رواية لست هوارية الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم اية عبده النجار
لست هوارية
للكاتبة آيه عبده النجار
******************
كان يقف يتطلع إليها بشرود بعدما وضعها برفق فوق فراشها، كان وجهها شاحبًا للغاية، وجفناها يتسارع بالانغلاق، وكأنها تحارب كابوسًا مزعجا، وشفتاها تتخبط ببعضهما، تحسس جبينها الساخن، لتتسع زيتونته رعبًا على حالتها، استقام يحضر أحد الأقمشة ليبدأ في عمل كمادات في محاولة لخفض حرارتها قليلًا، وقبل ان يعمل على تنفيذ ما فكر فيه، طرق الباب بعنف مما جعل جسد جملا يرتعب لتفتح جفنيها بأرهاق سرعان ما انغلقو بسرعة أثراصابتها بحمة شديدة، اقترب مدثر مدعي الهدوء ليردف بابتسامة وهو يفتح الباب:
-خير يا جماعة في حاجة.
رمقه قاسم بغضب وهو يحاول توزيع انظاره الي انحاء الغرفة والذي كان يقف مدثر عائقزا لهم عن الرؤية ليهتف قاسم بجمود:
-اين هي.
رمقه بهدوء ليقول:
-هي نايمة في حاجة.
رفع رقبته يحاول النظر الى الداخل، كان يقف بجسده عقب الباب يمنع عنه الرؤية، رفع قبضته الي صدر مدثر ليزيحه عن اطريق، ثم دخل بدون أستأذان لتقع عينيه عليها وهي ترقد اعلي الفراش، اقترب منه مدثر ليقول:
-هي تعبانة من الصبح عندها حما
رمقه قليلًا ثم انصرف خارج الغرفة...
***********************
وصل سويًا الى الاسكندرية، كانت تجوب الطريق بناظريها، تحتضن نافذة السيارة بحب وهي تطالع شط الاسكندرية، مروروًا الى شوارعها الواسعة الي مبانيها العالية، كان يتابعها بصمت يبتسم تارة عليها ويشرد تارة أخري بها، أنها تشبه طفل صغير جلبه والده إلى هذه البلدة للنزهة، انتفض جسدها، عندما وصلها صوته مما جعلها تنفصل عن تلك المناظر، طالعته بخجل ليردف هو بهدوء:
-معلش خضيتك.
هزت رأسها بالنفي، ليبتسم هو ليقول:
-اول مرة تيجى اسكندرية.
هزت رأسها بأسف، حاول هو مداعبتها ليقول:
-هنقضيها إشارات كده.
نظرت الى ارضية سيارة الاجرة لتهتف بهدوء:
-حقول ايه عاد.
رمقها بابتسامة، بينما اوقف السائق السيارة ليقول:
-وصلنا يااخينا، الأجرة.
اخرج من جيب بنطاله نقود، ثم أشار له بها، هبط من السيارة حامل حقائبهم يفتح لورد بابها، اتجهوا سويا يقفون امام باب منزل خليل، أخرج مفتاح منزله من حقيبته، دلف خليل يفتح إنارة الغرفة، بينما وقفت ورد بالخارج تشعر بالخوف، رمقها برفق ليقول:
-ادخلي ياورد.
بلعت ريقها لتتقدم بخطوات مترنحة، طالعت أنحاء الغرفة وهي تتمعن بها، انها غرفة صغيرة، تحتوي على سرير واحد فقط وخزانة صغيرة للغاية، وموقدًا للنار بشعلة واحدة، تحتوي على مقعد متهالك بجوار النافذة، واخيرًا مروحة سقف، لاحظ شرودها وهي تتطلع الى الغرفة واثاثها الرث، اقترب منها يجذب المقعد بعدما نفض من أعلاه الاتربة ليردف بهدوء:
-اتفضلي.
بادلته النظرات، لتجلس برفق أعلاه، وضع حقيبة ملابسه ارضًا بالقرب من مقعدها ليجلس عليه وهو يرمقها بابتسامة، ارتجفت ورد خجلًا لتردف بصوت متهدج:
-انت قاعد اكده ليه.
طالعها بزرقته ليهتف بسعادة:
-مبسوط قوي يا ورد، مش مصدق نفسي، بصي احنا نسيب حاجاتنا هنا ونطلع نكتب على طول.
طالعته بتوتر وهي تفرك قبضتها، لاحظهما هو ليقول:
-ايه مالك، اوعي تكوني نسيتي بطاقتك واوراقك الشخصية.
فأجابته على الفور:
-لا جبتهم، بس انا خايفة من اللي عملناه لما ابوي واخوي يكتشفوا هروبي ممكن..
قاطعها علي الفور ليقول:
-متخافيش، هتكوني ساعتها مراتي ومحدش يقدر ياخدك مني، انتي مش قاصر ياورد، انتي كبيرة..
طالعته بخوف، ودموع لتقول:
-بس…..
خليل بحزم:
-مبسش، يلا بينا نكتب دلوقتي، لان زي منتي شايفة الاوضة متساعيش غير نفر واحد، اكيد مش هنبات مع بعض..
هزت رأسها بالموافقة، ليستقيم خليل بهدوء، متجهة إلى خارج الغرفة، تتبعه ورد في تخبط…..
***************************
كانت تقف في شرفتها تنتظر عودته، لقد دقت التاسعة مساءً ليس بعادته التأخير بعودته بعد أدائه لصلاة العشاء، لا تعلم لما تخشي عليه، بعدما أصبح في بداية عقده الرابع انه اصبح رجلا بكل ما تعنيه الكلمة، لما لاتزال تخاف عليه كانه طفلًا صغيرًا، لما دائما تسهر تنتظر عودته، لما لم تسمح له بالمبيت ليلة بالإسكندرية بجانب عمله كدكتور بالهندسة النووية، انها تخشى عليه من الهواء اذا لامس جسده، محقة فهو وحيدها، لم تنجب سواه بعد انفصالها عن والده في ريعان شبابها، ولم تقبل على الزواج بعده، فلقد عشقت ذلك الرجل الصعيدي الذي خذلها، وتركها وحيدة بمفردها بعدما شرح لها خوفه من علم زوجته الأولى وخسرانها انه يعشقها ولا يطيق خصامها ليلة، يحاول جاهدًا عدم مضايقتها فلقد أصبحت في الأيام الأخيرة تتحسس من ابسط الأمور بسبب تأخر إنجابها، فاقت تلك الشيبة من ماضيها عندما سمعت صوته اسفل مبنيها وهو يودع أحدهم، يبدو من مظهره انه في اوائل العقد الخامس من عمره، ابيض الوجه، يملك لحية توازي كف اليد، يرتدي جلباب بني يصل إلى ركبته وأسفله بنطال ابيض، طالعته برفق الي ان اختفي في أحد الشوارع الجانبية، انتبهت الي فتح الباب وغلقه، خرجت من الشرفة متجهه إليه لتردف بأبتسامة:
-أتأخرت ليه يا مدثر..
طالعها بأبتسامة ليقول:
-ابدًا يا أمي كنت بصلي.
هتفت بضيق:
-الصلاة انتهت من ساعة.
عقد حاجبيه وهو يلوح بإبتسامة عزبة من بين شفتيه هاتفًا:
-ايه ياست الكل انا طفل..
طالعته برفق متجاهله مداعبته لها لتقول متسألة:
-مين اللي كان واقف معاك تحت.
ضيق جبينه ليقول:
-هو في ايه النهاردة يا امي، ايه التحقيق ده.
جلست على أريكة لتردف بثقة:
-انت من الصبح بتتهرب من الاجابة مين ده يا مدثر ايه كبرت ومش من حقي اسأل.
جلس بجوارها ليقول:
-ده واحد اتعرفت عليه بالجامع..
قالت بسرعة:
-صاحبك يعني.
مدثر بهدوء:
-ومالك بتقوليها كده يا امي فيها ايه.
لا طبعا فيها هو مش شبهك، انت مش شايف هو لابس ازاي.
أردف بجدية:
-ياامي عمر اللبس عمره ما كان دليل لشخصية حد، بالعكس ده شكله شاب محترم، بس هي الحياه ملطشة معاه وانا عرضت عليه المساعدة
-بشري…..اسمهان
كانت تخرف بتلك الكلمات، بينما كان هوهائمًا على أريكته يستجمع الماضي بحذفيره، استقام من مجلسه، اقترب منها، ثم رفع يديه ببطء اعلي جبهتها فعلم انها محمومة منذ امس وحرارتها في تصاعد لا يملك ترمومتر لقياستها ولكن يستشعرها براحة قبضته، ظل ساهرا طوال الليل يضع لها الكمادات، ويسقيها الدواء، الي ان نام بجوارها علي مقعد بالقرب من فراشها...
************* اللهم صلي علي النبي **************
ارتدت اسدالها الفضفاض، ثم وضعت نقابها على وجنتيها، امسكت ببعض الكتب والاقلام، ثم هبطت الدرج برفق، اقتربت من مكتبه لتطرقه سمعت اصوات عالية، ولكن سرعان ما أردف والدها ليقول:
-ادخل.
دخلت حياة بهدوء وبحياء، وقبل أن تتحدث، هتف والدها بشدة وهو يرمقها بغضب يتطلع الى ملابسها ليقول:
-انتي لابسه اكده وراحه فين..
أردفت حياة بتأدب:
-محو الأمية يابوي، انت نسيت
أردف بغضب:
-لا منسيتش، محنخلص عاد من موضوع محو الأمية ده.
بلعت ريقها بتوتر لتقول:
-اعمل ايه يابوي مهو الحريم اللي بتجيني اعلمها كتير، وبعدين اديني بسلي حالي بدل القاعدة اكده..
رمقها بعنف، ليردف ابن عمها يهمس بأذن عثمان ليقول:
-خليها يا عمي تخرج، واهو نقطع لسينه الناس اللي بتقول ليه مجوزنهاش لحد دلوقيت..
رمقها بغضب، ثم هز رأسه بالموافقة ليقول:
-روحي ومتتاخريش، وزي مقولتلك اهني علي ارضي، اياكي تبعدي..
أردفت بهدوء وهي تهز رأسها بالموافقة:
-حاضر يايوي.
خرجت من الغرفة بهدوء، مثلما دخلت بهدوء، اردف عثمان بعدما خرجت حياة ليقول:
-كمل اخبار ايه اللي كنت حتقولهالي قبل متدخل مقصوفة الرقبة دي.
أردف باأبتسامة نصر ليقول:
-عشية وانا براقب دوار ادريس، شفت حرمة بتندله في نصاص الليل، استغربت بصراحة، هميت وراها لغاية موصلت اول الطريق وقابلت واحد، ركبوا عربية ومشوا.
لمعت عينيه بشر ليقول:
-انت متأكد ياولد، اوعي يكون كلام غلط دي تطير فيها رقاب..
همس برفق وهو يشير إلى عينيه ليقول:
-انا شايفها بعيوني دول.
رمقه بفرحة ليقول:
-هات التليفون واتصلي بكبير الاشراف الحاج نعمان.
اقبل علي الهاتف وقبل أن يضغط عليه، اتسعت عينيه وهو يرمق عمه برعب ليقول:
-الحج نعمان، انت خابر اللي بتقوله زين ياعمي.
اردف بابتسامة نصر ليقول، وهو يدب عصاه ارضًا:
-اتصلت ياولد زي مبقولك…
هتف بجدية ليقول:
-ياعمي، دخول الحج نعمان بنفسه في الحوار دي تطير فيها رقاب.
أردف عثمان بثقة:
-هو ده المطلوب اسمع الحديد ياولد اتصل، يلا، حغير خلقاتي وانزلك تكون اتصلت..
***************************
منذ امس وهو يستشيط غيظًا، يعيد ذكريات الماضي، هل هي نفس الفتاة، تلك الفتاة قديمًا من كانت تعشقه حد الجنون، هل هي نفسها من كانت تستشيط غيظًا عندما يحادث إحدى زملاته بالعمل، لقد حرمت عليه هتافهم حتى بدافع العمل، هل هي نفس تلك الفتاة من تزوجت غيره، وتركته، من كانت أمس تقف كالقط الشرس في وجهه، دعس عقب سجارته تحت قدميه، ثم توجه إلى خزانته يملء حقيبته علي آخرهم، ليجمع كافة ملابسه في نية للمغادرة بلا عودة لما يضل، لم يبقي له سوى والدته، فليأخذها معه وليرحل عن ذلك المكان، من يذكره بها، انتهي من جمع اغراضه، دلفت هي بإبتسامة كعادتها لدعوته للأنضام الي تناول وجبة الغداء، عقدت حاحبيها وهي تراه يكدس ملابسه بعشوائية داخل حقيبته، اقتربت منه لتردف متسائلة في سرعة:
-خير يبني، بتلم خلقاتك ليه.
اجابها بهدوء وهو يكمل ما يفعله:
-حنسيب البلد يا امي، وانتي كمان حضري خلقاتك.
ضربت بقبضتها اعلي صدرها لتردف متسعة العينين:
-ليه يبني حصل ايه.
داعب شعره براحته ليقول:
-انا مسافر يااما ومرجعش اهني، حتيجي معايا ولا لا.
اجابته بغضب:
-لا.
اتسعت عينيه وهو يطالعها بحزن، لا يصدق ما سمع ليقول:
-بقي اكده ياما.
رمقته بحزن لتقول:
-كل ده عشان شمس، قيدها ياولدي واتجوز كيف ما اتجوزت، ومحتلقيش زي سلمي.
ابتعد عنها يوليها ظهره ليقول:
-ياما متجبليش سيرة الجواز واصل، محجوزش.
اقتربت منه تربت اعلي كتفيه، تحاول تخفيف غضبه لتقول:
-طيب ياولدي كيف ما تحب، بس بلاها حكاية السفر دي.
جلس اعلي فراشه، يهز رأسه برفق، لتتنهد هي براحة تجلب ملابسه تعيدها مرة اخري داخل خزانته...
*****************************
تململت برفق تفتح جفنيها المورد، لتكشف عن بؤبؤها الزرقاوان، داعبت جفنيها بتكاسل، ثم استقامت تفتح نافذتها لتسمح لاشعة الشمس تداعب غرفتها الصغيرة، ارتدت في عجلة جلباب محتشم قليلًا عما ترتديه الآن ثم اتجهت مباشرة الى غرفة ورد توقظها كالعادة فهذه الفتاة كسولة للغاية، طرقت الباب فلم تجيب، ابتسمت برفق فليبدأ إذا شجار الوسائد، دخلت برفق تفتح النافذة ليزيل ظلام الغرفة، فتحتها برفق ثم توجهت إلى الفراش وهي تفتح فمها استعدادًا لانتشار الضوضاء بالغرفة، هكذا توقظ ابنة عمها، انعقد لسانها لتتسع عينيها بذهول وهي تشاهد فراشها كما هو من ليلة امس، ترى اين ذهبت تجولت بناظريها قبل خروجها الى خارج الغرفة، وقع ناظريها على ورقة بيضاء اعلي الكمودينو، لم تلاحظها من قبل، التقطها بعجلة، لتبدأ في قراءة محتوياتها.
كان هو في طريقه الى غرفتها، فأراد الاطمئنان عليها بعدما فعل بها والده، نظر إلى الباب الموارب، دفعه بهدوء ثم دخل، سرعان ما رأته سلمي لتخفي الورقة خلفها، دلف سليمان يتطلع الي فراشها ليردف بتسأل:
-امال فينها ورد يا سلمي..
بلعت ريقها مرة..وثانية..ثم ثالثة..وعيناها تتسع بشدة الي سليمان، اردف هو يكرر سأله وهو يشاهد توترها الظاهر بوضوح للعيان:
-فين ورد ياسلمي، وليه وافقة اكده، وايه يلي مخبياه ورا ظهرك انطقي..
رعبها بأخر كلمة عندما نطقها بعنف، لترتعش هي بجسدها، اخرجت الورقة المخبأة خلف ظهرها، تشير بها بقبضة مرتعشة، جذبها منها بسرعة، تطلع اليها بهدوء، سرعان ما تحول هدوئه إلى نظرات جامحة، رمقها بغضب، وهو يجذبها بعنف من ساعديها ليهتف بصلابة:
-انطقي هربت مع مين…
هربت مع…..
قالتها برعشة ليتركها هو متجها الى خارج الغرفة، بينما جلست هي تضم ركبتيها إلى صدرها رعبًا….
*****************************
في غرفة صغيرة، كان يقف على عقبه، يتابع بصمت، شارد، حزين، منكسر، عنيف، مدمر، كان هو كل هؤلاء
كان يقف شارد الذهن وهو يرى سليمان يحقق معهم مثل وكلاء النيابة، كان يقف خجلًا من نفسه فابنة عمه صغيرته الحبيبة، لم تهرب من والدها، بل هربت من زواجه، الهذه الدرجة لا تطيقه، لما لا تعشقه مثلما فعل هو، لما لا تزيقه حبًا صادقًا كما فعل هو، اعتلي صوته الحاد، وحسن يصيح به بزعر:
-قولنا لحضرتك احنا منعرفش حاجة عن هروب اختك زي مبتقول..
قالها بثقة بينما رمقه سليمان بشرارة وغضب ليقول:
-اسلام، هات الرجالة وشوف شغلك.
صاح به حسن ليقول:
-اللي هيقرب من عم سعد، هيشوف شغله معايا..
هتف سليمان بجدية:
-لو خايف عليه قول عنوانه فين..
سعد بتعب:
-لا يبني متقولش.
أردف سمير بغضب:
-دا عيل…..، انا هقولك يا استاذ هو ساكن فين.
أردف حسن بغضب، ليقطعه سليمان وهو ينظر إلى سمير:
-قول وليك مكفاءة…
بعد مدة قصيرة، خرج سليمان من الغرفة، اقترب من ناصر الواقف يطالعهم بشرود ليقول:
-حضر حالك يا ناصر، حنسافروا انا وانت وعمرو، نجيبب ورد ونعاود..
هز رأسه بالموافقة، ليستدير سليمان ليخرج، جزبه ناصر من ساعديه ليقول:
-حتسيبهم اكده
أردف سليمان بغضب وهو يطالعهم ليقول:
-حنفقهم بس لما نرجع، لان مضمنهمش ينبهوه ويهرب، قول للرجاله تجبلهم الوكل..
هز راسه بإيجاب، لينفذ ما أمره به.
**************************
الجميع بردهة المنزل، تجلس رباب تعتلي مقعدًا تنحب بشده، بينما تقف سلمي بعيدًا جسدها الصغير ينتفض رعبًا، مما سيحدث لابنة عنها، بينما الصغيرة التي لم تتجاوز السادسة عشر تقف لا تعلم ماذا يدور من حولها، أما علي نهاية الدرج تقف ريما، تحاول استجماع بعض الكلمات المتقاطعة التي تتناثر من حولها لتجمع جملة مفيدة، أما ذلك الشارد كان يقف علي أعتاب الباب ينتظر خروج ادريس وسليمان من غرفة المكتب، بعد مدة خرجوا سويًا، في تلك اللحظة كان عمرو قد وصل كما اتصل به سليمان ليخبره بما جري، اردف بهدوء وحاجباه ينعقدان بدهشة ليهتف بتسأل:
-صوح الحديد ده ياناصر..
كان يقف شارد، منذ هروبها وهو يدفن رأسه أرضًا بعار كالنعام، حدجه بغضب ليقول:
-متتكلم ياناصر.
اقترب منه سليمان ليجيب عن ناصر، فابن عمه في حالة شرود، انه اكثرهم تعرضًا للاهانة، فاي رجلا، يتقبل علي نفسه فكرة هروب زوجته المستقبلية مع رجلًا آخر، وكأنها طعنته بخنجر حاد انه خنجر الخيانة، أردف سليمان بجدية بعدما رمق ناصر نظرة جانبية:
-يلا ياعمرو مفيش وقت.
استدار عمرو بعدما هز رأسه بالموافقة، بينما ربت سليمان علي كتفي ناصر ليقول:
-يلا ياناصر، انت اقوي من اكدة..
خرجوا الي بهو المنزل متجهين الى الباب، يتبعهم ادريس بغضب الى ان دلف عثمان الضوي وعلى جانبي فاه ابتسامة نصر ليقول:
-علي فين ياولاد الهوارة..
وقبل ان يرد احدهم، انحني عثمان جانبًا ليظهر من كان يختفي خلفه، اتسعت عين للجميع وهم يشاهدون ذلك الرجل، في أواخر العقد السابع من عمره، الشيب يأكل خصلاته، ولحيته البيضاء بعينيان احدهما زرقاء والاخري خضراء، دب عصاه الخرزانية ارضًا وهو يقول:
-علي فين ياولد منك ليه..
ادريس بخوف:
-اهلا ياحج نعمان، اتفضل..
للكاتبة آيه عبده النجار
******************
كان يقف يتطلع إليها بشرود بعدما وضعها برفق فوق فراشها، كان وجهها شاحبًا للغاية، وجفناها يتسارع بالانغلاق، وكأنها تحارب كابوسًا مزعجا، وشفتاها تتخبط ببعضهما، تحسس جبينها الساخن، لتتسع زيتونته رعبًا على حالتها، استقام يحضر أحد الأقمشة ليبدأ في عمل كمادات في محاولة لخفض حرارتها قليلًا، وقبل ان يعمل على تنفيذ ما فكر فيه، طرق الباب بعنف مما جعل جسد جملا يرتعب لتفتح جفنيها بأرهاق سرعان ما انغلقو بسرعة أثراصابتها بحمة شديدة، اقترب مدثر مدعي الهدوء ليردف بابتسامة وهو يفتح الباب:
-خير يا جماعة في حاجة.
رمقه قاسم بغضب وهو يحاول توزيع انظاره الي انحاء الغرفة والذي كان يقف مدثر عائقزا لهم عن الرؤية ليهتف قاسم بجمود:
-اين هي.
رمقه بهدوء ليقول:
-هي نايمة في حاجة.
رفع رقبته يحاول النظر الى الداخل، كان يقف بجسده عقب الباب يمنع عنه الرؤية، رفع قبضته الي صدر مدثر ليزيحه عن اطريق، ثم دخل بدون أستأذان لتقع عينيه عليها وهي ترقد اعلي الفراش، اقترب منه مدثر ليقول:
-هي تعبانة من الصبح عندها حما
رمقه قليلًا ثم انصرف خارج الغرفة...
***********************
وصل سويًا الى الاسكندرية، كانت تجوب الطريق بناظريها، تحتضن نافذة السيارة بحب وهي تطالع شط الاسكندرية، مروروًا الى شوارعها الواسعة الي مبانيها العالية، كان يتابعها بصمت يبتسم تارة عليها ويشرد تارة أخري بها، أنها تشبه طفل صغير جلبه والده إلى هذه البلدة للنزهة، انتفض جسدها، عندما وصلها صوته مما جعلها تنفصل عن تلك المناظر، طالعته بخجل ليردف هو بهدوء:
-معلش خضيتك.
هزت رأسها بالنفي، ليبتسم هو ليقول:
-اول مرة تيجى اسكندرية.
هزت رأسها بأسف، حاول هو مداعبتها ليقول:
-هنقضيها إشارات كده.
نظرت الى ارضية سيارة الاجرة لتهتف بهدوء:
-حقول ايه عاد.
رمقها بابتسامة، بينما اوقف السائق السيارة ليقول:
-وصلنا يااخينا، الأجرة.
اخرج من جيب بنطاله نقود، ثم أشار له بها، هبط من السيارة حامل حقائبهم يفتح لورد بابها، اتجهوا سويا يقفون امام باب منزل خليل، أخرج مفتاح منزله من حقيبته، دلف خليل يفتح إنارة الغرفة، بينما وقفت ورد بالخارج تشعر بالخوف، رمقها برفق ليقول:
-ادخلي ياورد.
بلعت ريقها لتتقدم بخطوات مترنحة، طالعت أنحاء الغرفة وهي تتمعن بها، انها غرفة صغيرة، تحتوي على سرير واحد فقط وخزانة صغيرة للغاية، وموقدًا للنار بشعلة واحدة، تحتوي على مقعد متهالك بجوار النافذة، واخيرًا مروحة سقف، لاحظ شرودها وهي تتطلع الى الغرفة واثاثها الرث، اقترب منها يجذب المقعد بعدما نفض من أعلاه الاتربة ليردف بهدوء:
-اتفضلي.
بادلته النظرات، لتجلس برفق أعلاه، وضع حقيبة ملابسه ارضًا بالقرب من مقعدها ليجلس عليه وهو يرمقها بابتسامة، ارتجفت ورد خجلًا لتردف بصوت متهدج:
-انت قاعد اكده ليه.
طالعها بزرقته ليهتف بسعادة:
-مبسوط قوي يا ورد، مش مصدق نفسي، بصي احنا نسيب حاجاتنا هنا ونطلع نكتب على طول.
طالعته بتوتر وهي تفرك قبضتها، لاحظهما هو ليقول:
-ايه مالك، اوعي تكوني نسيتي بطاقتك واوراقك الشخصية.
فأجابته على الفور:
-لا جبتهم، بس انا خايفة من اللي عملناه لما ابوي واخوي يكتشفوا هروبي ممكن..
قاطعها علي الفور ليقول:
-متخافيش، هتكوني ساعتها مراتي ومحدش يقدر ياخدك مني، انتي مش قاصر ياورد، انتي كبيرة..
طالعته بخوف، ودموع لتقول:
-بس…..
خليل بحزم:
-مبسش، يلا بينا نكتب دلوقتي، لان زي منتي شايفة الاوضة متساعيش غير نفر واحد، اكيد مش هنبات مع بعض..
هزت رأسها بالموافقة، ليستقيم خليل بهدوء، متجهة إلى خارج الغرفة، تتبعه ورد في تخبط…..
***************************
كانت تقف في شرفتها تنتظر عودته، لقد دقت التاسعة مساءً ليس بعادته التأخير بعودته بعد أدائه لصلاة العشاء، لا تعلم لما تخشي عليه، بعدما أصبح في بداية عقده الرابع انه اصبح رجلا بكل ما تعنيه الكلمة، لما لاتزال تخاف عليه كانه طفلًا صغيرًا، لما دائما تسهر تنتظر عودته، لما لم تسمح له بالمبيت ليلة بالإسكندرية بجانب عمله كدكتور بالهندسة النووية، انها تخشى عليه من الهواء اذا لامس جسده، محقة فهو وحيدها، لم تنجب سواه بعد انفصالها عن والده في ريعان شبابها، ولم تقبل على الزواج بعده، فلقد عشقت ذلك الرجل الصعيدي الذي خذلها، وتركها وحيدة بمفردها بعدما شرح لها خوفه من علم زوجته الأولى وخسرانها انه يعشقها ولا يطيق خصامها ليلة، يحاول جاهدًا عدم مضايقتها فلقد أصبحت في الأيام الأخيرة تتحسس من ابسط الأمور بسبب تأخر إنجابها، فاقت تلك الشيبة من ماضيها عندما سمعت صوته اسفل مبنيها وهو يودع أحدهم، يبدو من مظهره انه في اوائل العقد الخامس من عمره، ابيض الوجه، يملك لحية توازي كف اليد، يرتدي جلباب بني يصل إلى ركبته وأسفله بنطال ابيض، طالعته برفق الي ان اختفي في أحد الشوارع الجانبية، انتبهت الي فتح الباب وغلقه، خرجت من الشرفة متجهه إليه لتردف بأبتسامة:
-أتأخرت ليه يا مدثر..
طالعها بأبتسامة ليقول:
-ابدًا يا أمي كنت بصلي.
هتفت بضيق:
-الصلاة انتهت من ساعة.
عقد حاجبيه وهو يلوح بإبتسامة عزبة من بين شفتيه هاتفًا:
-ايه ياست الكل انا طفل..
طالعته برفق متجاهله مداعبته لها لتقول متسألة:
-مين اللي كان واقف معاك تحت.
ضيق جبينه ليقول:
-هو في ايه النهاردة يا امي، ايه التحقيق ده.
جلست على أريكة لتردف بثقة:
-انت من الصبح بتتهرب من الاجابة مين ده يا مدثر ايه كبرت ومش من حقي اسأل.
جلس بجوارها ليقول:
-ده واحد اتعرفت عليه بالجامع..
قالت بسرعة:
-صاحبك يعني.
مدثر بهدوء:
-ومالك بتقوليها كده يا امي فيها ايه.
لا طبعا فيها هو مش شبهك، انت مش شايف هو لابس ازاي.
أردف بجدية:
-ياامي عمر اللبس عمره ما كان دليل لشخصية حد، بالعكس ده شكله شاب محترم، بس هي الحياه ملطشة معاه وانا عرضت عليه المساعدة
-بشري…..اسمهان
كانت تخرف بتلك الكلمات، بينما كان هوهائمًا على أريكته يستجمع الماضي بحذفيره، استقام من مجلسه، اقترب منها، ثم رفع يديه ببطء اعلي جبهتها فعلم انها محمومة منذ امس وحرارتها في تصاعد لا يملك ترمومتر لقياستها ولكن يستشعرها براحة قبضته، ظل ساهرا طوال الليل يضع لها الكمادات، ويسقيها الدواء، الي ان نام بجوارها علي مقعد بالقرب من فراشها...
************* اللهم صلي علي النبي **************
ارتدت اسدالها الفضفاض، ثم وضعت نقابها على وجنتيها، امسكت ببعض الكتب والاقلام، ثم هبطت الدرج برفق، اقتربت من مكتبه لتطرقه سمعت اصوات عالية، ولكن سرعان ما أردف والدها ليقول:
-ادخل.
دخلت حياة بهدوء وبحياء، وقبل أن تتحدث، هتف والدها بشدة وهو يرمقها بغضب يتطلع الى ملابسها ليقول:
-انتي لابسه اكده وراحه فين..
أردفت حياة بتأدب:
-محو الأمية يابوي، انت نسيت
أردف بغضب:
-لا منسيتش، محنخلص عاد من موضوع محو الأمية ده.
بلعت ريقها بتوتر لتقول:
-اعمل ايه يابوي مهو الحريم اللي بتجيني اعلمها كتير، وبعدين اديني بسلي حالي بدل القاعدة اكده..
رمقها بعنف، ليردف ابن عمها يهمس بأذن عثمان ليقول:
-خليها يا عمي تخرج، واهو نقطع لسينه الناس اللي بتقول ليه مجوزنهاش لحد دلوقيت..
رمقها بغضب، ثم هز رأسه بالموافقة ليقول:
-روحي ومتتاخريش، وزي مقولتلك اهني علي ارضي، اياكي تبعدي..
أردفت بهدوء وهي تهز رأسها بالموافقة:
-حاضر يايوي.
خرجت من الغرفة بهدوء، مثلما دخلت بهدوء، اردف عثمان بعدما خرجت حياة ليقول:
-كمل اخبار ايه اللي كنت حتقولهالي قبل متدخل مقصوفة الرقبة دي.
أردف باأبتسامة نصر ليقول:
-عشية وانا براقب دوار ادريس، شفت حرمة بتندله في نصاص الليل، استغربت بصراحة، هميت وراها لغاية موصلت اول الطريق وقابلت واحد، ركبوا عربية ومشوا.
لمعت عينيه بشر ليقول:
-انت متأكد ياولد، اوعي يكون كلام غلط دي تطير فيها رقاب..
همس برفق وهو يشير إلى عينيه ليقول:
-انا شايفها بعيوني دول.
رمقه بفرحة ليقول:
-هات التليفون واتصلي بكبير الاشراف الحاج نعمان.
اقبل علي الهاتف وقبل أن يضغط عليه، اتسعت عينيه وهو يرمق عمه برعب ليقول:
-الحج نعمان، انت خابر اللي بتقوله زين ياعمي.
اردف بابتسامة نصر ليقول، وهو يدب عصاه ارضًا:
-اتصلت ياولد زي مبقولك…
هتف بجدية ليقول:
-ياعمي، دخول الحج نعمان بنفسه في الحوار دي تطير فيها رقاب.
أردف عثمان بثقة:
-هو ده المطلوب اسمع الحديد ياولد اتصل، يلا، حغير خلقاتي وانزلك تكون اتصلت..
***************************
منذ امس وهو يستشيط غيظًا، يعيد ذكريات الماضي، هل هي نفس الفتاة، تلك الفتاة قديمًا من كانت تعشقه حد الجنون، هل هي نفسها من كانت تستشيط غيظًا عندما يحادث إحدى زملاته بالعمل، لقد حرمت عليه هتافهم حتى بدافع العمل، هل هي نفس تلك الفتاة من تزوجت غيره، وتركته، من كانت أمس تقف كالقط الشرس في وجهه، دعس عقب سجارته تحت قدميه، ثم توجه إلى خزانته يملء حقيبته علي آخرهم، ليجمع كافة ملابسه في نية للمغادرة بلا عودة لما يضل، لم يبقي له سوى والدته، فليأخذها معه وليرحل عن ذلك المكان، من يذكره بها، انتهي من جمع اغراضه، دلفت هي بإبتسامة كعادتها لدعوته للأنضام الي تناول وجبة الغداء، عقدت حاحبيها وهي تراه يكدس ملابسه بعشوائية داخل حقيبته، اقتربت منه لتردف متسائلة في سرعة:
-خير يبني، بتلم خلقاتك ليه.
اجابها بهدوء وهو يكمل ما يفعله:
-حنسيب البلد يا امي، وانتي كمان حضري خلقاتك.
ضربت بقبضتها اعلي صدرها لتردف متسعة العينين:
-ليه يبني حصل ايه.
داعب شعره براحته ليقول:
-انا مسافر يااما ومرجعش اهني، حتيجي معايا ولا لا.
اجابته بغضب:
-لا.
اتسعت عينيه وهو يطالعها بحزن، لا يصدق ما سمع ليقول:
-بقي اكده ياما.
رمقته بحزن لتقول:
-كل ده عشان شمس، قيدها ياولدي واتجوز كيف ما اتجوزت، ومحتلقيش زي سلمي.
ابتعد عنها يوليها ظهره ليقول:
-ياما متجبليش سيرة الجواز واصل، محجوزش.
اقتربت منه تربت اعلي كتفيه، تحاول تخفيف غضبه لتقول:
-طيب ياولدي كيف ما تحب، بس بلاها حكاية السفر دي.
جلس اعلي فراشه، يهز رأسه برفق، لتتنهد هي براحة تجلب ملابسه تعيدها مرة اخري داخل خزانته...
*****************************
تململت برفق تفتح جفنيها المورد، لتكشف عن بؤبؤها الزرقاوان، داعبت جفنيها بتكاسل، ثم استقامت تفتح نافذتها لتسمح لاشعة الشمس تداعب غرفتها الصغيرة، ارتدت في عجلة جلباب محتشم قليلًا عما ترتديه الآن ثم اتجهت مباشرة الى غرفة ورد توقظها كالعادة فهذه الفتاة كسولة للغاية، طرقت الباب فلم تجيب، ابتسمت برفق فليبدأ إذا شجار الوسائد، دخلت برفق تفتح النافذة ليزيل ظلام الغرفة، فتحتها برفق ثم توجهت إلى الفراش وهي تفتح فمها استعدادًا لانتشار الضوضاء بالغرفة، هكذا توقظ ابنة عمها، انعقد لسانها لتتسع عينيها بذهول وهي تشاهد فراشها كما هو من ليلة امس، ترى اين ذهبت تجولت بناظريها قبل خروجها الى خارج الغرفة، وقع ناظريها على ورقة بيضاء اعلي الكمودينو، لم تلاحظها من قبل، التقطها بعجلة، لتبدأ في قراءة محتوياتها.
كان هو في طريقه الى غرفتها، فأراد الاطمئنان عليها بعدما فعل بها والده، نظر إلى الباب الموارب، دفعه بهدوء ثم دخل، سرعان ما رأته سلمي لتخفي الورقة خلفها، دلف سليمان يتطلع الي فراشها ليردف بتسأل:
-امال فينها ورد يا سلمي..
بلعت ريقها مرة..وثانية..ثم ثالثة..وعيناها تتسع بشدة الي سليمان، اردف هو يكرر سأله وهو يشاهد توترها الظاهر بوضوح للعيان:
-فين ورد ياسلمي، وليه وافقة اكده، وايه يلي مخبياه ورا ظهرك انطقي..
رعبها بأخر كلمة عندما نطقها بعنف، لترتعش هي بجسدها، اخرجت الورقة المخبأة خلف ظهرها، تشير بها بقبضة مرتعشة، جذبها منها بسرعة، تطلع اليها بهدوء، سرعان ما تحول هدوئه إلى نظرات جامحة، رمقها بغضب، وهو يجذبها بعنف من ساعديها ليهتف بصلابة:
-انطقي هربت مع مين…
هربت مع…..
قالتها برعشة ليتركها هو متجها الى خارج الغرفة، بينما جلست هي تضم ركبتيها إلى صدرها رعبًا….
*****************************
في غرفة صغيرة، كان يقف على عقبه، يتابع بصمت، شارد، حزين، منكسر، عنيف، مدمر، كان هو كل هؤلاء
كان يقف شارد الذهن وهو يرى سليمان يحقق معهم مثل وكلاء النيابة، كان يقف خجلًا من نفسه فابنة عمه صغيرته الحبيبة، لم تهرب من والدها، بل هربت من زواجه، الهذه الدرجة لا تطيقه، لما لا تعشقه مثلما فعل هو، لما لا تزيقه حبًا صادقًا كما فعل هو، اعتلي صوته الحاد، وحسن يصيح به بزعر:
-قولنا لحضرتك احنا منعرفش حاجة عن هروب اختك زي مبتقول..
قالها بثقة بينما رمقه سليمان بشرارة وغضب ليقول:
-اسلام، هات الرجالة وشوف شغلك.
صاح به حسن ليقول:
-اللي هيقرب من عم سعد، هيشوف شغله معايا..
هتف سليمان بجدية:
-لو خايف عليه قول عنوانه فين..
سعد بتعب:
-لا يبني متقولش.
أردف سمير بغضب:
-دا عيل…..، انا هقولك يا استاذ هو ساكن فين.
أردف حسن بغضب، ليقطعه سليمان وهو ينظر إلى سمير:
-قول وليك مكفاءة…
بعد مدة قصيرة، خرج سليمان من الغرفة، اقترب من ناصر الواقف يطالعهم بشرود ليقول:
-حضر حالك يا ناصر، حنسافروا انا وانت وعمرو، نجيبب ورد ونعاود..
هز رأسه بالموافقة، ليستدير سليمان ليخرج، جزبه ناصر من ساعديه ليقول:
-حتسيبهم اكده
أردف سليمان بغضب وهو يطالعهم ليقول:
-حنفقهم بس لما نرجع، لان مضمنهمش ينبهوه ويهرب، قول للرجاله تجبلهم الوكل..
هز راسه بإيجاب، لينفذ ما أمره به.
**************************
الجميع بردهة المنزل، تجلس رباب تعتلي مقعدًا تنحب بشده، بينما تقف سلمي بعيدًا جسدها الصغير ينتفض رعبًا، مما سيحدث لابنة عنها، بينما الصغيرة التي لم تتجاوز السادسة عشر تقف لا تعلم ماذا يدور من حولها، أما علي نهاية الدرج تقف ريما، تحاول استجماع بعض الكلمات المتقاطعة التي تتناثر من حولها لتجمع جملة مفيدة، أما ذلك الشارد كان يقف علي أعتاب الباب ينتظر خروج ادريس وسليمان من غرفة المكتب، بعد مدة خرجوا سويًا، في تلك اللحظة كان عمرو قد وصل كما اتصل به سليمان ليخبره بما جري، اردف بهدوء وحاجباه ينعقدان بدهشة ليهتف بتسأل:
-صوح الحديد ده ياناصر..
كان يقف شارد، منذ هروبها وهو يدفن رأسه أرضًا بعار كالنعام، حدجه بغضب ليقول:
-متتكلم ياناصر.
اقترب منه سليمان ليجيب عن ناصر، فابن عمه في حالة شرود، انه اكثرهم تعرضًا للاهانة، فاي رجلا، يتقبل علي نفسه فكرة هروب زوجته المستقبلية مع رجلًا آخر، وكأنها طعنته بخنجر حاد انه خنجر الخيانة، أردف سليمان بجدية بعدما رمق ناصر نظرة جانبية:
-يلا ياعمرو مفيش وقت.
استدار عمرو بعدما هز رأسه بالموافقة، بينما ربت سليمان علي كتفي ناصر ليقول:
-يلا ياناصر، انت اقوي من اكدة..
خرجوا الي بهو المنزل متجهين الى الباب، يتبعهم ادريس بغضب الى ان دلف عثمان الضوي وعلى جانبي فاه ابتسامة نصر ليقول:
-علي فين ياولاد الهوارة..
وقبل ان يرد احدهم، انحني عثمان جانبًا ليظهر من كان يختفي خلفه، اتسعت عين للجميع وهم يشاهدون ذلك الرجل، في أواخر العقد السابع من عمره، الشيب يأكل خصلاته، ولحيته البيضاء بعينيان احدهما زرقاء والاخري خضراء، دب عصاه الخرزانية ارضًا وهو يقول:
-علي فين ياولد منك ليه..
ادريس بخوف:
-اهلا ياحج نعمان، اتفضل..