📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل التاسع عشر 19 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل التاسع عشر 19 بقلم آية احمد عرفة


19 "عاصفة"


"ما أجملَ الحياةَ حين تُؤخَذ ببساطةٍ، بين ضحكاتٍ لا تحمل همًّا، وفرجٍ قريب، وأيامٍ تنقضي بالصبر. فاعلم أنَّك تريد، وغيرك يريد، واللهُ يفعل ما يريد."

ـــــــــــــــ

كانت ضحكاتهم تملأ سطح البناية بعد أن انضم إليهم أدهم أيضًا، وقد تعرّف على عمران الذي اندمج معه على الفور. نظر أدهم إلى مهاب قائلاً:
"المحشي هيخلص إمتى يا عم؟ ده المغرب هيأذن!"

ثم أضاف عمران:
"عصافير بطني بتصوّت!"

أردف مهاب:
"لما يخلصوا، إنت عارف يعني إيه دبكة محشي مع مسح وتنضيف وقلب بيت."

هتف حمزة هذه المرة:
"يعني دوخة وحوسة ما يعلم بيها إلا ربنا! مالها المكرونة والبانية، كانوا اشتكوا!"
1

أردف مهاب كأنه ارتكب خطأً لا يُغتفر:
"اخرس يا عدو المحشي! قولتلك خليك في البانية واسكت بقى!"

لكن كيف له أن يصمت؟ هذا حمزة صاحب الفلسفة، وإذا التزم الصمت يصيبه شيء. هتف بضيق يحمل السخرية:
"المحشي مضر بردوا أكلة ثقيلة، بس إنت اللي مش بتفهم!"

ابتسم مهاب بطريقة مصطنعة ثم هتف:
"الحقوا! حمزة غلط فينا كلنا، معني كلامه إن إحنا مش بنفهم عشان بناكل المحشي! إخص عليك
يا حموزتي، إخص بجد!"

ضحك الجميع بصخب على حديث مهاب، ثم هتف عمران وهو ينظر إلى حمزة:
"حتى لو مضر، بص للفايدة! بيكون فيه خضرة كتير، هي دي مش فيتامينات برده!"

صعدت فريدة واقتربت منهم، ونظرت إلى براء قائلة: "تاتا بتقول الأكل خلص."

هتف براء:
"طيب أنا نازل يا حبيبتي"

غادرت فريدة، ونهض براء لينظر إليهم:
"اجهزوا بقى يا رجالة، هنزل أجيب الأكل"

هتف عمران:
"فى الانتظار بس مش تتأخر"

أومأ له لينظر إلى مهاب:
"تعالى ساعدني"

أردف مهاب رافضًا:
"مش قادر أقوم، أنا جعان"

نهض حمزة قائلاً:
"أنا هنزل"

نظر مهاب إليه:
"مثالي يا حمزة، مثالي يا حبيبي، ربنا يديني من مثليتك يارب"

سار ليلاحق براء، هاتفًا وهو يتمتم:
"ربنا يديني صبرك ومثليتك وعقلك... فاضل إيه
يا مهاب مش دعيت بيه"
1

هبط إلى الأسفل، خلع حذاءه ودلف إلى الداخل ليسير نحو المطبخ، حيث كان براء يقف وأميرة وسكن يرصّون الأكل على الصينية. كان البخار يتصاعد في المطبخ، ورائحه الطعام تملأ البيت.

هتفت والدته:
"يا ابني، كنتوا انزلوا كلوا هنا"

هتف براء بهدوء:
"فوق أفضل يا أمي، عشان صاحب مهاب فوق، وكمان أدهم... خليكم هنا تخدوا راحتكم وإحنا فوق ناخد راحتنا أفضل"


هتف حمزة وهو ينظر إلى أصناف المحشي التي جهزتها والدته:
"مش عملتي أكلي؟"

ابتسمت له بحنو قائلة:
"وأنا أقدر يا حبيبي... عملت ليك ورق العنب، أنا عارفة إن ده النوع الوحيد اللي بتاكله. جبتُه مخصوص عشانك، وعملتلك بانيه عشان عارفة إنك مش هتاكل البط أبدًا"
1

هتف براء:
"عشان فقرى على رأى مهاب"

تنهد حمزة قائلاً:
"كل مرة تسمعوني نفس الكلام، مفيش فايدة"

أردف أخوه:
"يلا شيل الصينية دى واطلع... بس خد بالك"

أومأ له وحملها وغادر بحذر، ثم نظر براء إلى والدته: "الشوربة بقى يا حجة فى المج بتاعي"

ثم هتف بتساؤل:
"أمال هند فين؟"

هتفت أميرة، التي تغرف الأكل لهم:
"طلعت فوق عند أهلها"

تنهد براء بضيق، فهذه عادتها منذ أن تزوجها فهي قليلًا. لو فعلت شيئًا مع أهله، وهو لا يحبذ الطلب منها أن تفعل شيئًا، من يريد سيقوم بفعل شيء دون أن ينبهه أحد حتى لا يكون مقدرًا، ويعلم أن هذا ليس واجبها أن تساعدهم بشيء. لكنهم يعيشون معهم، وهذا ليس تصرفًا لائقة على مدار السبع سنوات، تفعل هذه العادة كل أسبوع.

أما سكن، فكانت ما زالت عروسًا وتقف وتعمل معهم، لكنه لا يريد أن يقارن بينها وبين الآخرين، لأنه من وجهة نظره لا توجد مقارنة؛ هما الفرق بين السماء والأرض في التصرفات.

ــــــــــــ

في الشيخ زايد، وداخل فيلا بالطابق العلوي،
دلفت مروة إلى غرفة أخيها الذي كان ما يزال نائمًا، فجلست بجانبه وهي تهتف:
"عمار… عمار، قوم بقى، كل ده نوم؟ مش معقول، حتى يوم إجازتي مش هقعد معاك."

فتح عينيه بانزعاج، وقال:
"مروة، حِلّي عن دماغي وسيبيني أكمل نوم، يلا اطلعي بره."

زفرت بضيق وغادرت الغرفة، ثم دلفت إلى غرفتها وجلست على السرير، لتلتقط هاتفها وتعبث به لبعض الوقت، قبل أن يصدح رنينه معلنًا اتصالًا واردًا. كان صديقها.
فتحت الخط ليأتي صوته قائلًا:
"إزيك يا روما؟ وحشتيني."

هتفت بخجل:
"وحشتك إيه بس يا باسل؟ ما إنت كنت معايا امبارح."

قال الآخر:
"بس وحشتيني."

ثم أضاف:
"بقولك إيه، ما تيجي نخرج؟"

أردفت:
"باسل، إنت كنت معايا امبارح."
ثم تابعت:
"عجبتك الحفلة؟"

قال:
"جدًا… بس ما شوفتش أخوكي اللي راجع من السفر، ولا حتى أخوكي اللي عايش معاكي."

أجابت بهدوء:
"عمران مشي بسرعة، وعمار رجع الصبح."

قال مرة أخرى:
"طيب تعالي نخرج."
ثم أضاف:
"أساسًا إنتِ محدش منهم مهتم بيكي يا روما، خلّينا نقضي اليوم بره مع بعض بما إنك إجازة من المدرسة"


صمتت قليلًا، فقد كان محقًا.
لا أحد يمنحها أي اهتمام داخل هذه الفيلا؛ والدتها منشغلة بحفلاتها وأصدقائها، ووالدها يقضي أغلب وقته خارج المنزل، وأخوها لا يتحدث معها.
إما نائم طوال الوقت، أو خارج البيت.

هتفت أخيرًا:
"أنا موافقة… أوكي، هقوم أغير هدومي."

قال الآخر:
"وأنا هاجي أخدك."

أنهى الاتصال، أما هي فنهضت لتبدّل ثيابها.
.
.
.
.
.
أكبر خطأ قد يُرتكب، أن يستبدل المرء احتواء أهله باحتواءٍ قادم من الخارج، بدلًا من أن يطالبهم به.
يظن البعض أن المال هو الأهم، لكنهم يتناسون ضياع أعز ما يملكون، لأنهم انشغلوا فقط بتجميعه، معتقدين أنه كفيل بالتربية والنشأة السليمة، بينما نسوا أن العناق الدافئ، والحديث الصادق، وملء الفراغ العاطفي، أهم من كل ذلك.

الطرفان قد سارا في طريق خاطئ؛
الأهل هم من بنوا لأبنائهم الشوك بدلًا من الأمان،
والأبناء هم من ساروا فوقه، بدلًا من البحث عن الطريق الصحيح.

ـــــــــــ

في السيدة زينب، وعلى سطح البيت، كانوا يتناولون الطعام، ليهتف عمران:
"يحلاوة المحشي في السقعة!"

نظر أدهم إليه قائلًا:
"هو حلاوته في السقعة أساسًا، تحسه بينزل على قلبك مش معدتك."
ثم أضاف:
"ونفس الحاجة في الأكل، يفتح النفس… تسلم إيدها."
1

تدخل براء:
"كمل أكلك يا عم، وبعدين نقعد نشكر للصبح."
ثم نظر إلى أويس متسائلًا:
"مش بتاكل ليه؟ لتكون مكسوف؟"

أردف أويس بهدوء:
"لا بالعكس، بأكل… الأكل جميل أوي."

أومأ له براء قائلًا:
"بالهنا، بس كل دي مش أشكال تتكسف منها."

قال ذلك وهو يشير إلى مهاب. ابتلع مهاب ما في فمه، ثم هتف:
"في إيه يا براء بس؟ هو أنا كنت اتكلمت؟"

هتف حمزة ساخرًا:
"مش فاضي تتكلم، نازل أكل… خد هدنة."

رفع مهاب يده وهو يخمّس في وجهه:
"عينك واسعة يا لا، ده بدل ما تقول ما شاء الله بتبص في الأكل!"

هتف حمزة باستنكار:
"أقول ما شاء الله على إيه؟ هو انت بحسدك؟ عشان بتحل امتحان أو بتخترع الذرة؟"
"انت بتاكل، الشعب المصري كله بياكل على فكرة… انت مش بتعمل حاجة جديدة."
.
.
.
.
.
صَفَّت سيارةٌ أسفلَ البيت، ترجل منها أيوب ووجهه متهجِّم، بادٍ عليه الضيق، بينما نزل من الباب الآخر صديقه هاتفًا:
"أيوب ممكن أفهم بس هنعمل إيه؟"

أردف الآخر وهو يتابع سيره:
"ملكش دعوة."

تبعه خلفه قائلًا:
"ونِعِمّا الصديق بجد"

ثم تابع:
"بس عاوز أقولك حاجة، أخوك عندهم فوق عشان مش تتهور و..."

قاطع حديثه حين التفت أيوب إليه بنظرةٍ لا تُبشِّر بالخير. ابتلع لعابه ثم تابع:
"أنا مالي، اللي بيراقب هو اللي بعت لي مسج، قالي وكمان كلهم متجمعين على السطح فوق."

أومأ أيوب وتابع سيره، ليتبعه الآخر:
"أيوب انت موقوف عن العمل لمدة أسبوع، بلاش تهور عشان عمران هو كمان مش يتهور، الإدارة عاوزاك يا أيوب."

هتف الآخر بضيق:
"عاوز تجنني؟ هو أنا على آخر الزمن هخاف من عمران فوق يا علي؟ وشوف انت بتقول إيه، ده وراه بلاوي بس بيتحامى في المسؤولين بتوع أميركا. خليك انت هنا"

قال ذلك وصعد الدرج. تنهد الآخر وبقي في انتظاره، يدعو أن يمر هذا اليوم على خير، لا يريد أن يتأذى صديقه باندفاعه.

في الأعلى، أردف مهاب:
"الحمد لله أكلة معتبرة."

أومأ عمران مؤكدًا:
"والله عندك حق، الواحد حاسس إنه أكل كتير."

"حاسس مش متأكد."

كان هذا ردّ الفيلسوف، كما يطلق عليه مهاب، ليضحك مهاب بصخب على الجملة هاتفًا:
"أخيرًا حد هيشل عني قصف الجبهات بتاعت حمزة."

هتف أويس من بين ضحكاته:
"بجد مش قادر، عمري ما ضحكت كده."

أردف حمزة بتهكم:
"هو في حد يكون عنده أخ زي أخوك ويضحك؟"

أومأ مهاب:
"حصل، في دي عندك حق."

هتف الآخر:
"أنا أي حاجة أقولها يكون عندي حق فيها."

ازداد ضحك أويس قائلًا:
"حبيت ثقتك في نفسك أوي، بس هو فعلًا مش يتعاشر، فمش هعارض في اللي بتقولوه."

هتف أدهم محذرًا:
"هو انت كمان بتفكر تعارض؟"

"خلاص بقى يا أدهم، وحدوا الله يا جماعة."

"لا إله إلا الله."

كان هذا صوت أيوب. التفت الجميع إليه، وأكثرهم صدمةً كان أويس، الذي تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعه الآن، فبهذه الطريقة سيظن أخوه أنه يعانده، ويستحيل أن يصدق أنه أتى لمراضاة صديقه.

نهض براء الذي استشعر الموقف، وكاد الباقون أن ينهضوا أيضًا، لكنه أوقفهم قائلًا:
"في إيه يا جماعة؟ خليكم قاعدين، هو إذا حضرت الشياطين تذهب الملائكة."
46

كان يقصد بالشياطين أيوب تحديدًا. رمقه براء وهو يتابع حديثه متسائلًا:
"جاي تاخد مين المرة دي؟"

ثم أضاف بدهشة:
"لا وكمان جاي بنفسك؟ كنت بعت البلطجية اللي شغالين تحت إيدك."

ابتسم أيوب لحديثه وجرأته؛ للمرة الثانية يتحدث معه ويشاهد تلك الجرأة، كأنه لا يهاب شيئًا. فهو يفضل الخصم الذي يصعب ترويضه.

هتف أخيرًا:
"حلو، عجبتني من أول مرة قابلتك يا براء في جهاز أمن الدولة لما كنت بدافع عن أخوك، وصاحبك كنت ولا أحسنها محامي دفاع، وأنا قلت إنك مش سهل."

اقترب عمران وهو يرد عليه:
"توتو هو سهل، بس الأصعب هو اللي قدامك."

قال ذلك وهو يتوقف أمامه، ثم تابع:
"كان عندي فضول أشوفك من كتر ما سمعت عن أمجادك معاهم."
ثم أضاف:
"كان بودي أقولك اتفضل معانا، بس خلصنا غدا، شكل حماتك مش هتحبك يا أيوب."

ظل يحدق به في صمت، ثم ألقى نظرة على الواقفين يراقبون المشهد، ليعود بنظره إليه مرة أخرى قائلًا: "انت بقى الوجه الجديد هنا، عمران الزيني."

زمَّ عمران شفتيه ثم أضاف:
"اممم، وأنا لقيتك هنا أشهر من النار على علم، بعد ما عرفت اللي عملته في إخواتي."

صاح أيوب بتوعد وهو ينظر إليه:
"إخواتك؟ بس اصبر عليّا وهجيبك. بلاش تحط أمل على الناس اللي مسنود عليهم، وبسببهم قدرت تعمل معايا كده."

ثم أضاف:
"مش تنسي نفسك يا عمران، أنا جبت الماضي بتاعك كله وتاريخك المشرف في آخر عشر سنين في أميركا."

كان يظن أنه سيتزعزع أو يخاف، لكنه لم يرمش حتى، ظل بنفس نظراته المصوبة نحوه، ثم هتف ببساطة:
"شكرًا، جيت تفكرني بنفسي كويس برضه."

ثم نظر إلى حمزة:
"انزل هات الشاب خلينا نحبس."
ثم تابع ساخرًا:
"وابقي اعمل حساب الباشا عشان يعرف إن احنا كرمِه وولاد أصول."

أومأ له وانصرف. أما أيوب فكان الغضب قد استبد به، لكنه كبح نوباته داخله، ثم نظر إلى أخيه:
"يلا."

كاد أويس أن يرد، لكن براء سبقه:
"لا، هو ضيف ومش هيخرج من هنا غير لما ياخد شايه الأول."

نظر عمران إليه:
"سمعت."

رمق أيوب أخاه بنظرةٍ غاضبة هاتفًا:
"مش هتيجي؟"

نفى برفض:
"لا"

أومأ له، ونظراته مليئة بالتوعد، ثم نظر إلى عمران قائلًا:
"جهز نفسك بقى، عشان العد التنازلي معايا بدأ من دلوقتي."

ثم غادر.

تنفس أدهم أخيرًا قائلًا براحة:
"أبو لهب مشي إيده فاضية."

ضحك الجميع بصخب، ثم وضع براء يده على كتف أويس قائلًا:
"مش تزعل، بس بصراحة أخوك عمل اللي مش يتعمل معانا."

أومأ له بتفهم، ثم هتف بصوتٍ خافت محدثاً نفسه: "إذا كان هو عمل اللي ميتعملش معايا أنا شخصيًا."

صدح صوت هاتفه، أخرجه، كانت رقية. ابتسم تلقائيًا عند رؤية اسمها.
.
.
.
.
.
.
وفي الأسفل، كان يهبط الدرج بضيقٍ شديد، فاصطدم بفريدة التي كانت تصعد، فأمسكها سريعًا هاتفًا:
"انتي كويسة؟"
3

أومأت:
"آه يا عمّو، كويسة."

قالت ذلك وتابعت صعودها إلى الأعلى، بينما أكمل هو هبوطه بضيق، وخرج من العمارة.

كان عليّ متكئًا بظهره على السيارة، فاستقام عندما وقع بصره عليه قائلًا بتساؤل:
"عملت إيه؟"

صعد أيوب السيارة دون أن ينبس بكلمة، فصعد الآخر. أدار أيوب المحرك قائلًا:
"عمران الزيني حطيته في دماغي، يا أنا يا هو، الحياة مش هتسعنا إحنا الاتنين."

أومأ علي وفضّل الصمت.

غريبٌ هو الإنسان؛ عناده قد يقوده إلى أشياء لم يكن يحلم أن يصل إليها، لكنه هو من اختار المجازفة، ولكل اختيار ثمن، يُدفع الآن أو لاحقًا، فلا أحد يهرب من مصيره.
.
.
.
.
.
في حي الزمالك، وداخل إحدى البنايات، في شقة آل نصار، كانت نور تجلس في غرفتها تتحدث عبر الهاتف بصوتٍ خافت، حتى هتفت أخيرًا:
"لؤي، قولتلك مش هينفع أقابلك، مش معنى إني إجازة إني أخرج عادي كده."

ليأتي رد الآخر:
"طيب ممكن أطلب منك طلب؟"

هتفت بفضول:
"طلب إيه؟"

قال بنبرةٍ يغلفها الحب لينال ما يريد:
"طيب انتي وحشتيني، لو أمكن نتكلم فيديو كول عشان أشوفك."

توترت من حديثه وهتفت برفض:
"لا طبعًا، أنا بلبس البيت ومش هينفع يا لؤي."

لكنه واصل ضغطه المرن:
"عشان خاطري يا نور، هو أنا مش غالي عندك يعني؟"

قال آخر حديثه متصنعًا الزعل، فهتفت:
"لا، غالي عندي أكيد."

تابع حديثه:
"على فكرة أنا مش بطلب منك حاجة فيها إيه، لما نتكلم فيديو كول مش فيها حاجة، بس عامة براحتك، انتِ مش واثقة فيا."

هتفت مسرعة:
"واثقة أكيد"

ثم صمتت لثوانٍ، تتخذ قرارها:
"أوكي، موافقة"

هتف الآخر بسعادة:
"بجد؟ طيب هفتح الكاميرا وانتي كمان يلا."

فعل ذلك، وظلت هي تشاور عقلها: هل تفعل أم لا؟ ترددت قليلًا، ثم فتحت الكاميرا أيضًا، فقد كانا يتحدثان عبر الماسنجر صوتيًا، وكان من السهل تحويل المكالمة إلى فيديو.

هتف بإعجاب:
"شكلك تحفة بلبس البيت."

ابتسمت بخجل:
"شكرًا"

تابع:
"أنا مش بجامل، انتي فعلًا زي القمر يا نور."

كادت أن ترد، لكن باب الغرفة انفتح، ودلفت والدتها.
.
.
.
.
.
.
.
المستور لا يدوم، وكل ما يُبنى في الخفاء سينكشف يومًا ما، ولو بعد حين. لا تثقي بكلامٍ يُقال في الظل، ولا بعلاقة تخجل من النور. من يخاف أن يراكِ الناس معه، لا يستحق أن يراكِ قلبك معه.

احفظي نفسكِ، فالقيمة لا تُثبت بالحب ولا بالوعود، بل بالثبات والوعي واحترام الذات. ما يأتيكِ بوضوح يظل آمنًا، وما يُطلب منكِ سرًّا… احذريه، لأن الحقيقة لا تحب الظلام.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات