📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل الثامن عشر 18 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل الثامن عشر 18 بقلم آية احمد عرفة


18 "الملاذ"

«كنّا ولا نكون،
أحدُنا ظلٌّ لا يَخذل،
والآخر غيمةٌ لا تسمح أن يمسّ احد من نُحب،
نُظلِّلهم… ونحميهم، ولو احترقنا نحن.»
..
..
..
حلَّ الصباح عليهم، وانسدل نورُ الله سبحانه وتعالى على الجميع. فتح عينه، أزاح الغطاء بثقل لينعدل ليجلس، نظر إلى الساعة؛ كانت العاشرة صباحًا. انعدل ليجلس، متأملًا سكنَ التي ما زالت نائمة. نهض بهدوء ليغادر الغرفة، ودلف إلى الحمام.
..
..
..

أما داخل غرفة أخرى، فكانت تجلس وعلامات الغضب تكسو ملامح وجهها بعد أن أفيقت منذ ساعة واكتشفت أنه ليس بجانبها لتعلم أنه قد غفى في غرفته. كان الغيظ يتأكلها من الداخل، تحترق من شدة غضبها. كانت ستذهب إلى الغرفة لتطرق الباب وتفيقه، لكنها تراجعت؛ فقد عادت البارحة فقط ولا تريد افتعال المشاكل معه اليوم، فقررت أن تهدأ وتأخذ هدنة لبضعة أيام، حتى تستعيد ثقته بها قبل أن تهدمها هذه الحية من وجهة نظرها. المريضة، فهي مهما حاول الجميع معها أن تتعظ، لا تريد الإفاقة من هذا الوهم الذي وضعت نفسها بداخله منذ زمن، وأغلقت الباب عليه، فقد أعجبها الوهم، وتريد أن تحيا بداخله.

خرج من الحمام ليدلف إلى غرفة اخواته، فكان عمران يفترش غطاءً صوفيًا على الأرض وقد غفا فوقه.
اقترب منه، ثم مال بجسده إلى الأسفل واضعًا يده على كتفه برفق، قائلًا:
ــ "عمران… عمران."

فتح الآخر عينيه بانزعاج وهو يهتف:
ــ  "في إيه؟"

أردف الآخر:
ــ "قوم يلا، كل جمعة وانت طيب."

فتح مهاب عينيه على إثر صوت أخيه، فاعتدل وهو ينظر إلى الأرض، ليستغرب أن هذا الغريب ينام معهم في الغرفة.
نعم، يطلق عليه الغريب؛ لأنه ما زال غريبًا عليه، فكيف له أن يتقبّل فكرة أن له أخًا… أو بالأصح أخوين؟

فاق من شروده على صوت أخيه براء:
ــ "صباح الخير يا هوبا، صحي حمزة وقوموا يلا، صوت ماما في المطبخ بتحضر الفطار. هروح أصلي الضحى، تكونوا قومتوا."

أومأ لأخيه وهو يفرك عينيه، ثم نهض هاتفًا:
ــ "حمزة قوم يلا، ولا عشان مفيش كلية هتقضيها نوم؟"

اعتدل الآخر وهو يهتف بسخرية:
ــ "لا يا لمض، عشان نايمين الفجر ولا مش واخد بالك؟"

اغتاظ من سخريته، فهتف بتهكم:
ــ "اممم… تحب المسك دلوقتي يعني؟"

كاد أن يرد بغضب، لكنه سبقه هاتفًا:
ــ "هنادي لك براء، عارف إنك هتقول كده… عيب عليك يا حموزتي."

امتعض وجه الآخر من نطقه لاسمه بهذه الطريقة، ثم نهض قائلًا بضيق وهو يلتقط المنشفة دون أن ينظر إليه، ويتبع سيره:
ــ "اسمي حمزة."

هتف الآخر:
ــ "أنا غلطان بقول لك ياء الملكية."

هتف وهو يغادر الغرفة:
ــ "ابقى قولها لمراتك."

ضحك بصخبٍ على حديث أخيه صاحب الفلسفة مثل ما يطلق عليه، فقد تحسَّن كثيرًا، وبات يُقصف الجبهات أيضًا.
..
..
..
دلف إلى الغرفة، ليتفاجأ بهند تقف مغتاظة. اقتربت منه بحنق قائلة:
ــ «استنتك كتير امبارح ومجتش».

هتف بهدوء وهو يتخطّاها:
ــ «فضلت مع عمران لبعد الفجر وبعد كده محبتش أقلقك».

توقفت أمامه قائلة:
ــ «محبتش تقلقني ولا روحت لسكن؟».

زفر بضيق، وكاد أن يتحدث، لكنها قاطعته مسرعة خشية أن يغضب:
«براء، مش قصدي… عارفة إنها مراتك وأنا كمان مراتك برضه، بقالى يومين مش في البيت، أنا مش وحشتك؟ معقول؟».

هتف بهدوء وهو يتخطّاها مرة أخرى:
ــ «لا، عشان كل ما تيجي على بالي أفتكر إن فريدة كانت في خطر بسببك».

ثم جلس على السرير. توقفت أمامه وقالت:
ــ «عندك حق، اللي عملته غلط كبير أوي… بس إنت سامحتني، صح؟».

أومأ على مضض وهو يمسك بالمسبحة، ثم هتف:
ــ «يلا البسي عشان نطلع».

أومأت، ثم هتفت بفضول:
ــ «هو عمران ده صحيح أخوك بجد؟».

نظر إليها بعدم تصديق وقال:
ــ «أمال كده وكده؟».

ثم أضاف:
ــ «آه، أخويا بجد… بعدين هتفهمي».

تركها وغادر الغرفة، وفي اللحظة ذاتها خرجت سكن من الغرفة المقابلة، فتوتّرت حين شاهدته يخرج من غرفة زوجته.

كادت تتابع سيرها، لكنه أمسك بذراعها برفق قائلاً:
ــ «صباح الخير».

أردفت بخفوت:
ــ «صباح النور».
ثم تابعت:
ــ «أنا كنت صحيت بس صليت الضحى، هروح أشوف طنط بتعمل إيه في المطبخ… عن إذنك».

قالت ذلك ومضت كأنها تتقصد الهروب منه. تنهد وهو يتبع أثرها هاتفًا بضيق:
ــ «عن إذنك … آه منك يا سكن، أنا نفسي مش لاقي إجابة صريحة عشان أفهم ليه عملت كده واتجوزتك، أو لقيت بس مش عاوز أعترف».
1

غريبٌ هذا القلب؛ يكون الحبيب أمامه، ومع ذلك يحاول أن يظل صامتًا، وهي الأخرى تنتظر منه أن يتحدث عمّا بداخله. كلٌّ منهما ينتظر الآخر إن يبادر، ولا أحد يعرف من سيبادر بالبوح عمّا يخفيه قلباهما.
..
..
..
دلف إلى المطبخ بعدما بدّل ثيابه، فوقع بصره عليها وهي تقف أمام الطاسة؛ تقلب الفول بعينٍ، وتتابع تحمير البطاطس بالأخرى.
هتف بمزاح وهو يقترب منها:
ــ "ريحة الأكل المصري تحفة ياااه… أخيرًا هاكل من إيدِك يا ستّ الكل."

التقط يدها، وطبع قبلةً على باطن كفّها، فمسحت بحنوٍّ على شعره قائلة:
ــ "آه يا عمران… كبرت بعيد عن عيني، وانت غلاوتك عندي من غلاوة براء بالظبط."

استقام بجذعه وهو يهتف بتأكيد:
ــ "أكيد عارف طبعًا."

ثم تابع بحزنٍ خافت:
ــ "ضاع مني عشرين سنة … عشت ضايع لوحدي هناك، لغاية امبارح بس اكتشفت إني مش ضيعت لوحدي يا أمي."


تنهدت وهي تلتقط أحد الأطباق، تغرف فيه الفول، ثم قالت:
ــ "اللي ضاع يتعوّض، أهم حاجة إنك رجعت، وكله يتعوض يا عمران. بلاش يا ابني تشيل نفسك همّ، كفاية عليك همّ عشرين سنة فاتوا وانت بعيد وعايش لوحدك."

وضعت الطبق على الرخامة، ونظرت إليه بعينٍ مثقلة بالحنين:
ــ "وانت فضلت في الوحدة دي عشرين سنة، الله وحده أعلم عشتهم إزاي، وكام غلطة عملتها، عشتهم صح ولا لأ… بس خلّينا في دلوقتي، قرب من إخواتك يا عمران."

كاد أن يرد، لتدلف سكن قائلة:
ــ "السلام عليكم."

خفض نظره وقال بهدوء:
ــ "وعليكم السلام… عن إذنكم."

ترك لهما المساحة بعد دخول زوجة أخيه، وخرج متجهًا إلى الغرفة.
دلف فوجد حمزة واقفًا أمام المرآة يزرّر قميصه، فهتف:
ــ "أمال فين مهاب؟"

أردف الآخر وهو يتابع ما يفعله:
ــ "راح يجيب طعمية من عند عم بشير."

أومأ عمران، وكاد أن يجلس على السرير، فأوقفه صوت حمزة الذي التفت إليه وهتف بذعر:
ــ "لا لا، ابعد!"

ابتعد عمران خطوةً، ليتابع حمزة بضيق وهو يشير بإصبعه محذرًا:
ــ "سريري محدش يقعد عليه، براء نفسه مش بيقعد، مش تيجي جنبه لو سمحت."

دلف براء في تلك اللحظة وهو يطالعهم باستغراب، ونظر إلى حمزة قائلًا:
ــ "في إيه؟"

كاد أن يتحدث، لكن عمران سبقه مبررًا:
ــ "مفيش، حمزة اتعصب بس عشان كنت هقعد على سريره… نسيت إنك قولتلي امبارح إنه مش بيحب كده."

ليغادر عمران الغرفة، نظر براء إلى حمزة، سار ليكون أمامه، أردف بهدوء:
ــ "حمزة، أنا مقدر إنك مش بتحب كده، بس في نفس الوقت مش لازم تنسى عمران، أخوك الكبير، زيي بالنسبالك."

هتف حمزة بضيق وهو يزوغ بعيناه:
ــ "لا لا، إنت حاجة، وهو حاجة تانية خالص."

أومأ براء بتفهم، فهو يعلم أن حمزة يحتاج بعض الوقت ليتأقلم، ثم هتف أخيرًا:
ــ "طب يلا، كمل لبسك وتعالا عشان تفطر."

أومأ له الآخر ليغادر، ونظر براء إلى الذي يجلس على الأريكة يعبث بالهاتف، جلس بجواره متسائلًا:
ــ "في حاجة؟"

أغلق الآخر الهاتف، ونظر إليه نافياً:
ــ "لا مفيش."

وضع براء يده على ساقه قائلاً برفق:
ــ "مش تزعل من حمزة، بكرة تتعود على أسلوبه."

تنهد عمران بضيق:
ــ "أنا زعلان من نفسي. رجعت الحق اللي فاضل مني يا براء، بس شكل مفيش حاجة فاضلة. حتى مهاب بيبص لي كأني عدوه، حمزة مش طايق كلمة مني، عمار مدمن، أميرة بتكلمني بكسوف كأني غريب عنها… مفيش حاجة ماشية صح أبدا."

ابتسم براء بخفوت على تذكره، ثم هتف:
ــ "لسه زي ما انت خلقك ضيق ومعندكش صبر.

ثم تابع:
"الصبر يا غيمة… اهدا وخد نفس. موضوع عمار مش محتاج تفكير، يبطل. طبعا إحنا نساعده لو هو ضاع، أنا وإنت موجودين بأيدينا، نرجعه لينا وندله على الطريق الصحيح. أما مهاب وحمزة، مقدور عليهم، وأمرهم سهل. بكرة يتعدوا عليك وتبقى أغلى عندهم مني، بس انت اللي مستعجل."

ابتسم عمران ساخراً بعد أن انتهى من حديثه، ثم تنهد وهو يهتف:
ــ "أوصل بس لغلاوتك، وهبوس إيدي وش وظهر."

ضحك براء بصخب على تذمره الذي لا يلين مهما فعل، فهذا هو عمران، أخوه "الغيمة" التي من الصعب إقناعها بما يريد، ولا يروق لها التحلي بالصبر.

بعدها أتى مهاب ومعه الطعمية الساخنة، وأخرجت سكن ووالدته الأطباق من المطبخ وقاموا برصها على الطاولة. لتخرج هند أيضًا وتجلس معهم، ليجتمعوا في جو عائلي دافئ، يوم يبدوا عاديا داخل بيوت مصرية يُعاش في الصباح بين العائلات.
..
..
..
في أحد أحياء الزمالك الراقية، وداخل أحد الطوابق التي تسكنها عائلة آل نصّار، كان أيوب يجلس في غرفته غاضبًا منذ أن سمع ذلك الخبر. لم يكن يعلم ما الذي عليه فعله الآن، ولا من يكون ذلك الرجل المسمّى عمران الزيني الذي ظهر في حياته من العدم.

ها هو يجلس مترقّبًا مجيء صديقه، بعدما أخبره أنه سيجلب له كل المعلومات المتعلّقة بذلك الاسم. كان ينتظر على أحرّ من الجمر، والقلق ينهش صدره بصمت.

دلفت والدته إلى الغرفة، ورمقته بشيء من الريبة، قائلة:
ــ "مالك يا أيوب؟ فيك إيه؟"

ثم تابعت باستغراب:
ــ "ده حتى النهارده يوم إجازتك، وصاحي من بدري ومش عاوز تفطر!"

هتف على مضض:
ــ "مفيش… دماغي مشغولة شوية يا أمي."

كادت أن تتابع حديثها، لكن استمع إلى صوت جرس الباب، فنهض مسرعًا وهو يهتف:
ــ "ده أكيد علي."

غادر الغرفة متجهًا نحو الباب، وما إن فتحه حتى ولج علي إلى الداخل:
ــ "السلام عليكم."

أجابه أيوب وهو يغلق الباب خلفه:
ــ "وعليكم السلام، اتفضل."

أشار له بيده ليسير بجواره، ودلفا إلى الغرفة، فالتفت أيوب نحو والدته قائلًا:
ــ "معلش يا ماما، أشوف علي وبعدين نتكلم."

أومأت له بهدوء وغادرت، فأغلق الباب خلفها، ثم جلس قبالة صديقه، يرمقه بتساؤل مشوب بالغضب: ـــ "عرفت هو مين؟"

ثم تابع بنبرة متوعدة:
ـــ "يومه معايا أسود… مش أيوب نصّار اللي يتعمل معاه كده!"
1

تنفّس علي بعمق، محاولًا تهدئة صديقه. فهو قد علم من يكون عمران، ويُدرك حجم الهاوية التي يقف أيوب على حافتها… بينما الأخير ما زال يجهل أي طريق مظلم أوشك أن يُفتح أمامه.

تنهد قبل أن يلقي هذا الحديث الذي سيكون بمثابة صدمة على صديقه، ثم هتف أخيراً:
ــ "عمران كان محامي واجهة في أمريكا لكام تاجر مخدرات دوليين…
بيغسل لهم الفلوس قانوني، ويهرّبها عن طريق شركات واستثمارات بأسماء رجال أعمال مصريين."

اتسعت عينا أيوب بذهول، ثم سأل بفضول:
ـــ "والمقابل؟"

زفر الاخر بضيق، ثم تابع:
ــ " النفوذ… زي ما إنت شايف كده.
رسالة واحدة بس بعتها لمسؤول في أمريكا، اتواصل مع جهات هنا في مصر، وفي الآخر ضابط أمن دولة اتفصل أسبوع."

ثم أضاف أخيراً:
ــ "خد الكبيرة بقى… الحوار ده كله حصل امبارح.
وده ليه؟ عشان عمران ماسك عليهم تحويلات، وأسماء وسطاء، وأوراق قانونية.
يعني رسالة منه كفاية تخلي ضابط أمن دولة يتشال من غير ما حد يسأل."

ابتسم أيوب بعدم تصديق وهو يحدق به، ثم هتف أخيرًا وكأن رأسه ستتفجر:
ــ "عمران الزيني دا حكايته حكاية."

أومأ الآخر بنعم، ثم هتف:
ــ "خد بقى الصدمة الأخيرة… هو في الأساس أخوهم، آه… بس من الأب. يعني عمران الغير شقيق لبراء ومهاب وحمزة."

وأضاف أخيرا:
ــ "وضيف على كده كمان إنه من الفرع الغني اللي فوق وليه اخ كمان اصغر اسمه عمار"

حدق فيه بصدمه وهو يهتف:
ــ "هما كام اخ"

ــ "خمس أولاد وبنت"

هكذا أجابه علي.

تنفّس الآخر بعمق، ثم نهض ليتوقّف أمام الشباك، قبل أن يتساءل:
ــ "قولتلي بقى، جيه من أمريكا إمتى؟"

ــ "امبارح بليل."

أومأ برأسه، وما زال على وضعه، ثم هتف أخيرًا بنبرة غامضة:
ـــ "يبقى من الواجب أعمل له زيارة، وأقوله حمد الله على السلامة."

كان علي يدرك أن صديقه يستحيل أن يمرّر ما حدث معه مرور الكرام، لكن هذه المرّة كانت الأرض تحمل خصمين.
فإن كان هو يتّخذ من القانون والسلطة سلاحًا بأسلوب عنيف غير مجازي، فإن الآخر يملك السلطة أيضًا… ولكن بطريقته الخاصة، الغير القانونية.
..
..
..
فى السيدة زينب، وعلى السطح كان عمران يقف مستندًا بذراعه على السور، واليد الأخرى تدخن السيجارة. اقترب مهاب، الذي صعد الآن حاملاً كوبًا من الشاي بين يديه.

وضعه على السور بجانب عمران قائلاً بتأفف:
ــ "الشاي"

كاد أن يذهب ليوقفه:
ــ "ناقص تقولي أطفحه، مش عارف ليه... ومالك قالب خلقتك ليه عليا؟"

أجاب مهاب ببرود:
ــ "براحتي."

كاد أن يذهب، لكن حمزة أيضًا قد صعد حاملاً الصينية التي عليها ثلاثة أكواب من الشاي، فهتف وهو يضعها:
ــ "براء قالي أخد الشاي واطلع هنا، وهو طالع عشان ماما هتمسح ومش عاوزه حد مننا تحت."

زفر مهاب ليأخذ كوبه، وهو يهتف:
ــ "موال كل جمعة!"

نظر حمزة إلى عمران الذي كان ينفث دخان السيجارة ليبعد نظره عنه متجنبا التواصل البصري المباشر، ثم هتف بضيق بضيق:
ــ "السجاير مضرة بالصحة، بتدمر الرئة وبتسبب سرطان وضيق تنفس، والنيكوتين يسبب ارتفاع ضغط الدم واحتمال تصاب بمرض قلبي. وكمان الدخان بيضر اللي حواليك، ما بالك بنفسك انت اللي بتشربها؟"
1

وما أن أنهى حمزة حديثه، أطفأ عمران السيجارة ثم نظر إليه مستفسرًا:
ــ "دي كلها سيجارة، إيه كل الأضرار دي؟"

أردف مهاب ساخراً:
ــ "دلوقتي ما هي، دلوقتي سيجارة، بكره يكون حاجة تانية."

نظر له عمران ورفع إحدى حاجبيه، يرمقه بنظرات متفحصة، تفهم مهاب نظراته ليؤكد حديثه:
ــ "هو انت مش سمعت عن اللي بيقول...
سيجارة جابت جوان وجوان جاب حباية، حباية جابت شريط، وانتهت الحكاية؟"

ثم تساءل:
ــ "وانت، حكايتك لسه مش انتهت؟"

ابتسم بخفوت وجلس قائلاً:
ــ "أنا حكايتي ابتدت امبارح."
..
..
..
..
خرجوا من الجامع وهم يرتدون أحذيتهم بعد أن أنهوا صلاة الجمعة، ثم تابعوا سيرهم إلى البيت.
أردف عمران:
«السيدة زينب وحشتني أوي».

هتف مهاب بضيق:
«والله محدش عاجبه حاله، اللي في مصر عاوز يمشي ويتمنى كده، واللي راجع من السفر ندمان إنه ساب مصر زمان».

أجاب حمزة:
«معادلة مش مفهومة».

ثم هتف عمران:
«لما تدوق طعم الوحدة هتفهمني».

كاد مهاب أن يرد، لكنه صمت بعدما وقع بصره على الشخص الذي يقف بجوار الدراجة النارية كأنه ينتظره.
ثم هتف حمزة:
«مش ده أويس صاحبك؟»

أومأ بضيق واقترب من أويس قائلاً بغضب:
«إيه اللي جابك هنا؟ مش قولتلك مش عاوز اعرفك تاني؟»

أردف أويس بهدوء:
«مهاب، لو سمحت، مش تعمل كده، أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟ خلينا نتكلم».

لكنه رفض قائلاً:
«مش عاوز اتكلم معاك، ويلا أمشي. الله أعلم أخوك هياخد مين المرادي».

نظر إليه وكاد أن يصعد الدراجة ليوقفه براء:
«تعالا اطلع معانا وتكلم معاه فوق».

نظر مهاب إلى أخيه بضيق، الذي تجاهل نظراته وتابع حديثه:
«يلا يا أويس، اسمع الكلام، سيبك منه، ده مش شاطر غير في العصبية والصوت العالي. اطلعوا فوق واتكلموا».

أومأ له أويس بالموافقة، فصعد معهم إلى الأعلى. جلسوا جميعًا، ثم هتف براء وهو ينظر إلى حمزة: «مالك؟»

هتف بضيق:
«بفكر في الغداء، هيكون محشي وأنا مش بحبه».

أردف براء وهو يتنهد:
«إجابة كل أسبوع، مفيش فايدة».

نظر أويس إلى مهاب محاولًا أن يبرر له:
«انت عارف إني مش عايش معاه ومليش علاقة بيه، ومع كده انت نهيت صداقتنا ليه؟ تخدني بذنبه يا مهاب! أنا نفسي قولتك أخويا وحش من قبل ما أعرف بكل اللي حصل. مهاب، احنا فضلنا زمايل في الكلية وصداقتنا كملت بعد الكلية كمان، ازاي بتنهي صداقة دامت خمس سنين فجأة كده؟»

ثم أضاف أخيرًا:
«أنا جيت أشوفك عشان اعتذر ليك عن اللي أخويا عمله».

ثم نظر إلى براء:
«بعتذر نيابة عن أيوب».

ثم نهض:
«عن إذنكم».

كاد أن يذهب، لكن صوت أويس أوقفه:
خليك».
1

ثم نهض هو الآخر وتوقف أمامه، ثم هتف بحرج:
«عندك حق، أنا آسف، ما كانش لازم اخدك بذنبه، بس كنت متعصب جدًا من اللي حصل. خلاص، انت كمان مش تزعل مني؟ قلبك أبيض بقى».

ابتسم الآخر:
«قلبي هو اللي موديني في داهية أساسًا».

عانقه مهاب وهو يضحك، ثم هتف:
«في دي عندك حق».

ابتعد أويس قائلاً:
«طيب همشي أنا بقى»

أمسك مهاب ذراعه:
«قعد اتغدى معانا»

هتف بإحراج:
«لا، شكرا»

أردف براء بمزاح:
«هو في حد بيقول للمحشي شكرا؟ اقعد خلاص، هتغدى معانا، مش تجادل معايا بقى واسكت».
3

أومأ له بموافقة، فجلس معهم وتعرف على عمران أيضًا.
...
...
...
أما في الأسفل داخل الشقة، خرجت سكن من المطبخ وهي تقول:
"أنا طفيت على التخديعة."

كانت مفيدة تمسح الصالة، ويُوجد سطل ماء، وتمسك بيدها الممسحة، بينما كانت أميرة تمسح إحدى الغرف.
هتفت:
"تسلم إيدك"

ثم تابعت:
"إيه رأيك تعزمي أهلك على الغداء؟"

نظرت سكن إليها بحرج:
"لا… يعني بابا مش بيطلع عشان تعبان"

قاطعتها مفيدة:
"خلاص… خلي حد يقعد معاه من قرايبه وهاتى أدهم… وسندس."

هتفت أميرة من الداخل:
"فكرة حلوة… حبيت… سندس خليها تيجي"

أردفت سكن بموافقة:
"هكلمهم."

دلفت إلى غرفتها، التقطت الهاتف وأخرجت رقم أختها لتتصل وتنتظر الرد، فأتتها المكالمة:
"ألو."

هتفت سكن:
"عاملة إيه؟ وحشتيني أوي."

أردفت الأخرى:
"بخير الحمدلله."

عرضت سكن عليها الاقتراح:
"إيه رأيك تيجي تتعدي معايا وتقولي لأدهم برده، وكلمي عمته لو تيجي تقعد مع بابا."

صمتت سندس لعدة دقائق تفكر، ثم هتفت بحماس:
"فكرة حلوة أوي… هقول لأدهم… أكيد مش هيمانع اقفلي… عشان أجهز وأجي أساعدك في الأكل."

قالت ذلك وأغلقت المكالمة، لتخرج من الغرفة وتنظر إلى مفيدة:
"هيجوا."

ابتسمت لها مفيدة:
"طيب كويس… وأنا هخلص الصالة أهو."

أومأت لها لتبدأ في مساعدتهم، بينما هند، حين ذهب براء إلى الأعلى، صعدت عند أهلها، وهذه عادتها، لا تساعد بشيء وهم لا يطلبون منها أيضًا.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات