافع عنها أمام جدها ويوقف له، ولكن لم تدوم تلك الفرحة. دق قلبها بألم وتكسر لألاف القطع الصغيرة التي أصبحت من الصعب تجميعها مرة أخرى. نظرت له
فنظر يحيى في الاتجاه الآخر، فلم يستطع النظر في عينيها. لقد غدر بها وكسر وعده معها. لقد وثقت فيه
وخانها. ضحكت هالة ضحكة مليئة بالوجع، ارتفعت صوتها وتحولت إلى هستيرية. صمت الجميع، لم يعد صوت في المكان غير ضحكتها.
ذهبت للداخل تحت أنظار الجميع التي كان منهم من يشعر بالقلق عليها ومن منهم يشعر بالفضول. عادت وهي تحمل السكين في يدها، اقتربت
من جدها ثم أمسكت بيده وقامت بوضع السكين بها. وقفت أمامه دون أن يهتز جفنها وتحدثت فقالت له:
"خد السكين وقتلني، أعمل اللي ما قدرش يعمله. ولدك وحفيدك"
. اقترب منها شقيقها حتى يأخذ منها تلك السكين، وقبل أن يصل لها ابتعدت
هالة وهي تمسك بالسكين بقوة نظرت لشقيقها.
..كالبركان الثائر الذي
-
- ينتظر الفرصة للانفجار.
انفجرت في وجهه شقيقها بغضب شديد:
- صوتها يخرج من بين شفتيها بصعوبة، كأنه محاصر في حلقها.
- كلماتها تخرج متقطعة، مع أنفاس متلاحقة.
فقالت:
"بعد أوع في يوم تفكر تقرب مني، أنسا أنك كان عندك أخت في يوم. أنا مت من أول ما صدقت الناس وشكيت فيي من أول ما طعنتني في شرفي. أنت قتلتني مع كل كلمة كنت بتقولها ليا، فاكر كنت بتقول إيه؟ لا شكلك ناسي، أنا هفكرك."
- فضلت تدور في المكان بجنون وهي تقول:
"سألتني وقلت: انتي لسه بنت، ولا كنتي بتروحي لود الغول، الشقة ماشية معاه يا فاجرة.
"
- صرخ بها شقيقها من أجل أن تصمت، فحديث هالة كأنه مثل المرآة التي كشفت له بشاعة نفسه.
حبس نوار تلك الدموع التي تنهمر من عينيه وتحدث بصوت يملأه الندم والرجاء، فقال
: "سمحيني وقتها كلام الناس عمى عيني."
رفعت يدها وهي تشير في اتجاه جدها وقالت:
"مش كلام الناس هو السبب، لا دا رباية كبير عيلة العامري هو اللي علمك. علشان تكون راجل، لازم يكون قلبك حجر على أهل بيتك. اضربهم، ما تخليش واحدة فيهم تتكلم ولا تقول رأيها. دول بهايم مايفهموش حاجة. البنات ملهاش أنها تتكلم ولا تقول رأيها. اضربهم، اكسرهم، اغسل عارك، واقتلهم حتى لو كانوا مظلومين، مش مهم."
:
نظرت للجد وقالت بثبات وعزيمة: "أنا مش راجعة الصعيد تاني ومش هتزوج الراجل الخرفان الشايب الي اسمه حمدان".
ارتخت ملامح يحيى وشعر بالطمأنينة حين وجد سليطة اللسان تعود لقوتها مرة أخرى، ولكن لم تدوم سعادته كثيرًا حين استمع لباقي حديث ابنة عمه. اقتربت من جدها كثيرًا وقفت أمامها وهي تنظر في عينيه بتحدي وثبات، وعناد، وقالت:
"من النهارده أنا بتبرأ من كل عيلة العامري كبيرهم وصغيرهم، أنا ما ليش في العيلة دي غير عمر وما ليش في الدنيا غير أمي وعمر بس
". اقترب والدها مثل الثور الهائج حتى يقوم بضربها،
ركضت فاطمة ووقفت أمامه وكأنها درع حماية لبنتها، عيناها تنظران إلى جابر بنظرة حادة
. تحدث جابر بحدة وزعق فيها وقال:
"بعدي من قدامي الساعة دي يا فاطمة بدل ما أمد إيدي عليك، خليني اربي قليل الأدب دي".
ثم حاول الإمساك بابنته ولكن قامت فاطمة بإبعاده عنها وهي تصرخ فيه وتقول:
طلقني""يا جابر بعد عني وعن بنتي وسبنا في حالنا، أنت عمرك ما كنت اب ولا عمرك ما كنت زوج
قلتها للمرة الثانية". نظر لها جابر بشرار وأمسك بيدها بقوة وهو ينظر في عيونها فقال
: "أنتِ طالق يا فاطمة"
. ثم ترك المكان وخرج وكانت الشياطين تلاحقه، وتركهما في حالة من الذهول
اقترب نوار من أمه وهو يقول لها بعتب: "ليه كده ليه؟"
نظرات له داخل عيونه فقالت له بدموع وحسرة:
"كنت فاكرة قلبك حنين يا نوار، بس قلبك زي ناسك. خليك عارف طول ما أختك مش مسامحاك، أنا مش مسامحاك". وانسى ان عندك أم روح بيت العامري واشرب منهم قسوة القلب، خلي قلبك يبقى حجر أكثر ما هو حجر.
حركت تلك الدموع التي حاول نوار إخفائها لم يستطع أن يرى أمه وهي تقطع علاقتها به، فطالما كانت فاطمة لها محبة خاصة في قلب نوار، يحبها حبًا جنونيًا، يحبها ولا يحب أحدًا مثلها. ولكن اليوم قد انكسر قلبه، اليوم أصبح يتيمًا وكان الطفل الصغير يودع أمه لآخر مرة. لم يستطع الكلام فترك المكان وخرج،
وكذلك خرج الجد مع يحيى الذي كان يشعر بالندم والأسف على ما فعل. لم يكن يتخيل أن كل تلك الأشياء ستحدث؟ شعر يحيى بالذنب وقال بداخله ، يا ريتني سمعت كلام قلبي و مقلتش لحدً علي مكانها، يا ريتني تركتها تمشي من البلد هي وأمها واخوها.
انا دمرت حياة الجميع، انا هدمت عيلة باكملها.
بعد خروج الجميع بكت فاطمة وهي تحتضن ابنتها، بكت هالة وهي في حضن أمها بصوت مكتوم، كان جسمها ينتفض بقوة، قالت داخلها: "يا ريتني لم آتي في تلك الحياة". كانت الدموع تنهمر من عينيها مثل المطر، وكانت تشعر بالحزن والأسى يغمرها من كل جانب.
***************************
في الصعيد
في منزل الغول
، خرج الطبيب من غرفة طلعت
. اقتربت نعمة من الطبيب وهي تشعر بالقلق الشديد على ابنها. تحدثت بقلب أم يتلهف خوفًا على ابنها، فقالت:
"طمنيني يا دكتور، طلعت عامل إيه؟
" رد الطبيب وقال: "حجه نعمة، ينفع أتكلم معاكي على انفراد خمس دقايق؟"
تمكن الخوف من نعمة مع حديث الطبيب، لم تستطع التحدث، فقد مدت يدها حتى تدل الطبيب على الطريق. جلس الطبيب مع نعمة
في غرفة الضيوف. قام الطبيب بنزع النظارة الطبية التي كان يرتديها، ثم تحدث بجدية وقال:
"بص يا حجة، مع الأسف حالة طلعت مفيش فيها أي تحسن، الوقعة اللي وقعها عملت عنده مضاعفات، دا غير إن في حاجات تانية أنا شاكك فيها."
ظهر على وجه نعمة علامات التوتر والارتباك، فنظر الطبيب لها وعلِم أن نعمة تعرف أن ابنها يتعاطى المواد المخدرة. حدث الدكتور بشكل أكثر صرامة وقال:
"طيب، من الواضح أنك عارفة أن ابنك مدمن، نصيحتي ليكي يا حاجة نعمة أنك تلحقي ابنك قبل فوات الأوان وتوديه مصحة يتعالج فيهابس طبعًا بعد ما حالته الصحية تتحسن، دلوقتي يا ريت تهتموا بيه أكتر من كده، ومن الأفضل يكون في ممرضة تاخد باله منه أفضل."
استأذن الطبيب وخرج،
وترك نعمة في دوامة من الهموم الثقيلة التي لم تعد نعمة تستطيع حملها. وسألت لماذا الله يعذبها كل هذا العذاب. كانت تعلم أن الله لا يعذبها، بل تلك أعمالهم ومن أفعالهم يحصدون. نعمة تعلم أن هذا النعيم وهذا المال الذي تعيش به هو مال حرام. تعلم أن زوجها يجلب المال من كل ما حرمه الله، ومع ذلك كانت تكذب على نفسها وتعيش في دور المظلومة، بدلاً من أن تبحث عن الخلاص من هذا المال الحرام وطريق التوبة إلى الله. فضلت أن تعيش في تلك الأكاذيب التي تخدع بها نفسها.
دق الباب، نظرت نعمة للباب وهي لا تستطيع أن تخطو وتقوم بفتح الباب. نادت على ابنتها حتى تفتح، ولكن لم تجب. أتت سمر وقامت بفتح الباب، فوجدت ان الطارق هي المدعوة عفاف التي أتت حتى تقوم بإعطاء بعض الدروس لريم وسمر.
دخلت عفاف المنزل، وترسم على وجهها ابتسامة مصطنعة، ونظرت إلى المنزل بجشع، وقالت:
"أزيك يا أم طلعت؟"
ردت أم طلعت بحزن، كأنها تتحدث من خلف جدار من الألم:
"الحمد لله يا ابلة عفاف.
" كانت كلماتها خافتة، كأنها تهمس بها لنفسها، وليس لشخص آخر.
وضعت عفاف يدها فوق كتف نعمه، محاولة أن تظهر التعاطف والمواساة، ولكن عينيها كانتا تخفيان وراءها نفاقًا وخداعًا. كانت تبتسم ابتسامة زائفة، بينما كانت أفكارها بعيدة كل البعد عن المواساة الحقيقية.
قالت
عفاف: "شدّي حيلك يا أم طلعت، إن شاء الله طلعت يقوم منها بخير. ما تزعليش مني بس الصراحة مش عارفة ولد أختك يعمل كده في ولد خالته ازي ، دا قلبه أسود قوي مش عارفه، ليه عيكّره ولدك عشان ايه الكره دي كله؟"
بكلماتها السامة، استطاعت عفاف إشعال نار الغضب في قلب أم طلعت وتغذية الكراهية وتزييف الحقيقة. اشتعلت عيون نعمة بنار الانتقام، ورسم على وجهها الغضب والكراهية.
بعد صمت كبير، وجدت سمر تجلس بالقرب منهم. تحدثت نعمة بخبث شيطان وهي ترتدي قناع الطيبة الزائف فقالت نعمة :
: "معاكي حق يا عفاف، بس والله أنا ساكتة علشان أختي. أنا لو قلبي أسود زيهم، كنت قولت علي الكلام اللي سمعته بين المنشاوي وبين أبو طلعت، بس أنا وحده قلبها أبيض ."
أثارت كلمات نعمة فضول عفاف، فلم تستطع كتم فضولها وسألت نعمة بفضول كبير: "
قولي يا أم طلعت، وما تخافيش سرك في بير."
شعرت نعمه بسعادة تغمرها لنجاح خطتها، فهي تعلم أن عفاف لا تخفي السر لأحد، بل تنشر الإشاعات بين الناس وتزيف الحقيقة. نظرت نعمة بطرف عينيها وابتسمت بخبث حين رأت سمر تقترب منهم بفضول حتى تسمع.
قالت نعمه : "هقولك بس دا سر يا عفاف."
ردت عفاف بلهفة شديدة: وقالت
"قولي يا أم طلعت، متخفيشي "
تحدثت نعمة بصوت منخفض بعض الشيء حتى يصل لسمر، واقتربت من عفاف وقالت: "
من فترة كده سمعت المنشاوي وهو بيقول لعاصم إنه شاف يحيى وهو وأخد علي ماهر في البيت اللي في الأرض الزراعية وضربه لغاية ما مات."
ارتجعت عفاف للخلف وهي تقول لنعمة: "طيب لو المنشاوي شاف يحيى زي ما بتقولي، ليه ما راحش المركز وبلغ عنه بدل ما هو طلع منها براءة؟"
ردت نعمة بصوت مرتفع بعض الشيء حين وجدت علامات عدم التصديق على وجه سمر: "فقالت
ما أنتي عارفة بيت العامري ما يقدر عليهم غير ربنا، هو خايف منهم، دا راجل غريب في البلد وهم أكبر عائلة في البلد، دا غير رجالتهم."
تأكدت عفاف من كلام نعمة، فقالت: "
أيوة معاكي حق، دا الود طه ماشي في كل حتة في البلد، يقولو على العلقة اللي خداها من نوار العامري، دول عالم مفترية "
نظرت نعمة اتجاه سمر وهي جالسة، وجدتها تخرج من المنزل وشياطين الجن والإنس تركبها، وجهها مليئًا بالغضب. علمت نعمة أنها استطاعت أن تصل لما تريد، وهكذا سوف تحقق انتقامها من ابن شقيقتها.
تحدثت نعمة مرة أخرى وهي تسأل عفاف بأهتمام: "صح يا عفاف، هو بنتك مش ممرضة؟"
ردت عفاف بفخر: "أيوة، زينب بنتي أحسن ممرضة في مستشفى الحياة في سوهاج."
ردت نعمة بلهفة شديدة: وقالت
طيب "بقولك إيه يا عفاف، أنا عاوزة زينب تيجي تأخذ بالها من طلعت، وأنا هديلها مرتب أكبر من مرتب المستشفى."
ردت عفاف بجشع وقالت
: "بس أنا بنتي بتاخد 10 آلاف في الشهر."
صمتت نعمة وهي تفكر، ثم تنهدت وقالت: "
وأنا هزودها ألفين كمان."
تحدثت عفاف بلؤم وكذب: "ومن غير فلوس يا أم طلعت، دا أنتي حبيبتي."
***********************:
في المشفى دخلت مديحة الغرفة التي يجلس فيها
أحمد، وكانت تحمل بعض الأغراض المليئة بالطعام. نظر لها أحمد بابتسامة وقال: "
مكنش له داعي كل ده يا مديحة". نظرت له مديحة بندهاش ممزوج بالخجل،
وابتسم أحمد ثم تنحنح وقال:
"أقصد يا أم عامر، مع أنك شكلك صغير على أن يكون عندك ولد زي عامر".
شعرت مديحة بسخونة تسير في جسدها، وارتبكت بشدة ولم تستطع الجلوس بعد الغزل الصريح من أحمد لها، فوقفت
حتى تذهب. أمسك أحمد بيدها بجرأة وقال:
"أنا آسف يا أم عامر لو كلامي زعلك، مع أن دي الحقيقة". نظرت له مديحة ودقات قلبها تتسارع، ووجها يحمر بالخجل والتوتر الشديد.
فتح الباب فجأة، فسحبت مديحة يدها من أحمد بسرعة. وشعر الاثنان بالتوتر. نظرت لهم مريم التي دخلت من الباب ثم قالت: "
ديحي يا قلبي، إنتِ جيتي إمتى؟" ردت بصوت منخفض من الخجل وهي تنظر إلى الأرض، فقالت:
"من شوية".
قالت مريم: "
بتقولي إيه يا ديحي، مش سامعة ليه موطية صوتك كده؟ وبعدين وشك احمر ليه؟"
وضعت مديحة يدها فوق وجهها الساخن من شدة الخجل.
تحدث أحمد ووجهه يبتسم بسعادة فقال: "
أم عامر عملت أكل مخصوص
عشاني؟" نظرت له مديحة بدهشة، فهذا الرجل يصر على إحراجها ويضعها في مواقف تشعرها بالخجل. لم تفهم مريم شيء من تلميحات والدها، وابتسمت وهي تحتضن مديحة وتقبلها من وجنتيها، وقالت لها بحبك
"شكرا يا ديحي، أنا كنت بموت من الجوع هنا، دا غير إني تهت وما عرفتش أجيب أكل".
ضمتها مديحة في حضنها بحنان،
وقالت: "يا قلبي مديحة، أنا عملت ليك أكل مخصوص".
-نظر لهما أحمد بسعاده وأصر علي تنفيذ ما يريد
***********************
ا
أصر عامر على استقبال عائلة العامري في أحد الشقق السكنية التي كانت مفترضًا أن تكون مسكنًا للزوجية بعد زواجه من نور، ولكن القدر كان له رأي آخر.
دق هاتف يحيى في هذا الوقت، فاستأذن من الجميع حتى يجيب. جلس يحيى في تلك الحديقة الصغيرة الخاصة بالعمارة السكنية. أجاب يحيى على الهاتف بصوت منخفض، حزين، مبحوح، مع نبرة ندم وأسى. قال يحيى: "
الو، أخبارك يا ست الكل".
على الجانب الآخر، ردت أمينة بلهفة شديدة وقالت:
"ايوا يا حبيب، طمني، مرات عمك وبنت عمك بخير؟ أوع تخلي عمك وجدك يعملوا فيهم حاجة؟".
تنهد يحيى بثقل وهو يشعر بالذنب، وقال:
"أنا السبب في كل ده".
ارتعبت أمينة وشعرت بالخوف الشديد، فصوت ابنها وحديثه غير مطمئن. تحدثت أمينة و القلق كاد أن يقتلها، فقالت:
"قول يا يحيى، حصل إيه يا ولدي؟ قلبي هيوقف"
. رد يحيى بحزن وأسف وقال: "
عمي طلق مرته". ضربت أمينة فوق صدرها بكفها وهي على وجهها علامات الذهول والصدمة. تحدثت أمينة وهي تبكي وتقول:
"يا مرك يا فاطمة يا مرك، منك لله يا جابر، هانت عليك العشرة، هانت عليك مراتك المتحملاك ومستحملة قسوة قلبك، أخص عليك، ازاي جدك يخلي عمك يعمل كده؟ ما هو طول عمره هيسمع له". والله تلاقي جدك هو اللي عايز كده.
الو يا يحيى، قفل الهاتف فجأة.
أتت نسمه وهي تسأل أمها فقالت: "في إيه؟" ردت أمينة وهي تبكي بصدق على ما حدث لفاطمة، فقالت
لابنتها: "عمك طلق مرته"
. اقتربت نسمه من أمها وعلى وجهها ابتسامة لم تستطع إخفاءها، وتحدثت بالصوت المليء بالشماتة والحقد فقالت: أحلفي
. لم تنظر أمينة لابنتها ولم ترى ذلك الكره في عينيها، فقالت لها بصوت حزين:
"ايه، المرة بعد العمر ده كله عمك طلقها".
ارتفعت صوت نسمه
بزغروطة من كثرة السعادة والفرح.
وقفت أمها وهي تنظر لها بغضب شديد، ثم رفعت يدها وضربتها ضربة قوية فوق وجهها، ثم نزعت حذائها من قدميها وقامت بضربها وهي تقول لها:
"يا قليلة الرباية، فرحانة في خراب البيت".
استطاعت نسمه أن تخلص نفسها من بين أيدي أمها، ولأول مرة تكشف نسمه عن وجهها الحقيقي الذي مليء بالكراهية والحقد، وتحدثت بصوت ينبع منه الغل وقالت:
"ايوا فرحانة دا أنا هرقص وأعمل فرح، أني خلصت منها، طول عمرها كاتمة على نفسي ده، أنا عمري ما حسيت إني مجوزة بسببها، كل حاجة لازم أشاور عليها، كلمتها هي بس اللي تمشي، حتى قلب جوزي قاعدة فيه ومربعة، ما عيحبش حد غيرها، ما عيفكرش في حد غيرها، عمره ما حبني ربع الحب اللي هي حبه ليها، كل حاجة أمي أمي أمي، كأني في الدنيا دي كلها ما فيش غيرها.
نظرت لها أمها بصدمة غير مصدقة إن ابنتها تحمل كل هذا الكره في قلبها. تحدثت أمينة وقالت:
"عتغيري من حب نوار لأمه، دي أمه".
صرخت نسمه في وجه أمها بجنون الغيرة وقالت:
"ايوا عغير منها، من أي حد، نوار دا ليا أنا بس، وبعدين يحبها أكتر مني ليه؟
". ابتسمت أمينة بسخرية وقالت:
"يمكن علشان هي أمه، هي اللي حملته في بطنها تسعة شهور، هي اللي كبرت وربت وسهرت الليالي، هي اللي كانت لما يمرض، تمرض قصاده هي اللي كان قلبها يتوجع لو شكته شوكة، دي أمه وهو حتة منها". يا أم عقل ناقص، ربنا يهديك يا بنت ثم تركتها وخرجت
وهي تشعر بالحزن علي ابنتها التي تحمل كل هذا الكره داخل قلبها.
فور خروج أمينة
، أمسكت نسمه الهاتف وهي تبحث، وأخيراً وجدت ما تبحث عنه. قامت نسمه بتشغيل تلك الموسيقى، ثم ظلت ترقص بسعادة وكأنها أحد الشياطين يرقص حين يستطيع أن يفرق بين المرأة وزوجها.
*************************
أثناء المحادثة الهاتفية بين أمينة ويحيى، دخل عمر العمارة السكنية، فلم يكن في المنزل طوال اليوم ولم يرَ أو يعرف شيئًا.
وقف عمر حين استمع لحديث يحيى مع أمه، وهو يشعر بالشلل التام في جميع جسده، غير مصدق أن يحيى قد أفشى سره وقد أخبر العائلة عن مكان شقيقته وأمه. أغلق يحيى الهاتف حين رأى عمر، ضغط يحيى على شفتاه بغضب، فلم يكن يريد أن يعرف عمر بتلك الطريقة. قام يحيى بمسح وجهه بقوة بكفيه، وهو يحاول جمع شجاعته حتى يواجه عمر، ولكن الشعور بالندم والخجل يجعله غير قادر على المواجهة.
نظر عمر إلى يحيى وهو في حالة من الذهول والصدمة، وكأنه قد تلقى ضربة قوية لم يتوقعها. خيبة الأمل كانت تملأ قلبه، وشعر بالغضب والاستياء، وكأنه قد تعرض للخيانة من أقرب الناس إليه. كان يحيى على وشك التحدث، ولكن قبل أن يتفوه بكلمة، هاجمه
عمر بشراسة وغضب، وانقض عليه وهو يضربه بالكلمات في وجهه. وقعا الاثنان أرضًا نتيجة الشجار العنيف. استطاع يحيى التغلب على عمر وجلس فوقه، وهو يشل حركته بقوة، ثم تحدث وهو يلهث، فقال
: "اهدأ، والله ما كنتش عارف أن ده كله هيحصل"
. رد عمر بصوت مرتفع وغاضب، وقال:
"أهدي إيه؟ أنت خنتَني يا يحيى
". رد يحيى، وقال:
"أنا ما خنتكش يا غبي، أنا كل اللي عملته إني قلت لهم لأنهم كده كده كانوا هيعرفوا، وبعدين دول أهلنا".
اجتمع الجميع على هذا الشجار العنيف. تحدثت هالة بصوت مرهق، وقالت:
"عمر
، وجه يحيى". نظر لها ، وقلبه محطّم من أجلها
. استغل عمر انشغال يحيى، واستطاع أن يخلص نفسه منه، فقام بضرب يحيى بأحد القواعد التي في الحديقة. انتبه يحيى له وتلقى الضربة على ذراعيه. تألم يحيى، ولكن لم يظهر ذلك.
ركضت هالة على شقيقها وقامت باحتضانه، وابتعاد عن يحيى. تحدث عمر بحدة، وهو يوجّه الحديث ليحيى، وقال: "أنت إنسان خائن
". غضب يحيى من حديث عمر له، ولعنه بالخائن، فتحدث بغضب مكتوم، وقال
: "لو في حد خاين يا عمر، هو أنت، أنت اللي كنت عتكذب علينا وتستغفل الكل، وخليتني اللف حول نفسي، وأنت عارف مكانهم"
. رد عمر بغضب أكبر، وهو يريد ضربه مرة أخرى، فقال
: "يعني أنت عتردها؟" يا يحيى.
ضرب الجد الأرض بعصاه بغضب، مما جعل الجميع يصمتون. تحدث الجد، وهو يوجه حديثه لكل من هالة وعمر ويحيى، وقال لهم :
"قدامي كلكم".
ذهب الجميع خلف الجد في صمت. دخل الجد إحدى الغرف وغلق الباب بعنف. وقف وهو يوزع نظره بين أحفاده الثلاثة، وملامحه يرسم عليها الغضب الشديد، وعيناه تشعل من الغضب. ثم رفع عصاه وضرب بها عمر بقوة وغيظ، وتألم عمر بصوت مرتفع من الضربة.
قامت هالة باحتضان شقيقها وهي تنظر لجده بغيظ.
تحدث الجد، وهو يوجه حديثه لعمر، وقال:
"بقي عملنا طراطير وعتلبسنا العمة".
رفع العصا حتى يضربه بها مرة أخرى، ولكن وقفت هالة فجأة وأخذت الضربة بدلاً عن شقيقها. تألمت هالة
، وتوقف كل من يحيى وعمر بغضب في وجه الجد، وتحدثا بصوت واحد يملأه الغضب والانفعال من أجل من يحبون، فقالا: "
ما تضربهاش يا جدي".
ضرب الجد الاثنين، فقام يحيى وعمر بوضع هالة خلف ظهرهم، كأنهما جبل شامخ يقف في وجه العاصفة بقوة وثبات لا يهتز
. ضرب الجد يحيى ضربة قوية فوق ذراعه المصاب، مما جعله يتألم. خرجت
هالة من خلفه ووقفت في وجه الجد، وتحدثت بحدة وهي تقول له:
"عتضربه ليه، مش شايف أن دراعه واجعه؟"
. رد عمر بغضب، وقال:
"ما يتكسر، أنتي مالك أنتي ".
أما عن الآخر كان يشعر بسعادة من أجل أنها ما زالت تهتم لأمره حتى بعد ما فعل بها. جلس الجد وهو يتنفس بصعوبة من المجهود، وتحدث بصوت مجهد وهو يوجه حديثه لهالة، فقال:
"أنتِي مش عاوزه ترجع الصعيد ولا عاوزه تتجوز حمدان؟
". ردت هالة بقوة وثبات، وقالت: "أيوة".
ثم وجه الجد الحديث لعمر، وقال:
"وأنت ضحكت علينا كلنا وخليتنا نلف حوالين نفسنا واحنا ندور عليها وأنت اللي مخبيه، من بجاحتك، عامل نفسك ما عارفش وعتدور معانا"
. لم يرد عمر بلكمة صمت. صمت الجد بعد الوقت، مما جعل الجميع يشعر بالتوتر ممزوجًا بالخوف، وكأنهم أحد المسجونين ينتظرون حكم الإفراج.
تحدث الجد، وقال:
"هي كلمة واحدة، لو عايزه تقعدي هنا، يحيى هو اللي هيكون مسؤول عنك مسؤولية كاملة"
. رد عمر بالغضب والاستياء، وقال: وا
" يحيى ليه إن شاء الله يكون مسؤول عنها مال ، وأنا رحت فين؟"
. تحدث الجد، وهو يبتسم بسخرية، وقال:
"رحت هربت بيهم من ورانا".
وقفت هالة وقالت: "لا، الكلام ده مش هيحصل، لا هروح الصعيد ولا يحيى هيكون مسؤول عني"
. وقف الجد في وجهها وتحدث بقوة وصلابة، وكأنه أحد الملوك يصدر فرمانًا ملكيًا، دون رجوع وقال
: "هي كلمة واحدة، طول ما أنتي مش على ذمة راجل، هتفضلي تحت حكم بيت العامري، وكلمة مش هتنيها، يا ترجع الصعيد يا ولد عمك هو اللي هيتولى أمرك". ".
وقف يحيى وقال: "خلاص يا جدي، أنا هتولى أمرها". تحدث الجد وهو يوجه الحديث الي يحيى وقال
، كل حاجة تعملها يكون عندي، علم بيها حتي النفس تأخذ إذنك فيه سامع يا يحيى
لم يستطيع يحيى اخفأ تلك الابتسامة التي زينت وجهه
كان يريد الهرب ولكن للقدر كلمه اخرى
ووويتبع