رواية ظل البراء الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم آية احمد عرفة
21 "ظهرٌ لا يميل"
الرفيق هو الذي يكون ظهرًا لظهرٍ بجانب المحن التي نتعرّض لها، فما بالك بالأخ الذي يكون سندًا، حتى وإن غاب يظل هكذا بحضوره.
قلت له: ما الفرق بين الأمان والخوف؟
قال: الخوف في فقدانك، والأمان في وجودنا بجانب بعض.
ما أجمل العلاقات حين يكسوها الأمان من طرَقات الدنيا.
ــــــــــــــــ
كان كلٌّ منهم ينتظر خبرًا يطمئنهم عن أخيهم. ظلّ الوقت يداهمهم دون أي جديد، وكانت عقارب الساعة بالنسبة إليهم تأبى التحرك، كأنها تعاندهم في وقتٍ كهذا.
ليُفتح الباب ويخرج الطبيب، فاقترب براء مسرعًا:
"هو كويس، صح؟"
أومأ الطبيب قائلًا:
"حاليًا هيتنقل على العناية المركزة، بس الحمد لله العملية عدّت على خير. الحادثة أثّرت على دماغه بجانب بعض الكدمات السطحية، وكمان ذراعه اليمين اتأذى من شظايا زجاج النافذة أثناء الحادث، لكن كل دي إصابات سطحية."
هتف عمران بقلق:
"عملية إيه اللي في راسه؟"
نظر إليهما الطبيب:
"هو كان متعرّض لضربة قبل كده على راسه."
تبادل براء وعمران النظرات، فهما لا يعلمان شيئًا.
ثم هتف عمران:
"لا، بصراحة معرفش... بس ليه؟"
قال الطبيب بعملية:
"من الواضح إنه اتعرّض لإصابة في راسه قبل كده، بس ما لجأش لإجراء طبي يعالجها. وأثناء الحادث اتعرّض لضربة في نفس المكان، وده أدى إن الجرح يتفتح تاني، فاضطرّينا نعمل تدخل جراحي. كمان كان فيه جرح سطحي في بطنه ناتج عن سكين صغير، بس متقلقوش، أخدنا كل الاحتياطات اللازمة والحمد لله مفيش نزيف داخلي."
ثم أضاف:
"هيفضل في العناية المركزة لحد ما يستعيد وعيه... الحمد لله على سلامته."
تركهم الطبيب ومضى، فهتف عمران بضيق:
"الدكتور بيسألنا عليه، ومعندناش إجابات... كأنه غريب عنّا، منعرفش عنه حاجة."
ثم نظر إلى براء:
"إنت معاك عذرك، ماما عمرها ما كانت هتخليك تشوفه. إنما أنا... أنا اللي قصّرت. بابا كان عارف إنك مش هتقدر تشوف عمار، عشان كده وصّاني عليه، وأنا ما كنتش قد الوصية الوحيدة اللي وصّاني بيها. ضيّعت نفسي في الغربة، إزاي كنت مستني إني أقدر أحافظ عليه؟"
غريبٌ هو الإنسان؛ يلوم نفسه على ما فشل في الحفاظ عليه، رغم أنّ الفرصة ما زالت قائمة إن لم يُهدرها قبل فوات الأوان.
نُقل إلى العناية المركزة، فتوقف براء يتطلع إليه من خلف الزجاج. لا يعرف كيف تضعه الحياة في موقف كهذا. كم تمنى أن يلتقي بأخيه، لكن لم يخطر بباله قط أن يكون اللقاء الأول من خلف زجاج العناية. فحمد الله أن الأمر انتهى على هذا النحو.
أغمض عينيه بإرهاق، ثم فتحهما ونظر إلى عمران الجالس على الكرسي المعدني، شاردًا، كأنه يحمل أطنانًا من الهموم فوق كتفيه.
كم هو مؤلم أن تشعر بأنك على وشك فقدان أقرب من تملك، لكن لعلّ هذا الطريق يكون بداية جديدة سيعبرها الجميع.
جلس بجواره وقال:
"ممكن تهدأ؟ الدكتور قال إنه هيستعيد وعيه وطمّنّا."
هتف الآخر:
"آه... قال كده، بس مش هيرتاح بالي غير لما يفوق وأسمع صوته."
ثم نظر إليه وأضاف:
"براء، أنا حتى ملحقتش أتكلم معاه... شوفت الحادثة قدّام عيني. في لحظة كل حاجة انتهت، ومكنش في إيدي حتى أعمل حاجة."
وضع يده على ساقه يحثه على الهدوء:
"اللي حصل حصل. دلوقتي نستنى لما يفوق ويتعافى، وبعدين ناخد خطوة إنه يبطل السم اللي بياخده بأي طريقه. دي أول حاجة لازم نعملها... نساعده يبطل."
أومأ بتأكيد، فقد كان محقًا. أهم ما يشغلهم الآن أن يقلع عن هذا الإدمان الذي يشبه السم؛ يتآكل الجسد ويمتص الصحة. هو أكثر من يعلم ماذا تفعل تلك البودرة.
وهو من حمى من يتاجرون بها، استعمل مهنته بطريقة غير شرعية؛ كان يُخرج الظالم ويضع مكانه المظلوم، يفعل أي شيء مقابل المال والسلطة. وها هو أخوه أحد المدمنين، وهو نفسه من كان يدافع عمّن يتاجرون بهم. من وجهة نظره، تلك أسوأ عقاب قد يتعرض له.
ـــــــــــــــــــــ
في السيدة زينب، وداخل بيت الزيني، كانت سكن بغرفتها ما زالت مستيقظة. كيف للنوم أن يأتي مع كل هذا القلق؟ فقد شاهدته من النافذة عندما استمعت إلى صوت سيارة تدور، لتراه يذهب، ولا تدري ماذا حصل. والقلق يتسلل بداخلها، ولا تريد إفاقة أحد حتى لا تقلقهم.
ارتدت الإسدال في النهاية وخرجت من الغرفة. ذهبت إلى المطبخ لتعدّ لنفسها كوب ينسون دافئ، لعله يبثّ فيها بعض الهدوء. لا تعرف ما هذا الشعور؛ طوال حياتها كانت تقلق على أخيها أدهم فقط، ولكن آخر شيء توقّعته أن يأتي يوم وتقلق على رجل آخر، أو بالأصح، على زوجها، لكنها لا ترغب بالاعتراف بذلك.
أما في الغرفة الأخرى، فقد غفت هند؛ يكفي فقط أنه ليس مع سكن، هكذا ارتاح قلبها، وانعمت بنومٍ عميق، غير متسائلة أين هو، ولا ماذا حدث معه ليهرع بتلك الطريقة المفزعة.
هكذا هو الحب؛ من نحبهم بصدق نقلق عليهم، ويشغلون تفكيرنا، أما من لا يعنون لنا شيئًا، فلا نفكر بهم، ولا نوليهم اهتمامًا، حتى وإن كانوا في عزّ ضيقهم.
وهنا نتذكّر مقولة براء: الفرق بين السماء والأرض، لا مقارنة بينهما.
ـــــــــــــــــــــ
كانوا يجلسون بمكانهم، نظر براء في ساعته، ثم نهض قائلاً:
"الفجر هيأذن قوم خلينا نتوضأ يلا".
لكنه الآخر ظل مكانه، فهتف براء بهدوء:
"عمران مش معني أن إحنا في ضيق وهم ناخده حجه عشان مش نصلي ونقول مش وقته، ده اكبر غلط عشان الوقت ده بيكون اكتر وقت محتاجين تقرب فيه اكتر من ربنا وندعي بأن البلاء ده يعدي على خير".
أومأ الآخر بابتسامة، لا يعرف هل لو ما عنده اخ مثله ماذا كان سيفعل. في كل مرة، براء يثبت له أنه كان محق عندما لقبه بالظل، فهو قادر بالفعل أن يكون ظلاً لمن لا ظل له.
نهض معه ليذهبوا إلى مسجد بجوار المستشفى. تمنى وهو يتوضأ لو يقدر أن يغتسل من جميع ذنوبه،
ويترك كل أثقال قلبه خلفه مع الماء الذي يجرفها عن يديه.
ـــــــــــــــــــــ
حلّت شمس الصباح عليهم، بين من ضاع، ومن اختار طريقه، ومن كان على حافة الهاوية، وبقي براء بجانب عمران بعد أن رفض أن يتركه ويأتي له الصباح.
دلفوا إلى الغرفة بعد أن أخبرتهم الممرضة أنه في مرحلة الإفاقة. نظر عمران إليه قائلاً برفق:
"عمار... عمار حبيبي، رد عليا"
لكنه كان ما بين الوعي واللاوعي، واسم واحد فقط يتردد من بين شفتيه:
"أهلة"
نظروا إلى بعضهم البعض بلا فهم، ثم هتف عمران مرة أخرى:
"عمار... قصدك إيه؟ مين أهلة؟"
فتح عينه ببطء، ورمش عدة مرات ليحاول استعادة وعيه. وقع نظره على عمران، ثم وجه بصره إلى الشاب الآخر بجانبه، لتكسو علامات الاستفسار وجهه، ثم هتف أخيرًا:
"انتوا مين؟"
صمت، ثم زاغ بعينه في الغرفة قائلاً:
"أنا فين؟"
رد براء:
"في المستشفى."
تذكر الحادث ليطمئن بعض الشيء، ثم سأل:
"فين ماما وبابا؟"
3
صمت عمران وهو يطالعه بصدمة، أما براء فلم يكن أقل صدمة. كيف له أن ينادي زوج أمه بهذا اللقب؟ أما عمران، فكان سؤالًا واحدًا يلح عليه: كيف له أن ينادي قليل الشرف "بابا"؟
ـــــــــــــــــــ
في حي الزمالك وداخل شقة آل نصار، كان يجلس بغرفته الضيق بادئًا على وجهه. ها هو مازال بأول يوم فصل وقد مل كثيرًا هذه ليست عادته. قد تذكر عمله وعاد في ذهنه إلى عمران الزيني سيحاسبه على هذا قريبًا جدًا، كان ينتظر فقط رجوع عمله ليُرد له الموقف أضعافًا مضاعفة.
خرج من غرفته لينظر إلى والدته متسائلًا:
"نور فين؟ مش النهارده السبت، مفيش مدرسة؟"
أومأت والدته:
"في أوضتها."
هتف بضيق وهو يسير إلى غرفتها:
"ايه؟ من امبارح قاعدة في أوضتها؟"
قال ذلك ليطرق الباب ودلف. كانت تجلس على المكتب وبعض الكتب مفتوحة أمامها، دليلًا على مذاكرتها. نظر إليها وقال:
"مش بتزهقي من المذاكرة؟"
نظرت له بابتسامة:
"ثانوية عامة بقى زي ما حضرتك بتقول، بحاول أهتم بدراستي."
ابتسم لها قائلاً:
"ايه رأيك نخرج أنا وانتِ؟"
نظرت له باستغراب:
"ليه؟"
طالها بدهشة، ليست هذه ردة فعلها التي توقعها. حين كان يقول ذلك، يشرق وجهها وتتناعم الفرحة في نبرتها. نظر إليها بضيق:
"مش عاوزه تخرجي معايا؟"
نفت سريعًا:
"لا لا، أكيد حابه أخرج، بس حضرتك بقالك كتير أوي مش خرجتني."
أومأ بأسف:
"عندك حق... طيب يلا سيبي المذاكرة وقومي
خدي بريك النهاردة."
قال آخر حديثه وغادر الغرفة. تنفست الصعداء، ثم فتحت الدرج وأخرجت الهاتف، وضعته على أذنها وهمست:
"لؤي، هكلمك بعدين... بقى باي."
لتغلق المكالمة ثم أزالت رقمه من السجل، لتنهض وتتجهز لتخرج معه مثلما قال.
«هي خائفة من أخيها، لا من الله. كم نقهر من يفعلون ذلك وهم في غفلة مستباحة!»
ــــــــــــ
داخل بيت الزيني قد علم الجميع أنه ليس بالبيت، وقد اتصل عليه مهاب لكنه ما رد على اتصالاته.
نظرت مفيدة إلى هند:
«يعني هو مشي ليه؟»
هتفت هند بهدوء:
«معرفش، جالوا مكالمة، مشي من غير ما يسمع مني حاجة.»
كانت تجلس سكن تستمع إلى كل هذا، لتنظر إلى أميرة وهي تنهض:
«تعالي ثواني.»
سارت أميرة معها بعيدًا نسبيًا عنهم، ثم هتفت سكن:
«هاتي رقم براء.»
نظرت لها بعدم تصديق ماذا تقول؟ ليس معها رقم زوجها! ثم صاحت أميرة بدهشة:
«مش معاكِ الرقم؟»
نفت سكن قائلة:
«مجاش فرصة، هاتيه.»
التقطت أميرة الهاتف من يدها، ثم سجلت الرقم وأعطته لها قائلة:
«بقى عندك...»
ثم أضافت بابتسامة:
«سميته قرة عيني.»
لتتركها وتذهب، لتبتسم سكن بخفوت، ثم اتصلت عليه لكنه ما رد، فكتبت له عبر الواتساب:
«أنا سكن، طمني انت فين.»
ظلت تنظر إلى الرسالة بتردد لتأخذ قرارها وترسله له، ثم ظلت تنتظر ليظهر لها علامة تدل على استلامه للرسائل. بعد ثوانٍ معدودة، صدح هاتفها بإشعار.
نظرت إليه بلهفة، كان يكتب:
«تفرق معاكِ تعرفي مش أحسن ما كنتي صحيتي اتخضيتي لو لقتيني جنبك.»
ازادت بسمتها، وتمنت لو تكتب له أن النوم قد هرب من عينيها أثر قلقها عليه، لكنها تخجل أن تفعل ذلك، فكتبت:
«هما هنا عاوزين يطمنوا عليك، مش أنا خالص على فكرة.»
لتبعث له الرسالة، ليبتسم الآخر، فهو يعلم أنها هي أكثر من تريد معرفة مكانه، يعلم أنها تريد الاطمئنان عليه لكنها تكابر أن تعترف بهذا، ليكتب
«البراءةُ تسكنُ عينيكِ،
فاستوطنتِ قلبي دون إذنٍ، يا سكني.
قولي، أيُّ دَهاءٍ يفوقُ هذا؟
أهذا هو الفؤادُ الذي قالوا إنّه يهوى؟
أمّا الغزلُ في عينيكِ،
فكان سهمًا أصابني...
حتى نسيتُ كيف يُقاوَمُ الهوى.»
صدمت لدرجة أنها أحست أن الهاتف على وشك السقوط من يدها. دلفت إلى الغرفة، حتى لا يأخذ أحد باله من توترها، ثم جمعت شتاتها وكتبت:
«احذر لتصاب بالفعل.»
ابتسم، لكنه قد قرر: سيتعرف بحبه، استحالة أن يخفي مشاعره أكثر من هذا، يكفي. فهو يعلم أنها سكنه الذي لا يزول، ليكتب.
"وما الهوى إلا سلطان،
نثر العشق بشغاف قلبك الهموم،
كتعويذة تعزف لحن الغرام المسحور."