رواية ظل البراء الفصل العشرين 20 بقلم آية احمد عرفة
20 "صراع أخوي"
هل ستترك يدي حين أسقط، أم ستتذكّر الآية: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾؟
هل ستكون عضدًا لي، أم خنجرًا يغرس في قلبي؟
.
.
.
.
أطفأت الهاتف فور فتح باب الغرفة، لتقترب والدتها منها بنظرات يملؤها الشك.
"كنتي بتكلمي مين؟"
هتفت نور بكذب:
"هكلم مين يعني؟ كنت بتفرج على فيديو مش أكتر.
لكن نظرات الشك لم تفارق عيني والدتها"
ثم قالت بنبرة تحذير:
"شوفي يا نور، إنتِ مش عاجباني بقالك كام يوم، ولو فضِل حالك كده هقول لأيوب وهو يتصرف معاكي. وإنتِ عارفة أخوكي، معندوش بين البنانين… يا أسود يا أبيض."
ثم وضعت يدها فوق كتفها وضغطت قليلًا:
"اعرفي مصلحتك يا نور أحسن، عشان ساعة ما شكوكي تتأكد، تبقي إنتِ اللي حطيتي نفسك في الوضع ده، ومتيجيش بعد كده تعيطي."
وتركتها وغادرت الغرفة.
زفرت نور بضيق، وألقت بالهاتف فوق السرير. لم تكن تعلم ماذا تريد بالضبط، لكنها كانت تدرك أنها تُساق إلى طريقٍ خاطئ، ومع ذلك كان فضولها يقودها للاستمرار.
غافلةً عن أن كل ما تفعله حرام، وأنه إن كان ربها قد سترها اليوم، لعلها تتعظ فالغد لا يمنح سترًا
..
..
..
..
غادر أويس بعد أن احتسى الشاي، ليأخذوا أدهم ويهبطوا إلى الشقة. جلسوا معًا، إلا حمزة الذي دلف إلى غرفته، وفي غرفةٍ أخرى كانت تجلس أميرة بصحبة سكن وسندس.
في غرفة المعيشة، نظر أدهم إلى براء قائلًا:
"بصراحة، النهارده تقبلت أويس نوعًا ما، بس فكرة إني كل ما أبص في خلقته أفتكر إنه أخو أيوب، بتقفلني قفلة منه."
هتف براء بتفهّم:
"خليك لين يا أدهم، خلي قلبك واسع شوية، هو ملوش ذنب، مش عمل فيكم حاجة وحشة."
أومأ بموافقة:
"عندك حق."
ثم أضاف:
"بس بجد انبسطت أوي باليوم."
وتابع بهمسة:
"كمل جميلك وهاتلي سكن أتكلم معاها قبل ما أمشي."
ثم أردف بحزن:
"نفسي تصفي من ناحيتي بقى."
أومأ له، ثم نهض واقترب من الغرفة التي يجلسون بداخلها، وطرق الباب بخفة. في الداخل، جلبت سندس خمارها لتلفّه، ثم فتحت أميرة الباب قائلة:
"أجبلك حاجة؟"
هتف نافيًا:
"لا، بس نادي سكن، عاوزها."
دلفت مرة أخرى، ونظرت إلى سكن:
"براء عاوزك."
نهضت وخرجت قائلة:
"في حاجة؟"
نظر إليها:
"أيوه، يعني أدهم عاوز يتكلم معاكي قبل ما يمشي."
أومأت بموافقة وخرجت. كان مهاب قد أتاه اتصال، فنهض، لتقترب وتجلس بجوار أخيها، بينما تركهم براء على راحتهم ودلف إلى الشرفة؛ فهو يعلم أن الأخ يحتاج مساحة خاصة لمحادثة أخته، خصوصًا إن كان سببها العتاب.
كانا يجلسان، فنظر إليها قائلًا:
"سكن، أنا تاني مرة أجي هنا وإنتِ بتتجاهليني، مبقتش قادر أستحمل الأسلوب ده."
.
وتابع:
"إنتِ عارفة إنك غالية على قلبي أوي، وعاوزين نرجع زي زمان، نتكلم ونفتح قلبنا لبعض. من ساعة ما اتجوزتي وإنتِ حتى ما عملتيليش مكالمة واحدة."
قالت بهدوء:
"أدهم، إنت كنت السبب إني أجي على البيت ده ساعة ما قررت جوازي من غير حتى ما تسمع رأيي."
ثم زمّت شفتيها بضيق وتابعت:
"بس هتاخد رأيي ليه؟ أنا كنت بالنسبة لك فضيحة، وعاوز تخلص منها وترميني في أي جوازة والسلام."
انهمرت عباراتها:
"أنا حتى مش قادرة أنسى ضربك ليا... ساعات بسأل نفسي إزاي هونت عليك تعمل فيا كده، بس مش بلاقي إجابة تداوي قلبي اللي اتكسر."
كادت أن تنهض، لكنه أمسك يدها حتى لا تهرب من أمامه؛ يكفي، يريد أن يتصافى معها حتى تهدأ من ناحيته. قال بهدوء:
"أنا عارف إنك شايلة مني، بس وغلاوتي عندك كفاية، خلينا نرجع زي الأول."
وتابع:
"ضميري بيأنبني لغاية النهارده عشان اتسرعت واتغبيت، بس قلبك أبيض يا سكني، أنا طول عمري بقول إنك أعقل مني."
ثم أضاف:
"إنتِ اللي دايمًا بتطيّبي جراحي بكلامك."
أمسك يدها برفق وقبّلها، ثم قبّل رأسها:
"أنا آسف... حقك عليّ راسي يا ست البنات."
وأضاف:
"أصالحك بقى؟ طب إيه رأيك أجيبلك الشوكولاتة اللي بتحبيها وغزل البنات وـــ"
ابتسمت تتمتم:
"بس، بس... أنا مش زعلانة خلاص."
قالها بشك وهو يرمقها:
"بجد؟"
أومأت برأسها:
"بجد."
ثم تنهدت وتابعت:
"بس لو ليا خاطر عندك، بلاش تتسرع في أي موقف وتسيب غضبك هو اللي يسوقك."
أومأ هاتفًا:
"وعد، مش هتقرر تاني أبدًا."
ابتسمت له، أما هو فتنهد بارتياح بعد أن نال مصالحتها.
في الطابق العلوي، كانت هند تجلس مع والدها، الذي سرد عليها الماضي، وأخبرها أن أخاه تزوج مرة ثانية، وأن زوجته الثانية هي مفيدة.
نظرت بصدمة:
"مش معقول... يعني عمي اتجوز واحدة غنية، وبعد كده اتجوز من هنا؟"
أومأ:
"أيوه، أعجب بيها، كانت دولت زميلته في الكلية. الاتنين حبوا بعض، واتقدم لها، أهلها في الأول عارضوا، بس بعد كده وافقوا."
وتابع:
"بعد الجواز بدأت المشاكل، دولت رفضت تيجي تعيش هنا في السيدة زينب، وهو معرفش يقنعها، وهي أثرت عليه يفضل معاها في الفيلا، ووافق."
أكمل بضيق:
"كان كل أسبوع ييجي يطمن على أمي وأبويا، بس كل مرة كان بييجي مهموم أكتر من اللي قبلها. لغاية ما عدى خمس سنين، وجيه لأبويا وقال له إن مراته مش بتخلف، وقرر يتجوز."
ثم أضاف:
"أبويا رشح له مفيدة، بنت صاحبه وجارتنا، معروفة بأخلاقها، وأهلها معارضوش. بس الصدفة إن بعد الجواز بأيام دولت عرفت إنها حامل، ومفيدة كمان حامل."
تابع:
"فرح بعِمران وخلفته، وبعدها بكام يوم فرح ببراء، وبعديها جاب أميرة ومهاب، ودولت جابت ولد تاني، وبعد كده طلقها."
وأردف:
"وجي استقر هنا في السيدة زينب، وبعدها رزق بحمزة. وفوق كل ده، هو اللي وقف في محل العطارة، عمره ما خالف أبويا، وكان بار بيهم."
ثم قال بغيرة:
"بعد ما كان بيحفى على ضفر عيل، ربنا فتحها عليه بخمس ولاد."
نظر إلى ابنته محذرًا:
"أوعي براء يعرف إن العيب منك... لو عرف مش هيبقى على حد. دول سبع سنين يا هند، فاهمة يعني إيه؟"
وضعت زوجته صينية عليها كوبان من الشاي قائلة:
"يعني ندعي إن براء ميعرفش، وإلا الله أعلم رد فعله هيكون إيه، غير إنه هيطلقك طبعًا."
أومأت هند، ثم نهضت قائلة:
"أنا نازلة، كفاية كده."
لفّت حجابها وغادرت. هبطت إلى الأسفل، أخرجت المفتاح وفتحت ودلفت إلى الداخل. كان أدهم ما يزال يجلس مع أخته، فاقتربت قائلة:
"السلام عليكم."
نظر أدهم إليها باستفهام، فتابعت:
"إنت أخو سكن، صح؟ أنا هند، ضرتها."
ازداد ضيقه، فخفض نظره وأومأ:
"أهلًا."
تابعت:
"متخافش على سكن، شايلنها على كفوف الراحة، مش كل الضراير لازم يمسكوا في خناق بعض."
استمع مهاب إلى صوتها، فدلف مسرعًا إلى الشرفة منبهًا أخاه:
"هند نزلت وبتتكلم مع أدهم."
لم ينتظر سماع كلمة أخرى، ودلف إلى الداخل، ثم نظر إليها:
"روحي إنتِ."
أومأت باحترام ودلفت إلى غرفتها. زفرت سكن ونهضت لتذهب إلى الغرفة حيث تجلس أميرة وسندس، ثم عاد براء ينظر إلى أدهم:
"اتصفيتوا؟"
أومأ:
"الحمد لله."
نهض:
"أنا لازم أمشي، كفاية كده، ورايا شغل بدري."
أومأ براء بتفهم:
"هشوفك تاني قريب... وماتقلقش على سكن
يا أدهم، هي في عيني."
ابتسم أدهم بارتياح:
"طيب ممكن تنادي سندس عشان أمشي."
أومأ وذهب يطرق الباب، فخرجت أميرة، وأخبرها أن أدهم سيغادر، فخرجت سندس بعد أن سلمت على أختها، وذهبت مع أخيها.
جلس براء، ثم نظر إلى مهاب قائلًا:
"عمران فين؟"
أجاب الآخر:
"والله ما أعرف، من ساعة ما نزلنا من فوق وهو اختفى."
أومأ، لتخرج هند وتجلس وهي تنظر إليه:
"أعملك شاي؟"
هتف رافضًا:
"لا، لسه شارب قهوة مع أدهم."
أومأت بتفهم، ثم خرجت فريدة وجلست فوق ساقه، فهتفت أميرة:
"انزلي يا حبيبتي، عيب."
ضمها براء إلى أحضانه:
" أميرة خالها تعمل اللي هي عاوزاه."
نظرت إليه:
"طيب، إنت وعدتني لما أخف هتخرجني، صح؟"
أومأ بنعم، فقد وعدها بالفعل.
تابعت بحماس:
"طيب يلا نخرج دلوقتي."
كاد أن يرد، لتسبقه هند:
"فكرة حلوة، وأخرج معاكم."
نظرت إليها فريدة بعبوس:
"لا... طنط سكن هي اللي هتيجي معايا."
غضبت هند، لكنها حاولت السيطرة على نوبة غضبها، فلو بيدها لطبقت على عنق تلك الثرثارة الصغيرة.
هتفت فريدة مرة أخرى:
"قولت إيه يا خالو؟ نخرج أنا وإنت وسكن."
نظر إلى سكن التي أتت للتو واستمعت إلى آخر حديثها قائلاً:
"ايه رأيك؟"
نظرت له بتردد، ثم التفتت إلى هند التي كانت ترمقها بنظرات مشتعلّة، لتحسم أمرها قائلة:
"موافقة طبعا."
اغتاظت هند عند هذا أكثر، فنهضت وذهبت إلى غرفتها. ثم هتف مهاب وهو ينظر في الهاتف:
"حارقك أوي بس مش قادرة تتكلمي!"
2
هتف براء محذراً:
"مهاب!"
رفع مهاب نظره ببراءة، قائلاً:
"بلعب بابجي يا براء، في إيه؟"
تنهد براء، ثم نظر إلى سكن:
"قومي البسي يلا."
نهضت سكن ودلفت إلى غرفتها، ثم هتفت أميرة:
"تعالي يا فريدة يلا، أغيرلك هدومي."
أومأت فريدة ونزلت من على ساق خالها، وذهبت مع والدتها.
نظر براء إلى مهاب:
"فين حمزة؟"
هتف مهاب:
"في أوضته بيزود المعلومات الفلسفية اللي عنده."
ابتسم براء على حديثه، قائلاً:
"بطل بقى طريقتك دي."
ثم أضاف:
"غريبة إن عمران مشي من غير حتى ما يقول حاجة خالص."
"حاجته جوا هيرجع"
قالها مهاب وهو يتابع تصفحه بالهاتف.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
فى الشيخ زايد، دلف إلى الفيلا ليوقف أحد العاملين.
"ماما فين؟"
هتف باحترام.
"فزق في أوضتها."
تابع صعوده إلى الأعلى يسير، وهو يحاول تذكر أين كانت تقع غرفة والدته. توقف وهو ينظر حوله، فإذا بوالدته تخرج من الغرفة، هتفت بعدم تصديق:
"عمران!"
نظر لها، لتقترب منه وتعاتبه:
"بقى كده تمشي امبارح وتسيب البارتي اللي عملته ليك مخصوص؟"
زفر بضيق، قائلاً:
"ماما لو سمحتي خلينا نقفل الموضوع ده احنا فى النهارده"
ثم تساءل:
"فين عمار؟ عاوز أشوفه."
هتفت والدته:
"مش هتلاقيه، زمانه خرج."
أومأ قائلاً بسخرية:
"على كده بيتواجد في البيت امتى؟"
هتفت بتأفف:
"في إيه يا عمران، جاي تشوفني ولا جاي تحقق معايا؟"
زفر بضيقٍ وقال:
"أنا ماشي."
كاد أن يذهب، فأمسكت بذراعه.
"استنى هنا… هو إنت قعدت فين امبارح؟"
ثم تابعت بغضبٍ مكبوت:
"رُحت عند مرات أبوك، صح؟ رد عليّا… كنت عند عيالها؟"
أومأ بنعم، قائلًا ببساطة، وقد استشفّت من نبرته المؤكدة:
"آه، كنت عندهم، ورايح عندهم، وهفضل عندهم."
ثم تركها ومضى، لكنه توقف والتفت إليها:
"أومال مروة فين؟"
كادت أن ترد، ليسبقها ساخرًا:
"هي كمان برّه بردو."
تابع سيره، تاركًا والدته تشتعل من حديثه الفظ، غافلًا عن كونها أمًا مهملة؛ كيف تسمّي نفسها أمًا، وهي لم تُكلّف نفسها عناء تربية أحدهم يومًا؟
الجنة تحت أقدام الأمهات… ولكن ليس جميعهنّ يستحققن ذلك.
فكيف نقارن أمًّا تعبت في تربية أبنائها حتى كبروا، كانت بجوارهم حين يمرضون، وحين يبحثون عن الأمان، كانت هي العناق الذي يبعث الطمأنينة في قلوبهم؟
أمًّا أخرجت أبناءً أسوياء، ذوي خُلق ودين،
وأخرى… لم تفعل شيئًا، لا أبناؤها أسوياء، ولا يعرفون معنى الأخلاق، يجهلون دينهم، وغارقون في المعاصي.
..
..
..
..
ترجل أويس من على الدراجة ودلف إلى الكافيه وعينه تدور عليه ليقع نظره عليها، كانت تجلس تعبث في هاتفها، ليقترب منها ويجلس مقابلًا لها.
"مساء الخير."
نظرت له بابتسامة.
"مساء النور."
ثم أضافت:
"اتأخرت ليه؟"
قال باعتذار:
"كنت بعيد لما كلمتيني، الطريق خد مني وقت. طمنيني عليكي، عاملة إيه؟"
هتفت رقية بابتسامة:
"بخير الحمد لله، بحاول أركز في شغلي ومش أشغل نفسي بحاجة."
هتف هو الآخر:
"كويس، وأنا برضه بحاول أضيع وقتي في شغلي.
نظرت له ببعض التفحص."
قالت متسائلاً؛
"بتشتغل إيه؟"
هتف بهدوء:
"أونلاين مع شركة هنا في القاهرة، عامل السيستم بتاعها، بمعنى محدش يقدر يخترقه ويعرف معلوماتها."
اتسعت بسمتها.
"إمم، شكلك شاطر في الحاجات دي."
نفى مبتسمًا:
"لا، مش لدرجة شاطر. أنا بعد ما اتخرجت من صحافة وإعلام محبتش القسم ده يكون شغلي، قبلها كنت باخد كورسات كتير أوي في التكنولوجيا وكده، وبدأت أنا أنمّي المهارة دي عندي تدريجيًا لغاية ما اتقنتها تقريبًا، وده فتح لي مجال أحسن للشغل، وبس كده."
ثم أضاف:
"كلميني عن نفسك بقى."
تنهدت قائلة:
"ولا حاجة، حياتي روتينية، اتخرجت من كلية آداب قسم اجتماع واشتغلت بشهادتي وبس كده."
ثم أضافت وهي تفرك في كفوف يدها:
"الجو برد أوي."
أومأ بنعم لينهض.
"تعالي أوصلك يلا."
نهضت معه وخرجوا لتنظر إلى الدراجة النارية.
"هركب معاك؟"
هتف رافضًا:
"لا، يعني أكيد مش هترضَي، أنا هركن هنا وأوقف تاكسي."
رفضت قائلة:
"لا لا، أنا عاوزه أركب معاك، ممكن؟"
أومأ بموافقة.
"إذا معندكيش مانع، تمام."
ليصعد الدراجة ثم صعدت هي الأخرى وتمسكت به، ثم قالت:
"سوق بسرعة بقى، عاوزه أجرب الإحساس ده أوي."
هتف وهو يدير الدراجة:
"أول مرة تركبي؟"
قالت بسعادة:
"آه، أول مرة، عشان كده متحمسة أوي."
وضع وشاحًا لفّ به وجهه يفعل هذا أثناء القيادة في الليلة حتى لا يمرض من طيار الهواء، ثم أعطاها الخوذة لتلبسها هي.
ثم انطلق بالدراجة، والهواء يلفح بهم، مع صراخ الأخرى بحماس لا يخلو من أنها تتمسك به خوفًا أن تسقط.
.
..
.
..
.
..
كانوا يسيروا بإحدى الشوارع بعد أن أصرت فريدة أنها تريد أن تسير ولا تريد السيارة. نظر براء إلى سكن:
"بردانة صح؟"
هتفت بهدوء:
"الجو برد، مع إني متقلّة بس خلاص… يا مرحبا بالشتاء."
ابتسم لها ثم وجه نظره إلى فريدة التي تمسك بيده وتسير بجانبه:
"وانتي يا ست فريدة… عجبك اللي عملتيه فينا ده صح؟"
نظرت له فريدة:
"خالوا انت وعدتني وكمان أنا عاوزة أكل… غزل البنات وعاوزة شوكلات كتير، أنا خفيت خلاص."
هتف براء بابتسامة:
"عيوني ليكي طبعا… هجبلك بس الأول نقعد ناخد لينا حمص الشام يدفينا وبعدين نجيب. اتفقنا؟"
هتفت فريدة بحماس:
"اتفقنا!"
هكذا جلسوا بعد قليل بجوار عربية صغيرة تعمل حمص الشام. كاد أن يطلب، لكنه أوقفته سكن:
"مش تعمل حسابي… أنا مش بحبه."
حاول إقناعها:
"يمكن تغيري رأيك."
هتفت نافيا:
"لا… مش بحب الحمص خالص."
أومأ براء بالموافقة، وطلب لنفسه وفريدة فقط. ثم وضع لفريدة كوبًا خاليًا من الشطة، وأخذ بعضًا قليلا لنفسه، ثم نظر إلى سكن:
"أدي نفسك فرصة ودوقي."
هتفت برفض:
"لا… لا عاوزة، شكراً.'
رفع حاجبه:
"شكراً إيه… أنا جوزك على فكرة، مش حد غريب! بيعزم عزومة مركبية، دوقي بس يلا."
قرب المعلقة من شفتيها، وأومأت لتأخذها منه. كانت علامات الاستغراب تعلو وجهها لتتبدل بالإعجاب:
"أتصدق… حلو أوي يا براء!"
أما هو فكان ينظر لها بعدم تصديق، وقد هتفت باسمه لأول مرة دون ألقاب أو أي شيء. أعطاها الكوب قائلاً:
"كملي أنتي بالهنا والشفا… هقوم أطلب لنفسي"
أومأت بالموافقة، وأخذت الكوب منه ليطلب وأحد آخر. بعد قليل انتهى، وأصرت فريدة على الذهاب إلى الملاهي أيضًا. أخذها إلى هناك، وكانت تتبدل بين المراجيح هنا وهناك، وهم يجلسون وينظرون إليها.
نظر إليها، وكانت تفرك في يدها من شدة البرودة. خلع جاكيته ووضعه فوق أكتافها، ثم ضمه عليها نظرت له، كادت أن تنزع الجاكيت لكنه أوقفها:
"سبيه."
هتفت بضيق:
"هتبرد!"
وضع يده فوق كفها:
"مش تقلقي عليا… المهم إنكِ مش تتعبي."
لا تعرف ما هذا الشعور الذي يراودها، فهو يختلف كل مرة عن السابق، لكنها تعلم شيئًا واحدًا: أنه شعور لذيذ وقد أحببته أيضًا. نظرت إلى يده الموضوعة على كفها، وهو يمسح عليها برفق، ثم قال وعينه على فريدة:
"أدي أخرت اللي بوعد."
قالت بخفة:
"بس انت وفيت… طلعت خال هايل."
نظر لها:
"عندك شك في كده؟"
نفت برأسها:
"لا… شوفتك أخ هايل … اكتشفت صفة جديدة عنك، إنك خال كمان هايل."
ابتسم بخفوت وهو ينظر إلى عينيها:
"وزوج هايل برده… بس انتي تديني فرصة عشان تكتشفي الصفة دي وتضميها للقائمة."
توترت لتسحب يدها منه وتشيح بوجهها بعيدًا. بعد قليل، جلب غزل البنات لها ولفريدة، وصوّرهم كثيرًا. هتفت فريدة:
"تعالا بقى يا خال… ناخد صورة سيلفي كلنا مع بعض."
اقترب ووقف بجانبهم قائلاً:
"عيوني يا روح خالك."
ثم التقط لهم عدة صور وهم مع بعضهم. ومن ينظر إليهم من بعيد قد يظن أنهم عائلة سعيدة من أب وزوجة وابنة، ولكن من يعلم ماذا يوجد في القلوب؟
..
.
..
.
..
.
توقفت السيارة أمام فيلا بالشيخ زايد، نظر لها قائلاً:
"اليوم عدى بسرعة معاكِ."
ابتسمت ونظرت له:
"الوقت الحلو بيخلص بسرعة يا باسل."
ثم أضافت:
"هشوفك قريب."
ابتسم وهو يطالعها:
"أكيد يا روما، هنشوف بعض كتير أوي الفترة الجاية"
ابتسمت له وقال:
"بأي."
فتحت باب السيارة وترجّلت منها، ثم أغلقت الباب ولوّحت له. دلفت إلى الداخل، بينما ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت داخل البوابة.
أدار السيارة وانطلق بها مسرعًا، يسلك طريقه وعقله شارداً: ها هي خطته تسير على النهج الذي يريده، وهذا ما أسعده كثيرًا، وسيظل يتابع حتى يحصل على ما يريد قريبًا جدًا.
..
..
..
..
..
داخل بيت الزيني، وفي غرفتها، كانت مثل النار الموهجة التي يصعب إخمادها. تتطلع من النافذة بين الحين والآخر، على أمل أن يأتوا، لكن مع كل مرة يخيب ظنها. جلست وهي على وهج الغضب، تتوعد تلك المسمّاة "سكن"، فقد كانت تثق أنها وافقت فقط لتغيظها، وقد تيقنت من نظراتها قبل أن تُبدِي الموافقة.
.
.
.
.
.
.
دلفت إلى شقتها، أغلقت الباب واتكأت عليه، ثم تنهدت بضيق؛ لا تعرف ما الذي تغيّر في هذه المقابلة عن سابقاتها، ولا سرّ تلك المشاعر التي داهمتها فجأة. هتفت محدثة نفسها بغيظ:
"فوقي يا راحيل… هذه ليست إلا مهمة، وأويس ليس سوى هدف أريد أن أصيبه."
ثم تحركت وجلست على الأريكة، نزعت حجابها وألقته على الأرض، قائلة بصرامة:
"احذري يا فتاة… لا تدعي قلبك يلوثه الوحل. حين يحب مسلمًا، فهو ليس إلا عدواً لنا، ونريد أن يكون في صفنا لا أكثر."
..
..
..
..
..
داخل نادٍ ليليٍّ تعجّ أركانه بكل المحرّمات، كان يجلس مجموعة من الشباب يتلاعبون بأوراق الكوتشينة، لكنهم لم يفعلوا ذلك للتسلية، بل مقابل المال. يضعون الرهانات، ويرتكبون ما حرّمه الله، غارقين في غفلةٍ يغرسونها في أرواحهم يومًا بعد يوم. يعتقدون أن هذا هو متاع الحياة، بينما هم يسيرون في نهجٍ خاطئ… فمن منهم سيعي قبل فوات الأوان؟
هتف عمار وهو يُلقي بأوراقه على الطاولة:
" أنا كسبت بردو!"
2
ضحك بصخبٍ ساخرًا من غباء الآخرين، لكن أحدهم هتف بضيق:
"لا بقى كده كتير يا عمار! في إيه؟ مش معقول تكسب تلت مرات ورا بعض!"
زمّ شفتيه ونظر إليه ببرود:
"ده عشان أنا مش بغش زيك… بكسب بعقلي، مش بالخداع."
ضرب الآخر الطاولة بقبضته غاضبًا:
"بقولك إيه، بطل كلامك ده… وإيه رأيك مش هدفع حاجة!"
نهض عمار ليقف في مواجهته:
"بقولك إيه، أنا مش محتاج الفلوس، بس لما أكسب وأسيب فلوسي يبقى بمزاجي. عمار الزيني محدش بياخد منه حاجة غصب عنه… فاهم ولا لأ؟"
تدخل أحد أصدقائهم محاولًا التهدئة:
"خلاص يا جماعة، في إيه؟"
ثم نظر للآخر:
"عمار كسب، ومن حقه المكسب… سيبك من العند بقى."
لكن الرجل دفعه بعنف، ثم نظر إلى عمار متحديًا:
"طيب، عند بعند… مش هدفع حاجة، إيه رأيك بقى؟"
اقترب منه عمار بعينين مشتعلتين:
"وأنا عند بعند… ومش هتخرج من المكان ده غير وإنت دافع."
كان الآخر ثملًا، فقد شرب كثيرًا حتى غاب وعيه، لا يدرك ما يقول أو ما يفعل. فجأة أخرج سكينًا صغيرًا، وغرسه في بطن عمار على غفلة.
شهق عمار بألم، واضعًا يده على بطنه، والدماء تنساب بين أصابعه. سحب السكين وكاد أن يرد له الطعنة، لكن الرجل أمسك بيده، دفعه بقوة، ثم اندفع هاربًا. لحق به عمار، عازمًا على استرداد حقه، غير آبهٍ بجرحه النازف.
صعد الرجل إلى سيارته وانطلق بها مسرعًا.
في تلك اللحظة، كان عمران يترجل من سيارة الأجرة بعد أن أتى إلى النادي الليلي من أجل أخيه. كان قد عزم على الحديث معه، لكن الصدمة شلّت أطرافه حين رأى عمار ينزف. حاول اللحاق به، لكن قد صعد إلى السيارة وانطلق.
عاد عمران مسرعًا إلى التاكسي، هاتفًا بهلع:
"ورا العربية دي بسرعة! هديك اللي إنت عاوزه!"
أومأ السائق وانطلق خلفها.
أما عمار، فكان يقود بأقصى سرعة، يريد أن يأخذ حقه الآن. نظر إلى الرجل عبر النافذة وهو يصرخ:
"وقف عربيتك يلا… لو كنت راجل!"
نظر إليه الآخر بخوف، فزاد السرعة، ليزيدها عمار أيضًا، واضعًا يدًا على بطنه يضغط بها على الجرح، والأخرى تمسك بالمقود.
أما عمران، فكان يموت خوفًا على أخيه. من الواضح أنه ليس بوعيه، فضلًا عن كونه مصابًا، ولم يُتح له حتى فرصة الحديث معه.
وفي لحظةٍ خاطفة، ظهرت شاحنة فجأة أمام السيارة. لفّ عمار المقود بعنف محاولًا تفاديها، لكن الاصطدام كان أسرع من ردّ الفعل. ارتطمت السيارة، وانقلبت رأسًا على عقب عدة مرات فوق الأسفلت.
توقف الرجل بسيارته، ألقى نظرة سريعة، ثم انطلق هاربًا.
أما سائق التاكسي فقد توقف، لينظر عمران بصدمةٍ إلى سيارة أخيه المقلوبة أمام عينيه. لم يكن هذا وقت الذهول. ترجل مسرعًا، وركض باتجاه السيارة، فرأى البنزين ينساب منها وأي شرارة قد تشعل السيارة، حاول بجنون فتح الباب ليُخرج أخاه قبل أن تنفجر به السيارة وهو بداخلها.
كم هو صعبٌ أن تكون حياة الأقرب إليك على المحك…
وأن تكون أنت وحدك من يملك فرصة إنقاذه قبل فوات الأوان.
.
.
.
.
.
داخل ورشة ميكانيكا تقع في حارة الدرب الأحمر، خرج باسل من الورشة بعد أن أبدل ثيابه الفاخرة بملابسٍ عادية. وما هي إلا لحظات حتى جاء صاحب سيارة كانت ضمن التصليح، قائلاً:
"إيه يا أسطى باسل، خلصت العربية؟"
هتف له بابتسامة وهو يناوله المفتاح:
"اتفضل يا باشا، العربية مية مية، أنا جرّبتها بنفسي، مش هتلاقي فيها عيوب."
ثم أضاف بثقة:
"ومفيش عربية تخرج من تحت إيد الأسطى باسل الشهاوي وترجع له تاني."
أومأ الرجل بابتسامة وهو يصعد إلى سيارته:
"ما أنا جيتلك على السمعة والله، تسلم إيدك يا أسطى."
ثم انطلق.
تنهد باسل، ثم صعد سيارته وانطلق بها. وبعد فترة من القيادة توقّف أمام مستشفى، ترجل من السيارة ودلف إلى الداخل. كان يسير كمن حفظ الطريق عن ظهر قلب من كثرة ما أتى إلى هنا، حتى دخل الغرفة المعتادة. جلب كرسيًا ووضعه بجانب السرير، ثم جلس عليه، وهتف أخيرًا:
"عاملة إيه يا أهلة؟"
"عاملة إيه يا نجمتي الساطعة؟"
أمسك كف يدها وطبع عليه قبلة، ثم رفع نظره إليها. كانت فتاةً في مقتبل العمر، تحيط بها الأجهزة، غافلة عن العالم الخارجي منذ عامًا.
هتف أخيرًا بصوتٍ ممتلئ بالقهر:
"إنتِ عارفة إني قررت آخد حقك."
ثم تابع بوعيدٍ صريح:
"عمّار الزيني هيدفع تمن رقدتك دي قريب أوي."
واللي هيحصل في أخته هيكون عقاب ليه هو."
صمت لحظة، ثم أردف بصوتٍ منخفض:
"مش عاوزك تزعلي مني… افتكري زمان لما كنت أقولك احلمي على قدّك وبلاش تبصي لفوق."
وتنهد بحرقة وهو يكمل:
"وأهوه النتيجة… سنة راحت من عمرك ياروح أخوكي، وأنا حتى مش عارف أسمع صوتك."
"بقت أمنيتي الوحيدة، يقولوا أختك فاقت… بس مش بيحصل."
ثم تابع ساخراً:
"فاكرين السلطة والمال هتحميهم… بس مبقاش باسل الشهاوي، أن ما خليت أخته تدفع تمن أخطاء أخوها… كل حاجة بحساب، وعمار حسابه قرب أوي معايا."
..
.
..
.
..
.
دلفوا إلى الشقة ، وكان يحمل فريدة التي غفت في الطريق أثناء عودتهم. نظر لها وقال:
"تصبحي على خير."
ابتسمت له وردّت:
"وانت من أهله."
ثم همّت بالذهاب، لكنها توقفت فجأة:
"شكراً على الخروجة، أنا انبسطت أوي."
قالت ذلك ودلفت إلى غرفتها، ليبتسم وهو يتبع أثرها.
خرجت أميرة بعدما استمعت إلى صوتهم، فقد بقيت مستيقظة تنتظر ابنتها، اقتربت:
"هاتها."
هتف نافياً:
"أنا هنيمها."
ثم دلف إلى غرفة أميرة، وضعها على السرير برفق، خلع الحذاء، ودثرها بالغطاء، ثم وضع يده في جيبه وأخرج ثلاث قوالب شوكولاتة. أعطاها لهم قائلاً:
"دول بتوع فريدة."
ابتسم وقالت:
"مش عارفة أقولك إيه."
هتف بهدوء:
"هو أنا عملت حاجة دي حبيبتي؟"
وأضاف:
"بإذن الله بكرا هكلم المحامي، وبعد بكرا هخدك تعملي توكيل، وكلّه على الله، مش تشيلي هم حاجة."
همست وهي تبتسم:
"ربنا ما يحرمني منك…"
قبل رأسها، وهو يبتسم، ثم غادر الغرفة ليجد هند واقفة أمام غرفتها تنتظره، قال لها:
"إيه اللي مصحيكي لغاية دلوقتي؟"
هتفت بصوت خافت:
"مستنياك، مش جالي نوم"
ثم قالت بفضول:
"إيه اللي أخرك كده؟ روحتوا فين؟"
أجاب بهدوء:
"ودّيت فريدة الملاهي وبعد كده"
قاطعه صوت هاتفه، أخرج الهاتف وكان الرقم غريباً. أجاب ووضعه على أذنه، وإذا بصوت أخيه:
"براء! عمار عمل حادثة، خدوه على العمليات… أنا خايف أوي."
صدمه وقعت على أذنه، لم يصدق ما يسمعه. أسرع يسأل:
"في مستشفى إيه؟"
هتف هكذا سريعاً، وهو يغادر من دون أن يجيب على هند التي تساءلت بقلق:
"في إيه؟"
هرع خارج الشقة، هبط إلى الأسفل، صعد سيارته وانطلق بها مسرعاً، يدعو الله أن يكون أخوه بخير، وهو لا يتحمل شعور فقدانه.
صفَّ سيارته أمام المشفى، ترجل على عجل، ودلف إلى الداخل وهو أشبه بالراكض. تساءل في الاستقبال عن الحادث، فأخبروه في أي طابق، ليتجه إلى الأعلى حيث وقع بصره على عمران، يقف متكئًا على الحائط.
اقترب منه مسرعًا:
"إيه اللي حصل؟"
استقام عمران ونظر إليه قائلًا:
"معرفش… معرفش. أنا روحت المكان اللي بيسهر فيه، فجأة لقيته خرج وركب عربيته وجري، روحت وراه…"
ثم أضاف بنبرة مختنقة:
"شوفت عربيته وهي بتتقلب قدام عيني يا براء… مش قادر أصدق اللي حصل. بقالهم ساعتين في العمليات، محدش راضي يطمني. مش هقدر أخسره… مش هقدر أخسره. أنا فشلت إني أحافظ عليه، أنا مكنتش أستاهل أكون أخ ليه… مكنتش أستاهل."
انهمرت عباراته، ليعانقه براء محاولًا تهدئته قائلًا:
"اجمد يا عمران، هو هيكون كويس. ادعيله بس، وبلاش تكون بالضعف ده، عمرك ما كنت كده."
ثم ابتعد قليلًا وهو ينظر إليه، وأشار بإصبعه نحو غرفة العمليات:
"اللي جوه ده محتاج لنا إحنا الاتنين. هو هيقوم، وهنساعده يكون إنسان تاني، فاهم؟ هنساعده على كده، ده واجبنا ناحيته. ولو إنت أثرت معاه زمان، خليك عون ليه في اللي جاي."
أومأ الآخر مؤكدًا وهو يتمتم:
"يقوم بس… وأنا مش هسيبه في الضياع ده."
أدرك أنه أحيانًا القوة ليست في ما نقدر نحميه وحده، بل في أن نكون عونًا لبعضنا حين ينهار العالم كله حولنا. سنشد العضد، مهما كانت العواصف، لن نترك أحدًا يمضي وحيدًا.