📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سمارة



 

سلّل كالدخان من تحت الأبواب الموصدة لا ليُعطر الغرفة، بل ليخنق مَن فيها بصمت.


                        (حقد دفين)

صعدت أمينة لشقتها بصينية الفطور

والحيرة تنهش رأسها كالإعصار. وضعت الطعام والدواء أمام جبل بصمتٍ ثقيل،

بينما كان هو يراقب حركاتها بدقة؛ فهدوء أمينة وصمتها المريب يخبرانه أن بركاناً يوشك على الانفجار، لكنه لم يدرِ هل هو بسبب مكالمة ورد المتأخرة، أم بسبب صرخته وكابوسه الذي فضح فيه سراً ظن أنه مات.•

ـــــــــــــــــ


​في الأسفل (ساحة الدار)


​كانت الحاجة صفاء تجلس في "البراندة" تسبح بمسبحتها، بينما كانت هند تقوم بكنس السلالم وصولاً للجنينة، وعيناها كعيني الصقر تراقب كل من يقترب من البوابة. وفجأة،

فُتحت البوابة ودخلت امرأة بخطوات سريعة وواثقة، مرت بجانب هند دون أن تلقي عليها السلام، واتجهت مباشرة نحو الحاجة صفاء.

​كانت هي.. ورد.

​ورد: "صباح الخير يا مرت خالي."

الحاجة صفاء (بنبرة هادئة): "خير عليكي يا ورد.. إزاي حالك يا بتي؟"

​توقفت هند عن الكنس

والتفتت بفضول وهي تهمس لنفسها: الله هيا ديتي ورد؟امممم يعني مش بطالة

وشكلنا هنشوفها كتير هنا الأيام الجاية." تباطأت هند في عملها، وظلت تحوم قريباً لتلتقط كل كلمة.

​الحاجة صفاء: "ولدك عامل إيه؟"

ورد: "بخير يا مرت خال الحمد لله.. أاا، جبل كيفه دلوك؟ إن شاء الله بخير؟"

الحاجة صفاء: "الحمد لله.. جبل عال العال."

ورد (بعيون تترقب الدرج): الحمد لله.. هو مش بينزل تحت ولا إيه؟"

الحاجة صفاء (بذكاء): "له مش هينزل دلوك..لسه تعبان شوية وقاعد بمرته فوق "

​ورد (بضيق حاولت إخفاءه): "آه.. أصلي كنت عاوزه أشوفه وأطمن عليه.

الحاجة صفاء (بحزم مبطن): "متشوفيش وحش، هو زين.. ولما ينزل تحت ابقي شوفيه، عشان عيب تطلعي لواحد ومرته فوق..

قولي لي إزاي جوزك؟"

​ورد (باختصار): "بخير.

لم ترد ورد أن تخبرها بمشاكلها وطلبها للطلاق حتى لا تثير الشكوك حول سؤالها المستمر عن جبل.

​في هذه اللحظة

حشرت هند نفسها في الحوار واقتربت منهما: "إزيك يا وردة؟"

التفتت ورد إليها ببرود: "أهلاً..

هند: "مش تسلمي وانتي داخلة.

ورد: "معلهش.. معرفكيش.

هند (بابتسامة مستفزة): "أكيد واحدة من حريم البيت يعني، مش خدامة.. ما علينا، أنا هند مرت دياب التانية.

​نظرت إليها ورد من أعلى لأسفل بتقزز وقالت: "أمممم.. تشرفنا.

هند (بخبث): "أعملك حاجة تشربيها؟ ولا تحبي تطلعي تشربي الشاي عند جبل فوق؟"

​نظرت إليها ورد باستغراب شديد من جرأتها.

بينما فهمت الحاجة صفاء أن هند "ترمي كلاماً" كعادتها لتشعل النيران.

الحاجة صفاء (بحدة): "روحي يا هند شوفي وراكي إيه جوه.. يالا.

هند: "حاضر يا مرت عمي." ودخلت وهي تتمايل بخصرها كعادتها.

​ورد (بعد خروج هند): معقولة دياب لما يتجوز على عبير ياخد دي.

الحاجة صفاء: "كل واحد حر في بيته يا ورد.. المهم في حالنا.

ورد: "ماشي.. أروح أنا عشان الواد وأبقى أعاود تاني."

​خرجت ورد، وبقيت الحاجة صفاء في مكانها والضيق ينهش قلبها.

فهي تعلم أن وجود ورد في هذا التوقيت مع وجود هند "العقربة" لن يمر مرور الكرام

وتخشى أن تُخلق فجوة كبيرة بين جبل وأمينة لا يمكن سدها.(مرت أيام قليلة،) وبدأ جبل يستعيد عافيته وهيبته تدريجياً،

لكن الحواجز بينه وبين أمينة كانت تزداد علواً؛ فالحوار بينهما أصبح مقتضباً وبارداً. وفي مساء أحد الأيام، اجتمع الجميع على مائدة العشاء لأول مرة منذ الحادثة

وساد جو من الألفة الظاهرية.

​ملاح: "منورين يا جماعة والله فقدنا لمتكم اليامين اللي فاتوا.

الحاج بكري: "صدقت يا ملاح، البيت من غير حسهم كان ناقص."

جبل: "تسلم يا بوي.

​قطعت هند الهدوء بنبرة ذات مغزى: أحسن حاجة إنكم نزلتوا.. الصراحة الانتظار واعر قوي ومُر.

الحاجة صفاء (باستغراب):

خير منتظرة إيه على نار كدة؟"

هند: "مش أنا اللي منتظرة يا مرت عمي.. ده ورد مش سألت مرتين على جبل

وكانت مستنياه ينزل على نار، قالت لازم ولابد تطمن عليه بنفسها شكلها بتعزه قوي.

​تكهرب الجو فوراً.

نظر جبل نحو هند بنظرة حادة، بينما شعرت أمينة وكأن ناراً اندلعت في جوفها؛ فكلام هند كان بمثابة "القشة" التي قصمت ظهر صبرها.

دياب (بزجر): "كلي وانتي ساكتة يا هند.

​انفضت المائدة في صمت ثقيل

. دخلت أمينة خلف هند وهي تحاول التماس الثبات.

أمينة: "بقولك إيه يا هند.."

هند (ببراءة مصطنعة): قولي يا منه، عوزة حاجة.

أمينة: هي صوح.. ورد دي سألت عن جبل كدة؟"

​اقتربت هند من أمينة

والتفتت خلفها لتتأكد أن أحداً لا يراقبهما، ثم همست بخبث:

هند: "أيوه . ورقبة أبوي حصل

وجت مرتين وكانت هتموت وتشوفه الصراحة باين عليها بجحة قوي

خلي بالك منها.. بس إصرارها ده مش مريحني واصل.

أمينة (بقلب منقبض): "يعني إيه مش مريحك؟"

هند: "يعني جبل طول عمره ملوش خُلطة بالحريم ولا بيعبر حد..

طيب دي مجمده قلبها وداخلة بعشم كدة ليه؟ أكيد كان فيه بينهم حاجة قديمة ..

​تنهدت أمينة بمرارة وقالت: "صح.. معاكي حق.

هند (بتحريض): "طيب ما تسأليه؟ اقطعي الشك باليقين."

أمينة: "معوزاش أسأله.. وبعدين هو مش هيقول أنتي عارفة كلامه بالقطاره.

هند: "تبقي هبلة بكفاية رخاوة بقا يا أمينة..

انشفي قدامه شوية، هو هياكلك؟ اسألي وغصب عنه يجاوب  أنتي مرته مش واحدة مأجرها يومين وخلاص! متخافيش منه وقوي قلبك الراجل بيحب الست الشديدة..

​خرجت هند وتركت أمينة غارقة في سمومها  والغيرة تعمي بصيرتها.

ــــــــــــــــ

.ساد الهدوء في الدار بعد خروج الحاج بكري ودياب وفاروق والحاجة صفاء وسمية لأداء واجب عزاء

مهم. وعبير اخذت بناء فاروق لينامو.

بينما استغل جبل وملاح الجو الهادئ وجلسا في جنينة المنزل لاستنشاق بعض الهواء النقي.

صعدت أمينة للأعلى لإحضار دواء جبل. 

ولم تمر دقائق حتى انفتحت البوابة ودخلت ورد.

​كانت ورد تتلفت حولها بترقب،

وما إن وقعت عيناها على جبل جالساً حتى شعّ الفرح من عينيها وكأنها عثرت على كنز.

​ورد (بلهفة): إزيك يا جبل؟"

جبل (بهدوء ورسمية): "إزيك يا ورد.. كيفك."

تقدمت ورد وجلست بالقرب منه بجرأة

قائلة: سألت عنك كتير وعرفتك إنك مش بتنزل الأيام اللي فاتت واصل.. بس الحمد لله

شكلك دلوقت بقيت أحسن بكتير.

جبل: آه.. الحمد لله بخير دلوقت.

​شعر ملاح بوجوده "كمكمل" للمشهد لا أكثر

فتنحنح قائلاً بسخرية: عامله إيه يا ورد؟ أنا قاعد هنا برضه على فكرة ولا خيال مقاتة.

ورد : "معلهش يا ملاح منتبهتش.. عامل إيه أنت؟"

ملاح: بخير والله طول ما أنتي بخير.

​في تلك اللحظة.

نزلت أمينة من الدرج وهي تحمل كيس الدواء وكوب الماء. تجمدت نظراتها وهي ترى تلك المرأة الغريبة تجلس بالقرب من جبل بشكل مستفز. علمت فوراً بحدسها الأنثوي أنها ورد

​تقدمت أمينة بخطوات ثابتة ووجه خالٍ من التعبير: "معاد الدوا يا جبل."

مدت يدها وأعطته الحبوب والماء. التفتت ورد ونظرت لأمينة

ولأول مرة تدرك مدى جمال ورقة ملامح زوجة جبل، فاشتعلت نيران الغيرة في قلبها وتضاعف كرهها لها.

​لكن أمينة لم تكتفِ بالصمت

فبدلاً من أن تعطي الدواء وترحل، فعلت شيئاً لم يفعله جبل نفسه. جلست بالقرب منه جداً.

لدرجة أنها كادت تلتصق به، متجاهلة وجود ورد تماماً وموجهة اهتمامها كله لجبل.

​انتبه ملاح للموقف وابتسم بخبث

فغيرة أمينة كانت واضحة كالشمس في رابعة النهار،  أما جبل.

شعر براحة غريبة وابتسامة داخلية

فهذه الغيرة هي التي كسرت حاجز الجمود وجعلت أمينة تقترب منه بهذا الشكل العفوي والقوي.

اشتعلت الأجواء فجأة بكلمات ورد التي رمتها كالقنبلة في وسط الجلسة، ونظراتها تلمع بتحدٍ مستفز.

​ورد (بعينين ضيقتين): مرتك دي يا جبل؟"

جبل (وهو ينظر لأمينة بفخر): آه.. أمينة. سلمي على ورد بنت عمتي.

أمينة (ببرود وثبات): إزيك.. معلهش معرفكيش.

ورد (بابتسامة صفراء): له ولا يهمك ..

​ساد صمت ثقيل لدقائق

كانت ورد تمسح فيه أمينة بنظرات فاحصة، ثم قررت أن تخرج "السم" الذي في جعبتها.

ورد: "عندك كام سنة يا أمينة؟ شكلك لسه صغيرة قوي.

أمينة: "عندي 20 سنة

ورد (بضحكة لئيمة): "أمممم.. جبل مش كبير عليكي شوية؟ بصراحة استغربت قوي إنه فكر في الجواز دلوقت،

ده كان قافل الباب ده خالص ورافضه من وقت ما كنا مخطوبين وسبنا بعض من 4 سنين

​نزلت الكلمات على أمينة كالصاعقة.

التفتت بجسدها كله نحو جبل واتسعت عيناها بدهشة وذهول

فلم يسبق لأحد أن ذكر أمامها أن جبل كان "خاطباً" من قبل، لا هو ولا أمه ولا حتى سمية!

​توترت ملامح جبل.

واشتعلت عيناه بالغضب من بجاحة ورد وتدخلها، فزجرها بنبرة حادة:

جبل: أنتي بتلمحي لإيه يا ورد؟ وإيه لزوم الكلام ديتي دلوك؟

​حاول ملاح تلطيف الأجواء وفضح ورد في نفس الوقت:

ملاح: بذمتك يا ورد أنتي شايفة إن دي كانت خطوبة؟ دأنتم كل يوم كان فيه مشكلة شكل

والبيت كان قايد نار لغاية ما انفضت.

ورد (بتبجح): أهو كانت أيام.. وعلى رأي المثل القط يحب خناقه. اي اتنين بيتناقرو عادي.

​وقفت أمينة فجأة،

وكان وجهها قد شحب تماماً ولم تعد قادرة على تحمل بقائها في حضرة هذه المرأة ولا تحت نظرات جبل المربكة.

أمينة (بصوت يرتجف من القهر): عاوز حاجة قبل ما أطلع؟ رأسي صدعت هاطلع انام.

جبل (بصوت منخفض): له. اطلعي أنتي.


​انسحبت أمينة بسرعة وصعدت الدرج

والدموع تحرق جفونها، بينما بقيت ورد جالسة بانتصار.

وملاح ينظر لجبل الذي كان بدا عليه الغضب.

ـــــــــ

بينما كانت أمينة تصعد الدرج والدموع تغشي عينيها، كان البركان قد انفجر في الأسفل.

التفت جبل لورد بعينين تشتعلان غضباً، وصوته كان كفحيح الأفعى من شدة الانفعال المكتوم.

​جبل: "ليه فتحتي سيرة الخطوبة قدام أمينة؟

ايه نيتك.

ورد (ببراءة مصطنعة): "وهو الكلام ده عيب يا جبل دي حاجة كل الناس عارفاها."

جبل (بحدة): "مش عيب، بس مينفعش تاجي قدام واحدة وتقوليلها إن جوزها كان رافض الجواز من بعد ما سابك، أنتي عارفه السبب.

ورد: "على فكرة أنا مش قصـ...

جبل (مقاطعاً بعنف): اسمعي! أنا مبحبش التلونه فالكلام والعك

ولازم تحترمي إني راجل متجوز وتحترمي الحرمة اللي على ذمتي في كلامك.

ورد (بصوت مخنوق): أنا مقولتش حاجة عيب.. أنت ليه بتكلمني كدة قدام ملاح.

جبل: العيب هي قعدتك ديتي والوقت ليل

قومي روحي يا ورد، ولما تحبي تاجي،

تاجي في وسط الحريم.

​انحرجت ورد بشدة.

خاصة مع نظرات ملاح الساخرة وخرجت تجر أذيال الخيبة والحقد.

ــــــــــــــــــ.                 بقلمي سمارة.. واتباد.


​في الأعلى (شقة جبل)

​كانت هند تنزل الدرج حين رأت أمينة تدخل شقتها والدموع تبلل وجهها. لم تضيع هند الفرصة

فدخلت خلفها بسرعة وهي تتلفت يميناً ويساراً، تعاين أثاث الشقة الفاخر بغيره فهي المرة الأولى التي تدخل فيها "مملكة" أمينة.

​هند: مالك يا أمينة؟ يا مري معيطة ليه د إيه اللي حصل تحت؟"

دخلت أمينة وارتوت على الأريكة وهي تمسح دموعها بقهـر: "والله معاكي حق لما قولتي بجحة.. دي مفيش في وشها دم.

هند (بخبث): "أهه.. يبقى ورد عرفتي حاجة صوح

أمينة: "عرفت منها يا اختي..

قاعدة تحت مع الغندور وبتحكي في ذكرياتهم.

هند (بشهقة تمثيلية): "اش اش دي مسدقت بقى.. قولي لي إيه اللي حصل بالظبط.

واللي تنفقد ديتي عملت ايه.

أمينة: طلعت كانت خطيبته قبلي.. وكان رافض الجواز من بعدها.

​هند (تصب الزيت على النار): الله

خطبها قبلك عشان كدة بقى

مش قولتلك بينهم حاجه.

وخطوبة يعني كان فيه حب وجيران في الشارع، ويعالم العلاقة كانت واصلة لـفين و سهاري والمقابلات

وانتي يا غلبانة لما خطبك مشافكيش حتى بحكم العادات.

​بدأت أمينة تفكر في كلام هند

بينما كانت هند تتجول في الصالة بذهول من فخامة الشقة: بس إيه يا بت يا أمينة.. شقتك اللهم صلّ على النبي، تحفة

يا ترى ده ذوق جبل.. ولا كان ذوق ورد.

​أمينة (بانفجار): "هند! متضايقنيش، أنا مش طايقة نفسي دلوك واصل.

هند (وهي تتجه للباب): وأنا مالي يا اختي؟

أنا هنزل أستنى جوزي لما يرجع.. أنا بس بقول يمكن الأحلام اللي رسمها معاها في الشقة دي

نفذها ليكي أنتي..

المهم يا أمينة لو سكتّي له الليلة، اعرفي إنك هتفضلي. ممسحة زفر. لجبل طول عمرك.

ــ

​خرجت هند وأغلقت أمينة الباب بعنف، وظلت تدور في الشقة كالمجنونة، وكلمات هند "ممسحة زفر" تتردد في أذنيها.

أمينة (بتحدٍ): اللي يسكت تاني..




الثاني والشعرين من هنا 

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات