📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل الواحد والعشرون:

رسائلى إليك ....
جلست غزل على مقعدها المدداد أمام البحر تطالع موجاته الصغيرة المتحطمة على الشاطئ .. كأحلامها البسيطة ...
تأوهت بألم و هى تفكر بكل ما مر بها ....
طفولة معذبة ...
مراهقة لعوب ...
نضج مبكر ...
و شريط حياتها يمر أمام عيناها بألم مرهق ...

لم يشعر بنفسه و هو يلتهم تلك المذكرة بعينيه و كأنه يراها أمامه الآن و يسمع صوتها و هى تقص عليه ما مر بها و هو بعيدا عنها و فقط يشعر بصراخها ...
إحساس شديد بالعجز إنتابه و هو يمرر عينيه على حروف كلماتها الموجعة و المؤلمة و هى تعرى نفسها أمامه ...

كانت عيناه غريبتين ... بهما قهرا و نارا مستعرة ... و خلف كل ذلك حزن عميق دقيق ....
أجفل فارس قليلا و شعر و كأن قلبه قد فقد إحدى دقاته .. فإختل توازنه كليا و هو يقرأ أول كلماتها ...

《 فارس حبيبى 》

و كأن حية لسعته فوقف منتصبا بفزع جعل الدنيا تميد به و قد عجزت قدميه عن تحمل ثقل جسده .. فتهاوى مجددا و جلس ببطء شديد و عيناه مازالت تطالع تلك الكلمتين الرائعتين و المؤلمتين بشدة ....

تحركت مقلتيه قليلا لمتابعة حديثها متشربا حبر كلماتها بشوق مهلك و تحركت عضلات حلقه بتشنج و توجس من القادم ...

《 رغم إنى مجروحة منك قوى .. بس هتفضل حبيبى .. و مش بضحك و لا بلعب عليك .. حابة أكلمك عن غزل اللى إنت ما تعرفهاش .. عنى .. 》

عند هذه النقطة توقفت أنفاسه و لمعت عينيه ببريق خاطف و خطير و فى عمق تلك العينين تلهف و قسوة و ... شئ يشبه الألم ...

《 حابة أبدأ من حكايتنا أنا إفتكرتك كنت دايما بلعب معاك .. و إنت اللى جبتلى العروسة و لما سألتك و إنت فين عروستك قولتلى إنى أنا عروستك .. يا ريت ما بعدتش عنك .. و لا سبت مصر .. كنت هحتفظ ببرائتى اللى إختفت مع كل اللى مر بيا .. 》
و كأن الضياع قد لازمه الآن .. و سيظل يلازمه للأبد بعد خسارته لحبيبة عمره .. و هو يطالع الأسطر بذهول كالذى يطفو على حافة بركان كان خامدا و الآن يوشك على قذف حممه الغاضبة و القاتلة .....

《 سافرنا و سبنا مصر بسرعة غريبة قبل حتى ما جرحى يطيب .. و لما وصلنا أميريكا إختفى جو الأسرة من حياتنا تماما .. ماما كانت طول الوقت بتتخانق مع بابا و كنت بسمعه دايما بيضربها كنت بقفل ودانى بإيديا علشان ما أسمعش صراخها .. كانت رافضة تاكل أو تشرب من فلوس بابا الحرام .. أنا ما كنتش فاهمة حاجة .. 》

كلما تذكر صفعته المتسرعة و التى سقطت على وجنتها الرقيقة بقوة .. لعن غباؤه و ثقته الغبية بنفسه و هو يتابع قراءة بنظرات نهمة و مجنونة .. و قبضته على المذكرة تزداد قوة كادت أن تحول تلك الكومة من الأوراق لرماد واهى سهل إذابته بين أنامله ....

《 تصدق إنها رفضت تمس أى حاجة بابا جايبها .. و إشتغلت و إتكفلت بمصاريفها .. و فضلت تزرع فيا الدين اللى ما كانش موجود فى أى مكان حواليا .. علمتنى الصلاة و الصوم و لبستنى الحجاب .. كانت كل الدنيا ليا .. لغاية ما سابتنى لوحدى و ماتت 》
لاحظ فارس تشوه كلمة ماتت بدموعها .. فإعتدل فى جلسته وأنا لا أستطيع أن أصف لكم ملامح الجنون على وجهه و التى بدأت تتعمق و تصبح أكثر شراسه و توجس من القادم ..
و على وجهه قدرا كافيا من الجدية الكابتة لصراخ أسد جريح .. و لكنه قاوم و أكمل قرائته بشغف ليتعرف أكثر عليها ..

《 بس هى ماتت مقتولة .. و أنا الوحيدة اللى عارفة هى ماتت إزاى و ليه .. إتقتلت علشان دافعت عن دينها و مبادئها .. تخيل إنها كانت أجمل منى بمراحل .. أنا جمالى جزء صغير من جمالها ..أكيد أنت لسه فاكرها .. يبقى ليه جزاءها القتل .. ليه ؟!! 》
تسمر مكانه و الصدمة إرتسمت على تشنج جسده و تصلب فكه القوى و هو يضغط أسنانه بقوة كادت تحطمها دون أن يشعر بأى ألم ..
و شعور بالإنقباض فى صدره لا يبارحه ..
إرتفع حاجبيه بشدة و هو يتابع و شعور الغضب و القتامة بداخله يزداد و يقوى و يستهلكه بشدة ...

《 رجل أعمال عربى طمع فيها لما شافها فى شغلها .. و هو عارف إنها متجوزة .. بس هو إفتكر إنه بفلوسه يقدر ياخد كل اللى هو عاوزه .. و اللى يصدمك ....
إن بابا ما كانش عنده مانع .. طالما الراجل هيدفع .. و صدمتها فيه كانت أكبر من طاقتها .. 》

كان كالتمثال .. من الذهول و الخطر .. و تلك الصدمة الصاعقة مرتسمة على وجهه بقوة ..
متسائلا بملامح مرعبة .. أى رجل هذا الذى يذيق زوجته ذلك العذاب و يقبل أن يمسها غيره ..
تحولت ملامحه المتصلبة فجأة لملامح مزدرية باهتة و عيناه ترسمان نارا توشك على الإندلاع ...
و هو يجبر عقله على الصمود و المتابعة بعدما قرأه فهل ما رآه حقيقة أم هو مجرد وهم يتلاعب بعقله المشتت و المصدوم ..
أخذ حاجبيه ينعقدان ببطء و تركيز قبل أن يشدد قبضته على المذكرة متابعا بنظرات هائجة ....

《 و رفضت و كان جزائها إنه بقا يضربها أكتر و عذبها و أنا حاولت أحميها منه بس ما قدرتش .. ما قدرتش أعملها حاجة .. و بعد يومين سمحلها ترجع شغلها و بصراحة .. كان كمين قذر منه ..
و بالليل لقيناها مقتولة بطلقة فى المخ .. و مرمية فى الشارع .. و اللى عرفته بعد كده إن اللى قتلها إيد الراجل العربى اليمين لما قاومت و رفضت إنه يغتصبها و ضربت الراجل ده على وشه جزائها كان قتلها .. قتلوها بدم بارد كأنها فرخة .. أو شئ مالوش لازمة .. يا ريتنى ما سبتها تروح شغلها فى اليوم ده ... 》

رفع كفه و كتف فمه بقوة .. غير مستوعبا لما تقصه عليه أميرته و صدره ينهج بقوة و إرتجاف .. و قلبه يصرخ بعنف .. خالتى حور .. هل صدقا هذا ما حدث معك ..
يتذكرها و يتذكر حنانها معه و إبتسامتها العذبة و القادرة على إشفاء العليل ..
و ملامحها الجميلة الرقيقة و الملائكية كميناس ...
هل تألمت بهذا الشكل .. و هو يدور بعينيه فى الغرفة غير مدرك لما يحدث معه و ما يقرأه ...
و الرؤية تهتز أمام عيناه .. و هو يلهث بألم و حالة من الذعر تنتابه قبل المتابعة ....

《 كان عندى وقتها 18 سنة .. و فضلت ورا الموضوع ده لغاية ما سمعت دادى و هو بيتكلم مع الراجل اللى قتلها و بيلومه .. ساعتها صدمتى فيه كانت أوجع من خبر موتها ..
تخيل هو اللى بعتها ليه .... إتغلبت على ضعفى و صدمتى و قررت إنى هجيب حقها منهم .. و دى كانت أول مرة أستغل جمالى فيها و ألعب عليهم .. و قدرت و وصلت للراجل الكبير و علقته بيا و أحسنلك ما تعرفش إزاى .. 》

تجمدت مقلتيه على آخر كلماتها و رأسه منحنية بحدة و بات العجز متملكا منه و هو لا يرى أمامه سوى الدم ..
لو بإمكان قبضته التى على إثرها إبيضت مفاصل أصابعه و إنغرست أظافره بلحم كفه غير عابئا بذلك الألم المفرط .. أن تطال تلك الأوغاد للقنتهم درسا لن ينسوه ...
فألم قلبه و كرامته و رجولته أكثر وقعا ... و صدره ينقبض أكثر و شحبت ملامحه أكثر .. إلا أنه تمالك نفسه ..
و سيطر على ذلك الشعور البغيض و نظراته المشتدة كالوتر تتابع إسترسالها ....

《 و فى نفس الوقت لعبت على إيده اليمين و خليته يحبنى و يستنى اليوم اللى هبقى ليه فيه .. خصوصا إنى لسه فيرجن و دى هناك الجايزة الكبرى .. 》

تلك الجائزة و الذى تحصل عليها هو فى ليلتهم الأولى ...
نعم فاز بتلك الجائزة و خسرها كليا ...
قذف ذلك الدفتر فى آخر الغرفة و وقف منتصبا و هو يدور حول نفسه بإهتياج أسد مذبوح ...
متطلعا حوله بعينين حمراوين بلون الدم .. و لم يشعر بيده التى إمتدت و حطمت أقرب لوح زجاجى قابله على المكتب الصغير .. فهشمه محدثا به شروخ عميقه كالتى بقلبه و روحه الآن ...
لم يهدأ بعدما أفرغ شحنته المجنونة تلك .. إلا إنه إستند على ذلك المكتب بيديه متنفسا بصعوبة ..
مستجديا الأكسجين أن يملأ رئتيه .. مطأطأ رأسه بحدة و هو يحاول السيطرة على أعصابه و غضبه الظاهر بتحفز عضلات جسده و قبضتيه المشتدتين ....
و بعد وقت طويل من الصمت و الجمود الذى لا يقطعه سوى صوت تقطير الدماء من يده التى جرحت من قوة ضربته للزجاج ...
و صنعت بركة دماء سائلة من طول وقفته المتصنمة .. و أخيرا رفع وجهه و هو يتنفس بصعوبة كالذى كان يعدو لساعات دون توقف ....
إلتفت برأسه قليلا و طالع ذلك الدفتر بعينين بهما طاقتين من حمم صامته داخل جحيم مستعر و تحركت عضلات عنقه بتشنج غارقا بتفكيره الغامض العميق ...

توتر فك فارس أكثر و إزداد إنقباض أصابعه على ذلك المكتب المسكين و هو يقنع نفسه بالتوجه ناحية ذلك الدفتر و مطالعه الباقى ...
و بالفعل تحركت ساقيه المتشنجتين و تركت قبضتيه المكتب و إلتف بجسده كاملا و سار ناحيته بخطوات ثقيلة و مخيفة .. على نحو إستثنائى رغم تماسكه ...
كان العالم يدور من حوله و هو شبه يترنح يمينا و يسارا ..
و الصداع يكاد يفتك برأسه ..
و قدماه تتابع تقدمها و هو يزفر بتنهيدة مكبوتة معذبة .. قبل أن ينحنى و يلتقطه بطرف أصابعه و يعود به ..
و كأنه طريق طويل يفصله بينه و بين ذلك الفراش الذى إحتواها من قبل ..
و جلس عليه بصمت و هدوء شاعرا بقرب إنهياره و الأسوء هو تلك النظرة المنكسرة بعينيه ..
و هو يفتحه بقلق و يعود بعينيه لأسطره متابعا ببطء .. شديد ..

《 و أقنعت الراجل ده بدلعى و إستغلالى لحبه ليا إن اللى بيشتغل عنده حاطط عينه عليا رغم إنه عارف إنى بحبه هو .. و لعبت عليهم هما الإتنين فترة .. و فى يوم قرأت خبر قتل الراجل الكبير و عرفت بعدها إن اللى قتله إيده اليمين .. و بدأت أكتشف بعدها موهبتى فى إنى أقدر أركع أى راجل تحت رجليا ..
و الأخطر إنى كرهت كل الرجالة حتى دادى .. و بقيت أمشى كل أمورى بطريقتى .. بس تصرفات العنصريين هناك خنقتنى و كان حلم حياتى إنى أرجع مصر تانى 》

تسارعت دقات قلبه مع كل كلمة قرأها .. و هو يراها أمامه الآن و تقص عليه ما حدث معها و هو بعيدا عنها .. سائلا نفسه بوهن هل تألمت و عانت لهذه الدرجة لو أنها أمامه الآن لضمها إليه بقوة كى تذوب بعظامه ..
توقف قليلا و هو يعود للهاثه المتعمق .. غير مستوعب بعدما تعطلت كل تروس عقله من شدة سخونتها و ذلك الصداع القوى يعصف بها ..
و هز رأسه بخفوت و عدم تصديق .. و كأنه ببساطة غير قادر على الإستيعاب ..
و شعور غريب بأن هناك من نال من رجولته و هو لا يعلم يخنقه ..
بل يحرقه حيا و يذيب جلده و يسوى لحمه بقسوة ..
بينما إمتقع وجهه و هو جالسا بتصلب كالطود .. و صوت أنين منهكا هو ما قطع ذلك الصمت الذى بات يصم أذنيه من قوته ...
و تلك الدماء المنسابة تغرق سرواله دون أن يشعر بتدفقها ...
تنهد مطولا بأسى و تابع القراءة ...

《 صحيح كنت بتعامل مع دادى عادى .. و أنا جوايا نار منه .. بس للأسف إبنه ما فرقش عنه كتير .. قرر يبيعنى لراجل أعمال مصرى هيدفع فيا مبلغ خيالى .. أقنعنى فى مرة إن بابا تعب و هو عند الراجل ده فى قصره و لما وصلنا إختفى بحجة إنه هيشوف بابا و بعدها هشوفه أنا و قبض التمن و سابنى و مشى .. الحقير ... 》
رفع عينيه للسماء مناجيا ربه بقوة فذلك القذر كان بين يديه و تركه .. رغم تطاوله عليه و عليها إلا أنه ترفق به من أجلها فابالنهاية ظنه أخ لها مهما كانت أطماعه ..
و لكن ذلك المستوى المتدنى أخلاقيا لم يصل إليه عقله ..
أى نوع من الرجال هؤلاء .. يستبيحون أعراضهم و شرفهم من أجل المال ...
كانت عيناه تهتزان بألم .. و أصبح يرتجف فعليا .. و بداخله رغبة عنيفة للبكاء ..
و أخذ يلتقط أنفاسه بصعوبة أكثر و الألم بقلبه يزداد تشعبا و قسوة ..
و أغمض عينيه متنهدا بقهر و حدة و بمنتهى السلاسة خرجت من بين شفتيه شهقة بكاء خافتة ..
نعم فهو على وشك البكاء و لم لا و هو بشر مثلنا ربما ظروفه صنعت منه جلمودا ثلجيا ...
و لكن ما أخبرته به أميرته وصل به لمراحل غضب مشتعلة أذابت معها بروده الثلجى و حطمت ذلك الجلمود الواهى بداخله ...
و أخيرا فتح عيناه فجأة بقوة بعدما أصبحتا جاحظتين من شدة نظرتهما و بأسها و بمنتهى الهدوء الغير مناسب لحالته رفع ذلك الدفتر مجددا و تجول على طرقات أسطره بنهم ...

《 و فجأة لقيت نفسى لوحدى مع مجد .. إتكلم معايا بهدوء الأول و بعد كده حسيت إن فى حاجة غريبة .. نظراته ليا و جلسته المتحفزة .. فوقفت و كنت ماشية فشد حجابى بالقوة .. و لفنى ناحيته و حاول إنه ... إنه يغتصبنى ..
دافعت عن نفسى كتير و إتخيلت أمى و هى فى نفس الموقف قبل ما يقتلوها .. إحساس صعب قوى .. و مرعب قوى .. 》

ضرب فارس الفراش بجواره بالقوة و هو يتخيلها أمامه و أحد يعتدى عليها .. و يستبح لمسها و إنتهاكها بهذه الطريقة البشعة .. لم يشعر بدموعه التى بدأت فى الإنهمار و منعت عنه الرؤية ..
و شعر بنفاذ الهواء من رئتيه تدريجيا .. و هو يلهث بقوة و شياطين الأرض كلها تآمرت على عقله البائس ..
و شعور غريب بالإنتقام يتملكه .. لو طال ذلك الحقير لنزع جلده ببطء شديد و إلتهم لحمه بأسنانه و إتساع عينيه أصبح مرعبا .. و مجنون ....
و دموعه تنهمر بصمت مؤلم .. و باتت ملامحه أشبه بالرخام البارد .. و هو على وشك الإصابة بالإغماء من شدة شحوب وجهه ...
و وجع غريب يغزو روحه الجامحة و يوشك أن يهزمه إلا أنه قاومه ..
و كفف تلك العبرات الساخنة بقوة و هو يعاود القراءة بألم على ما أصاب أميرته الصغيرة ...

《 جريت على المطبخ و مسكت سكينة و هددته إنى هموت نفسى لو قربلى .. خاف عليا .. و هنا إتأكدت إنه بيحبنى .. فلعبت على شعوره ده ..
و أقنعته إنى ممكن أتجوزه بس محتاجة فترة أفكر و أنسى خوفى منه .. فرح قوى .. و طلب منى أنزل السكينة رفضت .. و لبست حجابى و خرجت من عنده منهارة ..
مش عارفة كنت بعيط ليه يمكن من خوفى أو من صدمتى فى أخويا و سندى فى الدنيا .. بس هو راجل زى أى راجل .. مش غريبة يعنى ..
أنا متأكدة إن اليوم ده أنا صدعتك بصراخى يا فارس ..
المهم رجعت البيت و ما كلمتش علاء فى حاجة .. كأنه ماحصلش حاجة بينا .. وهو مسألش ..
بعدها بأيام عرفت إن مجد عاوز يتجوزنى .. رفضت و باعدين وافقت بس بشرط إن بابا يتنازلى عن نصيبه فى بيته اللى فى مصر .. و وافقوا .. لأن جوازى من مجد كان هينقذهم من موقف شركتهم المالى و اللى كان فى أسوء حالاته بسبب علاء و جريه ورا البنات و القمار ..
أقنعتهم و ضحكت عليهم و رجعت مصر علشان ألاقى عمى خسيس زى أخوه .. آسفة كلمة بابا مالهاش لزوم دلوقتى .. لعبت على إسلام علشان أعرف عنوان تيتة رأفة و عرفته من بسمة الحقودة .. و جيت إنت و حمتنى من إسلام .. حسيت يومها براحة غريبة لما شوفتك و حكيت عنك لليال و أنا مبسوطة قوى إن لسه فى رجالة بجد فى دنيتنا دى 》

صرخ فارس بضيق و قال بدموعه بنبرة متوحشة عنيفة :
- شيفانى راجل يا غزل بعد اللى عملته فيكى .. طب إزاى .. أنا آسف يا عمرى .. و الله آسف .
و إرتجف أكثر و تلك الصرخة المتوحشة التى أطلقها منذ برهة صداها برأسه يكاد يفتك به ...
تابع قراءته و هو يتشبث بالدفتر أكتر قبل أن تخونه يديه و يسقط منه ....

《 نفسى تصدقنى فى اللى جاى .. لما قابلتك تانى .. يوم ما وقفت للبلطجى مسعد .. ما صدقتش نفسى لما شوفتك تانى .. كنت حاسة نفسى بحلم بس أول ما لمستنى و وقفتنى وراك إتأكدت إنك حقيقة مش خيال .. و عرفت بعدها من ليال إنك أخو حمزة و إبن عم رامى ..
فرحت أكتر إنى هقدر أشوفك تانى .. بقيت أيقونة الآمان فى حياتى .. و مرت أيامنا و أنا بتعلق بيك أكتر و أكتر .. كأب شديد و حنين .. و أخ سند و ضهر ..
كحبيب بيوحشنى و قلبى دق بس ليه هو .. لما عرفت موضوع إنك بتحس بيا و إن فيه بينا صلة و رابط أكبر من وصفه أو تصنيفه .. حبيتك أكتر .. و لما إستفزك مسعد و غلط فيا و إتخانقت معاه كنت هموت عليك من قلقى .. و كنت على إستعداد ياخد روحى و لا يأذيك .. 》

تنفس فارس مطولا وهو يشعر بخناجر تخترق قلبه مع كل حرف من كلماتها المؤلمة و قال بصوت متحشرج مضطرب :
- بعد الشر عنك يا عمرى .. ليه بتعذبينى كده يا غزل .. قاصدة توجعينى كده .. ياريتك ضربتينى و صرختى فيا و عرفتينى إنى حمار و مش بفهم و لا تسبينى بعد ما أعرفك بجد .

《 برودك كان بيقتلنى .. كنت خايفة تكون مش بتحبنى .. كنت خايفة تضيع منى .. حبيتك حب مرضى و كنت مستعدة أعمل أى حاجة بس تبقى ليا .. بعترف إنى راهنت نفسى إنى هقدر أوقعك زى اللى قبلك بس مهمتى معاك كانت صعبة قوى ..
لأنك أنضف من اللى قبلك .. كنت فرحانة قوى و إنت بتحمينى من علاء .. و لما طلبت تتجوزنى شفقة .. كان نفسى أخنقك بإديا .. حسستنى إنك مش بتحبنى و إنك بس عاوز تكمل مسلسل إنك أبويا أو أخويا ..
رفضتك و أنا هتجنن .. و لما إتكرر الطلب وافقت لما عرفت بإصرارك عليا .. أقنعت نفسى إنك فعلا بتحبنى .. رغم إن غيرتك عليا فى مواقف كتير قالتها .. نظراتك ليا قالتها .. بس خوفى إنى أكون بوهم نفسى هو اللى سيطر عليا ..
لما بوستنى و إعترفتلى بحبك .. قلبى كان هيقف من الفرحة .. و قولتلك فورا باللى جوايا ليك و إنى بموت فيك .. و إتجوزنا .. و حلمى إتحقق .. بقيت ملكى لوحدى .. 》

قالت له تلك الكلمات بيومهما الأخير .. و أخبرته أنها لن تفارقه و ستظل معه و هو يشعر بها و يحتفظ بها داخل أعماق قلبه ..
كلماتها صادقة .. رغم لين قلبه إليها إلا أنه قاوم غزو أشعتها الفيروزية لقلبه ..
خوفا من الحب ..
وقتها ظنه ضعفا .. و أكثر شعور كان يبغضه هو الضعف ..
لم يكن يقاومها هى .. بل كان يقاوم شعورا لم يختبره من قبل و يغزوه بسرعة جعلته يرتدى قناعه الرخامى أمامها ...

هل عشقته لهذا الحد ..
هل رهانها كان على إخراج حبها من غابات قلبه المهلكة إلا النور ..
إبتسم بسخرية حزينة سوداء على غبائه و تصلب عقله المزرى ..
عائدا بعينيه إليها و هو يراها أمامه و تقص عليه جرحها الدفين المتقرح ...

《 ما كنتش عارفة إنه هيبقى كابوس و وجع أكبر من إحتمالى .. كنت ببان قوية قدامك و أنا بتقطع من وجعى.. قررت أبعد عنك و أنا بحكم على نفسى بالموت .. بعدت عنك غصب عنى بس مش هقدر أشوف الكره ليا فى عنيك .. و برضه مش هقدر أسامحك على اللى عملته معايا ..
هتوحشنى قوى .. ﻷ إنت وحشتنى من دلوقتى .. أكيد هنتقابل تانى بس مش دلوقتى محتاجة أرمم اللي إتكسر جوايا منك .
حبيبى و روحى و أخويا و أبويا و أمانى
فارس
مراتك الشريفة و الله العظيم
غزل 》
أغلق المذكرة و هو فى عالم آخر و تمدد بالفراش على جانبه و وضع كفه تحت رأسه إحتضن بكفه الآخر الدفتر .. و غفى فورا ..
سمه هروب من الواقع .. سمه تأنيب ضمير .. سمه قلب متألم .. لا أستطيع تفسير شعوره .. لأنه ببساطة ..
غفى ...

الحد الفاصل ....

عندما تأخذ القرار الفاصل بحياتك .. بيدك رغم تخبط قلبك و عقلك .. و فجأة تنصب المحكمة ..
و يجلس القاضى الذى ضرب السطح أمامه بمطرقته الخشبية ليصمت الجميع ..
و يقف القلب و العقل أمامه بتحفز .. و يبدأ القاضى محاكمته بسؤاله للعقل المتزمت :
- ماذا هناك أيها العقل .. و ما سبب إعتراضك القوى ذاك .
ليجيبه العقل بإتزان :
- ذلك القلب أنهكنى .. يسير وراء أهوائه مكبل العينين و لا يدرس خطواته .. و بالنهاية يأتى باكيا لى و يطلب مساعدتى .
هز القاضى رأسه بتفهم و طالع ذلك القلب المرهق و سأله بفضول :
- و أنت أيها القلب .. ما هى شكواك .
ليجيبه القلب بهدوء :
- منذ متى و الحب .. يسمى أهوائا .. ربما يبكينى أحيانا و يؤلمنى أحيانا أخرى و لكن بالنهاية أعتبره مرضا لذيذا لا أنتوى الشفاء منه .
خرج العقل عن صمته قائلا بغضب :
- هذا كله هراء .. متى ستقتنع أنه هراء .. تحتمل الذل بمعنى العشق .. تحتمل الإهانة بمعنى العشق .. تحتمل التطاول بمعنى العشق .. فالتفطن أيها الغبى .
فسأله القلب بتذمر صارخ :
- لست غبيا .. بل حالما .. عاشقا .. فنبهنى أيها الذكى ما الذى لا أفطنه ؟!!
أجابه العقل بتعقل كعادته :
- أن العشق يضعف .. يجرح .. يجعلك دمية بيد غيرك يتحكم بك و يسيرك حسب قوانين عقله هو .. لأنه لو وصل لدرجة عشقك السرمدى لنحى عقله جانبا كما تفعل أنت .
لأول مرة يقتنع القلب بمبدأه و لكنه عاد و قال له بمكر :
- ربما ما قلته مقنع و لكن لى سؤال أخير عندك .
أجابه العقل بثقة :
- تفضل بسؤالك عله يقنعك أننا نكمل بعضنا البعض و لم نكن يوما أعداء .
فسأله القلب بفضول :
- لو كان الحب و العشق هراء كما تقول .. لماذا تحتفظ بصورته داخلك و تبثها لكامل الجسد طوال الوقت .
أجابه العقل مسرعا بدون تردد :
- ﻷنه كما قلت سابقا هذا هراء و أنا و أنت متصلين ببعضنا البعض فى الهراء و الهوى .
إبتسم القاضى براحة و قال بسخرية :
- كل ما يحتاجه المرء هو لحظة تصالح مع النفس و تعزيزها قبل أى أحد أو أى شئ .

ألم أقل حدا فاصلا ...

ذلك الحد و الذى يبدو كنصل شفرة حادة .. تارة يجرح و تارة يداوى ....
و يحتاج لجراح ماهر فى التعامل به ....
و الأخطر أنك ستضعه بيدك مكان ألمك و تمرر شفرته ببطء .. و لن تحتاج إلى مخدر قبله .. ستحتمل ألمه و وجعه حتى تستطيع إستأصال مرضك الذى أوهنك ... بيدك ...

حب نفسك و قاوم ضعفك و تحدى قدرك و إرسم القادم بيدك و لا تلتفت للخلف فقط حدد الهدف و إنطلق نحوه .

برقت عينى غزل و إعتدلت فى جلستها بعدما حددت هدفها و تغلبت على وجعها و دارت تروس عقلها مجددا و أضاءت ذلك المصباح الوهمى القابع فوق رأسها ..
و إلتفتت بجوارها و قد إشتعلت عيناها مجددا بلهيبها الفيروزى و تدفقت الدماء بوجهها و طالعته بقوة و قالت بنبرة متحمسة :
- لقتها يا أحمد .
لم يكن يسمعها .. فلم يجيبها .. فقطبت حاجبيها بغضب و وخزته بذراعه و هى تقول بنبرة محتدة و عالية بعض الشئ :
- إنت يا إبنى .. سيب الزفت اللى فى إيدك ده و كلمنى .
إنتفض أحمد بذعر و طالعها بمجون و قال بضيق :
- فى إيه خضتينى .
طالعته بتعجب و قالت بسخرية :
- لا و الله .. و إيه اللى شاغل سيادتك بالموبايل كده .
عادت لمطالعته لهاتفه مجددا بإهتمام و أجابها بهدوء :
- بفيس .
إبتسمت بخفوت و هزت رأسها و هى تطالعه بنظرات هادئة على بساطته و قالت بتعجب :
- بتإيه يا أخويا ؟!!
إبتسم إبتسامة متسعة و أغلق هاتفه و وضعه بجيب بنطاله و قال بمداعبة :
- بفيس .. أى أننى أتابع صفحتى على الفيس بوك .. و أراسل أصدقائى و أسرتى .
لأول مرة يخرج صوت لضحكتها منذ تعبها الأخير و هى تطالعه بهدوء جعله يتنهد بألم و إبتعد بعينيه عنها مطالعا البحر هاربا من مشاعره المتخبطة بينما تسائلت غزل بتعجب :
- و هل أنت عندك أهل أو أصدقاء أصلا .
إلتفت برأسه ناحيتها و قال بنبرة محتدة :
- ليه يا ماما فكرانى لقيط .. طبعا ليا أهل هو صحيح أمى الله يرحمها .
فمدت يدها ناحيته و تضاربا كفا خماسيا و قالت بمداعبة حزينة :
- بصرة يا معلم .. الله يرحمهم .
هز رأسه بشجن و تابع حديثه قائلا بضيق :
- بعد ما ماتت أبويا إتجوز تانى واحدة أصغر منه بشوية .. فإضطر يشتريلى شقة خاصة بيا و كنت عايش فيها لغاية ما طفشت من حضرتك و سبتلك الدنيا و جيت هنا بشتغل فى مستشفى والد واحد صاحبى .. قوم إيه تيجى ورايا لغاية هنا .
ضيقت غزل عيناها و قالت بغضب و هى تصفعه بذراعه :
- تصدق إنك بشع .. أنا غلطانة اللى قاعدة مع أمثالك .
تعالت ضحكاته و هو يتصدى لضرباتها و قال بتهذب عاقل :
- بهزر .. آسف و الله يا دكتور .. آسف .
إبتعدت عنه و كتفت ذراعيها أمام صدرها و طالعت البحر بغضب .. طالعها بهدوء مستمتعا بعودتها مجددا .. ثم لف بجسده ناحيتها و سألها بجدية :
- كنتى عاوزة تقوليلى إيه بقا .
إرتسمت الجدية على وجهها و إلتفتت ناحيته بجسدها و قالت بهدوء متحمس :
- هفتح سنتر كبير .. هيبقى عيادة خاصة ليا و ليك و هيبقى فى قسم جراحة على أعلى مستوى و هنعمل إعلانات إن أى دكتور يحب يعمل عملياته عندنا It's ok .. و كمان هيبقى فى قسم للعلاج الطبيعى .. يعنى سنتر علاجى كامل .
طالعها أحمد ببلاهة و هو فاغرا فمه بتعجب .. فأغلقت له فمه و هى تقول بغضب :
- إقفل بؤك .. و باعدين مش ده الريأكشن اللى بستناه .
إبتسم بخفوت و قال بنبرة ساخرة :
- إبقى إتغطى و إنتى نايمة كويس .. واضح كده إنك كنتى نايمة من غير غطا .
حدجته بتحذير و قالت بحدة :
- شكلى هتغابى عليك .. بتتريق عليا يا أحمد .
أجابها بهزل ساخر و هو يهز رأسه بإستهزاء :
- ما أنا لازم أتريق .. سنتر إيه اللى هتفتحيه .. إنتى عارفة موضوع زى ده يتكلف كام .
رفعت ذقنها بإيباء و قالت بثقة :
- أيوة عارفة .. و مستعدة لأى مبلغ من مليون لتلاتة .
رفع حاجبه بحدة و سألها بتوجس :
- تلاتة مليون .. هو إيه النظام بالظبط .
طالعته مطولا قبل أن تقول بعصبية و ترقب :
- أحمد إنت ممكن لثانية تشك فيا أو فى نزاهتى و نضافة فلوسى .
مرر أنامله بشعراته الشقراء و قال بهدوء متزن :
- أولا أنا لو مش واثق بنزاهتك زى ما بتقولى .. عمرى ما كنت هفتحلك بيتى و إنتى متجوزة كمان .. ثانيا من حقى إن أسألك مبلغ زى ده ممكن يكون معاكى منين .. صح .
لانت ملامحها قليلا و طالعت البحر مجددا و سحبت نفسا طويل لتهدأة إنفعالها و قالت بنبرة ثابتة :
- طبعا من حقك .. أنا عندى شقة و محل فى عمارة ببيت والدى فى أحسن منطقة بالمعادى .. و لما هبيعهم ده هيدخلى مبلغ خيالى .. و أنا حولت كل قرش حوشته فى أميريكا .. كنت عاملة حسابى إنى هرجع مصر .. حتى العربية بعتها قبل ما أسافر و سبتها لصاحبها الجديد فى المطار و كله بالدولار .
ثم تنهدت مطولا و طأطأت رأسها و هى تعبث بالرمال بقدمها و قالت بخفوت :
- يعنى كل قرش معايا من تعبى و لما هبيع الشقة و المحل هيزيد رصيدى للمبلغ اللى قولته و أكتر .
شعر بتسرعه و عودتها للحزن و الإنكسار .. فقال بسرعة بمزاح هادئ :
- طب و لو بعتلك الشقة و المحل تدينى كام .. فرصتى بقا .
إبتسمت بخفوت و رفعت رأسها ناحيته و قالت بمشاغبة :
- و لا مليم .. و هتبيعهم برضه .. بس إزاى .
وضع قبضته أسفل وجنته مستندا على ساقه و قال بعد تفكير :
- أنا أعرف السمسار اللى إشترالى شقتى اللى فى القاهرة و هو صاحب أبويا كمان .. هتصلك بيه بكرة و أخليه يخلصلك فيها .
إبتسمت غزل براحة و عادت لعبثها بالرمال و قالت مغالبة للشعور بالنفور بداخلها :
- و فى حاجة كمان عاوزة أعملها و مش عارفة إزاى .
قطب حاجبيه بقلق و سألها بتردد :
- حاجة إيه دى ؟!
رفعت عيناها ناحيته و قالت بملامح مستاءة عما ستقوله :
- أنا عمى إتنازلى عن المحل بتاعه فى نفس البيت غصب عنه و عاوزة أتنازله عنه تانى .
رفع عينيه بملل و هو مازال متكأ بوجنته على قبضته و قال بريبة :
- إيه يا بنتى هو أنا قاعد مع لغز الكلمات المتقاطعة .. كل ما أحللك لغز يطلع عشرة ... و ماله عمك ده كمان .. و إيه حكاية إنه إتنازلك عن محله غصب دى .
إبتسمت إبتسامة متسعة على هيئته حتى ظهرت نواجذها و قالت بترفق :
- ﻷ كفاية عليك كده النهاردة .. قوم روح علشان تنام و بكرة نكمل .
إعتدل فى جلسته و قال بإهتمام و الفضول يشع من عينيه :
- أبدا .. إحكيلى أول و باعدين همشى .

فى الصباح خرجت دنيا من غرفتها على صوت حركة بالمطبخ .. فوجدت ميناس جاثية أمام المغسلة الكهربائية و تطالعها بتعجب و هى تضغط أزرارها بضيق ...
تعالت ضحكات دنيا الهازئة و قالت بتشفى :
- طبعا واحدة زيك كان فى جيش بيخدمها قبل كده هتشوف الغسالة كائن فضائى .
إلتفتت ميناس برأسها ناحيتها و طالعتها بنظرات محتدة و قالت بضيق :
- ده بدل ما تساعدينى .. واقفة تتريقى عليا .. أفتح باب الزفتة دى إزاى .
إقتربت منها دنيا و إنحنت ناحيتها و ضغطت زر باب المغسلة فإنفتح .. لمعت عينى ميناس و قالت بإعجاب :
- واو .. أول مرة أعرف .. المهم هاتيلى الباسكت علشان أحطهم على المنشر .
ناولتها دنيا إياه فوضعت به ملابسها و إرتدت قبعة سترتها و خرجت فأوقفتها دنيا قائلة بحزم :
- إنتى راحة فين يا هانم .. إنتى هتدخلى البلكونة كده .
تطلعت ميناس لنفسها بتعجب و قالت ببديهية :
- أيوة إيه المشكلة يعنى .
لفت دنيا حولها و هى تطالع بدلتها الرياضية الضيقة و رقبتها الظاهرة و أيضا جزءا من شعراتها و طالعت بقوة تلك الحمرة الخفيفة التى زينت شفتاها .. و ذلك الكحل الأسود الذى أبرز خريف عيناها الخضراء المائلة للون العسلى و قالت بمجون :
- و مش خايفة حد يشوفك و إنتى كده .. من إمتى يعنى .
أجابتها ميناس بإبتسامة هادئة :
- التندة اللى على البلكونة مش هتخلى حد يشوفنى أصلا .
هزت دنيا رأسها بمكر بعدما فهمت مغزى إهتمامها بنفسها و بأمور المنزل و قالت بدهاء عابث :
- بس فى جزء مكشوف من جنب البلكونة و شوفى الصدفة فى البلكونة اللى قصادنا و اللى ما يفصلناش عنها غير شارع صغنن قاعد شاب زى القمر عامل ديل حصان و عينه هتطلع من وشه على البلكونة عندنا .
إتسعت إبتسامة ميناس و إلتفتت و سارت نحو الشرفة و قالت لدنيا بنبرة آمرة :
- دقيقتين و رنى على تليفونى تمام .
أوقفتها دنيا قائلة بتعجب :
- أرن عليكى و إنتى فى البلكونة .. ليه هتوهى و إنتى راجعة الصالة .
إلتفتت ميناس ناحيتها و قالت بنبرة محتدة و نظرات منذرة بالشر :
- اللى بقول عليه يتسمع مفهوم .
و تركتها و دلفت للشرفة بتوجس و بدأت فى طرح الملابس المبتلة على الحبال و هى ترمقه بطرف عينها ..
تطلع حمزة نحوها بعينين جاحظة و هو يطالع لبسها الضيق و تلك الخصل السوداء المتمردة من قبعتها و الأسوء تلك الحمرة التى لونت شفتيها ..
تبدو مشرقة و غير مبالية .. إذا لماذا أخبروه أنها تعانى ببعدها عنه ..
نطلع حوله بقلق لربما رآها أحد بهيأتها المستفزة تلك .. لم يشعر بنفسه و هو يخلع خفه و يقذفها به ..
تلقت ميناس خفه فى ذراعها .. ففزعت و تأوهت من ألم ذراعها و ما أن إلتفتت لترى مصدر القذيفة إذا بالخف الآخر يصطدم بوجهها ...
مسدت جبهتها بألم و دنيا من خلفها منهارة من الضحك حتى أنها و هى ترجع بظهرها للخلف إصطدمت بطاولة الردهة فتعثرت و إختل توازنها و إنكبت على وجهها ...
طالعتها ميناس ناحيتها بتحذير و تشفى بعد سقوطها المثير للشفقة و إعتدلت فى وقفتها و طالعت حمزة بحدة و قالت له بنبرة عالية و تذمر رغم تسبيلة عيناها و هى تتطلع إليه بشوق :
- إيه اللى إنت عملته ده ؟!
خرج عن صمته و هو بتشبث بسور الشرفة و رفع خصره قليلا و أشار لها بحاجبيه قائلا بنبرة متسلطة :
- إدخلى جوة أحسنلك .
وضعت ذراعيها بخصرها و طالعته بجمود و قالت بنبرة متغطرسة :
- و إنت مالك و مالى إنت .
طالعها مطولا قبل أن يقول شرزا بغضب :
- و إيه اللى فى وشك ده .. إنتى راحة فرح على الصبح .
تغنجت بخصرها بدلال و قالت بنبرة غير مبالية :
- مالكش فيه .
إتسعت عينيه بشراسة حتى أنها إنكمشت فى نفسها و وضعت كفيها بجيبى سترتها و هى تتابع صراخه بها بغضب :
- إنتى عاملة فى نفسك كل ده علشان داخلة البلكونة .
أشارت ميناس بهاتفها لدنيا من خلف ظهرها لتنبيهها ...
مسدت دنيا ذراعها التى سقطت عليه و أشاحت بيدها لميناس و هى تتأوه .. و قالت بحدة :
- يا شيخة إجرى .. آه يا دراعى .
بينما أجابته ميناس بصوت رائق متسلى :
- ﻷ طبعا أصل فى واحدة قريبة تيتة لما عرفت إنك هتطلقنى مصممة تزورنى مش عارفة ليه .
عض على شفته السفلى بغل و هو يطالع هيأتها بضجر و قلد نبرة صوتها الناعمة قائلا بسخرية :
- مش عارفة ليه .. بجد و الله .
أشارت ميناس بيدها مجددا لدنيا و هى تطالعه ببرود .. فحملت دنيا هاتفها و إتصلت بها و هى تقول بصوت هازئ :
- يخرب بيت التخلف .. و أنا زى الهبلة بسمع كلامها .
أجابته ميناس بنبرة ثابته و هى تطالعه بتحدى :
- أيوة و الله .. و مصممة جدا .. يا ترى إيه الموضوع اللى عوزانى فيه .. و إيه علاقته بطلاقنا .
رن هاتفها فرفعته و ضغطت زر قبول المكالمة و قالت بصوت عالى لإغاظته :
- ألو .. أيوة يا طنط أخبار حضرتك إيه .
أجابتها دنيا بغضب :
- طنط مين يا بت ده أنا أصغر منك بشهرين .. يا مجنونة يا بنت المجانين .
ضحكت ميناس ضحكة عالية و قالت بدلال زائد :
- طبعا تنورينا يا طنط .. ده أنا بستنى حضرتك و الله .
بحث حمزة حوله عن شئ يقذفها به مجددا فلم يجد سوى علبة سجائره فضيق عينيه و حدد هدفه و صوب ...
هزت دنيا رأسها بقوة و قالت بضيق :
- أجى فين يا مجنونة و مين طنط دى .. إلهى يرزقك بطوبة من واحد أحول تفتحلك دماغك و تفوقك .
و بالفعل إصطدمت شفتى ميناس بعلبة سجائره الطائرة فسقط هاتفها من يدها و لامست شفتيها و هى تتأوه بشدة .. بينما تطلعت دنيا لشاشة هاتفها بتعجب و قالت بقلق :
- إيه ده .. ده أنا لو بدعى لنفسى مش هتتقبل بالسرعة دى .
إعتدلت ميناس بوقفتها و ضربت الأرضية بقدمها و هى تطالعه بإحتقان و قالت بعبوس و قد تقوست شفتيها الصغيرة للأسفل :
- ماشى يا حمزة أنا هوريك .
و دلفت مسرعة و إتجهت لغرفتها و لم تنسى أن تدفع دنيا بيديها فإختل توازنها مجددا و إنكفأت على وجهها و قالت بتأوه متألم :
- آآآه ... صحيح ... آخرة خدمة الغز علقة .

دائرة مغلقة و تدور بها .. مكان مظلم و هوة سوداء تجذبها ناحيتها .. و قد بدأت قدمها فى التخازل و الإنجراف ناحية تلك الهوة .. بحثت حولها عن شئ تتماسك به و تحد من قوة جذبها فلم تجد ...
و فجأة سطع نور شديد جعلها تغلق عيناها من شدته .. و بدأت الإضائة بالخفوت و تجسد أمامها هيئة شخص .. شعرت بالأمان لربما يجذبها و يخرجها من تلك الدوامة التى تجذبها ناحيتها بقوة و ظهرت من العدم والدتها ..
رفعت غزل حاجبيها بتعجب و صدمة .. و إختفت الهوة و وقفت متصنمة تتطلع لوالدتها التى تطالعها بنظرات باردة ...
إقتربت غزل منها و شفتيها بدأتا فى رسم إبتسامة خفيفة إختفت مع نظرات حور المتصلبة ...
سقطت غزل على ركبتيها أمامها من شدة الصدمة و قالت بصوت منفعل :
- ماما .. ده بجد و لا أنا بحلم .. حتى لو حلم ما تبعديش عنى تانى .. أنا إتعذبت من بعدك قوى .
تحركت حور نحوها و ملست على شعراتها و قالت بهدوء :
- تعبتى نفسك بإيدك و نسيتى إن فى رب الكون و إسمه العدل .
سقطت دموع غزل و طأطأت رأسها بخزى و قالت بصوت متحشرج مرتجف :
- غصب عنى .. غصب عنى .
لم تكف حور عن تمليسها لشعراتها و قالت بضيق :
- تيتة زعلانة منك يا غزل .. ليه زعلتيها .
رفعت غزل وجهها ناحية والدتها فلم تجد أحد .. وقفت مسرعة و بحثت حولها بذعر و هى تصرخ بجنون :
- ماماااااا ... أنا مازعلتهاش .. أنا مازعلتهاش ... ماماااااااااا .

إنتفضت غزل بفزع و هى تصرخ .. و جلست على الفراش و دقات قلبها تزايدت بشكل مؤلم .. و تعالت سرعة أنفاسها ..
ذكرت الله بداخلها حتى تهدأ و هى تفكر بما قالته له والدتها و ما الذى أغضب جدتها ...
ترأى أمام عيناها آخر صورة لجدتها و هى توصيها على الفتيات ...
فلمعت عيناها بقلق و وقفت مسرعة و دلفت للمرحاض و أنهت إغتسالها و صلت الضحى و إرتدت ملابسها مسرعة و خرجت من غرفتها
هبطت الدرج و هى ترتدى كندرتها مسرعة حتى أنها كادت تتعثر فأسندتها أم أشرف و هى تقول بتعجب :
- إسم الله عليكى يا بنتى .. مالك مستعجلة كده .
إنتصبت غزل فى وقفتها و طالعت أم أشرف برجاء و هى تقول بإستعطاف :
- عاوزة منك طلب مهم بس هروح مشوار بسرعة و هرجع تكونى عملتيهولى .
طالعتها أم أشرف بجدية و قالت بإنصياع :
- تحت أمرك يا بنتى قوليلى عاوزة إيه ؟!
إبتلعت غزل ريقها و قالت ببساطة :
- عوزاكى تجبيلى نقاب و عباية .
رفعت أم أشرف طرف شفتها بتعجب و قالت بصدمة :
- نعم !!! نقاب .. ليه يا بنتى مش فاهمة .
رفعت غزل عيناها بملل و قالت لها بصوت منفعل :
- هو مافيش حاضر ليه .. لازم يعنى سين و جيم .. هتقدرى تجبيهم و لا ﻷ .
زمت أم أشرف شفتيها و قالت بضيق :
- إيه اللى زرزرك كده بس .. حاضر قبل ما ترجعى من مشوارك أكون جبتهم .
إبتسمت غزل بخفوت و قالت بمداعبة :
- زررنى إيه هو أنا قميص .. عموما بسرعة و تكونى هنا تمام .
ضحكت أم أشرف عليها و قالت بهزل :
- أنا قولت أزررك .. يالا روحى و ما تتأخريش و أنا فوريرة و هبقى هنا .
ربتت غزل على كتفها بود و حملت حقيبتها و خرجت مسرعة و أشارت لسيارة أجرة و توجهت للمشفى التى يعمل بها أحمد .. و طلبت مقابلته و بعد قليل دلفت إليه .. وقف فى إستقبالها بقلق و قال بتوجس :
- فى حاجة يا غزل .. إنتى كويسة .
إبتسمت بخفوت و قالت بهدوء :
- إهدا كده و إقعد لأنى جيالك فى طلب مهم .
جلس على مكتبه و جلست غزل أمامه و هى تراقب إنتظاره لطلبها بتوجس و قالت بخجل :
- ليا طلبين عندك .. و أنا عارفة إنى كده هتقل عليك قوى .
زفر بضيق و قال فاقدا صبره :
- مزهقتيش من كتر الكلام فى الموضوع ده .. إدخلى فى الموضوع على طول .
تنحنحت و قالت بتوتر بادى بصوتها و ملامحها و فركها لأصابعها :
- عاوزة العربية بتاعتك لأنى هروح أجيب ميناس و دنيا يعيشوا معايا هنا .. و أكيد هنقعد فى بيتك لغاية ما أشترى بيت خاص بيا .
أعطاها مفتاح سيارته مباشرة و قال بضيق و هو عابسا ما بين عينيه :
- قلقتينى منك لله .. العربية و صاحبها تحت أمرك يا ستى إتفضلى .
فسألته قائلة بتلهف و هى تلتقط المفتاح منه :
- السمسار صاحبك عمل إيه فى موضوع بيع الشقة و المحل بتوعى .
أجابها و هو يستند بمرفقيه على مكتبه بجدية :
- هو من غير ما يروح و يشوفها لقى مشترى و جاهز ... خلال أيام هيجى هنا يخلص معاكى .. بعد مايشوفها طبعا .
أومأت غزل برأسها و قالت بتمنى :
- يا رب الموضوع ده يخلص بسرعة .. عموما هسافر دلوقتى و هرجع بيهم إن شاء الله و هاخد الفون بتاع أم أشرف لو حبيت تطمن عليا .
تنهد براحة و قال بتوجس حذر :
- كويس .. بس مش خايفة حد هناك يشوفك .
أجابته مسرعة و هى تقف و تحمل حقيبتها :
- ما أم أشرف جابتلى عباية و نقاب .. و كده هى نفسها مش هتعرفنى .. سلام .
و إلتفتت و غادرت .. فقال لها بقلق :
- خلى بالك من نفسك .
لوحت له بيدها و هى مولياه ظهرها و قالت بهدوء :
- حاضر .

جلس رامى بمكتبه بالمصنع شاردا بحبيبته الذهبية .. كلما تركها أمام كليتها يشعر بضيق و غضب من خوفه عليها أن يمسها أحد و لو بنظرة ..
كلما شرد بها تبتسم شفتيه بشوق .. و هو يتخيلها أمامه بإبتسامتها الخجلة دوما .. بنظرتها الحالمة و هى تهيم بوجهه بكلمات عشقها التى تمطره بها و هو غافى .. لكنه يسمعها و يكمل تمثيله و بالنهاية يفقد صبره و ينقض عليها .....
كان جالسا أمام حاسوبه يعمل بشرود .. قبلا إعتقد أنها عندما تصبح ملكه سيرتاح قلبه .. و لكن الراحة هى آخر شعور ممكن أن يشعر به الآن .. كم يشتاق إليها برائحتها بجمالها بعيونها الذهبية .. تطلع لصورتهما معا و التى وضعها على مكتبه و ضحكتها بها تلهب مشاعره .. ثم تطلع بساعة يده فى إنتظار موعد خروجها بفارغ الصبر .

طوال طريقها الطويل من الغردقة إلى القاهرة .. و هى تفكر بهدوء و تتمنى ألا تلقاه .. هذا ما يتمناه عقلها و لكن قلبها الملعون يدعو الله أن يراه و لو لثانية واحدة ..

تسائل قلبها بفضول .. هل يتعذب ببعدها .. هل قرأ مذكراتها .. هل يبحث عنها ..
أم لفظها و طلقها .. و لم يعد يرغب برؤيتها مجددا .. عشرات الأسئلة تدور برأسها و هى تدعوا ربها أن يمر يومها بخير ..
فهى حتى الآن لا تمتلك القوة الكافية التى تمكنها من مواجهته بشجاعة و إيباء كعادتها ...
كلما إقتربت تتوتر أكثر .. و يزداد تعرقها تحت ملابسها الثقيلة تلك و زاد إنقباضها على المقود كأنه تستمد منه القوة ...
ما يدور بخلدها الآن هل سيتعرف عليها أحد ... هل سيعلم بعودتها فيقرر أسرها من جديد ...
أم ما سيقرأه سيجعله يتفهمها و يغفر لها ذنوبها قبله .. تذكرت رؤيتها .. و عتاب والدتها أنها تسرعت و لم تترك القصاص للعدل الجبار .. فإستغفرت ربها بندم و هى تنتوى تغيير حياتها كاملة بداية من ملابسها و أسلوب حياتها .. و لن تستغل جمالها بعد اليوم ..
ستستغل عقلها و قلبها فى المضى قدما بحياتها و التى لن تصلح بدونه هو .. مهما تصنعت القوة و عادت مجددا لسابق عهدها من القوة و المجابهة لأى شخص أو أى شئ ...
قطعت مسافة كبيرة و بقى القليل .. و هى تهيأ نفسها لمواجهتها الصغيرة بأسرتها ....

خرجت ليال من إختبارها سعيدة بعدما أجابت بثقة و تتوقع تميزها بتلك المادة كعادتها ...
أتاها صوت من خلفها قائلا بلهاث :
- آنسة ليال .. يا آنسة .
شددت على قبضة يد حقيبتها و إلتفتت بقلق و هى ترى دكتور تلك المادة التى أدت إختبارها منذ قليل يتقدم ناحيتها مسرعا .. وقف أمامها و قال بإبتسامة هادئة :
- أخيرا لقيتك .. أنا دكتور عمر .
أومأت برأسها و بادلته إبتسامته و هى تقول بتوتر :
- طبعا عارفة حضرتك .. أهلا يا دكتور فى مشكلة .
إتسعت إبتسامته على ذعرها الذى زادها جمالا على جمالها .. لم يشعر بنفسه و هو يتفرس بوجهها الجميل ...
بينما شعرت هى بنظراته نحوها فتطلعت حولها بقلق باحثة عن رامى ..
خرج من شروده بوجهها و قال بعتاب رقيق :
- سألت عليكى الدفعة كلها .. معقول تكونى الأولى بمادتى كل سنة و عمرك ما حضرتى محاضرة واحدة .
أجابته بإمتنان و هى تشعر لأول مرة بحياتها أنها مميزة و هناك من يراها الأولى بشئ :
- شكرا يا دكتور .
و عادت بعينيها مجددا تبحث حولها بقلق .. إقترب منها عمر أكثر مقلصا المسافة بينهما و هو يسألها بإهتمام :
- كنتى بتذاكرى إزاى و إنتى ما تعرفيش عن المادة حاجة غير من الكتاب اللى قدامك .. و ليه ما كنتيش بتحضرى و إنتى كويسة و مافيش حاجة تمنعك .
عادت بعينيها إليه فوجدته يقف بمقربتها فتشبثت بذراع حقيبتها أكثر بتوتر و خوف ....
لم يقترب منها شخص هكذا من قبل .. و شعور من الرهاب المرضى بدأ يغزوها ....

وقف رامى أمام كلية ليال و لم يجدها تقف كعادتها بإنتظاره .. صف سيارته و ترجل منها باحثا عنها ..
إقتربت منه زميلتها تلك المعجبة به و قالت له بمداعبة سمجة :
- الكلية نورت يا باش مهندس .
إلتفت برأسه ناحيتها و طالعها بإذدراء من أعلاها لأسفلها .. و أشاح بوجهه عنها و أجابها بفتور :
- أهلا .
وقفت أمامه و طالعته بهيام و قالت بدلال زائد و هى تحدجه بقوة :
- هو إنت بتدور على ليال .
أومأ برأسه و عينيه تدور بكل مكان باحثا عنها و أجابها ببرود :
- أيوة .
حتى وجدها تقف مع رجل غريب و تسمعه بإنصات .. صك رامى أسنانه بقوة و هو يقترب منهما تاركا خلفه تلك الحمقاء تحترق من نارها ..

لاحظت ليال تقدمه نحوها بتحفز و غضب يطل من عينيه و صكه لأسنانه فارتعبت .. و إبتعدت مسرعة بعدما إستأذنت من أستاذها بأدب ..
تطلع رامى إليه بضيق و جذبها من رسغها بالقوة و سألها بغضب كاد يلتهمها :
- مين اللى كنتى واقفة معاه ده .
إبتلعت ريقها بصعوبة و قالت بتلعثم :
- ده .. ده دكتور عمر .
فسألها رامى بعصبية :
- تشرفنا .. واقفة معاه ليه بقى .. و ماله كان هياكلك بعنيه .. و إنتى واقفة متنحة ليه قوى .
أومأت برأسها نافية و قالت بخوف :
- لا و الله مافيش حاجة من اللى إنت بتقولها دى .. ده .. ده كان عاوز يتعرف عليا علشان أنا بطلع الأولى فى مادته رغم إنى مش بحضر بس و الله .
ضحك ضحكة عالية و قال بسخرية :
- عاوز يتعرف عليكى مش كده .
ثم إقترب منها إقتراب خطير حتى باتت أنفاسه الساخنة تلفح وجهها و قال بنبرة قاتمة :
- و يا ترى بقا إتعرفتوا و لا أنا قطعت عليكم وقفة التعارف دى .
أطرقت ليال رأسها بضيق من كلماته و قالت بضيق :
- يا رامى حرام عليك مافيش حاجة حصلت لكل ده .
قبض كفه و رفعه ناحية وجهها فرمشت بأهدابها بسرعة من خوفها و هى تستمع لقرقعة عظام يده و هو يهدر بها بعصبية و يطالعها بنظرات مهتاجة :
- و كنتى عاوزة إيه يحصل يا هانم .. نكمل كلامنا بقا فى البيت .. قدامى .
و جذبها بقوة لسيارته .. إستقلتها و دموعها بدأت فى الهطول كعادتها بضعف .. و هى تخشى من مصير فعلتها البريئة ....
صعد رامى سيارته و هو يتوعدها ما أن يصلوا لمنزلهما .. يجب أن تدفع ثمن تجاهلها لأوامره .. هذه المرة لا غفران و لا ضعف أمام جمالها .. سترى منه وجهه الآخر لتتعلم الدرس جيدا ....
نعم فهناك من سيتعلم الدرس جيدا و لكنه سيدفع ثمنه غاليا ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات