رواية قصر آل الزيني الفصل العشرين 20 بقلم سلمي خالد
العشرون [ وبدأت الحرب]
سلمى خالد احمد
*************
صاحت في ضيق:
_ هو انت بتاخد مني التليفون كدا ليه؟
انهت السيدة المكالمة من طرفها، فرد عليها في صوت يجاهد في ألا يرفعه:
_ مين دي؟
_ معرفش!
_ روني، انتي عارفة اني بكره الكدب صح؟
صاحت في دفاع عن نفسها:
_ وانت عارف اني بكره الاتهامات، قولتلك معرفش اقسم بالله ما اعرف، دي لسه متصلة ويدوب حطيت التليفون على ودني مسمعتهاش بتقول غير كلمة جوزك وبعدها انت نتشت التليفون من أيدي!
3
تنفس في عمق في محاولة منه أن يهدأ ولا يتعصب ولا يرفع صوته وقال:
_ عايزة تقوليلي انك متعرفيش واحدة اسمها هاجر في حياتك؟
_ هاجر! لا معرفش حد بالاسم دا
صاح في غضب:
_ اومال مين طيب مين!
_ هو إيه دا اللي مين فهمني؟
_روحت عند مديحة ادتني رقم الست اللي كانت بتتواصل معاها روحت لها قالتلي مراتك هي اللي قالتلي اعمل كدا، قالتلي اكلم مديحة واقولها ان فيه كاميرا اتحطت في الاوضة وانتي هتعترفي بانك اللي حطتيها و ان هي استخدمت صباع ايدك وتعترف بدا قصاد حد من اللي في البيت و تديها فلوس في الآخر
1
ردت في نوع من السخرية:
_ وانت طبعا جري صدقت القصة دي صح؟
صاح في ضيق:
_ مين يعني بيعمل كدا مين؟ مين مصلحته يعمل معاكي كدا، مين مصلحته يسوء في سمعتك، مين مصلحته يرميكي كل شوية في طريقي بالشكل دا، أنا هتجنن!
2
اطرقت برهة.... ثم أجابت:
_ لو قولتلك ممكن تصدق؟
_ كدا كدا مضطر اسمع، عمالين تمطوحوني لبعض
_ عايلتك ماكنتش عايزاني ليك من أول يوم.... من وقت ما قولتلي هتقدم لك
_ مش فاهم؟
_ مامتك جت لي البيت و حطت في ايدي فلوس وقالتلي ابعدي عن ابني واي فلوس هتحتاجيها انا معاكي بس بلاش توافقي على الجواز منه وارفضيه، انتي كل اللي همك فلوسه وأنا اهو بقولك خدي فلوس
2
كان يحدق بها في صدمة مما يسمع ثم صرخ في غضب أكبر:
_ انتي مجنونة!
قصدك ان أمي هي اللي بتعمل كدا؟
1
صاحت هي الأخرى:
_ لا مش قصدي كدا، قصدي ان اللي بيعمل كدا هو نفس الشخص اللي وصل لمامتك إني استغلالية وعايزة فلوسك ولعب في عقلها علشان يخليها تيجي وتعمل حركة زي دي.... حتى لو تفتكر أنا تاني يوم قولتلك في حاجة حصلت ولا انت جاي على المعاد ولا إيه وساعتها قولتلك بجرجرك في الكلام لاني فكرتها قالتلك او منعتك تتقدم لي
2
_ أمي أنا عملت كدا!
اشار إلى نفسه في عدم تصديق وهو ينطق تلك الجملة فردت:
_ دا حصل، وأعتقد في النهاية انها تراجعت وأنا مش بقولك كدا علشان تروح تتخانق فيها لان الكلام دا كان من بدري، أنا بقولك ان اللي عمال يعمل معايا كدا هو حد كان رافض جوازي منك من الاول و بيخلق أي حاجه علشان يخرب علينا ويطلقنا
_ مين؟ مين ممكن يعمل كدا؟
مستحيل حد من عماتي، انتي متعرفيش هما بيحبونا قد إيه متعرفيش عملوا لينا إيه احنا وبابا من زمن الزمن، ولا تعرفي اننا متربين مع بعض، عماتي بالنسبالي زي أمي بالظبط
7
زفرت في ضيق وقد أيقنت أن تصديقه لشيء كهذا سيستغرق الكثير من الوقت و الجهد و الأدلة المؤكدة قبل كل شيء.
في الحقيقة ليس من السهل أن تجعله يصدق أن اثنتان يضعهما في مكانة أمه، بأنهما من تخططان لالحاق الضرر به!
هو لم يرَ منهما سوى الحنان و الحب و المعاملة الحسنة طيلة عمره.
ولكنها ردت على أي حال:
_ ممكن تبقى أسيل
_ أسيل؟
_ آه
_ ليه تعمل كدا ؟
_ أسيل كانت بتحبك و عايزة تتجوزك و....
قبلما تكمل قاطعها في ضيق:
_ بس متكمليش، آه كان المخطط اني اخطبها، وطبعا اللي كان مخطط دا بابا و عمتي، ولكن هي دلوقتي اتجوزت اخويا، فاهمة يعني إيه هي مرات اخويا؟
يعني حتى لو دا هدفها على كلامك، فأنا مستحيل افكر فيها لأنها مرات أخويا، مرات أخويا... كان ممكن اصدق دا لو ماكنتش اتجوزت اخويا.
بصي ممكن أصدق ان أسيل تقول على فستانك old fashioned، تحب تناقر فيكي، زيها زي اي سلفة مش طايقة سلفتها لأي سبب، لكن تخطط و تتكتك وتعرف ناس وتتفق معاهم وكل دا، لا مستحيل، ثم اني قولتلك هي مش مستفيدة حاجة من طلاقنا
1
_ يزيد، أنا قولتلك اللي عندي، بس يظهر ان الكل عندك مستحيل يعمل كدا وانا الممكن بقا صح؟
وضع يده على جبينه وهو يصيح:
_ لا مش صح، بس مين، بس مين مين!
سكتت وكذلك سكت الآخر... وعادت إلى الحديث مرة أخرى قائلة:
_ تعالى نروح اوضة مديحة نسأل الحارس مين آخر حد زرها، او نضغط عليها تاني، قولها انك كشفت اللعبة وعرفت مين عمل كدا وشوف إذا هتتوتر ولا لا، او خليني اجي معاك بيت الست دي اللي اسمها هاجر دي وأنا هواجها وهثبتلك ان الكل كداب
1
نظر في ساعة يده ورد:
_ الساعة ١٢، الناس نايمة مش هنقعد نصوت أنا ومديحة دلوقتي!
انا بس هطلع للحارس أسأله وبكرة أما ارجع من الشغل نطلع لمديحة وبعدها نروح على بيت هاجر دي
_ تمام، يلا نطلع للحارس
خرجا معًا وذهبا إلى حارس غرفة مديحة وسأله يزيد:
_ بقولك يا عم مختار
_ قول يا بيه
_ حد طلع النهاردة لاوضة مديحة زيارة؟
_ حد زي مين يا بيه؟
_ حد من الهوانم اقصد
1
سكت برهة...ثم رد:
_ لا يا بيه محدش جيه من الهوانم الكبار، اللي جيه الخدم بالأكل بس وأنا دخلته ليها
_ مش لازم النهاردة، حد منهم جيه بصفة عامة؟
_ المدام اللي جنبك جت من فترة
أشارت روني إلى نفسها وردت:
_ دا ساعة ما عمتو فاطيمة جت و دخلتلي؟
_ ايوا بالظبط
نظرت إلى زوجها وردت:
_ انت عارف أنا قولتلك وقتها إني كنت عندها وعمتك جت وخرجتني
2
هز رأسه موافقًا ثم انصرف في خيبة أمل ولحقت هي به
***********
كانت حليمة تتحدث مع أسيل عبر الهاتف تقول لها في تعنيف:
_ شايفة غبائك كان هيعمل فينا إيه؟
كان لازم تعملي حركة زي دي من غيري ما تقولي ولا تشوري!
_ ماما، سبيني أنا محروق دمي منها، البت عايشة حياتي، أحلامي، نايمة في حضن الراجل اللي فضلت أحلم بيه عمري كله وانتي السبب، انتي اللي فضلتي تقوليلي يزيد مش هيتجوز غيرك، انتي ليه، وعلقتيني بيه وخلتيني مش شايفة غيره
2
_ خلصنا بقا من ام الاسطوانة المحروقة دي!
كويس انك قلتي، لحقت فاطيمة بسرعة تقول للحارس ميقولش وكرمشيلته فلوس قد كدا، بس كتير علينا كدا عمالين نسكت في مديحة شوية وفي عم مختار شوية ارحميني بقا
1
انهت الفتاة المكالمة أثناء حديث والدتها وتحدثت في غيظ:
" انتي تستاهلي إن يتقفل في وشك السكة"
1
ألقت بالهاتف بعيدًا ثم انهارت بالبكاء في وجع مكتوم وقهر مكبوت.
وفي تلك الأثناء خرج حسان من المرحاض فسمعها تبكي في حرقة بذلك الشكل وعليه أسرع جهتها وتحدث وهو يرفع وجهها جهته:
_ أسيل مالك؟ بتعيطي ليه مالك؟ إيه اللي حصل بس؟
لم تجيبه بل كانت دموعها تزداد و اصوات شهقاتها تتعالى لذا ضمها إلى صدره وهو يلمس بأصابعه أطراف شعرها، يقول:
_ متعيطيش، متعيطيش كدا يا حبيبة قلبي، اهدي ....اهدي
***********
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت هانيا من نومها وهي لا تشعر بتسحن أبدًا كأن نزلة البرد تزداد لا تقل، نهضت من مكانها ودخلت المرحاض وبعد قليل خرجت فوجدت جياد في وجهها يقول في ابتسامة:
_ صباح الخير
_ صباح النور
2
دخل هو الآخر، واتجهت هي نحو السرير و تسطحت عليه مرة أخرى وامسكت هاتفها تقلب فيه، خرج الآخر وهو يضع المنشفة على كتفه وتحدث إليها:
_ عاملة إيه دلوقتي، بقيتي أحسن؟
_ باخد الدوا وان شاء الله هبقى كويسة
اتجه نحو السرير وجلس جوارها، فحاولت النهوض لكنه منعها وكذلك عندما وضعها بين ذراعيه.
نظرت إليه وقالت:
_ ايوا وبعدين يعني! عايزة اقوم اقعد
_ ما انتي كنتي نايمة اشمعنى أما جيت اقعد جمبك بقيتي عايزة تقومي!
1
نام واضعًا خده الأيمن على صدرها ثم ارخى جسده على السرير لكنه كان بجوار جسدها بالظبط وتحدث:
_ عارف انك زعلانة علشان أنا جيت اتقدم لك في نفس اليوم اللي الزفت جوز اختي كان هيتقدم فيه، واني قلت لاختك تمنعك تقولي لابوكي حاجة عنه.... تمام هي حاجة تزعل بس في الآخر أنا مغصبتكيش عليا، أنا اتقدمت لك بحيث أكون بعرض عليكي الجواز زي ماهو عرض وانتي تفكري، ماكنتش اعرف انك هتزعلي اوي كدا، أنا اتقدمتلك وانتي عادي كنتي قادرة ترفضي. عملت كدا بس علشان ابوكي يرضى يديني معاد و ميقولش هي هتتخطب او اتخطبت علشان كدا ماكنتش عايزه يعرف حاجة عنه، وكنت عايز اجي قبله، أنا لا اجبرتك ولا خطفتك مثلا ولا أي حاجة من دي، أنا مجرد دخلت البيت من بابه!
2
ردت في ضيق:
_ دخلت، و اتجوزتني، وعملت اللي في دماغك!
ارتاح بقا
رفع رأسه قليلًا كي ينظر إلى عينيها ورد:
_ دا بالنسبالي مش جواز، انتي بتمتحنيني، بتمتحنيني في صبري، وأنا صبري قليل و خلقي ضيق، بس صابر عليكي علشان بحبك وعلشان حسيت بشوية ندم على اللي عملته معاكي وبحاول اديكي عذر لتصرفاتك دي معايا، بس لحد امتى؟
2
حاولت النهوض ولكنه منعها وهو يقول:
_ هتردي وانتي كدا، مفيش مجال تقومي
ثم ابتسم وتابع:
_ إلا كل الناس شكلها بيبقى بهتان وهي تعبانة، ماعدا انتي....كل يوم بتحلوي في عيني اكتر... دي مراية الحب عامية فعلا زي ما كانوا بيقولوا !
متفضليش بصالي كتير بعيونك الحلوين دول مش هقدر امسك نفسي كتير خلي بالك
3
_ انت عايز إيه يا جياد على الصبح؟
_ رد متوقع من واحدة قلبها جامد زيك... بس ما علينا هكون وقح وهقولك عايز إيه....عايز ابوسك
2
وقبلما تتكلم فعل ما أراد... حاولت المقاومة ولكنه سيطر على الوضع هذه المرة.
ولم تكن هي المانع الوحيد لتلك المرة، بل صوت دقات الباب هي من جعلتها تقول مرارًا و تكرارًا:
_ اوعى بقا وروح افتح...اوعى
ابتعد عنها قليلًا وصاح في غضب:
_ مين!
فردت الخادمة في توتر:
_ مستر جياد، معاد الفطار
_ مش هنتنيل نفطر دا انتي واحدة رخمة
2
وعليه الأخرى فلتت من بين ذراعيه وهي تقول:
_ أنا عايزة افطر
زفر في ضيق وغضب، فوجدها وقفت أمام المرآة تعدل نفسها وتجهز ملابسها لتنزل، فتحدث في نفس الضيق:
" العيشة في القصر دا مبقتش محتملة. "
1
ثم نظر إلى صورتها في المرآة وتابع:
_ فرحانة صح؟ ما انتي بتفرحي دايما في حرقة دمي
_ البس وخلص نفسك لتتأخر على الشغل والشيخ يسمّعك
زفر في ضيق واتجه نحو الخزانة ومعالم الغضب تشكل ملامح وجهه وتحدث وهو يقلب بين بدله في غيظ:
_ ماشي.. ماشي يا هانيا، مصيره التلج يدوب.... مش آخر محاولة
_ لا... آخر محاولة
اقترب منها في خطوات سريعة ثم امسكها من ذراعها وتحدث في صوت يحمل في طياته الغيظ:
_ أنا جوزك، تمام، جو...زك.
وانتي مراتي ويكون في علمك مش هتبقي لغيري، هتفضلي مرات جياد الزيني للأبد
_ بالإكراه؟
_ لا، بالحب وبكرة اثبتلك.. بكرة تتأكدي إنك ظلماني
4
انهى كلامه وابتعد عنها، عاد يفعل ما كان يفعله أولًا، فردت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ بس خلي بالك دا مش حب... دا اسمه أسلوب سيطرة، و سيطرة ناعمة كمان، تحت مسمى الحب
_ يعني؟
_ يعني انت متناقض يا جياد... شوية تقولي براحتك واختاري وشوية تقولي هتفضلي مرات جياد الزيني للأبد!
أطرق..... ثم رد وهو يهز رأسه متفهمًا الأمر:
_ انت ست حقانية اوي صح؟
_ اللي تشوفه
_ أنا شايف كدا، شايفك اهو وانتي بدوري على حقك، شايفك رافضة لانك شايفة إنه من حقك ترفضي لانك اتجبرتي و اتغصبتي.
وبما إنك من أنصار الحق وبدوري على حقك، أنا كمان هدور على حقي
1
_ هتعمل إيه؟
_ هقولك وهخيرك فعلا بس دا مش وقته لان اتأخرت اوي يدوب نلحق ناكل لقمة و امشي على شغلي.
كان المفروض تيجي معايا الشغل النهاردة بس شكلك لسه تعبانة، خدي اليومين دول اجازة ارتاحي علشان لازم تنزلي بقا.
يلا ننزل؟
1
وافقت و سارت بجانبه كي ينزلا.
**********
قبل قليل في غرفة ماهي و شهاب.
كانت استيقظت و ايقظته هو الآخر وبمجرد أن استيقظ وجدها تقول له في ابتسامة:
_ صباح الخير يا حبيبي، ان شا الله مزاجك أحسن النهاردة
ابتسم وبدأ ينهض، فسألته:
_ تحب اقولهم يطلعولنا إيه على الفطار؟
_ احب نفطر مع بعض كلنا تحت
عقدت حاجبيها في استغراب وردت:
_ ايوا حبيبي بس... بس احنا يعني المفروض إننا متجوزين جديد و..
1
_ دي كلها عادات وتقاليد ملهاش لازمة، عادي عايز افطر معاهم علشان حاسس ان اخواتك واخدين مني جمب، محتاج أقرب منهم واعرفهم اني من العايلة.... أنا مثلا أمي هتيجي النهاردة تبارك، ومجتش امبارح رغم ان امبارح كانت صباحيتنا، بس هي قالت تسيبنا على راحتنا وتيجي النهاردة، هل حصلت مصيبة يعني؟ سيبك من العادات دي وخلينا نفطر كلنا مع بعض تحت كعايلة مترابطة بتحب بعضها
3
هزت رأسها موافقة وبالفعل استعدا الاثنان ونزلا في نفس الوقت الذي نزلا فيه جياد و هانيا.
جلسوا جميعًا على السفرة وتحدث شهاب وهو يسحب لنفسه الكرسي:
_ صباح الخير
ردوا عليه:
_ صباح النور
عقد الشيخ حاجبيه وتحدث في ابتسامة:
_ ايه يا عرسان، لسه بدري على نزولكم و فطاركم معانا؟
رد شهاب في ابتسامة هو الآخر:
_ قلنا ننزل ناكل معاكم يا شيخ واهي فرصة ماهي تبقى معاكم شوية قبل ما نمشي و نرجع لشقتنا، وانا كمان فرصة الحق أكل معاك من على نفس السفرة
ابتسم الرجل ورد:
_ بالهنا و الشفا يا حبيبي
زفر جياد في ضيق وهمس جانب اذن أخيه يزيد والذي كان يجلس بجانبه:
_ الكائن دا كله أما بيتنفس بتعصب، تقيل، تقيل على قلبي بشكل وساحب كل أكسجين المكان
2
ابتسم يزيد ورد:
_ أول مرة في حياتي اشوف حد حارق دمك كدا!
يا أخي حاول تطنشه بقا، انت اللي خدت هانيا في الآخر
2
شعر الآخر بالحزن، هو بالفعل أخذها ولكنه أخذ فقط جسدها أما روحها فلازلت عالقة هناك عند ذلك الرجل الذي يكرهه، تابع يزيد:
_ هي لسه مدايقة منك؟ ولا الأمور اتحسنت؟
_ بعدين يا يزيد بعدين
كان لا يأكل بل يركز بشدة مع نظرات زوجته و نظرات ذلك المدعو شهاب، وكانت تالية تلاحظ تلك النظرات و تبتسم أثناء أكلها.
أما أسيل فقد كانت تجلس شاردة أمام طبقها وكذلك روني.
نظر شهاب جهة هانيا وتحدث:
_ ممكن تناوليني كوباية عصير؟
2
كانت الصنية الموضوع عليها العصائر ناحية هانيا وماهي التي كانت تجلس قبالتها في الجهة الأخرى من السفرة، لذا أسرعت كلًا منهما بوضع يدها على كوب كي تناوله إياه، فابتسم إلى زوجته وقال:
_ تسلم ايدك يا حبيبتي بس أنا مش بحب عصير البرتقان
1
ثم مد يده كي يأخد كوب عصير المانجو من يد هانيا والتي جلبته له كي تناوله إياه
1
وضعت ماهي الكوب مكانه، بينما ابتسمت فاطيمة وتحدثت ساخرة:
_ وهي هانيا عرفت منين إنك بتحب المانجا، اللي خلى مراتك معرفتش؟
6
زفر عبدالله في ضيق فهو لا يحب نوعية هذا الحديث لا على الطعام ولا في أي مكان حتى، بينما شهاب أجابها:
_ كل اللي حصل إن هانيا قاعدة قصادي فشافت أنا بشاور على إيه وجابته، انما ماهي قاعدة جمبي فمخدتش بالها، بس كدا.
تنهد جياد و اخذ يردد:
" استغفر الله العظيم يارب، يارب مش عايز ابقى قاتل، مش عايز اخش السجن بسببه يارب"
1
بينما فاطيمة أمالت جهة اذن ابنتها وهمست:
_ هو الحيوان دا تبع مين؟ يعني أنا قلت كدا بساعده إن قصته تتعرف هو وهانيا في القصر وهو يرد في الآخر بالكلام دا؟
_ هو بيلعب لحسابه يا ماما، مش هيكون تبعك ولا تبعي وأنا عارفة دا من زمان
_ ليه؟
_ كدا، شهاب مش تابع، بيشوف مصلحته فين و بيمشي هو محدش بيمشيه
_ طب ما دي مصلحته!
_ لا، كلامك هيفتح العين عليه ولا هيعرف ياخد هانيا ولا حتى هيستمر مع ماهي باللي انتي بتقوليه دا، فكرك الشيخ أما يحس ان فيه علاقة بينه وبين هانيا هيخليه؟ اقل حاجة خالص هيطرده من القصر.
سبيه يلعب زي ماهو عايز يا ماما ووفري مجهودك الجبار
2
_ بقيتي قليلة ادب زي اخوكي بالظبط، ما شاء الله على الرباية.
5
انهى الشيخ طعامه ونظر إلى عبير وتحدث في صوت لا يسمعه غيرهما:
_ متنسيش تتكلمي مع أسيل في اللي أنا كلمتك فيه امبارح، كنت هتكلم معاها أنا بس الموضوع محرج لينا احنا الاتنين فاتكلمي انتي الأول وعرفيني طلع معاكي إيه
_ ما أنا قولتلك اللي فيها، بس حاضر هتكلم معاها تاني
هز رأسه موافقًا ثم نهض وهو يقول:
_ سفرة دايمة يا حبايب
1
ثم نظر إلى ابنائه وتابع:
_ يلا يا شباب؟
نهض كلًا منهم ونهض حسان أيضًا كي يتعرف على تلك الوظيفة التي سيضعه والده فيها.
وكذلك روني نهضت وامسكت في يد زوجها فقد انتهت مدة اجازتها واليوم هو أول يوم لها عودة إلى العمل في وضعها الجديد[ مديرة أعمال يزيد]
نهض جياد وأثناء سيره معهم كان لا يزال ينظر ورائه نحو زوجته التي لازالت تجلس مكانها تأكل، فهو يشعر بالغيرة انها مازالت تجلس هناك في نفس المكان الذي يجلس فيه ذلك الذي يكرهه، ولكنه ذهب على أي حال.
نهضت أسيل وتحدثت إلى عبير:
_ تسمحيلي أروح زيارة لماما النهاردة؟ طلبت تشوفني
_ مقولتيش لجوزك ليه أما كان هنا؟
سكتت برهة...ثم ردت:
_ قولتله أكيد بس...بردو قلت أعرفك
_ مفيش مشكلة مادام هو وافق خلاص، بس ياربت قبل ما تمشي تستني شوية عايزة اتكلم معاكي في حاجة كدا
_ تمام، مستنياكي في اوضتي، كلي براحتك و تعالي، او شوفي لو حابة اجيلك او..
_ عادي، أنا هقوم اغسل ايدي و اجيلك
1
هزت رأسها موافقة وذهبت.
انتهت ماهي من تناول الطعام وتحدثت إلى زوجها:
_ هروح أغسل ايدي
هز رأسه موافقًا، ثم نظر إلى هانيا وهو يبتسم وقال وهو يقلد صوت القطط:
_ بسبس بسبس
رفعت عيناها نحوه وردت في صوت خفيض للغاية:
_ عايز إيه؟
_ هكلمك، ردي عليا
_ هنا؟
_ لا، كفاية أكل بقا قومي اطلعي اوضتك و ردي عليا أما ارن
2
كانت تلتفت حولها خائفة من أن يراها أحد، وفي تلك اللحظة عادت ماهي وتحدثت وهي تضع يدها على كتفه وتميل بوجهها ناحية وجهه قليلًا:
_ خلصت أكل يا بيبي؟
1
شعرت هانيا بالغيرة دون ارادتها وهي تنظر إلى يدها الموضوعة على كتف حبيبها، وجهها القريب منه، فلاحظ هو نظراتها، لذا ابعد يدها ورد وهو يقوم:
_ خلصت، هروح أغسل ايدي
1
التفتت ماهي إلى هانيا وتحدثت في ابتسامة:
_ عاملة إيه يا حبيبتي دلوقتي بقيتي أحسن؟
_ يعني بتحسن
_ كونك مروحتيش معاهم الشغل النهاردة تبقي لسه عيانة
ثم ابتسمت وتابعت في خبث:
_ اوعي تكوني حامل ومخبية!
مبحبش اتكلم كدا...بس كاميليا دخلت الموضوع في دماغي
2
ابتسمت الأخرى وقالت:
_ لا لا مش حامل ولا حاجة، أنا مجرد عندي برد شديد مش أكتر
انهت جملتها ونهضت كي تذهب وأثناء سيرها اوقفتها ماهي وهي تقول:
_ هانيا
توقفت ثم التفتت لها وردت:
_ نعم؟
اقتربت منها وتحدثت في ابتسامة:
_ محتاجة خبرتك في حاجة كدا، بما إنك صاحبتي ومتجوزة
3
تضايقت هانيا ففهمت عنوان الكتاب سريعًا ولكنها قالت:
_ قولي
_ مش عارفة جايز بعمل حاجة غلط، بس البس إيه يكون مغري ويعني يخليه... يخليه
قاطعتها الأخرى قائلة في سرعة هي لا تود أن تسمع:
_ بتكسف جدا اتكلم في المواضيع دي معلش، ممكن تسألي حد يفيدك اكتر مني، عن اذنك بس عندي معاد دوا وعايزة اطلع اخده
انهت كلامها بهذا الشكل في سرعة دون أن تعطيها فرصة للرد وبالفعل صعدت الدرج في سرعة أيضًا.
تمتمت ماهي في استغراب:
" مالها! أنا مقصدقتش حاجة بجد!"
وفي تلك اللحظة، أقبل عليها شهاب وهو يقول:
_ ماهي، يدوب نطلع نجهز ماما و اخواتي في الطريق.
***********
دخلت عبير غرفة أسيل وكانت الأخرى قد جهزت ملابسها ولم يبقَ سوى أن ترتديها وتذهب.
ابتسمت ما إن رأت حماتها وقالت:
_ اتفضلي يا ماما قولي أنا معاكي
تنهدت السيدة ثم جلست وتحدثت:
_ انتي وحسان علاقتكم ماشية ازاي دلوقتي؟
_ مش فاهمة! تقصدي من انهي جانب؟
_ اقصد العلاقة الزوجية بينكم عاملة ازاي؟
_ كويسة!
_ متأكدة؟
_ ماما صدقيني أنا مش عارفة انتي تقصدي إيه ولا بتلمحي لأيه
تنهدت وردت:
_ حسان قال لخالك إنك منعاه عنك وانك بتهدديه تقريبا بالطلاق... مع انك آخر مرة قولتيلي انه هو اللي مش عارف وطلعتيه مبيعرفش، دلوقتي إيه ردك؟
سكتت...... ثم ردت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
_ لسه عند كلامي
عقدت السيدة حاجبيها في استغراب وردت:
_ يعني إيه؟
_ يعني حاولنا من فترة وفشل بردو، قولتله خلاص روح اتكلم في شغل، امسك ادارة زيك زي اخواتك اهو أي حاجة ترفع من معنوياته وتحسسه بكرامته و قوامته كراجل
3
ابتلعت السيدة ريقها شاعرة بالخجل بشدة ثم هزت رأسها موافقة وقامت وبعدها مشت بضع خطوات على استحياء منها ومن كلماتها القاسية عليها كأم لا تحتمل أن تسمع تلك الكلمات تقال على ابنها لذا تحسرت عليه و شعر قلبها بالقهر جهته.
أما أسيل فتابعت ترفع عنها الحرج:
_ أنا مقولتلوش هطلق ولا هددته بإني هبعد، لاني لسه عند وعدي ليكي اني هستحمله لحد أما الأمور تتظبط معاه.
بس هو دايما اللي حاسس كدا، للأسف دايما يقولي متسبنيش يا أسيل علشان مشكلتي دي، انتي جميلة يا أسيل والف مين يتمنى، وانا اقوله عادي ولا يهمك، فيظهر إنه خلط الأمور وفكر انه لو حتى مبقاش مدير أكيد هسيبه لانه شايف إنه اما يبقى مدير على الأقل حتى، دا هيخليه يكبر في نظري و يخليني اشوفه بشكل تاني.
2
ابتسمت السيدة وربتت على كتفها وردت:
_ بنت أصول يا أسيل ودا المتوقع من واحدة متربية زيك وفاهمة في الأصول، ربنا يكملك بعقلك يا حبيبتي، هو يظهر فعلا متوتر لان ابوه قال انه كل شوية ينط له وعايز يمسك ادارة بأي شكل... أنا عامة قلت ارجعلك بردو وافهم بس صدقيني إلا أما نلاقيله حل
2
هزت رأسها موافقة ثم قالت:
_ بس زي ما اتفقنا مش حابة ابدا إنه يعرف حاجة زي دي لا بشكل مباشر ولا غير مباشر، فكرة انه يعرف انك عرفتي مني إنه فشل في حاجة زي دي للمرة التانيه، دي حاجة هتقتل رجولته وانا ماكنتش هقول إلا أما حضرتك سألتي واختلط عليكي انتي وخالو الأمر، غير كدا أنا سعيدة معاه ومتفهمة الأمر، يكفي انه ابن خالي الغالي ولو مش أنا اللي استحملته وقت أزمة زي دي، مين المفروض يعمل كدا!
2
ابتسمت السيدة ابتسامة عريضة وردت:
_ شكرا يا أسيل يا غالية يا بنت الغالية، وأنا أكيد مش هقول حاجة بس هفهم ابوه بس علشان ميبقاش زعلان منك
_ بلاش يا عبير هانم، بدل ما خالو يواجهه بالموضوع دا و يزعل مني جدا و يتحسر وثقته في نفسه تقل
_ لا لا متقلقيش، عبدالله أكيد مش هيعمل كدا، هو بيقدر مشاعر حسان جدا ومن زمان، وأنا أكيد هأكد عليه بردو، على الأقل ممكن حد من اخواته ياخده لدكتور يشوفه
_ لا لا لا، هيعرف ان أنا اللي اشتكيت وكدا هدمروا الثقة بينا!
سبيني امهدله الأول وبعدها نقدر نعمل زيارة لدكتور
أما لو حد من اخواته جيه اتكلم معاه في الموضوع دا فجأة كدا، هيتأكد إني اشتكيت وأنا مبيناله إني تمام و سعيدة وزي الفل، فهماني؟
_ فهماكي حبيبيتي، وصح معاكي حق، خلاص رتبي امورك و اموره وشوفي هتجيبيهاله ازاي واي حاجة تحتاجيها كلنا معاكي
_ اتفقنا يا ماما
_ يلا حبيبيتي هسيبك علشان تلبسي وتروحي لمامتك بدل ما تتأخري
_ تمام
خرجت السيدة، بينما الابتسامة اختفت من على وجه أسيل والتي كانت تتصنعها حتى ترحل حماتها وتحدثت إلى نفسها:
" مبقاش الا انت يا عبيط اللي تشتكيني كمان! لا دي المسألة لمت خالص و عيّلت، جتك نيلة في شكلك، نص راجل، طول عمري اسمع عن جملة نص راجل دي، بس اول مرة اشوفها فعلا أما اتجوزت الناقص دا "
**********
وصلت السيدة سحر و بناتها وعد و شاهندا القصر، رحبت بهن ماهي ترحيبًا حارًا و استقبالتهن أحسن استقبال.
وبعدما انتهين من شرب العصائر وبدأن في أكل الفواكه، تحدثت ماهي:
_ مش هتمشوا إلا أما تتغدوا معانا
ردت سحر في ابتسامة:
_ احنا فين والغدا فين بس يا ماهي؟!
_ عادي قضوا معانا اليوم كله، وفيها إيه يعني؟
ابتسم شهاب و تدخل في الحديث قائلًا:
_ لا، خليهم يتغدوا معانا لأول مرة في شقتنا ان شاء الله
_ بجد يا شهاب عادي سيبهم
_ وراهم طريق طويل و هما بنات لوحدهم، في بيتنا الوضع هيكون أفضل
علقت سحر:
_ بالظبط يا ماهي، مرة تانية يا حبيبتي
تدخلت وعد في الحديث قائلة:
_ عاملة إيه يا ماهي
ربتت على كتفها وردت:
_ أنا بخير يا قلبي وانتي عاملة إيه؟
_ أنا كويسة الحمدلله
التفتت ماهي إلى شاهندا وأضافت:
_ وانتي يا شوشو عاملة إيه في الجامعة يا روحي؟
_ الحمدلله الأمور ماشية بذاكر و بنجح وخلاص اهو الترم بيخلص وهاخد الاجازة بقا
_ وناوية تروحي فين بقا في الاجازة؟
_ فكرت اسافر مع صحابي اسكندرية يوم سد رد كدا، بس على الله جوزك يوافق
التفتت إليه وقالت:
_ هو انت ممكن متوافقش يا شهاب؟
_ لا، بنات تسافر لوحدها لا طبعا، أخاف عليها
1
التفتت إليها ماهي وتابعت:
_ خلاص يا شوشو خلصي الترم وأنا يا ستي هاخدك ونطلع اسكندرية ومعانا شهاب و ماما سحر طبعا
ابتسمت الفتاة ابتسامة عريضة وردت:
_ تسلمي يا ماهي يا قمر
تحدثت سحر إلى بنتيها:
_ قوموا انتوا الاتنين روحوا اقعدوا بعيد عايزة اتكلم مع ماهي لوحدنا شوية
ردت وعد في ضيق:
_ وايه يعني يا ماما، ما احنا قاعدين هو احنا صغيارين؟
_ قومي يا بت انتي وهي قوموا
نهضتا على مضض وهما تزفران في ضيق، بينما اضافت السيدة:
_ وانت يا شهاب سيبنا نقعد مع بعض شوية
_ حاضر يا ماما
انصرف إلى الخارج، التفت حوله قليلًا ثم خرج إلى حديقة القصر، ابتعد عن الجميع واخرج هاتفه كي يتصل بهانيا وبالفعل اتصل بها.
1
وكانت هي استكفت من البكاء اليوم،وبدأت تكره الحالة التي عليها وتكره نفسها وتكره ذلك الصراع الجاري بين قلبها وعقلها، زوجة أحدهم وقلبها لا يزال مع الآخر المتزوج، ما هذا؟
فكانت تكره بالفعل ذلك الشعور و تجلد ذاتها ما إن انتابها، كأن نفسها تعاقبها بشدة وتكره أن تراها في راحة، ونتيجة لذلك دخلت المرحاض كي تقف تحت صنبور المياة لعلها تخرج من تلك الحالة قليلًا، لذا كان هاتفها يرن وهو موضوع على السرير أما هي فلم تسمعه لأنها في الخلاء.
تضايق بشدة وقال:
" ماشي...ماشي"
1
في الداخل، وضعت سحر يدها على كتف ماهي وتحدثت في ابتسامة:
_ عاملة إيه مع شهاب؟
اطرقت الفتاة وهي تنظر إلى الأرض في ضيق، فتابعت حماتها:
_ إيه بس؟ مالك؟ بصي قوليلي كل حاجة أنا زي والدتك ولو فيه حاجة مدايقاكي منه عمري ما هروح اقولها أكيد
تنهدت وردت:
_ عارفة دا كويس والله... بس كنت عايزة أسألك في حاجة كدا
_ قولي يا روحي
_ هو فيه حاجة مدايقة شهاب؟
_ حاجة؟ حاجة إيه؟
تنفست الفتاة في عمق وأضافت:
_ بصي أنا كان ممكن اكدب بس أنا مش هعمل كدا لاني فعلا عايزة مشكلتي تتحل وعايزة افهم هو ماله، وعايزة اعرف بردو لو عندك نصيحة تقدمهالي، علشان كدا هقولك
1
_ قولي يا قلبي، فيه إيه، مالك؟
تنهدت الفتاة وردت :
_ شهاب ملمسنيش لحد دلوقتي.. دا اليوم التالت اهو مع بعض يعتبر وهو بعيد، والحجة إنه بيفكر في حاجة شغلاه ....في موضوع مدايقه تقريبا وهو قالي انه مش عارف يفصل، إيه بقا الموضوع دا مقالش، قالي بعدين هقولك... هو دا كدا طبيعي يا ماما سحر؟
1
تنهدت السيدة وشردت في تلك الأفكار، هل عاد وانتكس مرة أخرى؟ هل مازال يفكر في تلك الفتاة؟ يالا المصيية التي حلت على رؤوسهم جميعًا إذا كانت تلك الفتاة هي السبب.
_ ماما سحر، حضرتك معايا؟
خرجت عن شرودها وهي تقول في ابتسامة:
_ آه يا حبيبتي معاكي... بصي مش عارفة ممكن يكون ماله، هو مش بيحكي دايما كل اللي جواه لأي حد ، بس اوعدك هتكلم معاه وهحاول افهم ماله
هزت رأسها موافقة فتابعت السيدة:
_ عندي اقتراح يا ماهي
_ قولي طبعا
_ يمكن غيابه عننا اللي شاغل باله، خايف علينا لأننا بقينا لوحدنا، عايزاكي بقا تجيبه و تيجوا تعيشوا وسطنا وصدقيني هتلاقيه بقا زي الفل و هينسى أي حاجه مديقاه
_ تفتكري دا السبب؟
_ آه جايز، وجايز بردو مش مرتاح نفسيا في القصر ودا أنا حسيته أما قالنا بلاش تاكلوا هنا وكلوا في شقتنا، ممكن حاسس نفسه تقيل فمش عايز يزود على باباكي احنا كمان
_ بس بابا ممكن...
_ قوليله هنقعد يومين بس مع طنط وخلاص هنرجع شقتنا، وكدا كدا ماهي الشقة بتاعتك زي ما القصر بتاعكم، بس في الشقة خصوصية أكبر طبعا ليكم الاتنين
1
هزت رأسها متفقة ثم قالت:
_ خلاص مادام حضرتك شايفة كدا، أنا معاكي عامة، هقوله و نشوف
_ لا، لازم تخليه يوافق... أنا عايزاكي في حضني يا ستي الله!
ابتسمت الفتاة وردت:
_ خلاص اللي تشوفيه أكيد
سكتت السيدة وصوتها الداخلي يقول:
" آه منك يا غبي ياللي بتخرب بيتك بايدك و بضيع منك مراتك آه"
2
***********
انتهت هانيا من الاستحمام، غلقت صنبور المياة ثم لفت المنشفة حول جسدها وخرجت، وبمجرد خروجها، رأته يجلس على سريرها يضع ساق فوق الأخرى، شهقت ضاربة صدرها وهي تقول:
" بسم الله الرحمن الرحيم، يخربيتك سرعتني"
1
ثم تابعت في خوف أكبر:
_ شهاب انت ناوي تموتي من الخوف؟ مشفتش اللي حصل المرة اللي فاتت؟ اخرج اخرج وحياة امك يا أخي اخرج
كان يطالعها في اعجاب شديد وهو يبتسم وتحدث وهو ينهض من مكانه يقترب منها:
_ متخافيش... المرادي محدش شافني اوعدك فهمت اللعبة خلاص
5
_ اطلع برا اطلع برا بقولك بقا، عايز إيه، عايز إيه مني؟
كان لايزال يطالعها في نفس الإعجاب وتفوه:
_ أنا...أنا نسيت أنا كنت عايز إيه!
لاحظت هي كيف تقف، وعليه شهقت في خوف ثم ركضت نحو الخزانة اخرجت معطفًا ثم ارتدته فوق المنشفة وبدأت تغلق أزراره، تنحنح ثم رد بعدما حاول جمع شتاته:
_ قولتلك ردي على الموبايل و انتي مردتيش، فقلت اجي اشوف الموضوع دا بنفسي
_ شهاب، انت عايز إيه؟
_ اقول هنا عادي؟ ولا هتصوتيلي! هو كلام كتير
_ لا لا هصوت فعلا، أنا مش عارفة أنا تعبت منكم، تعبت، تعبت
_ هانيا، أنا مش عايز اتعبك ولا ادايقك، بس عايز افهمك إن الطريقة اللي سبتيني بيها ماكنتش fair.
انك تختفي فجأة، وتتجوزي فجأة كل دا سبب لي تروما
_ تروما! آه علشان كدا مفيش اسبوعين وروحت اتجوزت!
_ ما أنا لو سعيد في أم جوازي دا ماكنش زماني واقف هنا قدامك، وأنا متأكد زي ما أنا شايفك دلوقتي انك انتي كمان مش سعيدة في جوازك، فليه العذاب يا بنت الحلال، ما نتجوز ونكون سعدا؟!
_ اختصر وجودك هنا خطر
اقترب منها ووضع في يدها ورقة وتحدث:
_ الورقة دي مكتوب فيها عنوان تفصيلي للمكان اللي هنتقابل فيه علشان نتكلم في هدوء و مساحة ومن غير التوتر و الخوف اللي على وشك دا
_ مستحيل، أنا مش هقابلك في مكان لوحدنا، فرضنا حد صورنا؟
_ دي شقة واحد صاحبي مستحيل حد يصورنا
صاحت في غضب:
_ انت مجنون؟ انت عايزني اجيلك شقة فاضية؟
صاح في غضب هو الآخر:
_ هو فيه إيه يا هانيا مالك؟ ما احنا سبق و سافرنا قبل كدا مع بعض شرم لوحدنا، وانتي بنفسك شفتي أنا كنت محافظ عليكي ازاي، مخوناني؟
2
_ شهاب اطلع برا أنا مش مطمنة وتعبانة ودايخة، سبوني في حالي بقا
هز رأسه موافقًا ثم قال:
_ هسيبك في حالك بس أما نتكلم الأول وكل واحد يقول اللي في قلبه للتاني وكل اللي كان مستخبي ومش باين يظهر وكل الأسئلة اللي عليها علامات استفهام ومش واضحة تلاقي إجابة وساعتها أنا تحت امرك في اللي تختاريه، لكن اختيار من غير ما تسمعيني، من غير ما تجاوبي على اسألتي، هروب تاني، لا مش هسمح لان انا مشاعري مش لعبة في ايدك، وانا فعلا محتاج اتكلم واقول كل اللي عندي علشان ارتاح ودماغي تبدأ تفكر في حاجة تانية بقا غيرك.
المقابلة دي مهمة جدا
تنهدت وردت في صوت مكتوم إثر القلق الذي تكبته داخلها:
_ الساعة كام؟
_ النهاردة، الساعة اربعة بعد العصر، هكلمك واقولك اتحركي، فاتحركي، بس خلي بالك جياد ممكن يكون مراقبك أو الشيخ ممشى وراكي حرس من عنده
أخذت تضرب وجهها وهي تتفوه بكلمات غير مفهومة في صوت أقرب إلى البكاء، فتابع:
_ السنتين ونص حب دول كفاية اوي يخلوني افهم أنا اتسابت ليه، كفاية اوي يحسسوني على الأقل ان مشاعري كانت حاجة بالنسبالك، واني مضيعتهاش هدر، لازم تردي على اسئلتي علشان ارتاح و اسيبك في حالك لو فضلتي الاختيار دا
لكن هتفضلي تهربي مني، كل يوم هتلاقيني هنا في اوضتك بأي شكل ومش هسيبك فمن الآخر ريحيني علشان اريحك، و اظن من حقي لاني حبيتك بجد واديتك مشاعر صادقة و اهتمام ووقت.
1
ردت في محاولة أن تتماسك بدلًا من أن تنهار:
_ اعرف ازاي اذا كنت متراقبة؟
_ هتركبي اوبر، سيبي السواق يسوق وركزي انتي من اي شباك هل فعلا في عربية وراكي ولا لا و...
صاحت في غيظ مكتوم:
_ ايش عرفني أنا يعني، حد قالك اني شغالة في المخابرات؟!
_ خلاص قبل ما توصلي المكان حاسبي الراجل وامشي على رجلك الحتة الأخيرة بحيث لو هما ماشين وراكي هيتشتتوا في العربية ومتدخليش الشقة إلا وانتي متأكدة ان مفيش أي عربية وراكي، وبعدين العربية اللي هتمشي وراكي من زايد لحد مدينة نصر دي اكيد مرقباكي يعني مش صدفة!
_ أنا... أنا خايفة
_ معلش، خفتي قبل كدا ورميتي نفسك في جواز بالاجبار، وقاعدة اهو متعذبة و معذباني معاكي، جربي متخافيش المرادي
_ اقول لعبير دي إيه؟
_ ابعتي ماسدج لجياد قبل خروجك وبعدها افصلي النت قبل ما توصل، وأما يقولك مقولتيش ليه وريله الرسالة وقوليله ماخدتش بالي انها موصلتش وان النت فصل ففكرتك عرفت، انتي رايحة عند صاحبتك اللي ولدت تباركي انتي و أصحابك، اسمها نيرة ودي واحدة فعلا كانت في شلتنا وولدت من اسبوع علشان لو دعبس ولو سألها بأي شكل من الأشكال، كدا كدا أنا مفهم نيرة هتقول إيه، فيه حجة تانية؟
_ شهاب، احنا لو اتكشفنا هتبقى كارثة ارجوك لا، ارجوك
صاح في غضب:
_ يوه، خايفة خايفة خايفة، خلاص أنا هنزل اقول للشيخ الحقيقة و هطلق بنته دي و يعمل فيا اللي يعمله علشان تخلصي مني للأبد
انهى جملته واتجه في سرعة كي يخرج، فمنعته بوقوفها أمامه وتحدثت:
_ لا لا بالله عليك بلاش، انت هدمر ماهي وهدمر نفسك وهدمر الدنيا كلها لو عملت كدا
_ كلنا هندمر بس هترتاحي انتي، مش انتي عايزة كدا؟
دخلت البيت دا علشان استقر و أسس اسرة، تقومي تبصيلي بنظرات لحد دلوقتي مش عارف اتخطاها وتقعي قصادي في البسين وفي الآخر مش عايزاني اتجنن؟ حرام عليكي يا شيخة بقا حرام عليكي
_تمام...خلاص...خلاص، لو هدفك بس نفضفض و تطلع اللي جواك و اجاوبك على اسئلتلك وبعدها تسبني في حالي و تبطل جنان، ماشي موافقة
_ حلو، متتأخريش على المعاد بقا وخلي التليفون جمبك علشان أما اقولك اتحركي، تتحركي
هزت رأسها موافقة والدموع معلقة بين رموش عينيها، حبيسة داخل جفونها، ابتسم وتابع:
_ أتفقنا، اطلعي أمني الطريق خليني أخرج
2
فعلت ما طلب وخرج بالفعل.
************
دخل باسم مكتب روني بعدما سمحت له، وما إن رأته حتى قالت:
" سلام قولا من رب رحيم"
ابتسم وأخذ يسير حتى وقف أمام مكتبها وقال:
_ شيطان الجن بس هو اللي ممكن يختفي أما تقولي كدا
_ كويس انك عارف انك شيطان بعض النظر بقا انس ولا جن !
_ والشياطين بتتلاقى، كل واحد بيقع في اللي شبهه
_ الملخص؟
نظر إلى الملف الذي في يده وقال:
_ دا ملف فيه كل ما يخص القماش اللي أنا كمدير قسم التصميم ومصمم أزياء عايزه يدخل الشركة، و مستني ال approval من مدير المالية، وبما انك مديرة أعماله شوفي اذا كان ينفع تدي انتي الموافقة ولا لسه محتاجة ترجعي لمديرك؟
أخذت منه الملف وأخذت تطلع فيه، تتصنع الفهم وفي الحقيقة هي لا تفهم شيء، مازلت تتعلم بعد، ردت عليه وهي لا تزال تنظر إلى الاوراق:
_ دا اول يوم ليا في الشغل، وأكيد لازم ارجع لجوزي ومديري قبل أي حاجة
نهضت وأخذت تتحرك كي تذهب ليزيد، أما هو فجلس على الكرسي واضعًا ساق فوق الأخرى وقال في ابتسامة خفيفة:
_ كنت متأكد... بس حاولي تجربي انتي بدون ما ترجعيله، دا حتى
No risk, No fun !
نظرت إليه في قرف وتابعت سيرها فتابع:
_ انتي اصلا عمرك ما هتنفعي في ادارة...اخرك تكوني موظفة تقعدي على مكتب تخلصي شغل روتيني جدا مفيهوش أي تفكير ولا ابتكار و يدوب تقومي تروّحي على الساعة ٥ بالكتير
بالفعل كانت قد توقفت ما إن وجّه لها كلام كهذا وردت:
_ انت بقا علشان ربنا كرمك وطلعت للدنيا عندك خال من حسن الحظ انه عنده شركة وخلاك مدير كدا بالحب، فكرت نفسك ناجح؟
_ فكرك اني لو مش شاطر ولا ناجح كان خالي خلاني لحد النهاردة في مكاني!
وحتى ان دا محصلش وماكنش خالي عنده شركة ولا حاجة، أنا، أنا يا ماما تعليمي عالي جدا، تعليم اجنبي، انجلش بيرفكت، ماستر، كلية عالية، وفي النهاية مصمم ازياء.. الف شركة كانت هتتمناني
1
_ ياه بقا، مش معقول بجد!
خلاص عرفنا انك مصمم ازياء، انت مصمم ازياء ولا مصمم تقرفني بالكلام عن نفسك كل شوية واللي مش بيعنيلي أي حاجة!
خلاص زهقت، اسكت بقا، دا انت كلت دماغ أمي!
انهت جملتها واستدارت كي ترحل ولكنه عرقل طريقها بوقوفه أمامها ورد:
_ الفاظك يا أنثى يا كيوت! دي طريقة واحدة جاية من الشارع
ردت في ثقة ونبرة صوت جامدة:
_ومين قالك إني كيوت؟!
أنا جبروت.
بالنسبة بقا للي جاية من الشارع دي فهي أمك، أكبر عقربة عندنا في القصر.
بدأت ملامحه يشكلها معالم التحدي ورد:
_ طب خلي بالك بقا لانه قريب اوي أكبر عقربة دي هتلدغك
_ متقلقش هي منظر على الفاضي، باينة أنها عقربة كبيرة بس جبانة، مستخبية لحد دلوقتي ومش مخلية حد يشوفها من كتر الخوف
ابتسم ورد:
_ ناصحة اوي مفكرة ان مفيش غيرها؟
_ لا لا أنا عارفة انهم كتير بس كلهم مستخبين علشان جُبنا، ابقى فكرني اجيب مصر الألمانية لابادة الحشرات علشان ترش القصر ويموتوا ونرتاح
ابتسم ابتسامة عريضة ورد وهو ينظر إلى عينيها جيدًا:
_ عمرها ما هتكون نهاية سعيدة.... مصر الألمانية لوحدها مش كفاية
1
_ ابعد عن وشي أنا عندي شغل ومش فاضية ليك ولا لتفاهاتك دي
تحركت ولكنه وقف معرقلًا طريقها مرة أخرى و قال:
_ بكرة تعيطي بدل الدموع دم وتندمي انك في مرة اتعاملتي فيها معايا بالأسلوب دا
ضحكت في صوت عالي فأعجبته الضحكة للغاية لذا ابتسم في اعجاب، وردت:
_ متخلقش... متخلقش اللي يعيطني ولا اللي يخوفني حتى.
أنا روني الزيني واللي يجرب بس يجي عليا او يأذيني بعلم عليه علامة مستدامة تفضل معلمة في خلقته طول العمر، وكل أما يبص في المراية يلاقيها فيفتكرني علطول، ويندم بقا أشد الندم إنه فكر يلعب معايا
تضايق بشدة وبدأت أنفاسه تتسارع ما إن غاظته بذلك الشكل وجرحت كبريائه وغروره هي لم تجرحهم وحسب هي حطمتهم دون رحمة، دون أن تبالي حتى، فهذه ليست المرة الأولى فإن رفضها له كانت المرة الأقوى أما هذه المرة التي ذكرته فيها بما فعلت له وبما تركت على وجهه، هزت رجولته و كيانه كله.
ابتسمت له ابتسامة استفزازية ثم خطت خطوات منظمة وكعب حذائها يطرق الأرض أثناء سيرها بشكل أنثوي أنيق.
أما هو فتحدث في صوت مسموع ونبرة حادة قوية:
_ والله لتشوفي هعمل فيكي إيه يا روني الزيني وافتكري دايما إنه
Learn to be calm, for haste ruins everything.
[ تعلم أن تكون هادئًا فالاستعجال يفسد كل شيء]
أمسكت بمقبض الباب والتفتت إليه قائلة في ابتسامة صغيرة:
_ ما شاء الله وعمال تقول حكم من الصبح، دا خذوا الحكمة من أفواه الخمرجية دا بقا يعني ولا إيه؟؟
وعجبي ليك يا زمن!
3
انهت كلامها ثم فتحت الباب وذهبت.
كان يحدق بعينيه لا يصدق كم هي قوية، ثابتة، واثقة و هادئة لهذه الدرجة!
جلس على الكرسي يفكر في ذلك الذي حدث بينهما قبل قليل ثم تحدث إلى نفسه:
" انتي إزاي كدا! مش معقول هي دي اللي مش عارف تخرجها من دماغك يا غبي!
انت اللي البنات كلها تحت امرك و يتمنوا بس نظرة منك، تيجي دي و تكلمك كدا!
وبسهولة قدرت تكشف عملتك، دي اللعب معاها لازم يكون مباشر لأنها فاهمة كل حاجة ومن قبل ما تظهرلها بأي شكل، بتصدك.
واحد غيرك المفروض بعد كلامها دا، يتخنق منها و يقرف، انت إزاي بقيت معجب بيها أكتر!
لا لا ارجع لوعيك اوعى تتجنن مش دي اللي هتسحب مشاعرك و تمسح بكرامتك الأرض، مستحيل لا عاش ولا كان، دا أنا اللي امسح بيها وبكرامة اللي خلفها الأرض ، واليوم اللي افكر فيه بس إني أظهر لها ضعيف أو مهزوز هيكون آخر يوم ليا في حياتي."
**************
ذهبت أسيل إلى منزل والدتها وبمجرد دخولها البيت، اخبرتها حليمة بأن والدها ينتظرها في غرفته الخاصة كي يتحدث معها.
وقبلما تخطو الفتاة خطوة واحدة إلى الأعلى، امسكتها من يدها وقالت:
_ اوعي تجبيله سيرة عن أي حاجة بتحصل في القصر معاكي، أنا مش ناقصة وجع دماغ!
نظرت إليها في لامبالاة ثم بدأت تصعد، دخلت غرفة الوالد وهي تقول في ابتسامة:
_ مساء الخير يا بابا، عامل إيه يا حبيبي؟
حاول أن ينهض كي يضمها إلى صدره ولكنه لم يستطع لذا أسرعت هي جهته مانعة عنه الحرج وأضافت:
_ مفيش داعي تقوم، خليك نايم ومرتاح زي ما انت يا حبيبي
ابتسم لها ورد:
_ عاملة إيه يا أسيل؟
_ بخير
_ متأكدة؟
هزت رأسها مؤكدة في تردد لحد ما، فتابع في خيبة أمل:
_ مش باين... أسيل قربي اقعدي جمبي
فعلت ما طلب، فتابع وهو ينظر إليها نظرة مليئة بالحنية:
_ أي اب في الدنيا ميهموش إلا راحة وسعادة ولاده، وانا ربنا اللي يعلم إني سعيت لراحتكم كل الوقت، بس دا كان قدري وانا راضي بيه.....
أسيل... بلاش ترمي ودانك لأمك، أمك الطمع عامي عنيها و هضيعك.
انتي من ساعة ما دخلتي من الباب دا وانا عارف إنك بتكدبي، انتي مش سعيدة ولا فرحانة ولا حسان هو الزوج اللي كنتي بتحلمي بيه، انتي ماشية ورا سراب وفي النهاية هتتفاجيء إنه مفيش مية بس بعد فوات الأوان وبعد خسارة كبيرة.
الفلوس مهمة بس مش كل حاجة في الدنيا.
أنا عارف إنك حلمتي حلم جميل و حبيتي وبس ولكن في النهاية دا قدر و مكتوب وانتي نصيبك في الدنيا دي شخص تاني غير يزيد، متعانديش القدر و تمشي ضد التيار لان محدش هيتأذي غيرك.
تنهد وتابع وهو يربت على كفها:
_ اطلقي يا أسيل من حسان وكفاية تمثيل لحد هنا بقا، كفاية تمثيل على نفسك وعلينا
ردت في ضيق وبنبرة صوت مشحونة :
_ بس هي سرقت حلمي، ازاي ببساطة عايزني اعلق غلطتها و عملتها دي على شماعة القدر!
أنا حلمت حلم جميل اه بس هي حولته لكابوس، كانت عارفة اللي بينا وفضلت تتمايع وتتمايص لحد أما وقعته
_ أسيل أنا مقدر...
قاطعه صراخها وهي تنهض في عصبية:
_ أنا بموت يا بابا بموت كل يوم ومحدش حاسس بيا، الست دي عايشة أحلامي، قاعدة في اوضتي، نايمة في حضن الراجل الوحيد اللي اتمنيته من الدنيا وانت تقولي سلّمي للقدر؟
وليه هي مسلمتش و مستسلمتش وفضلت ورا يزيد رغم أنها عارفة إنه مرتبط؟!
توقفت عن الصراخ برهة تتنفس في صوت عالي ثم تابعت في غضب وتحدي:
_ أنا اللي همشي ضد التيار و التيار هو اللي هيغير طريقه و يمشي معايا، أنا اللي هصنع قدري بنفسي، أنا اللي هرسم واخطط وهي هتمشي على الخط دا لحد أما تخرج من القصر مطرودة و مذلولة قصاد الكل.
أنا اللي هرجع بيتي و حبيبي اللي هي سرقتهم واللي هيقف في وشي هدمره
1
انهت كلامها ثم جذبت حقيبتها وبدأت تسير نحو الخارج، فصرخ والدها العاجز فوق سريره:
_ محدش مشي في الطريق دا إلا وكانت نهايته معروفة وحتمية، مترميش نفسك للهلاك يا بنتي، متسلميش دماغك لشيطانك يا أسيل.
حليمة، حليمة ضيعتي أسيل يا حليمة ضيعتي أسيل
كانت الفتاة تقف في الخارج أمام غرفة والدها تستمع إلى صراخه دون أن تبالي، مسحت دمعة قد سقطت من عينها ثم انصرفت وهي تقول لوالدتها أثناء سيرها دون أن تتوقف:
_ ابعدي عني، ابعدوا عني كلكم واوعي تطلبي مني اني ابطل أو اني اقبل حسان كزوج حقيقي تاني
1
صاحت والدتها:
_ هتخسري نفسك و يزيد و حسان يا أسيل ومش هتكسبي حاجة خالص
1
كأنها تحدث نفسها لان الفتاة كانت قد خرجت بالفعل غير آبه لما يقال، فتحدثت حليمة إلى نفسها:
" مش معقولة العِند دا! قلت أما تتجوز حسان مصيرها تهدا و تنسى يزيد، غبية هضيع كل حاجة من ايديها علشان شوية مشاعر تافهة "
************
وقبل اقتراب الساعة الرابعة عصرًا، دخل شهاب غرفته فوجد ماهي تجلس على السرير ويبدو على ملامح وجهها الضيق و الانزعاج، ما إن رأته قالت في صوت عالي قليلًا:
_ كنت فين؟
_ قلت اسيبك انتي وماما تتكلموا براحتكم و فضلت اتمشى شوية في الجنينة
_ ماما سحر مشيت من بدري، انت كل دا سايبنا ولا على بالك؟
_ ماهي بليز، وعد اتصلت بيا وقالتلي إن ماما تعبت شوية، كنت هروح اشوفها
_ ليه ليه حصل إيه! لسه الصبح كانت هنا وكانت زي الفل!
_ مش عارف، اديني هروح وافهم
_ هاجي معاك
_ لا لا، خليكي انتي هنا متتعبيش نفسك، أنا هروح و هاجي علطول
_ بليز خليني اجي معاك
_ معلش يا ماهي انتي لسه عروسة خليكي ومش عايز كلام
_ كلام؟ كلام إيه مش فاهمة؟
_ بعدين بعدين
ارتدى معطفه سريعًا ثم تابع:
_ يلا سلام
أخذ ينزل الدرج في سرعة عالية وهي قد خرجت من الغرفة أطلت بعينيها عليه وهو ينزل، وبدأ صبرها ينفد.
وقف أمام دراجته النارية[ موتوسيكل] في حديقة القصر ثم ارسل الرسالة إلى هانيا ثم ركب وانطلق في سرعة عالية وما إن سمحت له الفرصة حتى اختفى وبعد عن جميع السيارات التي تسير خلفه خشية أن تكون هناك سيارة تراقبه.
1
مسحت هانيا دموعها وحملت حقيبتها ثم كتبت لزوجها بيد مرتعشة الرسالة وفصلت الانترنت كما فهمها شهاب وتمتمت:
" يارب استر"
نزلت في سرعة وهي تلتفت حولها وما إن رأت أن الأمور جيدة وان لا أحد يراها، ركضت في حديقة القصر حتى الباب الرئيسي ثم ركبت سيارة الأجرة التي كانت تنتظرها.
*********
بينما تجلس ماهي شريدة و حزينة، دق باب غرفتها، فتحت في سرعة فوجدته أمجد ذلك الذي ابتسم لها وقال :
_ ممكن نتكلم؟
هزت رأسها موافقة وقبلما يخطو بيمينه إلى الداخل، منعته قائلة:
_ لا، هنتكلم تحت مش في اوض النوم أكيد!
2
تنهد وهو يهز رأسه بالقبول ورد:
_ تمام، مستنيكي تحت
وافقت وارتدت المعطف الخاص بها ثم اتصلت على حماتها كي تطمئن عليها ولكنها لم ترد، زفرت في ضيق وتمتمت:
" هروح بردو... ما أنا لازم افهم فيه إيه "
***********
خرجت هانيا من السيارة في إحدى زوايا الشارع دفعت للرجل، ثم التفتت حولها وركضت في سرعة، وقفت خلف إحدى السيارات المصفوفة وما إن تأكدت أن لا أحد ولا سيارة كانت خلفها، حتى تابعت ركضها.
دقائق ووصلت أمام الشقة، رنت الجرس ففتح لها شهاب وهو يقول:
_ ادخلي بسرعة
1
دخلت فغلق الباب خلفها، ألقت الحقيبة على الكرسي وتحدثت:
_ قول بسرعة يلا... أنا جاهزة لأي أسئلة
3
نظر إليها ثم ابتسم وسكت.
*********
عقب مرور نصف ساعة من تواجدها معه في تلك الشقة، كان جياد يجلس في مكتبه، يجري اتصالًا مع راجله الأقرب إليه، استقبل الرجل الاتصال فقال له جياد:
_ لقتلك حاجة تعملها يا عوض، مهمة جديدة
_ اؤمر يا جياد باشا
_ في دكتور بحاول اكلمه ومش بيرد عليا مش عارف ليه، مفكر نفسه باين محور الكون!
المهم هديك رقمه وجرب تكلمه وقوله انك ظابط بقا عقيد في الجيش أي حاجة وعايز تحجز لمراتك عنده واول ما يديك العنوان بلغني فورا
_ أمرك... جياد باشا
_ خير؟
_ في حاجة كنت عايز اكلمك فيها
_ قول
_ أنا رنيت عليك اربع مرات بس حضرتك مردتش قلت جايز مشغول ولا حاجة بس
_ اخلص يا عوض، كنت عايز إيه؟
_ المدام خرجت وأنا مشيت وراها زي ما حضرتك كنت قايلي علشان احميها واخد بالي منها، بس هي هربت مني
_ هربت؟ هربت ازاي؟
_ توهتني عدم اللامواخذة
3
صمت الآخر في عدم استيعاب ثم رد في صوت عالي:
_ راحت فين؟
_ مدينة نصر
نهض صارخًا:
_ إيه؟
وانت مش عارف راحت فين هناك؟
_ هي توهتني، فضلت ماشي لبعيد اوي ورا عربية الاوبر لحد أما اتفاجئت أنها اصلا مش جوا و...
انهى جياد المكالمة من طرفه، ثم أخذ يتصل عليها ولكن النتيجة كانت أن الرقم مغلق أو غير متاح، حاول مرة أخرى ولكن نفس النتيجة، ابتلع ريقه واتصل على شهاب فرن هاتفه ولكنه لم يرد.
نهض في سرعة حاملًا الجاكيت الخاص به على كتفه وأخذ يسير في خطوات سريعة نحو الخروج من الشركة واتصل على أخته أثناء سيره جهة السيارة، فاستقبلت المكالمة قائلة:
_ إيه يا جياد ازيك
_ جوزك فين؟
_ ليه؟ في حاجة ولا إيه؟
_ اخلصي، عندك؟
_ لا مش عندي
_ اومال فين؟
_ مامته تعبت شوية وراح يشوفها
_ مامته تعبت آه... عقباله
2
انهى المكالمة فتعجبت للغاية وأخذت تسأل نفسها:
" ماله دا؟ هموت وافهم في إيه بينه وبين شهاب "
بينما الآخر، فتح باب سيارته و تحدث ساخرًا:
" وجب علينا بردو زيارة حماة أختي.... كله إلا صلة الرحم "
1
وصل مدينة نصر بالاخص منطقته وخرج من السيارة وترجل قليلًا حتى وقف أمام منزله وأخذ يطرق الباب، ففتحت وعد وهي تقول في ابتسامة:
_اتفضل يا مستر جياد
دخل وهو يقول:
_ مساء الخير، مامتك فين؟
أقبلت سحر وهي تتساءل:
_ مين يا وعد؟
وما إن رأته حتى ابتسمت وقالت:
_ اهلا اهلا بأخو الغالية، اتفضل
_ لا لا مفيش داعي خليها مرة تانية، أنا بس كنت جاي علشان أسألك هو شهاب هنا؟
ابتلعت ريقها وردت:
_ ها؟ هو لسه يدوب ماشي من هنا، مقابلتهوش في الطريق؟
_ يا خساره لا مقابلتوش حظي وحش دايما للأسف
_ لسه خارج من مفيش، اصل أنا تعبت شوية كدا وهو جيه علشان يطمن عليا
_ لا لا الف سلامة على حضرتك طبعا.... طيب استأذن أنا
_ من غير ما تشرب حاجة؟
_ هنشرب كلنا قهوة سادة قريب جدا متقلقيش
3
انهى جملته في ابتسامة ساذجة ثم خرج، قلقت السيدة كثيرًا وتذكرت سريعًا ابنها عندما اتصل بها أثناء ركوبه الدراجة النارية خاصته أثناء ذهابه إلى الشقة:
_ ايوا يا شهاب
_ ماما لو ماهي اتصلت بيكي سألتك عاملة ايه دلوقتي قولي كويسة ولو قالتلك شهاب فين فأنا عندك، تمام؟
_ ليه، ليه بتعمل ايه بس يا شهاب، يا شهاب..
1
وقبلما تكمل حديثها انهى المكالمة من طرفه، فتحدثت في ضيق شديد:
" يا ابن الكلب، بتعمل إيه في نفسك يا ابني، بتعمل إيه في نفسك بس!"
خرجت عن شرودها في ذلك الذي حدث عصر اليوم ثم تمتمت:
" جيب العواقب سليمة يارب، دا بيقولي هنشرب قهوة سادة قريب، يارب استر... مش عارفة هو فين ولا بيعمل ايه بس، ليه كدا يا شهاب ليه كدا يا ابني!"
***********
دخل باسم مكتب يزيد، ابتسم يزيد ما إن رآه وقال:
_ تعالى يا باسم
_ لا مفيش وقت للقعدة خليها مرة تانية
عقد الشاب حاجبيه في استغراب ورد:
_ خير؟
_ تعالى معايا
_ على فين؟
_ مدير الجودة كلمني وقالي إنه عايز يقول بعض الحاجات اللي تخص الكارثة اللي حصلت و المجرم اللي عمل كدا
رد الآخر في سرعة:
_ بجد؟
_ ايوا
_ فين هو؟
_ اداني عنوانه، هو مش حابب يتكلم في الشركة فقالي بعد الشغل تعالوا، اعتقد خلصت صح؟
_ آه وحتى لو مخلصتش مفيش عندي أهم من القضية دي
نهض وسار معه تاركًا كل شيء خلفه.
ركبا السيارة معًا وظلا صامتان حتى وصلا.
نظر يزيد إلى المكان الذي توقفا أمامه وعلق في استغراب:
_ night club?
_ ملناش دعوه دي حرية شخصية، لينا إننا نوصل لهدفنا وبس، انزل
ترجلا ودخلا وكان يزيد في تردد ولكنه دخل على أي حال يريد التكلم والتوصل إلى ذلك المجرم.
وبمجرد دخوله رأى الراقصة فوق المسرح و السكارى يملئون المكان، ضحكات عالية و أجساد عارية.
التفت إلى باسم وقال:
_ فين هو؟
_ اقعد هنا، هكلمه اشوفه فين و ارجعلك
_ مش هقعد أنا، اخلص كلمه يلا
اتصل عليه ثم قال:
_ قالي ادامه ربع ساعة
_ ليه جينا بدري طيب!
_ كان هنا بس هو ميعرفش اننا جايين لاني مأكدتش عليه، يدوب بس مسافة السكة هو راجع
هز رأسه موافقًا وسكت.
ابتسم باسم وهو ينظر إلى الراقصة وقال:
_ رقصها تحفة بولندا بجد
تنهد يزيد ورد:
_ ملناش دعوه احنا
_ ثواني و راجعلك
ابتعد عنه ثم اختفى عن انظاره تمامًا، زفر يزيد في ضيق وتمتم:
" راح فين الغبي دا كمان؟"
دقائق ووجده يخرج من مكان ما وهو يرتدي زي خليجي، عباءة بيضاء و يضع على رأسه العقال [ وهو الإطار الأسود الذي يوضع فوق الغُترة أو الشِّماغ كي يثبتهم على الرأس].
اشار ليزيد بيده وهو يلوح له في ابتسامة فتحدث يزيد ساخرًا:
" لا مش للدرجادي، عاملي فيها ثري عربي!"
صعد باسم على المسرح وأخذ يرقص مع الراقصة وهو يرمي عليها المال ويضحك وهي الأخرى كانت تضحك ضحكات صاخبة وتتمايل عليه في دلال، وكان يزيد ينظر إليه في استغراب مما يفعل ولكنه لم يهتم، فجلس بعيدًا ينظر إلى ساعة يده ينتظر مجيء الرجل.
2
وبعد لحظات، لمح الراقصة تتقدم نحو الطاولة التي يجلس عندها، تتمايل بدلالٍ ورقّة، تحيطه بحركاتها وتضحكاتها العالية.
اضطرب الشاب ونهض من مكانه دفعةً واحدة، لكنها كانت قد أحكمت حصارها حوله، تدور من حوله بلا توقف.
أخذ يلتفت بعينين قَلِقَتَين يبحث عن مخرج، حتى لمح طريقًا للفرار، وقبل أن يخطو خطوة واحدة، دوّى صوت باسم وهو يركض نحوه صارخًا:
"صحفي صوّرنا!"
ركض يزيد خلفه وخرجا من الملهى كله وهما يركضان خلف الصحفي في سرعة عالية تكاد أنفاسهما تتوقف.
كان باسم يمسك طرف عباءته بأسنانه كي لا يعرقله طول العباءة اثتاء ركضه، ويضع يده على رأسه حتى لا تسقط العِقال أثناء ركضه في سرعة عالية.
3
رأيا الصحفي يركب سيارة توقفت له على عجل، ثم انطلقت مسرعةً، فوقفا مكانهما يلهثان، يلتقطان أنفاسهما بصعوبة.
قال يزيد وهو يلهث، وقد غمر القلق صوته:
— هرب… يا نهار أسود، هرب!
**********
وفي القصر كان الشيخ يجلس في مكتبه يحدق بعيناه في ذلك الفيديو الذي يراه، وكذلك روني تمسك الهاتف في يدها و الصدمة غطت ملامح وجهها.
*********