رواية غموض الجبل القاسي الفصل التاسع عشر 19 بقلم سمارة
(ذكريات مخفيه)
﷽
كان جبل يغالب نفسه ليصعد إلى شقته فجسده يصرخ من الألم والتعب
لكن الحاجة صفاء بقلب الأم أصرت: "مانتاش طالع ولا رجلك مفارقة الأرض إلا لما تاكل لقمة تسند طولك."
جلس جبل وأسند ظهره للحائط
وما هي إلا لحظات حتى ثقلت أجفانه وغرق في نومٍ عميق من فرط الإجهاد والنزيف.
وبينما كانت أمينة تجلس بصمت وعيناها لا تفارقانه،
وهند تراقب المشهد بغلّ مكتوم
. بدأ جبل يتمتم بكلمات غير مفهومة، أثر البنج والمحاليل والتعب جعلته يهذي.
وفجأة. نطق بوضوح وصوتٍ مسموع: "مكنش قصدي. مكنش قصدي يا أمينة. هي اللي ظهرت من العدم!"
تكهرب الجو. انتبه فاروق بسرعة البرق
وشعر أن جبل قد يفضح أمراً لا يجب أن يُقال أمام امينه وهند.
نظر اللي والده الذي تحجر بصره تجاه جبل.
فانتفض وقال بحدة وتلقائية:
فاروق: "أمينة قومي ادخلي جوه دلوك.
نظرت إليه أمينة بدهشة وعدم فهم،
فكرر قوله بلهجة آمرة: "قولتلك ادخلي جوه دلوك!
ثم نظر لهند وقال:
وانتي كمان يالا على جوه!"
دخلت أمينة وهند بسرعة. فاقترب فاروق من جبل وهزه : "جبل جبل قوم اوعى لحالك."
انتبه جبل ثم مسح وجهه بيده وهو يحاول استعادة وعيه. في تلك اللحظة دخلت الحاجة صفاء وهي تحمل صينية الطعام: "إيه يا فاروق؟ على مهلك عليه،
يالا يا جبل كل لقمة عشان تطلع تريح."
قام جبل وهو يتلفت حوله بتشوش، وأول ما نطق به: "فين أمينة؟ كلت؟"
ردت الحاجة صفاء: "أمينة هتاكل جوه مع البنات، يالا أنت كل دلوك." ونادت على بقية أبنائها ليشاركو جبل الطعام،
فجميعهم لم يذوقوا زاداً منذ ليلة أمس.
في الداخل (مجلس الحريم)
وضعت سمية الطعام وهي تقول: يالا يا أمينة كلي ."
لكن أمينة كانت في عالم آخر،
شاردة في كلمات جبل: "مكنش قصدي يا أمينة.. هي اللي ظهرت من العدم".. هل كان يتحدث عن فتاه اخره.
أم عن شيء آخر يخص حياتهما؟
سمية: "يا أمينة بقولك يالا كلي"
عبير: "انتي زينة يا أمينه؟ سرحتي في إيه؟"
أمينة: "مفيش.... مفيش حاجة.
جلست هند تأكل ببرود.
وعيناها تلمعان بخبث ثم قالت: "يالا بقا يا أمينة.. احكيلي بالتفصيل إيه اللي حصل،
متفوتيش حرف "
سمية (بضيق): والله أنا ما عارفة ليه بلانا بيكي سيبك منها يا أمينة."
هند (بغرور): "خير يا خالة سمية؟ مالك؟
أنا بكلم بنت عمتي لو مش واخدة بالك يعني."
سمية (بانفجار): خالة تخلك ده أنتي قد جدتي يا مشنخرة أنتي(عجوز)
هند (بمكر): "معلش.. هما كدة العواجيز بيزعلوا لما حد يكبرهم،
السن له أحكام ."
سمية: عنديكي كام سنة يابت أنتي؟"
هند (وهي تتمايل): "خمسة وخميسة في عينك.. ننه.. 22 سنة."
سمية (بضحكة ساخرة): يبقى أبوكي ضارب الشهادة وكاتب تاريخ ميلادك غلط.
أنتي كاسرة الأربعين يا معقربة يا وش البومة!"
تبسمت أمينة غصباً عنها من مشاجرة سمية وهند، وقالت تلطف الجو: "صح يا سمية
شكلك صغير عندك كام سنة؟"
سمية: "خمسة وخميسة في عين العدو.. 29 سنة."
أمينة (بدهشة): صوح؟ يعني أصغر من جبل؟"
سمية وهيا تنظر لهند: أيوه وأصغر من دياب كمان.
هند (بغمزة لئيمة): "وطنط عبير عندها كام سنة؟"
عبير (برد قاطع): "قد أمك.. تعرفي أمك عندها كام؟"
دخلت الحاجة صفاء في هذه اللحظة.
وشاهدت "المناقرة" النسائية فصاحت بهم: "وبعدين؟ وبعدين معاكم؟
اسكتوا بقا مش وقت قلة عقلكم دي
"ثم قالت أمينة:
كلي زين جوزك تعبان وعاوزك قوية عشان تقومي بيه،
عمال يسأل كلتي والا لاه .. يالا كلو واسكتوا سامعه يا عبير.
وانتي يا سمية اعقلي عيب كدة.
أجابت سمية بطاعة: "حاضر يا أماي.
ـــــــــــــــــــ
1
أكل الجميع في صمت مشحون
ثم قام جبل مستجمعاً قوته ليصعد لشقتة.
حاول فاروق مساندته لكن جبل رفض بشموخ: "أنا بخير يا خوي أقدر أطلع لحالي."
نده فاروق على أمينة، وأعطاها كيس الدواء والوصفه.
فاروق: فهمتي المواعيد يا أمينة؟ متنسيش، خصوصاً المسكن عشان الجرح ميتعبوش بالليل."
أجابت أمينة بجدية: "حاضر فهمت"
صعد جبل الدرج ببطء شديد.
وكل خطوة كانت تنغز في جنبه كأنها مسمار. في منتصف الدرج وقف قليلا.
فما كان من أمينة إلا أن اندفعت بتلقائية، لفت ذراعها حول خصره وسندته بقوة.
محتضنةً إياه لتخفف عنه ثقل جسده.
فتحت باب الشقة ودخلا، فارتمى جبل على الأريكة وأنفاسه متلاحقة.
جبل: "عاوز أتحمم مش طايق الدم اللي على جسمي."
أمينة (بفزع): "له طبعاً الجرح يتأذي من الميه ويورم.
جبل (بإصرار): لازم.. مش هعرف أنام كدة."
أمينة (بتفكير): "طيب..ااا نمسح الدم بقطنة وميه دافية بعيد عن الجرح."
جبل: له جهزي لي غيار."
أحضرت أمينة الغيارات وساعدته حتى باب الحمام. وقف الاثنان والخجل سيد الموقف؛
هي تريد مساعدته لكن الحياء يمنعها، وهو يتألم لكن كبرياءه يمنعه من الطلب.
جبل (باحتراس): "اطلعي أنتي.. .
أمينة: "هاتقدر لحالك؟"
جبل: "آه.. هقدر."
ترددت أمينة ثم قالت: طيب دقيقة.
أحضرت كرسياً ووضعته داخل الحمام:
لو تعبت أو دخت اقعد عليه.. أو نادم عليا
أساعدك."
جبل: تمام.. روحي."
خرجت أمينة وبدأت تجهز السرير بقلبٍ يخفق
بينما في الدور الاعلي
ــــــــــــــــ
في شقة دياب كان الحوار لا يقل توتراً.
في شقة دياب:
دخلت هند وهي تخلع عباءتها بضيق: يا بوي على اليوم الهباب ده حد قال صاحيين يامين؟"
دياب (بحدة): هباب ليه؟ عاوزه ترتاحي وتنامي والبيت قايد نار؟
ولا أهم حاجة روحك وراحتك وبس؟"
اقتربت منه هند: "أنت ليه بتعاملني كدة؟
طالما أنا مضيقاك قوي كدة اتجوزتني ليه ؟"
دياب( وهوا يلف زراعه علي خصرها): "وسوسة شيطان.. اعدلي نفسك ونضفي اللي جواكي عشان أعاملك زين."
هند بمكر وهي تحاول استدراج الكلام: "طيب متعرفش جبل كان بيهلوس بإيه؟
إيه هو اللي طلع له من العدم ده؟"
دياب (بصدق): "مش عارف.. سألت فاروق وقالي معرفش."
هند (بضحكة لئيمة): "آه.. ميعرفش! عشان كدة طردنا وصحاه قوام قبل ما يكمل كلامه؟
شكلها حكاية قديمة
أو حب قديم وجبل مخبيه.
صوح عبير عنديها كام سنه.
دياب: بتسالي ليه.؟
هند: عادي فضول؛
دياب: قد ملاح عنديها 26 سنه
هند بغيره:ايوه يبقا مجوزه كبيره كان فايتها القطر.
دياب: له مفتهاش والا حاجه عشان دارسه فالجامعه
هند:صوح دخلت جامعه.،
دياب (بمُكر): أمال مش زي جماعه.
هند (بنظرات ضيق): أنام احسن يابتاع الجامعه.
ـــــــــــــــ
في الطابق الأرضي
داخل شقة فاروق الملحقة ببيت والده الكبير.
جلس فاروق على طرف السرير بتعب نال من جسده وروحه.
فجأة، دخل "بكري الصغير" وهو يفرك رقبته من الخلف بوجه غاضب: "يا بوي.. عمي ملاح ضربني بالقفا وقالي ادخل يا 'عونق'.. يعني إيه 'عونق' يا بوي؟"
فاروق (بتنهيدة): "ليه؟ عملت إيه لعمك ملاح؟"
بكري: "كنت بلعب ووقعت التلفون من يده غصب عني..
بس يعني إيه 'عونق'؟"
فاروق (بملل): "يعني عيل مرخي يا بكري..
بكري: "يعني إيه مرخي؟"
فقد فاروق صبره فنادى بصوت عالي: "سمية أنتي يا بت!"
أتت سمية مسرعة: "نعم فيه إيه؟"
فاروق: "طلعي ابن الكلب 'العونق'
ده عند جدته بره.
مش ناقصة أسئلة ماسخة دلوك."
سمية (وهي تدفع الصغير برفق): "روح يا بكري خد فلوس من جدتك وهات حاجة حلوة."
خرج الصغير. فالتفتت سمية لزوجها وهي تربع ذراعيها: "مش هتنام يا فاروق؟"
فاروق: "هنام هانخمد."
سمية: "طيب قولي.. أنت فزعت في أمينة وهند ليه كدة وطردتهم؟"
فاروق (وهو يغمض عينيه بتعب وغير منتبه): "جبل خطرف بالكلام وهو نايم.. خفت أمينة تسمع وتعرف اللي حصل السنة اللي فاتت.
سمية (بفضول اشتعل فجأة): "إيه اللي حصل السنة اللي فاتت؟"
انتبه فاروق لنفسه فجأة وفتح عينيه ونظر إليها بحدة: "بذمتك أنتي عنديكي دم؟ ديتي وقت أسئلة يا سمية حُرمه فاضيه؟"
سمية (بزعل مكتوم): "خلاص.. أصلاً أنت على طول كدة، مباخدش منك لا حق ولا باطل،
ولا بستفيد منك بحاجة واصل!"
فاروق (بغمزة وسخرية): "أيوة ما أنتي لو تنيمي العيال دي بدري تستفيدي.
بس حججك كتير لغاية ما هعملها كيف دياب وأجيب التانية."
سمية (بشهقة): انا بتحجج ماشي.. وبعدين من حلاوة مجايب دياب قوي
هاتعمل كيفه.
يا ساتر على مجايبه ده البت بتقولي يا خالة. أم عرقوب المنكحة'(النشفانه)..
عاوز تجيب لي وحدة زيها؟"
ضحك فاروق رغم تعبه: والله يابت يا سمية انتي عسل عشان كده ماليه القلب والعقل بس تسيبك من مرت دياب معاوزينش مشاكل فالدار.
سمية (وهيا تنظر له بحده) : اصلا لو اجوزت عليا
أقتلك يا فاروق.
فاروق وهوا يبتسم : روحي يا سمية عشان أنام.. يا بوي على الفضا اللي عند الحريم.
2
سميه: نام ياخوي نوم العوافي.
أغلقت سمية الأضواء وخرجت لتتفقد الأولاد،
بينما تمدد فاروق وهو يحدث نفسه بقلق: "ربنا يستر وجبل ميهلوسش تاني قدام مراته..
ــــــــــــــــــــ
."في البراندة الواسعة
جلس الحاج بكري والحاجة صفاء
والهم لا يزال جاثماً على صدورهما.
الحاجة صفاء (بتنهيدة مريرة): "اهه ولا برضه عرفنا اللي حصلهم إيه بالظبط،
الحاج بكري (بحكمة): "لما يرتاحوا الأول يا أم فاروق نبقى نعرف كل حاجة،
. المهم دلوك إنهم بخير وبينا.. ده أهم من أي حكي."
الحاجة صفاء: "الحمد لله.. يا رب لك الحمد."
في تلك اللحظة،
دخلت "ام عرفات" أخت الحاج بكري، وهي تعدل في طرحتها، والشرر يتطاير من عينيها بلهفة:
ام عرفات: "العوافي يا خوي.. خير؟ فيه إيه حصل عندكم؟
الحاج بكري (بصدمة وسخرية): "أهه.. قوام معرفتي؟
ده الخبر لسه معرقش في مكانه!" ثم نظر للحاجة صفاء بنظرة لوم.
الحاجة صفاء (بسرعة): "والله ما قولت حاجه أنا قاعدة كيفك أهه.. متبصليش كدة!"
ام عرفات: "إيه يا خوي؟ معاوزش تعرفني ولا إيه؟ ده إحنا لحم ودم!"
الحاج بكري: "له بس استغربت مقصديش حاجة.. جبل الحمد لله زين،
بس مين اللي لحق يقولك؟"
ام عرفات: "أنا لقيت بكري الصغير بيجيب حلاوة من الدكان، سألته عنكم قالي: 'عمي جبل متعور وعيان وواخد حقنة في يده'!"
في هذه اللحظة،
كانت سمية خارجة من الصالة، فسمعت كلام ام عرفات. التفت إليها الحاج بكري بنظرة نارية،
الحاج بكري "أبو لسان أحمر ابن الكلب!
مفيش سر بيبات في جوفه دقيقة!"
حاول الحاج بكري لملمة الأمر و"ستر" حكاية قطاع الطرق لكي لا تخرج شائعات تؤذي سمعة العيلة:
الحاج بكري: "اطمني يا أم عرفات،
جبل زين الحمد لله. كان في مشوار مع مرته وهما راجعين العربية عملت حادثة صغيرة كدة
وربنا سترها."
ام عرفات (بشهقة وفزع): "يا حومتـي! حادثة؟ ومرته حصلها حاجة؟"
الحاجة صفاء: "لأ، الحمد لله بخير وزي الفل.. (ثم نظرت لـ سميه) اعملي شاي يا سمية."
جلست "ام عرفات" تتربع، وبدأت الحاجة صفاء تفتح معها سيرة الغياب:
الحاجة صفاء: "يعني محدش شايفك الأيام دي يا أم عرفات،
من وقت جواز جبل وانتي غايبة، مع إنك خطوتين من بيتك لبيتنا!"
ام عرفات (بتنهيدة ثقيلة): "أنا ورايا المر و هعرف أروح ولا آجي ؟"
الحاج بكري (باستغراب): "يا ساتر يا رب، مر ليه؟ خير؟"
ام عرفات: "اعمل إيه في 'ورد' بتي؟ جت من وقت جواز جبل ومشاكل مع جوزها للركب،
وعاوزه تخلص منه، وأحايل فيها مفيش فايدة، ميبسة راسها على الطلاق يعني الطلاق!"
الحاجة صفاء (بفزع): "طلاق ليه بعيد الشر؟ وتودي ولدها فين؟"
ام عرفات: "قولتلها كتير، مش سامعة،
وتقول ولده ياخده يربيه هو!
كل ده عشان لقت فتلفونه بيكلم واحدة على المخروب 'النبت' ده..
خرجت سمية بالشاي وهي تضحك من قلبها رغم التعب: "اسمه 'نت' يا عمتي مش 'نبت'
ام عرفات: "أنا عارفة بقا اسمه إيه؟
المهم ديتي سبب المشكلة، لقت كلام بينهم وتقول تقطعوا رقبتي معودلوش تاني واصل."
الحاج بكري (بتقزز): "مسخرة وقلة حيا..يخليه ف مرتو
أحسن من الحرام وعرض بنات الناس."
ظلوا يتحدثون، لكن الحاجة صفاء كانت تراقب كلام "ام عرفات" بنظرات شاكة. هي تعرف ابنة أخت زوجها "ورد" جيداً، وتعرف أن ورد كانت تضع عينها على جبل منذ صغرها، ودخل في يقينها أن غضب ورد وطلبها الطلاق ليس بسبب "النت"،
بل هي نيران الغيرة التي اشتعلت بداخلها بمجرد زواج جبل من أمينة!