📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل العشرين 20 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل العشرين 20 بقلم سمارة



عجيبٌ أمرُ هذا القلب.. يحاربُ الدنيا ليبقى بجانبي، ويحاربُ حنجرته ليبقى صامتاً.                    

                 (حضور الماضي)

جلست أمينة على طرف الفراش،
تفرك يديها بتوتر وقلق تنتظر جبل الذي دخل منذ فترة. كان الصراع داخل رأسها كبيراً:
​أمينة (تحدث نفسها): "يا ربي.. اتأخر قوي ، ليكون تعب ولا داخ جوه؟ أعمل إيه دلوك؟ أدخل أشوفه؟ عادي يعني ما هو جوزي..
والواحد بيبان في وقت الشدة.
ثم تراجعت بخجل ووجهها يشتعل حمرة: "له يا منه، اقعدي ساكتة يا قليلة الحيا! تدخلي ليه وهو عريان؟ اااه يا مرك يا منة "

​على الجانب الآخر خلف الباب المغلق، كان جبل قد استنفد آخر ذرة طاقة في جسده. بالكاد استطاع ارتداء "شورت" داخلي، لكنه لم يستطع إكمال المهمة.
الجرح كان ينبض بألم شديد، والدوار عاد يهاجم رأسه، فجلس على الكرسي الذي وضعته أمينة، مسنداً رأسه للخلف وهو يتنفس بصعوبة.
​في الخارج، لم يعد قلب أمينة يحتمل الصمت أكثر من ذلك. قامت من مكانها بعزم وقالت: "له بقى.. افرض حصلت له حاجة جوه؟
​تقدمت بخطوات مرتجفة وطرقت باب الحمام طرقات خفيفة متتالية:
أمينة (بصوت يملؤه القلق): "جبل... يا جبل؟ أنت زين؟"
​جاءها صوته واهناً ومنخفضاً: ادخلي..
​فتحت أمينة الباب قليلاً وهي تنتفض خجلاً وقلبها يدق في صدرها كطبول الحرب
لكنها حين وجدته جالساً مرتدياً سرواله (الشورت) جمد قلبها قليلاً واستجمعت شجاعتها.
فمنظر تعبه غلب خجلها.
​أمينة (بلهفة): أنت زين؟ دوخت والا حاجه؟
جبل : له. بس الغرز شدت عليا شويه.
​أمينة: احم.. ماشي طيب هساعدك أنا.
جلبت أمينة منشفة ومياهاً دافئة
وبدأت في تنظيف نصفه العلوي من آثار العرق والدم الجاف.
كانت يداها ترتجفان بشدة من هذه القرب
وكلما اقتربت من موضع الجرح زادت رعدتها.
​جبل (وهو يلاحظ ارتعاشها): لو هتفضلي تتنفضي كدة.. اطلعي تاني .
أمينة (تحاول التماسك): له مفيش حاجة.. أنا بس خايفة على الجرح.
​أكملت مهمتها ببطء وحذر.
ثم ساعدته بصعوبة في ارتداء قميصه القطني الخفيف. وقف جبل فأسندته بكل قوتها
محملة جسده على كتفها الصغير حتى خرج من الحمام ووصل للسرير حيث ارتمى بجسده المنهك واستلقى. كان سواد الليل قد أحكم قبضته على

"بيت الملاح" وساد الهدوء.
​أمينة: فيه دوا دلوقت لازم تاخده.
أحضرت له الدواء والماء، وبعد أن تناولهما، أراح رأسه على الوسادة وأغمض عينيه
لكن عقله لم ينم.
أمينة: عاوز حاجة تانية أعملهالك؟
جبل (باختصار): له
​أمينة: طيب هدخل أغير هدومي أنا كمان.
تركته وذهبت،
فظل جبل في صمتٍ مريب يفكر في أحداث الليلة. فجأة، سمع صوت رنين هاتفه من داخل حقيبة أمينة الموضوعة على الكومودينو.
​استند بآلامه
ومد يده بصعوبة وأخرج الهاتف. نظر إلى الشاشة بتركيز، كان المتصل رقماً غير معروف. ظل ينظر بعد قليل
خرجت أمينة ثم مشطت شعرها اقتربت من السرير لتنام بجوار جبل لكنها وجدته لا يزال يقظاً، وعيناه معلقتان بسقف الغرفة.
​أمينة (بهدوء): منمتش ليه ؟
قبل أن يجيب
اهتز الهاتف في يده برنينٍ جديد. نظر جبل إلى الشاشة بجمود ولم يُجب، حتى انقطع الاتصال. وفجأة، دق جرس الشقة.
​خرجت أمينة بحذر، ووقفت خلف الباب: "مين؟
عبير: "أنا يا أمينة.. افتحي."
فتحت أمينة الباب قليلاً وهي ممسكة بملابس نومها بخجل، فمدت عبير يدها بصينية طعام:
خدي الوكل ديتي.. أمي بعتاه وبتقولك وكلي جبل زين.
أمينة: حاضر يا عبير، تسلم يدك.
​نزلت عبير الدرج لكن عينيها كانت تفيض بالألم وهي تنظر لأعلى؛ فهذا الطابق كان مسكنها يوماً ما قبل أن تتبدل الأحوال. عادت أمينة لجبل
ووضعت الطعام في المطبخ.
أمينة: أسخنلك الوكل تاكل لقمة؟
جبل: له. مش قادر بعدين.


​فجأة، رن الهاتف للمرة الثالثة.
لم تتمالك أمينة فضولها، فسارت نحوه وأمسكت الهاتف ونظرت للرقم.
أمينة (بشك): مين اللي عمال يرن ده؟ وليه مردتش عليه من بدري؟
جبل (بضيق): مش مهم.. سيبيه.
أمينة: يمكن حد عوزك في حاجه ضروري؟
جبل: مش قادر أتكلم.
أمينة: طيب، أنا هفتحلك السماعة (السبيكر) وأنت شوف مين مش هتخسر حاجة.
​أومأ جبل برأسه موافقاً.
فتحت أمينة المكالمة وقربت الهاتف منه، ليأتي صوت امرأة ينضح باللهفة:
المتصلة (ورد): جبل أخيراً فتحت.. رنيت كتير طمني عليك يارب تكون بخير.
​تسمرت أمينة في مكانها بمفاجأة صاعقة، بينما تحجرت عينا جبل وتوتر بشدة من جرأة ورد في الكلام.
سحب الهاتف بسرعة من يد أمينة وأغلق "السبيكر" ووضعه على أذنه.
جبل (بلهجة جافة مقتضبة): أيوه..
الحمد لله بخير.
تمام..
ماشي..
عوزة حاجة؟
سلام.
​أغلق الخط ببرود لكن أمينة كانت قد اشتعلت بالفعل.
أمينة (بغيرة واضحة): مين دي؟
جبل: ورد.
أمينة: أيوة يعني مين ورد؟
جبل: بنت عمتي.
أمينة (بسخرية): اسم الله ومالها متشحتفة عليك كدة ليه؟
وأنت أيوه وبخير.. لو أنا اللي كنت بكلمك كنت قولت لي تمام من غير نفس.
​نظر جبل لطريقتها في الكلام وكان يعلم يقيناً أن هذا الأسلوب الحاد ليس إلا غيرةً بدأت تنهش قلبها عليه، لكنه أغمض عينيه بوهن: خلاص بكفاية. صدعت.
أمينة (بتمتمة): أممم.. صدعت لكن الحمد لله بخير لورد كانت حلوة مش بتصدع.
جبل (بنظرة حادة): اطفي النور.
​انتبهت أمينة لحدة نبرته
فأطفأت الضوء واستلقت بجانبه، بينما استسلم جبل للنوم سريعاً من أثر التعب والدواء. أما أمينة، فظلت ساهرةً في الظلام، تربط في عقلها بين هلوسته بأنها طلعت من العدم، وبين "ورد" التي ظهرت فجأة في منتصف الليل لتشعل فتيل الشك في قلبها.
1

حلّ الهدوء التام على بيت الملاح
ولم تغفو أمينة إلا بعد تفكير طويل أهلك كاهلها. ولكن لم يدم هدوؤها كثيراً
فقد استفاق جبل فجأة وهو ينتفض بفزع، وصرخة مكتومة خرجت من أعماقه:
جبل (بفزع): يعني إيه ماتت؟ أنا مشفتهاش!
​قفزت أمينة من نومها مرعوبة على صرخته.
وقلبها يدق بعنف.
بدأت تُسمي و تستغفر الله وهي تنظر إليه بذهول:
أمينة: بسم الله الرحمن الرحيم.. في إيه ؟ أنت زين مالك؟
جبل (وهو يمسح العرق المتصبب من وجهه بيد ترتجف): "مفيش.. كابوس..
​أسرعت أمينة وأحضرت له كوباً من الماء، شرب منه حتى ارتوى، ثم لم تتمالك نفسها وسألت:
أمينة: مين هي اللي ماتت.
​توترت ملامح جبل فجأة
وبدلاً من أن يجيبها، حاول الهروب من نظراتها ومن وطأة السؤال بالهجوم والغضب:
جبل (بغضب مكتوم): كفاية أسئلة وكلام من العشية أنتي إيه مش بتتعبي مبتزهقيشي؟"
أمينة (بصدمة): أنا والله مش قصدي.. أنا خايفة عليك.
جبل : طيب نامي.
​صمتت أمينة،
لكن يقينها زاد بأن هناك سراً دفيناً تحت جلود هذا الرجل؛ فتهرّبه من السؤال كان أوضح من الشمس. عادت لتستلقي، وبعد قليل، دق جرس الشقة مرة أخرى في هذا الوقت المتأخر.
​جبل وهو لا يزال مستلقياً :
جبل: "متطلعيش كده تاني.. البسي حاجة ساترة قبل ما تفتحي."
​أسرعت أمينة وارتدت إسدالها ثم خرجت وسألت من خلف الباب:
أمينة: "مين؟"
الحاجة صفاء: "أنا يا بتي.. افتحي."
فتحت أمينة بلهفة: "خير يا أماي؟ تعالي ادخلي."
الحاجة صفاء: "له مفيش داعي، أنا صحيت للفجر وقلبي كلني، قولت أطلع أطمن على جبل قبل ما أصلي."
أمينة: "الحمد لله يا أماي، هو بخير ."
الحاجة صفاء: "طيب الحمد لله.. يجعلكم بخير دايماً يا رب، اقفلي بابك وكملي نومك."
​نزلت الحاجة صفاء، وعادت أمينة لغرفتها، نظرت لجبل الذي بدا وكأنه عاد للنوم، وهمست بصوت خافت جداً لا يسمعه أحد:
أمينة (بهياض): "بارد.. حتى مسألش مين اللي علي الباب، لو كانت ورد كان زمانه سأل."
جبل (بصوت رخيم): "سمعتك ."
أمينة (بارتباك): أنا قولت إيه؟"
جبل: نامي
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
"في صباح اليوم التالي، نزلت أمينة للمطبخ لتجهز الفطور لجبل قبل أن يستيقظ. كان البيت قد بدأ يستعيد حركته المعتادة،
والرجال غادروا لأعمالهم. سألها الجميع عن حال جبل، فأخبرتهم بهدوء أنه بخير ويحتاج للراحة.
​انتهزت أمينة فرصة وجودها مع عبير بمفردهما، وقررت أن تبدد الشكوك التي تنهش رأسها.
​أمينة: "بقولك يا عبير..
ورد ديتي ساكنة فين؟ هي متجوزة ولا له؟ وكبيرة في السن ولا صغيرة؟"
توقفت عبير عما تفعله ونظرت إليها باستغراب: "حيلك حيلك! إيه الأسئلة دي كلها؟ خير وعرفتي ورد منين أصلاً؟"
أمينة (بمحاولة للثبات): "عادي.. كانت بترن على جبل بالليل تتطمن عليه، فقولت أسأل."
​عبير (بابتسامة لئيمة): "أممم.. قولي كدة بقا، غيرانة يعني؟"
أمينة: "له بس حبيت أعرف.
عبير (بهمس وهي تقترب منها): "يعني رجعت تلف حوالين جبل تاني بصي يا أمينة، ورد بنت عمتي دي كانت هتموت على جبل،
وكانت رايدة تتجوزه بأي طريقة، بس هو اللي مرضيش يكمل معاها."
​أمينة: "هتموت؟"
عبير: "وأكتر .
أمينة: "ومجوزهاش ليه طالما كانت رايداه قوي كدة؟"
عبير: "دي بقا تسألي فيها جبل نفسه..
بس أوعاكي تقولي له إني قولتلك حاجة،
ولا حتى تقولي لأمي صفاء، أنا ماليش صالح.
3

​وفجأة، جاء صوت من خلفهما جعل الدماء تتجمد في عروقهما:
هند (بمكر): "بس أنا ممكن أقول عادي.. إيه المشكلة؟
​انتفضت عبير بتوتر: "أنتي هنا.
ما تعرفيش إن التصنت حرام وغلط؟"
هند (ببرود): "أعرف.. ربنا يهديني." ثم وجهت نظرها لأمينة وقالت بلهجة مسمومة: "حرّصي على جوزك يا منه..
رجالة البيت ديتي مش بتكفيهم حرمة واحدة.
​غضبت عبير من تلميحات هند السخيفة، فتركت المكان وخرجت .
بقيت أمينة وحدها مع هند.
أمينة (بضيق): "ليه كدة يا هند؟ استفدتي إيه لما ضايقتي عبير بكلامك؟
هند (وهي تهم بالخروج): سيبك من عبير دلوقت، وأوعاكي تستهوني بكلامي.. حرّصي على نفسك وعلى بيتك يا أمينة.
​تركتها هند وخرجت، وبقيت أمينة واقفة في مكانها، كلمات عبير تدور في رأسها كالإعصار:
"كانت هتموت عليه.. هو اللي مرضيش..
بدأت تربط ورد، وبين رفض جبل لها، وبين ذلك السر الذي جعل جبل يصرخ في نومه.
خرجت هند من المطبخ وهي ترسم على وجهها ابتسامة مكرة، وعيناها تلمعان بخبثٍ شديد. لم يكن همّها مصلحة أمينة.
بل كان هدفها تشتيت الجميع لتخلو لها الساحة،
أو لتشفي غليلها من استقرار ذلك البيت.
​هند (تحدث نفسها بخبث): "كنت ناوية أشكك جبل في أمينة، بس لقيت الخطة دي أصعب وهتاخد وقت.. الأحسن إني أخلي أمينة هي اللي تشك،
دي طريقها أسهل بكتير."
​وقفت عند طرف الردهة، ونظرت باتجاه الدرج المؤدي لشقة جبل، وهمست بصوتٍ خافت لا يسمعه غيرها:
هند: "الظاهر معجبينك كتير يا سي جبل.. واحدة بتموت فيك من زمان، وواحدة بتخطرف باسمها وأنت نايم
وواحدة خايفة عليك من الهواء.. وانا اللي سحرتني من اول شوفه
أما نشوف آخرتها معاك يا ابن الملاح."



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات