📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم آية احمد عرفة


22 "وَعْدٌ موعودٌ"


أتمدّ يدك لي حين أغرق، أم تتركني فريسةً للخطايا؟
أم تسحبني من هذا القاع قبل أن أهوِي إلى الأسفل... وأنتهي؟

«دعمُكم لي هو حافزٌ للاستمرارِ.»

ظِلُّ البراءِ
ـــــــــــــــــــ

نظرت إلى هذا الشعر، وارتسمت ابتسامة على شفتيها وهي تتأمل الهاتف. قد انعقدت يدها عن الكتابة، كيف لها أن ترد على هذا الكلام المسحور؟ هل من كتب هذا نفسه براء الذي تعرفه؟ كان هذا السؤال الذي يدور في رأسها.
تنهدت وأغلقت الهاتف، قاطع شرودها فتح الغرفة بطريقة مفاجئة. نظرت إليها كانت هند، لتنظر لها بضيق قائلةً:
"في باب... كان من الأفضل تخبطي عليه."

زمت شفتيها وهي تطالعها بعدم اكتراث، ثم قالت:
"ده بيت جوزي... ادخل المكان اللي عاوزاه وفي أي وقت. أنتي اللي غريبة هنا."

ثم أضافت بوعيد:
"وقريب مش هيكون ليكي مكان وسطينا... ده وعد مني ليكي."

ثم أشارت لها:
"واحدة حية خدتي جوزي مني وخلتيه يتجوزك، بس فوقي... لنفسك. براء بس عمل معاكي معروف مش أكتر من كده. هو قرر يضحي ويحسبك جوازه عليه عشان يسترك. أصل مين كان هيبص في وشك بعد الصور اللي نزلت على النت؟ هو عشان جدع بس حماكي من عيون الناس اللي زي السكينة وكلامهم اللي زي السم. لما بيصدقه يلاقوا حاجة ويعملوها تسليتهم... وهو وقف ده كله بجوازه منك."

ثم نظرت لها بتحدٍّ أنثوي:
"مش تحلمي بأكتر من كده. انتي بالنسبة لجوزي مش أكتر من معروف عمله مع أهلك، وعمرك ما هتكوني أكتر من كده يا دكتورة."

قالت آخر كلمة بسخرية لاذعة، ثم غادرت الغرفة بعد أن بخت سمها في أذنها، لتظل سكن على حالها، حديثها قد أفاق قلبها الذي كاد أن يسحب بساطه إلى ثنايا عشقه.
1

ــــــــــــــ

داخل المستشفى، دلف براء إلى الغرفة مرةً أخرى. نعم، كان قد خرج وترك عمران يتحدث مع عمار بأريحية، ويُعلمه أنه شقيقه. فقد افترض أن عمار لا يعرف حتى شكل أخيه، لذلك نظر إليهم باستغراب، لكن عمران أوضح له الصورة كاملة.
نظر براء إليه، بعدما ساعده عمران على الجلوس ليتكئ بظهره إلى الخلف. هتف:
"عامل إيه دلوقتي؟"

قال بوهن:
"الحمد لله."

جلس براء بدوره، ثم نظر إلى عمران، فكان وجهه لا يفسر شيئًا. هتف متسائلًا:
"مالك؟"

أردف عمران بضيق:
"مفيش."

ثم رمق عمار بنظرة جادة، ليتابع حديثه:
"أنا عارف إنك متعرفنيش، وإنك أكيد مش هتتقبل فكرة أخ راجع يتحكم فيك وفي تصرفاتك بعد عشرين سنة."

صاح براء يصحح له:
"اتنين يا عمران."

ثم نظر إلى عمار وقال:
"أخين، مش عايزين غير مصلحتك وبس."
.
تابع عمران مؤكدًا حديث أخيه:
"ده أكيد."

ثم وجّه نظره إلى عمار من جديد:
"أنا عارف إنك مدمن، ولازم تعمل حسابك. هتخرج من هنا معايا، وهخدك على مكان مش هتطلع منه غير لما تتعالج من الزفت ده نهائي."

ثم أضاف بحسم:
"يا أنا، يا إنت يا عمار... فاهم؟ هتبطل بمزاجك أو غصب عنك، لازم تتعالج."

كان عمار ينظر إليه فقط، يرمقه بنظرات غير مفهومة، ملتزمًا الصمت. حيّره كثيرًا؛ هل خلف هذا الصمت رفضٌ لما قيل؟ أم أنه يحاول أن يوصل لهم أنه لا يكترث بشيء؟
أما براء، فقد فهم ما وراء تلك النظرات؛ كان هناك اعتراض، لكنه اتخذ الصمت وسيلةً له.

هتف عمار أخيرًا:
"أنا عاوز موبايلي."

ثم أضاف:
"وعاوز أرتاح... لو بعد إذنكم يعني، لو خلّصتوا محاضراتكم."

نظر إليه عمران بغضب من سخريته، لكنه كتم غيظه. ماذا سيفعل له وهو بهذه الحالة؟ فليتركه يتحسن أولًا، ومن بعدها سيُعيد تربيته وإصلاحه بالطريقة التي يريدها.

قد أفاق أخيرًا ليراعي مَن له،
غير أنّ مَن له لا يُلقي لهذا الحديث بالًا،
وكأنّ الوعي جاء متأخرًا
في قلبٍ لم يَعُد ينتظر.

خرج من الغرفة ليتبعه براء، فنظر إليه قائلًا:
"مش تزعل، هو محتاج وقت... مش هيحبّنا بين يوم وليلة."

أومأ بتفهّم، ثم قال:
"عارف، بس إنت مشوفتش وقاحته وهو بيتكلم."

تنهد الآخر وهو يبرّر له:
"طبيعي، بس كله بالتدريج.
اديه فرصة يستوعب الوضع ده الأول، وبعدين اعمل اللي إنت عاوزه."

نظر إليه بضيق وقال:
"ماما مفكرتش تسأل حتى ليه؟ للدرجة دي مش واخدة بالها إن ابنها مرجعش البيت؟"

هتف الآخر:
"بعد اللي حكيته ليّا، هي حتى مش فاكرة إن عندها ابن أساسًا."

ابتسم بخفوت؛ فقد كان محقًا...
كم بدا هذا الموقف سخيفًا، أهذه هي ما يُسمّونه الكوميديا السوداء؟
3

أمّا عن الآخر، فكان ما يزال على وضعه، شاردًا، تملأ نظراتُ الضياع عينَيْه، ليعود بذاكرته إلى يومٍ كان من أجمل ما مضى عليه؛ حين وقعت نظراته عليها، تلك النجمة الساطعة، كما كان يُلقّبها بلقبها المميّز.

كان نائمًا داخل المحاضرة، وتلك عادته حين لا يحب حضورها ولا الاستماع إلى إلقاء الشرح الممل من وجهة نظره. لم يكن يحضر إلا ليحافظ على درجاته العملية.
وفجأة، وهو غارق في نومه، دوّى صوت الدكتور وهو يهتف باسمه. لكزه صديقه في ذراعه، ففتح عينيه بانزعاج، ثم انتبه للصوت أمامه، ليهتف وهو ينهض متثاقلًا:
"نعم؟"

نظر إليه الدكتور بحدة وقال:
"إنت نايم يا عمّار؟ كالعادة برضه؟ مفيش فايدة! اتفضل، قول كنت بقول إيه دلوقتي."


حكّ عمّار رأسه، ثم قال ببرود:
"حضرتك قلت حاجتين في جملة مفيدة. أنا كنت نايم، أنا مش مخاوي... هعرف منين كنت بتقول إيه؟"

ضحك بعض الطلاب عقب حديثه، ليهتف الدكتور بنفاد صبر:
"طيب، اتفضل برّه محاضرتي... يلا!"

تحرّك عمّار وكأنما مُنح الإفراج الذي كان ينتظره من الأساس. لطالما فضّل الطرد على الاستماع إلى هذه الثرثرة الفارغة، كما كان يراها.
توقّف عند الباب، وألقى نظرة أخيرة على الدكتور، ثم قال بخفة:
"كان من الأول يا دكتور والله... يلا، بالتوفيق يا شباب."
1

قال جملته الأخيرة وهو يوجّه نظره إلى الطلاب، ثم غادر المدرج. كان معروفًا بحسّه الفكاهي مع الجميع، وبجانب أن سمعته لم تكن ألطف شيء، إلا أنه في تلك اللحظة كان لا يزال على أول درجات الهاوية.

خرج ليجلس بضيق، فانتبه إلى شجارٍ قائمٍ بين فتاةٍ وشاب. نهض واقترب ليتابع المشهد كالبقية، ليتوقف نظره عند تلك الفتاة الغريبة عليه؛ فهو يدرس في هذه الجامعة منذ خمس سنوات، ومع ذلك بدت ملامحها غير مألوفة لديه.
كانت تلقّن ذلك الشاب كلماتٍ حادّة لأنه قام بمعاكستها، ثم تركته وغادرت لتجلس بصحبة أصدقائها.
عاد هو الآخر إلى مكانه، ثم نادى الشاب الذي تلقّى محاضرة كاملة في الأخلاق والآداب. اقترب الأخير وجلس قائلًا بضيق:
"شوفت عملت إيه؟"
أخرج عمار بعض حبات اللب من جيبه، ثم هتف:
"مين دي؟"
أجابه بحنق:
"طالبة في سنة أولى، وأنا عشان بس قلت كلمتين، خدتني غسيل ومكوة يا صاحبي! عجبك كده؟"
هزّ رأسه، وما زالت عيناه تراقبان تلك الفتاة، ثم قال:
"لا... مش ينفع. الواجب تاخد حقك."
ثم وجّه نظره إليه وأضاف:
"العبد لله هو اللي هيجيبلك حقك يا لؤي... إيه رأيك؟"
رمقه بعدم تصديق قائلًا:
"بجد يا عمار؟ هتعمل كده؟"
أومأ له وقال بثقة:
"وليه لا؟ ده أنا عمار الزيني يا عم. هي ادّتك محاضرة عن الأدب والأخلاق، بس بوعدك قريب الجامعة كلها هي اللي هتديها المحاضرة دي."
ابتسم لؤي بإعجاب وهو يهتف:
"تعجبني... بس إزاي؟"
ردّ عمار بلا مبالاة:
"ملكش دعوة إزاي، بس خد وضع المشاهد واتفرج."
ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة:
"في صمت، عشان قدّام الجامعة كلها هتتفرج في العلن."
وتابع فجأة:
"قُلتلي اسمها إيه؟"
"وعد."
قالها باقتضاب، ثم تابع:
"بس سمعت صحابها بينادوها: أهلة... مش عارف ليه."
نظر إليه عمار باستغراب، وهو يردد الاسم بين شفتيه:
"أهلة... يعني النجمة الساطعة. هي مميّزة بالاسم ده."
عاد من شروده، لتنهمر دمعة على وجنته. لا يعلم ماذا فعل، لكنه يثق أنه أخطأ في حقها كثيرًا. بحث عنها ليعرف أين هي، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل.

"وحين كان قد وطِئ أولى درجات الهاوية، الآن قد عبرها جميعًا، ليجد نفسه واقفًا على حافتها."

«قُل لي: أيُّ ملاذٍ قد ينتشلني، وأنا في القاع؟»

ــــــــــــــــــ

في السيدة، وداخل محل العطارة، كان يقف مهاب يراقب الزبائن، بينما جلس حمزة يُجري جرد الحسابات، تلك التي كانت بالنسبة له أسهل حلًّا من فهم نوايا البشر.
جلس مهاب وهو يقول بضيق:
"براء مش بيرد عليّا، مش عارف في إيه، كل ما أتصل يقفل."

هتف الآخر دون أن يزحزح نظره عن الدفتر، مواصلًا التدوين بداخله:
"ما دام بيقفل يبقى اطمن، بخير، بس مش عاوز يرد. إنت غِتِّت وهتفضل تعيد الاتصال، وهو هيفضل يفصل المكالمة برضه، مستني منك تفهم إنه بخير وتبطل ترن... بس مش عارف إن مخك سميك."

صاح مهاب بضيق:
"أنا مخي سميك يا حمزة؟ ماشي، هقول إيه، ما إنت عقلك أسرع من الفولت ذاته."

وضع القلم وهو يجيبه:
"أنا خلصت خلاص."

ثم تابع بنبرة أهدأ:
"هو أنا كمان قلقان، بس براء ما يتخافش عليه، لما ييجي هتعرف منه."

تنهد الآخر وهو يطالعه، ثم قال:
"عندك حق."

ـــــــــــــــ

داخل المستشفى، دلف براء وجلس على الكرسي. نظر إليه قائلًا:
"الدكتور طمّني عليك، قال إنك خلاص عديت مرحلة الخطر، يومين كده وهتخرج بالسلامة."

أومأ الآخر على مضض، دون أن يكلّف نفسه حتى النظر إليه.
هتف براء بنبرة، على قدر ما تحمل الرفق، كان بها بعض الحدة:
"شوف، تصرفاتك دي مش كويسة. أقلها ترد عليّا، أنا مش بكلم نفسي. ولو كنت بهدي عمران عشان حالتك ما تسمحش بأي فعل أساسًا، فاحترم إن إحنا إخواتك الكبار. أحسنلك... أنا عمري ما كلمت إخواتي باللهجة دي، بس مستعد أعملها معاك، معنديش مانع."

كان الآخر يرمقه بصمت، ليهتف أخيرًا:
"جيتوا تقولوا إنكم إخواتي؟ تمام، عرفت، شكرًا ليكم. تقدروا تتفضلوا، كل واحد يرجع لحياته زي ما كانت، وسيبوني في حالي. ولو على إنقاذي، أنا هشكره... لو الموضوع كله واقف على شكر."

كم كان يريد تحطيم رأسه اليابس... ماذا يقول له؟ وماذا يجيب؟ كأنه يتعمّد استفزازه. كاد أن يرد، لكن من سبق كان عمران، الذي دلف وقد استمع إلى حديثه، ليصيح بغضب:
"شكر إيه يا واد؟ فوق لنفسك! تكون فاكر هسيبك كده؟ تبقى بتحلم. اعدل، بدل ما أمد إيدي عليك، وإنت مش فيك حيل أساسًا."

تقدّم، لكن براء أوقفه، مانعًا إياه من الاقتراب أكثر، قائلًا:
"خلاص يا عمران، اقعد... هو مش يقصد."

جلس عمران بنفاد صبر، بينما جلس الآخر. أمّا عمّار، فكان يطالعهم بضيق، ينتظر أن يذهبوا. فراسه بدأت تؤلمه، يريد هاتفه ليتصل بأحد أصدقائه ويأتي له بهذا السم الذي يستنشقه ويعتبره ملاذه من الألم الذي، بعد بضع ساعات، سيتأكّل جسده.

ـــــــــــــ

داخل الفيلا في الشيخ زايد، جلست روما في غرفتها تتحدث مع باسل عبر الهاتف، وابتسامة عريضة ترتسم على وجهها:
"بجد يا باسل، انبسطت أووي امبارح... بقالي كتير ما خرجتش، والخروجة كانت حلوة أوي!"
فأجابها باسل:
"خلاص، نخرج النهارده كمان... إيه رأيك؟"
هتفت بحماس:
"بتسأل؟ أكيد، مش عندي مانع طبعا!"
أردف هو مبتسمًا:
"خلاص، الساعة أربعة هعدّي عليكي..."
ثم أضاف بصوت جاد قليلًا:
"روما، لو بتحبيني، بلاش فيديوهات التيك توك اللي بتعمليها... أنا مش حابب حد يتغزل فيكي غيري... أنا وبس."
راق لها حديثه كثيرًا، وشعرت بفرحة غامرة. ماذا تريد أكثر من هذا؟ لقد فهم نقاط ضعفها جيدًا، ودخل حياتها من باب الاهتمام، ليزيد انجذابها نحوه ويحقق مراده.

ـــــــــــــــــ

داخل أحد المقاهي في الزمالك، كان أيوب يجلس برفقة أخته، نظر إليها قائلاً:
"قوليلي بقى، عاملة إيه في الدراسة؟"
نظرت له بابتسامةوأجابت:
"كويسة."
هتفت بهدوء:
"بقالنا كتير ما خرجناش مع بعض، بس مش عارف حاسس إنك كبرتِ، مبقيتش العيلة الصغيرة اللي بتمشي تمسك في إيد أخوها."
ابتسمت له مؤكدة كلامه:
"طبيعي أكون كبرت... كلها كام شهر وهكون طالبة جامعة."
أومأ بتأكيد قائلاً:
"على خير يا رب يا حبيبتي"
ثم أضاف:
"قوليلي بقي، مفيش حاجة عايزة تتكلمي معايا فيها؟"
تفهمت هذا الاستدراج، هتفت بثبات:
"لا، مفيش"
"متأكدة."
هكذا هتف، نظرت إليها، ثم قالت:
"أكيد، لو في حاجة هقولها ليك عالطول."
ابتسم لها وهو يراقبها:
"هي دي أختي اللي أعرفها."
أما هي، فقد بادلته الابتسامة، ثم أمسكت بكوب السحلب الدافئ الذي طلبه لها، لتأخذ بعض الرشفات منه. ونظرت إلى أيوب بنظرات غامضة، كانت تعلم أنه قد أخرجها فقط ليستدرج حديثها فقط.

ــــــــــــــــــــ

داخل المستشفى، قد ذهب براء إلى البيت، وقد قال إنه سيعود مرة أخرى، بينما ظل عمران مع أخيه الذي كان غارقًا في شروده. لم يكن يعرف من أين ظهر له هذا الأخ فجأة، فكل ما يكتنفه يكفيه ويثقل قلبه.
عاد به الماضي ليصدفه مرة أخرى: قبل عام، كان جالسًا على الطاولة، أمامه اسكتش أبيض، ويد تمسك قلم رصاص بعين مركزة، تتحرك بخبرة على الورق.
أما هي، فكانت تجلس مع صديقاتها، تصيح إحدىهن:
"شوفوا اللي هناك ده، مش شايل عنيه من عليكي!"
التفتت إلى المكان الذي أشارت إليه، لتدرك صحة كلام صديقتها، ثم نهضت واقتربت منه. توقفت أمامه، وضيق يملأ صوتها:
"في حاجة؟"
توقف عن الرسم، ونظر إليها:
"أيوه... أنا عملت حاجة."
أومأت بتأكيد، ثم هتفت بحدة:
"عمال تبص ليا ولا مش واخد بالك؟ ولا مش سمعت عن حاجة اسمها غض البصر؟"
لتأخذ بالها من الذي يفعله سحبت الورقة من على الطاولة، كان يرسمها، رفع عينيه نحوها ليعاود النظر إلى ملامحها التي رسمها مسبقًا بالرصاص:
"بحب أرسم الحاجات المميزة، ومفيش حاجة مميزة أكتر منك بصراحة."
نظرت له بغضب، ثم شقت الصورة إلى نصفين وألقتها في وجهه:
"اوعّاك تعمل كده تاني! مش من حقك ترسمني... فاهم؟"
تركت المكان وهي تتمتم بحنق، أما هو، فنظر إلى الورقة المشقوقة، وابتسم ببلاهة قبل أن يأخذ ورقة أخرى ليعيد رسم ملامحها بلا كلل ولا ملل.
ظل يفعل هذا عدة أيام؛ مرة تُوبخه، ومرة تشكو منه، لكنه لم ييأس. ومع مرور الوقت، بدأت مشاعر أخرى تضرب عقله؛ ليعلم أن السحر قد انقلب على الساحر، وأن قلبه قد وقع مسحورًا بعشق هذه النجمة، التي كانت ترفض أن تضيء قلبها له.
وفي أحد الأيام، كانت تسير في الطريق، ليسير هو أيضًا على مسافة منها، قائلًا:

"أنا على الوعدِ يا وعدُ انتظاري،
بوعدِك ألفُ عهدٍ في قراري.
إن أخلفَ الكونُ كلَّ الوعودِ،
أبقى على عهدي... دونَ اعتذاري."

عاد من شروده متنهدًا بضيق؛
فقد هدم حبه بيديه،
وتركها تنفلت من بين أصابعه.

ـــــــــــــــــــــــ

في السيدة زينب، دلف إلى المحل وألقى السلام، ثم نظر إلى إخوته قائلًا بابتسامة خفيفة:
"منوّرين المحل."
هتف مهاب باستفهام:
"كنت فين؟"
نظر إليه، وقد أدرك فضوله:
"عارف... فضولك مش سايبك."
ثم استدرك وهو يتحاشى المواجهة:
"بس مش قادر أتكلم دلوقتي، هطلع أشوف الجماعة."
غادر مسرعًا قبل أن ينهال عليه مهاب بسيلٍ من الأسئلة. صعد إلى الأعلى، أخرج المفتاح ووضعه في القفل، ثم فتح الباب ودلف، ليغلقه خلفه بإحكام. اتجه إلى الغرفة الخاصة بسكن، وقد كان متشوقًا للقائها بعد أن اعترف لها بحبه.
كانت تؤدي صلاة العصر، وما إن سلّمت حتى نهضت. نظرت إليه قائلة:
"حمدالله على السلامة."
أومأ بهدوء:
"الله يسلمك."
كادت أن تذهب، لكنه أمسك معصمها ليوقفها:
"عاوز أتكلم معاكي."
تفهمت ما يريد قوله، فحاولت التملص:
"بس أنا هروح المطبخ عشان-"
قاطعها قبل أن تُكمل:
"أميرة برا... وماما كمان."
ثم سألها بقلقٍ صريح:
"إنتِ كويسة؟"
تذكرت حديث هند، لكنها حاولت ألّا تُظهر شيئًا:
"أه، كويسة."
ثم أضافت بعد تردد:
"بالنسبة للكلام اللي بعته"
أخذت نفسًا هادئًا، وأكملت بصوتٍ خافت:
"مراتك أولى بيه مني...
أنا وإنت عارفين كويس إنت اتجوزتني ليه."
1

ــــــــــــــــــــ

صدح صوت الجرس، ففتح الباب ليهتف مبتسمًا:
"رقية... تعالي ادخلي."
دلفت، ليغلق الباب قائلًا:
"إيه المفاجأة دي؟"
نظرت له بإحراج:
"سوري... مش اتصلت، جيت فجأة كده. بس بصراحة محتاجة منك خدمة... كل الصور اللي على موبايلي اتمسحت، محتاجة أسترجعها."
هتف مسرعًا:
"اتفضلي... اقعدي وهشوف الموضوع ده."
جلست، فهتف لها:
"تشربي إيه؟"
نظرت إليه:
"قهوة لو ممكن."
أومأ، وذهب إلى المطبخ ليعد القهوة. أما هي، فقد أتت هذه المرة في مهمة حتمًا ستنفذها، ها هي على وشك الانتقال إلى خطوة مهمة في خطتها.
عاد بعد قليل، ووضع الصينية أمامها، لتقول:
"الجو سقعة... فاتح الشبابيك ليه؟"
أردف مبتسمًا:
"هقفلهم."
ذهب ليغلق الشرفة، لتخرج زجاجة وتقطر بعض النقاط منها في الكوب الخاص به، ثم تبتعد مسرعة. أتى وجلس لتعطيه الهاتف، قائلة:
"حاول بليز ترجع الصور."
أومأ لها وهو يتفحص الهاتف، ثم أخذت الكوب الخاص بها، ارتشفت قليلاً، ثم ناولته الكوب الخاص به قائلة:
"اشرب القهوة قبل ما تبرد."
أخذ الكوب من يدها ليأخذ رشفة في أخرى، وباليد الأخرى يتفحص الهاتف. بعد الانتهاء، وضع الكوب على الصينية. أما هي، فنظرت إلى ساعة يدها، تنتظر معاد فقدانه للوعي.
وبالفعل، لم تمضِ دقائق حتى بدأ رأسه يثقل بطريقة غير طبيعية. حاول الصمود، لكن جميع محاولاته باءت بالفشل، ليستسلم لمصير لا مفر منه، داخل غمامة سوداء أحيطت به بالكامل.
أما هي، فتأكدت أنه فقد وعيه تمامًا، فأخرجت الهاتف الآخر من جيبها، واتصلت، ووضعته على أذنها تنتظر الرد قائلة:
"لقد فقد وعيه اصعدوا الآن."
2

ـــــــــــــــــــــــــ

أوصل أخته، ثم توجه إلى جهاز أمن الدولة بعد أن حدثه علي وقال له إن اللواء يريده لأمر ضروري.
صف سيارته، وخرج منها، ودلف إلى الجهاز، ومنه إلى مكتب اللواء. طرق الباب، ثم دخل لينظر إليه اللواء قائلاً:
"اقعد يا أيوب."
جلس أيوب، مترددًا:
"في حاجة... مش أنا موقوف عن العمل؟"
أومأ اللواء، ثم هتف بحزم:
"جالي قرار تنفيذ النهارده الصبح... في شخص معاه أوراق تخص ناس كبار بره البلد. لو الورق وصل، هيتجردوا المسؤولين من مناصبهم، والشخص كده هيكون عليه خطر عشان هما عارفين أن الورق ده معاه."
أومأ أيوب، ثم سأل:
"وبعدين؟"
تابع اللواء حديثه:
"الإقرار جاي إننا نأمن على حمايته... لغاية ما يسلم الورق، واللي برا يفقدوا سلطتهم ويتم القبض عليهم. الجهات اخترتك أنت تكون المسؤول عن حمايته... وهيلغوا قرار وقفك."
أومأ أيوب قائلا:
"تمام... مين الشخص ده؟"
هتف اللواء بحزم:
"عمران الزيني."



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات