رواية حلال ولكن مرفوض الفصل التاسع عشر 19 بقلم هالة محمد
19=حلال ولكن مرفوض - سهام العشق 19 /
للجميع@
تذكر اللحظة التي قدم فيها هدية بسيطة لكن جميلة من الفضة إلى نور، حبيبته التي كانت تملأ حياته بالفرح والبهجة. نظر إليها بعيون عاشقة مجنونة، وتحدث بصوت عاشق متيم:فقال
"دي هدية بسيطة لأحلى نور في حياتي".
لكن نور نظرت إلى الهدية بتكبر، وردت ببرود: فقالت
"إيه دا يا عامر؟ مش أنا قولت لك عاوزة سلسلة
دهب؟ جايب لي فضة؟ اعمل بيها
كسرة نور قلب عامر بتلك الكلمات السامة"دون أي شعور
حزن عامر من حديث نور لقد أستمر شهور وهو
يقوم بتجهيز تلك الهدية فلقد جعل عامر أحد
الحرفيين في هذا المجال يصنع تلك الهدية التي
رغم من بسطتها كانت انيقه جدا ولديها تصميم خاص ومميز
تحدث عامر بصوت حزين: فقال
"نور، في إيه؟ مش ملاحظة طريقتك في الكلام
معايا بقت عاملة إزاي؟"
لكن نور لم تراعي مشاعر عامر، وتحدثت بغضب غير مبرر: وقالت
"هو أنا طلبت منك إيه؟ لكل الزعل ده غير سلسلة دهب؟ أمال لو كنت طلبت منك ألماظ كنت عملت إيه؟"
شعر عامر باليأس، فهو لم يكن لديه المال الكافي
لشراء الهدايا الغالية التي تطلبها نور. قال بصوت متألم
: "نور، أنتي عارفة لو معايا فلوس كنت جبت لك الدنيا بحالها. بس أنتي عارفة إني لسه محامي تحت التدريب".
عاد عامر من ذكريات الماضي الاليم
، لم يعد يتحمل. كان يشعر بالاختناق وكأنه قد اختفى الأكسجين من الحياة. خرج عامر من تلك السيارة وهو يحاول أن يتنفس، ولكن دون جدوى، فكان يشعر وكأن أحدهم يقوم بخنقه. شعر بالألم في قلبه الذي يدق بصوت عالٍي، وضع يده فوق قلبه الذي يشعر بالألم على يد من يحب.
لقد قام هذا الحبيب بتكسير هذا القلب إلى قطع صغيرة مثل قطع الزجاج التي لم تعد تصلح مرة أخرى. فاضت الدموع من عيني عامر، حاول كبحها وحبسها، ولكن لم يستطع. استغل عامر عدم وجود أحد في هذا المكان وصرخ صرخات مليئة بالأوجاع والألم، الألم عاشق قد ضاق مرارة الفراق والخيانة.
صرخ بصوت يحمل مرارة الغدر وهجر الأحباب، صرخ على قلب قد مات منذ الزمن بعد هجر الأحباب. قال عامر وهو يتألم، ينادي باسمها مثل مجنون ليلى: "
نور، راجعة تاني ليه؟ عاوزة مني إيه تاني؟ مش خلاص سبتني علشان تتجوزي واحد معاه فلوس كتير، علشان يعيشك في قصر كبير ويجيب لك كل حاجة ماركات، عشان تبقى أحسن من كل البنات؟"
ضرب عامر فوق موضع قلبه الذي يدق عند سماع اسمها، وكأنه عاد عاشقًا مجنونًا بها. ضرب عامر غضبًا وقهرًا، ثم تحدث بغضب: فقال
"بدق ليه؟ مفيش عندك كرامة؟ كفاية زل."
لم يستطع الوقوف، وكأن قدميه لم تعد تحمله، جلس أرضًا وبكى قهرًا، واه من قهر رجل، قد غدر به الزمان وجعله أسيرًا في عشق امرأة لا تقدر هذا العشق.
***********************
ان عنها ف
كانت تجلس تلك المذنبة التي أجرمت وأخطأت في حق من تحب، تحتضن تلك الوسادة التي أصبحت شاهدًا على دموع الندم التي تتدفق من عينيها مثل ينبوع لا ينضب، تحرق وجنتيها وتغسل قلبها بالأسى. تبكي بحرقة، كأن روحها تئن تحت وطأة الندم، وتتقطع أوصالها من شدة الحسرة. كل دمعة تنهمر من عينيها تحمل معها جزءًا من ألمها، وكل صرخة تخرج من بين شفتيها تعبر عن حجم الندم الذي يلازمها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة حين تذكرت أول لقاء بينها وبين حبيب لن يحبها أحد بهذا الكون مثل حبه لها.
عادت إلى الماضي حتي تتذكر تلك اللحظات التي لن تعود
عوده للماضي
، كانت تجلس تلك الجميلة في إحدى المواصلات العامة. كان الجو ربيعًا، مع نسمات هواء خفيفة تحمل رائحة الورود والزهور، فتنفست بعمق وأغمضت عينيها. كانت نسمات الهواء تداعب تلك العيون التي تشبه القهوة، تحاول أن تأخذها في نوم عميق. حاولت تلك الجميلة ألا تذهب في نوم، ولكن لم تستطع المقاومة وذهبت في النوم ولم تعد تشعر بشيء.
كان يجلس بجانبها ذلك الشاب الذي كان منشغلًا في هاتفه، يتصفح الإنترنت بلا هدف. لكنه شعر بشيء فوق كتفيه، فنظر ووجد تلك الفتاة تنام براحة كبيرة على كتفه، ثم قامت باحتضان ذراعه بقوة. سحر هذا الشاب من ملامح تلك الفتاة التي كان لديها قدر كبير من الجمال، فتأملها بعمق. كان سوف يذهب في عالم خاص، ولكن نظرات الناس الغاضبة في تلك المواصلات العامة جعلت عامر يعود إلى أرض الواقع.
تحدث عامر بصوت منخفض حتى يوقظ تلك الفتاة من النوم، فقال
: "يا آنسة، لو سمحتي. يا أستاذة، يا رب ما تكوني مدام."
تحدثت إحدى السيدات بصوت غاضب وقالت:
ايه"قلة أدب.
" رد عليها امرأة فقال
: "شباب آخر زمن يا أختي."
شارك في الحديث أحد الرجال ذوي الشعر الأبيض فقال: "
ده احنا ما كناش شباب على كده. إيه قلة الأدب دي؟"
لاحظ عامر أن غضب الناس بدأ يزداد، فمد إصبعه حتى يقوم بإيقاظ تلك الفتاة قبل أن تقوم الناس بضربهم. استيقظت تلك الجميلة من نومها وهي مبتسمة، ومددت يديها في حركة مطولة لتمديد بعد نوم عميق. في لحظة، تحولت ملامح تلك الفتاة وصرخت حين أدركت أن من قام بلمسها في ذراعها هو عامر
. صور لها الشيطان أنه كان يتحرش بها. صرخت تلك الفتاة وقالت بغضب:
"أنت بتتحرش بيا؟ قليل الأدب!"
غضب عامر من تلك التهمة البشعة التي وجهتها له تلك الفتاة، فقال:
"استغفر الله العظيم يا آنسة.
" لم تسمح له تلك الفتاة أن يستكمل حديثه، فردت بغضب أكبر وقالت
: بتستغفر "ربنا دلوقتي؟ دا أنا هوديك في 60 داهية يا متحرش!"
ردت إحدى السيدات فقالت:
"هو في إيه يا حبيبتي؟ ده أنتي اللي ليكي ساعة نايمة في حضن الراجل وماسكة فيه مش عايزة تسيبيه، هو يا عين أمه بيحاول يصحيك؟"
ردت امرأة أخرى فقالت: "
فضحتونا يا أختي قدام الأجانب، عيب الراجل ضيف في بلدنا."
نظرت نور لعامر فوجدته شابًا عيونه زرقاء وشعره أشقر وبشرته فاتحة بعض الشيء، فوجدت أنه يحمل قدرًا كبيرًا من الوسامة.
رد رجل آخر وقال: "
هي السياحة اضطربت من شوية."
وقف السائق حين وجد أن الحوار يشتد، فركضت نور هاربة من هذا الموقف المخجل
. ركض عامر خلفها وهو ينادي عليها ويقول:
"أنتِي يا أستاذة، اوقفي عندك."
وقفت نور وهي تشعر بالخجل والخوف من عامر. تحدث عامر وهو يرسم ابتسامة واسعة على شفتيه فقال: "
عامر مهران." نظرت له نور بعدم فهم، فمد عامر يده لها وهو يقول:
"اسمي عامر مهران، وأنتِي؟"
صمطت نور، فقال عامر بمزح:
"ايه اسمك متحرشة؟"
نظرت له بغضب، فضحك عامر ضحكًا ساحرًا بصوت مرتفع جعل نور تتحدث دون أن تشعر، هي تنظر له بإعجاب. فقالت
نور... نظر لها عامر بعيونه الزرقاء التي تلمع بلمعة عشق من أول نظرة لتلك السمراء الجميلة. فرد بصوت هايم مسحور وقال:
"أكيد نور ، الجمال دا كلّه لازم يكون نور."
أعادت نور للحاضر بندم وحسرة لم يعد ينفع .
***********************
دائمًا قلب الأم هو أول ما يشعر بحال الأبناء. كان قلب مديحة يخبرها أن ابنها ليس بخير. ازداد القلق في قلب مديحة على عامر، فقد حل المساء ولم يعد عامر منذ الصباح. تمشي مديحة داخل المنزل ذهابًا وإيابًا وهي تموت من الخوف والتوتر على أن يكون أصاب ابنها مكروه. فاستغل الشيطان خوف الأم على ابنها ووسوس لها بالفكرة السوداء التي كانت سوف تصيب مديحة بأزمة قلبية.
كانت مديحة تمسك بالهاتف وتقوم بالاتصال على عامر للمرة المليون، ولكن لا يرد. قامت مديحة بالاتصال على كل من يحيى وعمر للمرة المئة، ولكن كانت الإجابة مثل كل مرة، لا أحد يجيب منهم
. دق جرس الباب، فركضت مديحة. تحدث وهي تفتح الباب وتقول: "يا روحي
." تحول وجه مديحة للون الوردي من الخجل، فكان الطارق على الباب هو الدكتور أحمد.
صمت أحمد وشعر بالارتباك. تنحنح أحمد أكثر من مرة وهو يحاول التحدث. قال أحمد وهو مازال يشعر بالارتباك
: "مساء الخير يا أم عامر." بكت مديحة ولم تستطع التماسك وانهارت في بكاء مرير حين ذكر أحمد اسم ابنها. سقطت مديحة مغميًا عليها، ولكن استطاع إنقاذها أحمد قبل أن تسقط أرضًا. قام أحمد بحملها وأدخلها للداخل وهو ينادي بصوت عالٍي على مريم التي لم تخرج من غرفتها من الصباح.
استمعت مريم لصوت والدها، خرجت من الغرفة ثم من باب المنزل. استمعت للصوت وجدت أنه يأتي من منزل مديحة الذي كان مفتوح بابها، فدخلت مريم. صدمت مريم حين وجدت مديحة مغمى عليها. تحدث أحمد مع ابنته بصوت مرتفع نابع من القلق وقال:
"أنتِي هتفضلي واقفة، أتحركي شوفي أي حاجة تخليها تفوق."
ركضت مريم في اتجاه غرفة مديحة ثوانٍ وخرجت وهي تحمل في يدها أحد الزجاجات العطرية.
آخذ أحمد الزجاجة من مريم وقام بتقريب العطر من أنف مديحة. فقط استنشقت مديحة العطر وهي تقول:
"عامر ابني.
" ثم دخلت في هستيريا بكاء من جديد. اقتربت مريم من مديحة فقامت باحتضانها وهي تبكي معها دون أن تفهم شيئًا. حاول أحمد تهدئة الاثنين، ثم حاول أن يفهم من مديحة ماذا يجري. شرحت له مديحة عن اختفاء عامر منذ الصباح وعدم إجابته على الهاتف هو وكلا من عمر ويحيى
.وقفت مديحة فجأة وهي تصر على أن تذهب وتبحث عن ابنها. اعترض أحمد على خروج مديحة في هذا الوقت وعرض عليها أن يذهب هو يبحث عن عامر. وافقت مديحة مع إصرار أحمد ومريم على عدم خروجها. خرج أحمد وركب السيارة، ثم حاول الاتصال على كل من عمر ويحيى، ولكن لم يجب أحد. فقام بالاتصال بأحدهم الذي أجابت بعد فترة. ردت نور وقالت
: "الو يا خالو."
تحدث أحمد على الجانب الآخر فقال
نور تعرفي عامر ممكن يكون فين؟
" شعرت نور بالخوف على عامر وتحدثت بصوت يملأه الرعب واللهفة فقالت:
"ماله عامر يا خالو؟ حصل حاجة؟ طمني يا خالو والنبي.
" تحدث أحمد وشرح كل شيء لنور.
بكت نور علمت أنها سبب في اختفاء عامر.
تحدثت نور وشرحت لأحمد الأماكن التي يمكن أن يكون فيها عامر، ثم غلقت الهاتف وقامت بتغيير ثيابها لثياب مناسبة للخروج وذهبت حتى تبحث عن عامر بنفسها.
********************
كانت هالة تقف في شرفة المنزل، وضربات قلبها تزداد كلما زاد مرور الوقت. لقد حل المساء، ولم يعد أحد منهم. نظرت هالة لأمها التي ذهبت في نوم عميق، وكانت تشعر بالذنب لأنها كذبت عليها وقالت لها إن يحيى وعمر بخير ويجلسون سويًا. حتى لا تشعر بقلق قامت بالاتصال للمرة المئة على ابن عمها وشقيقها، ولكن دون جدوى. لم تعد هالة تستطيع الجلوس في المنزل، قررت أن تذهب وتبحث عنهم، حتى إن بحثت في كل طرقات تلك المدينة ولو دقت جميع منازلها بحثًا عنهم. فلن تبقى تنتظر في المنزل، فالانتظار مثل الجحيم على قلبها الذي يملأه القلق.
كانت هالة على وشك الخروج من المنزل لكن عندما نظرت من الشرفة مر اخر رأت عمر ويحيى ينزلان من إحدى السيارات. تنفست هالة بعمق وحمدت الله أنهما بخير، ولكن نظرت جيدا
وجدت أن من تقود السيارة فتاة. اقتربت هالة أكثر من الشرفة وهي تنظر، وشعرت بالغضب الشديد وهي ترى تلك الفتاة تتحدث مع يحيى وهي تقترب منه بشكل كبير. قررت هالة أن تنزل وتجلب تلك الفتاة من خصلاتها ثم تقوم بضربها، ابتسمت هالة ابتسامة شريرة وهي تتخيل ماذا سوف تفعل بتلك الفتاة. ولكن بعد ثوانٍ، تراجعت عن أفكارها الشريرة وهي لا تفهم لماذا تنزعج إذا اقتربت تلك الفتاة من ابن عمها.
ركضت هالة عندما رأت شقيقها يدخل المنزل، وتحدثت بصوت يملأه القلق والحب لشقيقها، وقالت:
"عمر، أنتو كنتو فين؟ دا كله حرام عليكم، دا أنا كنت هموت من الرعب عليكم
". قام عمر باحتضانها بحنان، وضمته هالة بقوة وهو يحتضنها. تحدث بعد ما ابتعد قليلًا عنها فقال
: "هالة، احنا لازم نمشي من هنا"
. دق الخوف في قلب هالة، وتحول وجهها إلى اللون الأصفر. لاحظ عمر: الخوف علي وجها فتحدث وهو يحاول ان يا شعرها بالامان فقال
"حبيبتي، ما تخافيش، احنا مش راجعين الصعيد، احنا بس هنروح البيت عندي، يلا لمّي كل حاجة، وأنا هروح أصحي أمك".
قامت هالة بجمع كل أغراضهم مع عمر، ثم نزل الجميع. كان يحيى ينتظرهم في السيارة، فركب الجميع وانطلقوا في صمت تام.
**************************
وصل الجميع إلى المنزل، دخلت فاطمة ثم نظرت ليحيى بحزن وقالت بعتاب:
"كده يا يحيى تعمل في ولد عمك كده؟"
كانت تتحدث وهي تضع يدها فوق تلك الكدمات التي تملأ وجه عمر، ودمعت عيناها من شدة القلق على ابنها. نظر يحيى بعتب المحبة وقال:
"بس يا بطه، علشان أنا زعلان منك، بتخبي عليا يا بطه"
. ثم قام برفع يده في اتجاه عمر وقال
: "مش أنتي على طول كنت بتقولي أني أنا عندك زي الجزمة ده؟"
رد عمر بغضب: فقال
"ما كفاية يا عم يحيى، هو هيبقى ضرب وتهزيق".
قام يحيى بضرب عمر في قدميه ضربة خفيفة، فابتسم عمر رغمًا عنه.
تحدثت فاطمة من قلبها بصدق وهي تقبل رأس يحيى وتقول له:
"حقك عليا يا ولدي، والله يا يحيى أنت عندي زي عيال عمك، غلاوتك في قلبي من غلاوتهم يا ولدي"
. ثم دمعت عيونها وقالت:
"بس عمك وجدك استقوى عليا علشان عارفين إني مبقاش ليا ضهر من ساعة ما قطعت أهلي".
ضم يحيى يد زوجة عمه بحنان الأبن وقال بجدية:
"اسمعي يا مرات عمي، أوعي إسمعك تقولي كده تاني، أنتي عندك تلت رجالة، لو عمر ونوار ما عرفوش يوقفوا في وش جدي ، وعمي أنا اللي هقف لهم
وهجبلك حقك لغايه عندك"
. ثم تحدث بمزح فقال:
"وبعدين ايه جو الأكشن والمغامرات والهروب ده، شكلك كنت شقية في زمانك يا بطه"
. شارك عمر المزح مع يحيى وهو يغمز لأمه ويقول:
"بطه دي شقاوة قديمة، هو في أحد عرف يوقع جابر العامري غير شقاوة بطه
". ضحكت فاطمة على حديث يحيى وعمر، ومسحت دموعها بيدها.
في هذه اللحظة، شعر الجميع بالدفء والطمأنينة، فكل
منهم يعرف مكانته في قلب الآخر. كان يحيى يبتسم لزوجة عمه، وعمر كان ينظر إلى يحيى بامتنان، وفاطمة كانت تشعر بالراحة وهي بين أبنائها. كان الجو مليئًا بالحب والمودة، وكان كل شيء يبدو أنه سيكون على ما يرام.
ولكن كان هناك شخص واحد لا يشارك في تلك
اللحظات الجميلة التي ملأت بحب العائلة
ذهبت فاطمة للداخل هي وعمر لتتولى العناية بتلك الكدمات التي تملأ وجهه.
نظر يحيى إلى هالة التي لم تشارك في الحديث بكلمة واحدة، ووجدها تجلس بصمت، عيناها تنظران إلى الفراغ، وكأنها في عالم آخر. كانت أنفاسها هادئة، ولكنها غير منتظمة، وكأنها تحاول أن تخفي خوفها. تبدو وكأنها فقدت الأمل، وفقدت القدرة على المقاومة.
تحدث يحيى فقال:
"إيه يا أم لسان طويل، مين قص لسانك؟ وبعدين فين مخالبك اللي كنت بتهجمي بيها على أي حد ياجي عليك وعلى حقك؟ إيه بقيت ضعيفة مستنية أحد يجيب لك حقك؟ ولا صح دا أنتي بقيت جبانه وكنت هتهربي؟
" كان يعلم أن تلك الطريقة هي الوحيدة التي سوف تجعل تلك الشرسة تعود إلى طبيعتها، فلا يليق بسليطة اللسان أن تكون بهذا الضعف. وها هي قد نجحت تلك الطريقة، وعادت تلك الشرسة مرة أخرى، ولكن تلك المرة أكثر شراسة.
تحدثت هالة بغضب وغرور وهي تقف في وجه يحيى بقوة وشراسة، فقالت:
"أنا مش جبانه يا يحيى، ومش خايفة من حد حتى لو كان كبير عيلة العامري. وحقي هاخده من الكل".
كان قلب يحيى يرقص بسعادة من أجل نجاح خطته وعودة تلك الشرسة مرة أخرى. نظر يحيى في عيون هالة وقال:
"يعني لما بكره جدك وأبوك أو نوار يجوا هنا، مش هتخافي منهم؟"
صمتت هالة وشعرت بالخوف، وكانت شجاعتها سوف تهرب منها، ولكن ثوانٍ ونفضت هذا الخوف عنها وتحدثت باصرار وعزيمة وقالت وهي تنظر في عيون يحيى:
"هم الي المفروض يخافوا مني ؛ مش أناصاحبة الحق وصاحب الحق قوي يا ابن العامري"
. لم يرد عليها يحيى، فكان غارقًا في تلك العيون السود التي لديها لمعة خاصة تشبه لمعة النجوم في سماء صافية.
ذهب يحيى ولم يعد في هذا الكوكب، ذهب الي كوكب العشق الذي اطلق سهامه وأصاب قلبي يحيى دون رحمة أو شفقة. لم تكن هالة في حال أفضل منه، لقد أصابها أيضًا سهم العشق. نظرت هالة في ملامح يحيى، فلو مرة ترى أن ابن عمها يمتلك هذا القدر من الوسامة، ليس وسامة فقط، بل يمتلك قلبًا شجاعًا يستطيع الوقوف في وجه الجميع، وقلبًا حنونًا على من يحب، رجل لا يخاف أحد ولا يهاب أحد.
تحدثت هالة في سرها، قالت:
"يا ريت الله يبعث لي زوجًا مثل يحيى".
عادت إلى أرض الواقع ثم نفضت تلك الأفكار من عقلها وذهبت ركضًا إلى داخل أحد الغرف. ذهب يحيى ركضًا للخارج وهو يوبخ نفسه على تلك المشاعر وتلك الأحاسيس التي أصبح يشعر بها كل ما التقى بهالة،
وكان هالة من السحر تصيبه، فلم يعد يشعر بشيء في هذا الكوكب غيرها هي.
ووويتبع
للجميع@
تذكر اللحظة التي قدم فيها هدية بسيطة لكن جميلة من الفضة إلى نور، حبيبته التي كانت تملأ حياته بالفرح والبهجة. نظر إليها بعيون عاشقة مجنونة، وتحدث بصوت عاشق متيم:فقال
"دي هدية بسيطة لأحلى نور في حياتي".
لكن نور نظرت إلى الهدية بتكبر، وردت ببرود: فقالت
"إيه دا يا عامر؟ مش أنا قولت لك عاوزة سلسلة
دهب؟ جايب لي فضة؟ اعمل بيها
كسرة نور قلب عامر بتلك الكلمات السامة"دون أي شعور
حزن عامر من حديث نور لقد أستمر شهور وهو
يقوم بتجهيز تلك الهدية فلقد جعل عامر أحد
الحرفيين في هذا المجال يصنع تلك الهدية التي
رغم من بسطتها كانت انيقه جدا ولديها تصميم خاص ومميز
تحدث عامر بصوت حزين: فقال
"نور، في إيه؟ مش ملاحظة طريقتك في الكلام
معايا بقت عاملة إزاي؟"
لكن نور لم تراعي مشاعر عامر، وتحدثت بغضب غير مبرر: وقالت
"هو أنا طلبت منك إيه؟ لكل الزعل ده غير سلسلة دهب؟ أمال لو كنت طلبت منك ألماظ كنت عملت إيه؟"
شعر عامر باليأس، فهو لم يكن لديه المال الكافي
لشراء الهدايا الغالية التي تطلبها نور. قال بصوت متألم
: "نور، أنتي عارفة لو معايا فلوس كنت جبت لك الدنيا بحالها. بس أنتي عارفة إني لسه محامي تحت التدريب".
عاد عامر من ذكريات الماضي الاليم
، لم يعد يتحمل. كان يشعر بالاختناق وكأنه قد اختفى الأكسجين من الحياة. خرج عامر من تلك السيارة وهو يحاول أن يتنفس، ولكن دون جدوى، فكان يشعر وكأن أحدهم يقوم بخنقه. شعر بالألم في قلبه الذي يدق بصوت عالٍي، وضع يده فوق قلبه الذي يشعر بالألم على يد من يحب.
لقد قام هذا الحبيب بتكسير هذا القلب إلى قطع صغيرة مثل قطع الزجاج التي لم تعد تصلح مرة أخرى. فاضت الدموع من عيني عامر، حاول كبحها وحبسها، ولكن لم يستطع. استغل عامر عدم وجود أحد في هذا المكان وصرخ صرخات مليئة بالأوجاع والألم، الألم عاشق قد ضاق مرارة الفراق والخيانة.
صرخ بصوت يحمل مرارة الغدر وهجر الأحباب، صرخ على قلب قد مات منذ الزمن بعد هجر الأحباب. قال عامر وهو يتألم، ينادي باسمها مثل مجنون ليلى: "
نور، راجعة تاني ليه؟ عاوزة مني إيه تاني؟ مش خلاص سبتني علشان تتجوزي واحد معاه فلوس كتير، علشان يعيشك في قصر كبير ويجيب لك كل حاجة ماركات، عشان تبقى أحسن من كل البنات؟"
ضرب عامر فوق موضع قلبه الذي يدق عند سماع اسمها، وكأنه عاد عاشقًا مجنونًا بها. ضرب عامر غضبًا وقهرًا، ثم تحدث بغضب: فقال
"بدق ليه؟ مفيش عندك كرامة؟ كفاية زل."
لم يستطع الوقوف، وكأن قدميه لم تعد تحمله، جلس أرضًا وبكى قهرًا، واه من قهر رجل، قد غدر به الزمان وجعله أسيرًا في عشق امرأة لا تقدر هذا العشق.
***********************
ان عنها ف
كانت تجلس تلك المذنبة التي أجرمت وأخطأت في حق من تحب، تحتضن تلك الوسادة التي أصبحت شاهدًا على دموع الندم التي تتدفق من عينيها مثل ينبوع لا ينضب، تحرق وجنتيها وتغسل قلبها بالأسى. تبكي بحرقة، كأن روحها تئن تحت وطأة الندم، وتتقطع أوصالها من شدة الحسرة. كل دمعة تنهمر من عينيها تحمل معها جزءًا من ألمها، وكل صرخة تخرج من بين شفتيها تعبر عن حجم الندم الذي يلازمها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة حين تذكرت أول لقاء بينها وبين حبيب لن يحبها أحد بهذا الكون مثل حبه لها.
عادت إلى الماضي حتي تتذكر تلك اللحظات التي لن تعود
عوده للماضي
، كانت تجلس تلك الجميلة في إحدى المواصلات العامة. كان الجو ربيعًا، مع نسمات هواء خفيفة تحمل رائحة الورود والزهور، فتنفست بعمق وأغمضت عينيها. كانت نسمات الهواء تداعب تلك العيون التي تشبه القهوة، تحاول أن تأخذها في نوم عميق. حاولت تلك الجميلة ألا تذهب في نوم، ولكن لم تستطع المقاومة وذهبت في النوم ولم تعد تشعر بشيء.
كان يجلس بجانبها ذلك الشاب الذي كان منشغلًا في هاتفه، يتصفح الإنترنت بلا هدف. لكنه شعر بشيء فوق كتفيه، فنظر ووجد تلك الفتاة تنام براحة كبيرة على كتفه، ثم قامت باحتضان ذراعه بقوة. سحر هذا الشاب من ملامح تلك الفتاة التي كان لديها قدر كبير من الجمال، فتأملها بعمق. كان سوف يذهب في عالم خاص، ولكن نظرات الناس الغاضبة في تلك المواصلات العامة جعلت عامر يعود إلى أرض الواقع.
تحدث عامر بصوت منخفض حتى يوقظ تلك الفتاة من النوم، فقال
: "يا آنسة، لو سمحتي. يا أستاذة، يا رب ما تكوني مدام."
تحدثت إحدى السيدات بصوت غاضب وقالت:
ايه"قلة أدب.
" رد عليها امرأة فقال
: "شباب آخر زمن يا أختي."
شارك في الحديث أحد الرجال ذوي الشعر الأبيض فقال: "
ده احنا ما كناش شباب على كده. إيه قلة الأدب دي؟"
لاحظ عامر أن غضب الناس بدأ يزداد، فمد إصبعه حتى يقوم بإيقاظ تلك الفتاة قبل أن تقوم الناس بضربهم. استيقظت تلك الجميلة من نومها وهي مبتسمة، ومددت يديها في حركة مطولة لتمديد بعد نوم عميق. في لحظة، تحولت ملامح تلك الفتاة وصرخت حين أدركت أن من قام بلمسها في ذراعها هو عامر
. صور لها الشيطان أنه كان يتحرش بها. صرخت تلك الفتاة وقالت بغضب:
"أنت بتتحرش بيا؟ قليل الأدب!"
غضب عامر من تلك التهمة البشعة التي وجهتها له تلك الفتاة، فقال:
"استغفر الله العظيم يا آنسة.
" لم تسمح له تلك الفتاة أن يستكمل حديثه، فردت بغضب أكبر وقالت
: بتستغفر "ربنا دلوقتي؟ دا أنا هوديك في 60 داهية يا متحرش!"
ردت إحدى السيدات فقالت:
"هو في إيه يا حبيبتي؟ ده أنتي اللي ليكي ساعة نايمة في حضن الراجل وماسكة فيه مش عايزة تسيبيه، هو يا عين أمه بيحاول يصحيك؟"
ردت امرأة أخرى فقالت: "
فضحتونا يا أختي قدام الأجانب، عيب الراجل ضيف في بلدنا."
نظرت نور لعامر فوجدته شابًا عيونه زرقاء وشعره أشقر وبشرته فاتحة بعض الشيء، فوجدت أنه يحمل قدرًا كبيرًا من الوسامة.
رد رجل آخر وقال: "
هي السياحة اضطربت من شوية."
وقف السائق حين وجد أن الحوار يشتد، فركضت نور هاربة من هذا الموقف المخجل
. ركض عامر خلفها وهو ينادي عليها ويقول:
"أنتِي يا أستاذة، اوقفي عندك."
وقفت نور وهي تشعر بالخجل والخوف من عامر. تحدث عامر وهو يرسم ابتسامة واسعة على شفتيه فقال: "
عامر مهران." نظرت له نور بعدم فهم، فمد عامر يده لها وهو يقول:
"اسمي عامر مهران، وأنتِي؟"
صمطت نور، فقال عامر بمزح:
"ايه اسمك متحرشة؟"
نظرت له بغضب، فضحك عامر ضحكًا ساحرًا بصوت مرتفع جعل نور تتحدث دون أن تشعر، هي تنظر له بإعجاب. فقالت
نور... نظر لها عامر بعيونه الزرقاء التي تلمع بلمعة عشق من أول نظرة لتلك السمراء الجميلة. فرد بصوت هايم مسحور وقال:
"أكيد نور ، الجمال دا كلّه لازم يكون نور."
أعادت نور للحاضر بندم وحسرة لم يعد ينفع .
***********************
دائمًا قلب الأم هو أول ما يشعر بحال الأبناء. كان قلب مديحة يخبرها أن ابنها ليس بخير. ازداد القلق في قلب مديحة على عامر، فقد حل المساء ولم يعد عامر منذ الصباح. تمشي مديحة داخل المنزل ذهابًا وإيابًا وهي تموت من الخوف والتوتر على أن يكون أصاب ابنها مكروه. فاستغل الشيطان خوف الأم على ابنها ووسوس لها بالفكرة السوداء التي كانت سوف تصيب مديحة بأزمة قلبية.
كانت مديحة تمسك بالهاتف وتقوم بالاتصال على عامر للمرة المليون، ولكن لا يرد. قامت مديحة بالاتصال على كل من يحيى وعمر للمرة المئة، ولكن كانت الإجابة مثل كل مرة، لا أحد يجيب منهم
. دق جرس الباب، فركضت مديحة. تحدث وهي تفتح الباب وتقول: "يا روحي
." تحول وجه مديحة للون الوردي من الخجل، فكان الطارق على الباب هو الدكتور أحمد.
صمت أحمد وشعر بالارتباك. تنحنح أحمد أكثر من مرة وهو يحاول التحدث. قال أحمد وهو مازال يشعر بالارتباك
: "مساء الخير يا أم عامر." بكت مديحة ولم تستطع التماسك وانهارت في بكاء مرير حين ذكر أحمد اسم ابنها. سقطت مديحة مغميًا عليها، ولكن استطاع إنقاذها أحمد قبل أن تسقط أرضًا. قام أحمد بحملها وأدخلها للداخل وهو ينادي بصوت عالٍي على مريم التي لم تخرج من غرفتها من الصباح.
استمعت مريم لصوت والدها، خرجت من الغرفة ثم من باب المنزل. استمعت للصوت وجدت أنه يأتي من منزل مديحة الذي كان مفتوح بابها، فدخلت مريم. صدمت مريم حين وجدت مديحة مغمى عليها. تحدث أحمد مع ابنته بصوت مرتفع نابع من القلق وقال:
"أنتِي هتفضلي واقفة، أتحركي شوفي أي حاجة تخليها تفوق."
ركضت مريم في اتجاه غرفة مديحة ثوانٍ وخرجت وهي تحمل في يدها أحد الزجاجات العطرية.
آخذ أحمد الزجاجة من مريم وقام بتقريب العطر من أنف مديحة. فقط استنشقت مديحة العطر وهي تقول:
"عامر ابني.
" ثم دخلت في هستيريا بكاء من جديد. اقتربت مريم من مديحة فقامت باحتضانها وهي تبكي معها دون أن تفهم شيئًا. حاول أحمد تهدئة الاثنين، ثم حاول أن يفهم من مديحة ماذا يجري. شرحت له مديحة عن اختفاء عامر منذ الصباح وعدم إجابته على الهاتف هو وكلا من عمر ويحيى
.وقفت مديحة فجأة وهي تصر على أن تذهب وتبحث عن ابنها. اعترض أحمد على خروج مديحة في هذا الوقت وعرض عليها أن يذهب هو يبحث عن عامر. وافقت مديحة مع إصرار أحمد ومريم على عدم خروجها. خرج أحمد وركب السيارة، ثم حاول الاتصال على كل من عمر ويحيى، ولكن لم يجب أحد. فقام بالاتصال بأحدهم الذي أجابت بعد فترة. ردت نور وقالت
: "الو يا خالو."
تحدث أحمد على الجانب الآخر فقال
نور تعرفي عامر ممكن يكون فين؟
" شعرت نور بالخوف على عامر وتحدثت بصوت يملأه الرعب واللهفة فقالت:
"ماله عامر يا خالو؟ حصل حاجة؟ طمني يا خالو والنبي.
" تحدث أحمد وشرح كل شيء لنور.
بكت نور علمت أنها سبب في اختفاء عامر.
تحدثت نور وشرحت لأحمد الأماكن التي يمكن أن يكون فيها عامر، ثم غلقت الهاتف وقامت بتغيير ثيابها لثياب مناسبة للخروج وذهبت حتى تبحث عن عامر بنفسها.
********************
كانت هالة تقف في شرفة المنزل، وضربات قلبها تزداد كلما زاد مرور الوقت. لقد حل المساء، ولم يعد أحد منهم. نظرت هالة لأمها التي ذهبت في نوم عميق، وكانت تشعر بالذنب لأنها كذبت عليها وقالت لها إن يحيى وعمر بخير ويجلسون سويًا. حتى لا تشعر بقلق قامت بالاتصال للمرة المئة على ابن عمها وشقيقها، ولكن دون جدوى. لم تعد هالة تستطيع الجلوس في المنزل، قررت أن تذهب وتبحث عنهم، حتى إن بحثت في كل طرقات تلك المدينة ولو دقت جميع منازلها بحثًا عنهم. فلن تبقى تنتظر في المنزل، فالانتظار مثل الجحيم على قلبها الذي يملأه القلق.
كانت هالة على وشك الخروج من المنزل لكن عندما نظرت من الشرفة مر اخر رأت عمر ويحيى ينزلان من إحدى السيارات. تنفست هالة بعمق وحمدت الله أنهما بخير، ولكن نظرت جيدا
وجدت أن من تقود السيارة فتاة. اقتربت هالة أكثر من الشرفة وهي تنظر، وشعرت بالغضب الشديد وهي ترى تلك الفتاة تتحدث مع يحيى وهي تقترب منه بشكل كبير. قررت هالة أن تنزل وتجلب تلك الفتاة من خصلاتها ثم تقوم بضربها، ابتسمت هالة ابتسامة شريرة وهي تتخيل ماذا سوف تفعل بتلك الفتاة. ولكن بعد ثوانٍ، تراجعت عن أفكارها الشريرة وهي لا تفهم لماذا تنزعج إذا اقتربت تلك الفتاة من ابن عمها.
ركضت هالة عندما رأت شقيقها يدخل المنزل، وتحدثت بصوت يملأه القلق والحب لشقيقها، وقالت:
"عمر، أنتو كنتو فين؟ دا كله حرام عليكم، دا أنا كنت هموت من الرعب عليكم
". قام عمر باحتضانها بحنان، وضمته هالة بقوة وهو يحتضنها. تحدث بعد ما ابتعد قليلًا عنها فقال
: "هالة، احنا لازم نمشي من هنا"
. دق الخوف في قلب هالة، وتحول وجهها إلى اللون الأصفر. لاحظ عمر: الخوف علي وجها فتحدث وهو يحاول ان يا شعرها بالامان فقال
"حبيبتي، ما تخافيش، احنا مش راجعين الصعيد، احنا بس هنروح البيت عندي، يلا لمّي كل حاجة، وأنا هروح أصحي أمك".
قامت هالة بجمع كل أغراضهم مع عمر، ثم نزل الجميع. كان يحيى ينتظرهم في السيارة، فركب الجميع وانطلقوا في صمت تام.
**************************
وصل الجميع إلى المنزل، دخلت فاطمة ثم نظرت ليحيى بحزن وقالت بعتاب:
"كده يا يحيى تعمل في ولد عمك كده؟"
كانت تتحدث وهي تضع يدها فوق تلك الكدمات التي تملأ وجه عمر، ودمعت عيناها من شدة القلق على ابنها. نظر يحيى بعتب المحبة وقال:
"بس يا بطه، علشان أنا زعلان منك، بتخبي عليا يا بطه"
. ثم قام برفع يده في اتجاه عمر وقال
: "مش أنتي على طول كنت بتقولي أني أنا عندك زي الجزمة ده؟"
رد عمر بغضب: فقال
"ما كفاية يا عم يحيى، هو هيبقى ضرب وتهزيق".
قام يحيى بضرب عمر في قدميه ضربة خفيفة، فابتسم عمر رغمًا عنه.
تحدثت فاطمة من قلبها بصدق وهي تقبل رأس يحيى وتقول له:
"حقك عليا يا ولدي، والله يا يحيى أنت عندي زي عيال عمك، غلاوتك في قلبي من غلاوتهم يا ولدي"
. ثم دمعت عيونها وقالت:
"بس عمك وجدك استقوى عليا علشان عارفين إني مبقاش ليا ضهر من ساعة ما قطعت أهلي".
ضم يحيى يد زوجة عمه بحنان الأبن وقال بجدية:
"اسمعي يا مرات عمي، أوعي إسمعك تقولي كده تاني، أنتي عندك تلت رجالة، لو عمر ونوار ما عرفوش يوقفوا في وش جدي ، وعمي أنا اللي هقف لهم
وهجبلك حقك لغايه عندك"
. ثم تحدث بمزح فقال:
"وبعدين ايه جو الأكشن والمغامرات والهروب ده، شكلك كنت شقية في زمانك يا بطه"
. شارك عمر المزح مع يحيى وهو يغمز لأمه ويقول:
"بطه دي شقاوة قديمة، هو في أحد عرف يوقع جابر العامري غير شقاوة بطه
". ضحكت فاطمة على حديث يحيى وعمر، ومسحت دموعها بيدها.
في هذه اللحظة، شعر الجميع بالدفء والطمأنينة، فكل
منهم يعرف مكانته في قلب الآخر. كان يحيى يبتسم لزوجة عمه، وعمر كان ينظر إلى يحيى بامتنان، وفاطمة كانت تشعر بالراحة وهي بين أبنائها. كان الجو مليئًا بالحب والمودة، وكان كل شيء يبدو أنه سيكون على ما يرام.
ولكن كان هناك شخص واحد لا يشارك في تلك
اللحظات الجميلة التي ملأت بحب العائلة
ذهبت فاطمة للداخل هي وعمر لتتولى العناية بتلك الكدمات التي تملأ وجهه.
نظر يحيى إلى هالة التي لم تشارك في الحديث بكلمة واحدة، ووجدها تجلس بصمت، عيناها تنظران إلى الفراغ، وكأنها في عالم آخر. كانت أنفاسها هادئة، ولكنها غير منتظمة، وكأنها تحاول أن تخفي خوفها. تبدو وكأنها فقدت الأمل، وفقدت القدرة على المقاومة.
تحدث يحيى فقال:
"إيه يا أم لسان طويل، مين قص لسانك؟ وبعدين فين مخالبك اللي كنت بتهجمي بيها على أي حد ياجي عليك وعلى حقك؟ إيه بقيت ضعيفة مستنية أحد يجيب لك حقك؟ ولا صح دا أنتي بقيت جبانه وكنت هتهربي؟
" كان يعلم أن تلك الطريقة هي الوحيدة التي سوف تجعل تلك الشرسة تعود إلى طبيعتها، فلا يليق بسليطة اللسان أن تكون بهذا الضعف. وها هي قد نجحت تلك الطريقة، وعادت تلك الشرسة مرة أخرى، ولكن تلك المرة أكثر شراسة.
تحدثت هالة بغضب وغرور وهي تقف في وجه يحيى بقوة وشراسة، فقالت:
"أنا مش جبانه يا يحيى، ومش خايفة من حد حتى لو كان كبير عيلة العامري. وحقي هاخده من الكل".
كان قلب يحيى يرقص بسعادة من أجل نجاح خطته وعودة تلك الشرسة مرة أخرى. نظر يحيى في عيون هالة وقال:
"يعني لما بكره جدك وأبوك أو نوار يجوا هنا، مش هتخافي منهم؟"
صمتت هالة وشعرت بالخوف، وكانت شجاعتها سوف تهرب منها، ولكن ثوانٍ ونفضت هذا الخوف عنها وتحدثت باصرار وعزيمة وقالت وهي تنظر في عيون يحيى:
"هم الي المفروض يخافوا مني ؛ مش أناصاحبة الحق وصاحب الحق قوي يا ابن العامري"
. لم يرد عليها يحيى، فكان غارقًا في تلك العيون السود التي لديها لمعة خاصة تشبه لمعة النجوم في سماء صافية.
ذهب يحيى ولم يعد في هذا الكوكب، ذهب الي كوكب العشق الذي اطلق سهامه وأصاب قلبي يحيى دون رحمة أو شفقة. لم تكن هالة في حال أفضل منه، لقد أصابها أيضًا سهم العشق. نظرت هالة في ملامح يحيى، فلو مرة ترى أن ابن عمها يمتلك هذا القدر من الوسامة، ليس وسامة فقط، بل يمتلك قلبًا شجاعًا يستطيع الوقوف في وجه الجميع، وقلبًا حنونًا على من يحب، رجل لا يخاف أحد ولا يهاب أحد.
تحدثت هالة في سرها، قالت:
"يا ريت الله يبعث لي زوجًا مثل يحيى".
عادت إلى أرض الواقع ثم نفضت تلك الأفكار من عقلها وذهبت ركضًا إلى داخل أحد الغرف. ذهب يحيى ركضًا للخارج وهو يوبخ نفسه على تلك المشاعر وتلك الأحاسيس التي أصبح يشعر بها كل ما التقى بهالة،
وكان هالة من السحر تصيبه، فلم يعد يشعر بشيء في هذا الكوكب غيرها هي.
ووويتبع