رواية نضجت عشقا الفصل الثامن عشر 18 بقلم اسماء مجدي
داخل منزل حمزاوي وآمنة:-
تجلس حفصة اعلي الفراش بجوار خديجة التي تود من يستمع إلي صوت البكاء بداخلها وليس بخارجها فقط...
تشعر وكان الندم الذي يحالفها ليس له نهاية كـ الكون .. تحتضنها حفصة بحنان بالغ تربت اعلي كتفها في هدوء بعد استماعها لما مرت به شقيقتها من ظلم وقهر بجانب ما يُدعي زوجها.....
حفصة بقلب يتمزق إربا علي حزن شقيقتها :
كفاية بقي يا خديجة ... حرام عليكي نفسك ... حاولي تنسي اللي فات.. اللي فات عمره ما هيرجع تاني ولو رجع مش هيكون بنفس احساس ووجع اول مرة ...بالعكس انتي هتكوني قادرة تواجهيه لانك المفروض تكوني بقيتي اقوي من الاول .. واديكي اتعلمتي من غلطتك .. بصي لنفسك ولبناتك ..متخليش حاجة تضعفك ..
خديجة بضياع وكانها بلا روح متشبثة بحفصة :
عارفة يا حفصة ..كل الوجع اللي انا شفته مكانش بس وجع في جسمي .. لا كل اللي كان بيحصل كان بياخد من روحي ..مكانش وجع سهل بالنسبالي .. وجعي كان شبه بركان بينفجر من جوف الارض ...كنت عاملة زي الرماد المحروق اللي ملوش وزن ولا قيمة من خفته....
حفصة بدمع يلتمع حزناً علي شقيقتها ممسكة بوجهها بين راحة يديها :
خديجة انتي مكنتيش كدة... ازاي بقيتي بالضعف ده ؟!
خديجة بنبرة نادمة :
عشان مكنتوش جنبي ....أو بالاصح انا السبب في انكوا متكونوش جمبي....
بكت حفصة بعد ان انهارت حصونها في التخفيف عن شقيقتها ... تحتضنها في حزن جم ...شعرت حفصة بجبال من الالم تعتلي صدرها بمجرد استماعها الي عناء شقيقتها فيما عايشته... فما حال شقيقتها التي اصابت الخيبات عمق وريدها ... وتوالت مواسم صقيع الخوف علي قلبها ....
استرسلت خديجة حديثها بفراغ داخلها :
انا حاسة يا حفصة اني زي التلجاية اللي نفسها تقعد في الشمس ....
حفصة بهدوء بعد أزاحت دموعها كي تزيل الحزن من داخلها :
التلجاية ديه اصلها مية عادي ... وانتي نفسك ترجعي لطبيعتك تاني .. وعشان ترجعي لطبيعتك تاني لازم تقعدي في الشمس ....
خديجة بخوف ظاهر بنبرتها :
بس انا خايفة يا حفصة ... خايفة اقعد في الشمس لاحسن اتحرق من غير مرجع لطبيعتي زي الاول ...
حفصة بحكمة :
الخوف ده احنا مولودين بيه.... وضروري يكون موجود عشان نقدر نعيش ... لانك لو مش هتخافي مش هتقدري تتحركي وبالتالي مش هتقدري تعيشي..
خديجة بياس :
بس الخوف ده ممكن يزيد لدرجة إنه يشل حركتي ....
حفصة بتعقل كي تبث الامل والتفاؤل بداخل خديجة:
ساعتها يبقي تواجهي خوفك ومتهربيش منه ... في اللحظة اللي انتي فكرتي فيها تهربي انتي وبناتك وتيجوا علي هنا ..هي نفس اللحظة اللي المفروض تكوني فكرتي فيها في نفسك وفي بناتك وانكوا هتعيشوا مرتاحين ..... بس صدقيني يا خديجة لو فضلتي كدة عمرك مهترتاحي لا انتي ولا بناتك ....
خديجة بروح خاوية:
مينفعش تقولي لـ غريق في البحر اتنفس انت اقوي من المية ..
حفصة بابتسامة تمسح اعلي وچنتيها :
بس ممكن أمد ايدي وانقذ الغريق ده ....
ثم اكملت حفصة بهدوء :
الحواديت بتخلص يا حفصة ... ويمكن تأثيرها مبيخلص .. بس الاهم من ده كله أنها هتتنسي مع مرور الوقت ..
ابتسمت خديجة براحة بعد حديثها مع شقيقتها .. علي الرغم من وجود الصدمات التي لفحتها وعمق الأثر التي تركته .. ولكن مجرد شعورها بالأمان بجانب عائلتها جعلها تشعر باشياء كثيرة افتقدتها منذ زمن ....
فزعت كل من حفصة و خديجة فور اقتحام تلك المشاكسة الغرفة بقوة كي تمزح معهم ...
حفصة بشهقة :
الله يخربيتك يا نسيبة قطعتيلي الخلف ... انتي يا بنتي مش هتبطلي بقي الحركات ديه ؟! متروحي تذاكري وتشوفي مستقبلك ..
نسيبة بلا مبالاة بعد أن جلست بجوار خديجة :
شوفته ومعجبنيش ... واسكتي بقي الله يسترك بدل ما ماما تسمعك بتجيبي سيرة المذاكرة وتيجي تعملي محاضرة ....
ثم اكملت نسيبة بمزاح لـ خديجة الصامتة :
دلعي الروح قبل متروح يا خوخة....
ابتسمت خديجة في هدوء بينما اردفت حفصة بضيق:
روح ايه اللي تروح !!! فال الله ولا فالك ....ده الملافظ سعد يا ام لسانين ...
نسيبة متأفأفة باغتياظ :
يا دي النيلة علي نسيبة في يوم واحد ... هو انا محدش كدة طايقلي كلمة في البيت ده ...
حفصة بضحكة صاخبة :
في البيت !! ده احنا مش طايقينك في حياتنا كلها ....
نسيبة بضجر :
انا بكلم معاكي ليه اصلا .. انا جاية عشان خوخة حبيتي
ثم وجهت حديثها الي خديجة وكأنها امرأة بالغة:
بصي يا خوختي ..انا مش عايزاكي تشيلي طاجن ستك كدة علي دماغك ... ياما دقت علي الراس طبول .. وطبعاً انتي عارفة لما تدق علي راسك الطبول هتعملي ايه ؟؟
خديجة بتساؤل متعجب :
هعمل ايه يا نسيبة ؟؟!!
نسيبة بجدية ممازحة:
استغلي الفرصة وقومي اتحزمي وارقصي ههههههههههههه
انفجرت خديجة بالضحك وقد نجحت تلك المشاكسة في إعادة ضحكتها الي الحياة بعد كل تلك السنوات....
نسيبة بفخر لـ حفصة :
شوفتي خليتها تضحك ازاي ؟؟ عشان تعرفي بس انكوا متقدروش تستغنوا عني...
حفصة بسعادة بعد ان رات سطوع ابتسامة خديجة كـ سطوع الشمس من مشرقها :
اول مرة تعملي حاجة صح يا بت ....
نسيبة تضرب كفها بتذكر :
يا خبر نسيتوني انا كنت جاية ليه ؟
ثم اكملت موجهة حديثها لـ خديجة :
بابا عايزك يا خديجة ...
وقع الخبر كالصاعقة علي خديجة .. فلم تصدق ما سمعته للتو ... أيعقل ان يكون والدها صفح عنها وعن فعلتها ؟! علي الرغم من سعادتها لمطلب والدها ولكنها تخشي مواجهته .. تتخبط الافكار براسها عن ما يريده ....
افاقت خديجة من شرودها عندما لكزتها حفصة بذراعها تبتسم بسعادة:
ايه يا خديجة مش انا قولتلك بابا طيب ومش هتهوني عليه ابدا .. يلا قومي روحيله ...
ابتسمت خديجة بخفة متجهة بخطواتها حيث غرفة والدها ولكن كانت خطواتها أشبه بخطوات إنسانة فارقت الحياة بروحها و ظلت بجسدها......
اطرقت خديجة عدة طرقات اعلي باب الغرفة في وجل وعندما لم تستمع الي اي رد تقدمت بخطاها الي الداخل حيث رات والدها يجلس اعلي ذلك المقعد المتحرك يُدير
وجهه الي الشرفة .. ولكن برغم عدم نظر حمزاوي إليها ولكنها أبت أن تفعل أي شيئ سوي انكاس راسها بالاسفل
صامتة .نادمة .حزينة . متوجعة . لا شيئ اخر تفعله سوي ذلك لا تعلم هل ماتت كلماتها ام ماتت هي علي قيد الحياة..
أدار حمزاوي وجهه الي من تركته تائهاً مشتتاً لـ أمرها .. غير عابئة بحالته التي ازدادت سوءاً منذ رحيلها .. ذلك الرحيل الذي أشعره بالوحشة والظلمة الحالكة ....
حمزاوي بهدوء ولكن به بعض الامر:
تعالي هنا قربي ...
لبت خديجة نداء والدها متجهة نحوه بخطوات متباطئة حذرة ومازالت تنكس راسها في حزن ....
حمزاوي بغموض بعد أن وثبت خديجة امامه :
وطي وبصيلي ...
امتثلت خديجة لمطلب والدها هابطة بجزعها ولكنها لم تقوي على النظر بعين والدها ...
حمزاوي بحدة طفيفة :
انا مش قولتلك بصيلي ؟!
ارتعشت خديجة فور حدة ابيها تلتمع الدموع بعينيها ولكن بالنهاية رفعت راسها الي الاعلي كي تقابل عين والدها ... تلك الأعين التي تعددت النظرات بداخلها ..فكانت مزيج من الغضب والاشتياق والعتاب واللوم والندم ....
اااااااااه
تلك الصرخة المتالمة التي اندفعت من فم خديجة فور هبوط كف والدها بصفعة مدوية جعلتها تُعاود نظرها الي الاسفل مرة أخري تبكي بحرارة ليس خوفاً ولا ندماً ولكنها تعطي له الحق فيما فعله .....
لم يشعر حمزاوي بنفسه سوي وهو يحتضنها في لهفة أب وحنان سند واحتواء كَتف مردفاً بعشق جارف :
وحشتيني اوي يا خديجة .. وحشتيني اوي يا حبيبت بابا ..
ثم اكمل بلوم وعتاب :
كدة هونت عليكي يا خديجة .. قدرتي تبعدي عن بابا كل الوقت ده ؟؟
بكت خديجة بغزارة كما لم تبكي من قبل لاتفعل شيئ سوي ان تتشبث بوالدها التي افتقدت احتواءه لها وامانه عليها .
خديجة بحزن غائر ومازالت دموعها تأخذ مجري السريان:
انا اسفة يا بابا .. سامحني .. متزعلش مني عشان خاطري ..
ربت حمزاوي اعلي ظهرها في رفق مصحوباً باشتياق يردف بسعادة :
مش زعلان يا حبيتي ... مش زعلان ..
ثم اكمل بالم :
انا لو المفروض ازعل يا خديجة .. يبقي المفروض ازعل عليكي مش منك ..
خديجة بخواء :
انا مخترتش الظروف يا بابا وكمان مخترتش اغيرها ....
حمزاوي بحنان خافت :
شششششششش مش عايز اتكلم في اي حاجة دلوقتي يا خديجة ... عايز اشبع منك وبس ....
ابتسمت خديجة بسعادة غمرتها فور ما تفوه به والدها ... تشعر وكان الحياة قد بدأت إمناحها فرصة أخري كي تغتنم بما افتقدته منذ فعلتها التي بالطبع أثمرت بتجاربها النافعة عليها. ....
**********