📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثامن عشر 18 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل الثامن عشر 18 بقلم سمارة


   (نظرات توتر)
قبل وصولهم بلحظات قليلة،
التفتت أمينة لملاح بعيون دامعة: "طيب يا ملاح، كنا رحنا مع جبل المستشفى نطمن عليه الأول،"
ملاح: "يا مرت اخوي مستحيل جبل يوافق،
وكان هينشف راسه عشان تروحي الدار الأول.
المهم، زي ما اتفقنا.. العربية عطلت بيكم.
وهما جايين ورانا دلوك، فاهمة؟"
أمينة (بتنهيدة): "ماشي."
​وصلت السيارة أخيراً،
وكان الجميع يقف في "البراندة" يترقبون بأنفاس محبوسة.
ومع توقف المحرك،
هرعوا جميعاً نحو السيارة. ما إن نزلت أمينة حتى أخذتها الحاجة صفاء في أحضانها وهي تكبر وتتحمد الله.
الحاجة صفاء: "يا ما كرمك يا رب! حمد الله على سلامتك يا بتي..
الحمد لله إنك طيبة ."
​أما الحاج بكري، فلم تخدعه المظاهر،
فنظر لملاح بعين ثاقبة وسأل: "فين جبل يا ملاح؟"
ملاح (بثبات): "جاي وراي يا بوي مع فاروق ودياب.. أنا ركبت مكانه عشان كان نعسان وتعبان "
​اقتربت عبير وسمية ليطمئنوا عليها،
وأتت ايضا هند تحتضنها بتظاهر.
هند:حمدالله بالسلامه يا منه.
أمينه: الله يسلمك.
سمية (بفزع): "مالك يا أمينة؟
وشك مخطوف ليه كدة؟ وجسمك بيتنفض"
أمينة (بتوتر وهي تحاول تجنب النظر في عينها): "له مفيش.. يمكن شوية تعب ."
الحاج بكري: "إيه اللي حصل بالظبط؟"
أمينة: "العربية عطلت بينا يا عمي والمكان مكنش فيه شبكة خالص نطمنكم،
وفضلنا مستنيين لغاية ما ربنا فرجها."
​الحاجة صفاء: "طيب خلاص دلوك،
يالا ندخل جوه شكلك تعبان قوي "
دخلوا جميعاً،
وتظاهرت أمينة بالصداع الشديد لتهرب من أسئلة هند ونظرات سمية،
بينما ظل الحاج بكري واقفاً في الخارج، يراقب الطريق وقلبه "ناغزه" ويخبره أن هناك امر آخر.
ـــــــــــــــــــ

​في المستشفى (قسم الطوارئ)
​وصل فاروق ودياب بجبل،
وكان جسده قد بدأ يضعف بشدة،
وبدأت ملامح "الهلوسة" تظهر عليه من أثر النزيف والتعب الشديد،
فكان يتمتم بكلمات غير مفهومة وكأنه لا يزال يصارع هؤلاء الرجال في خياله.
​أدخلوه بسرعة إلى غرفة الطوارئ،
في طرقة المستشفى الباردة، كان فاروق ودياب يذرعان الممر ذهاباً وإياباً،
عيونهم معلقة بذلك الباب الذي اختفى خلفه جبل. ساد الصمت إلا من صوت خطواتهم، مر بعض الوقت
حتى انفتح الباب أخيراً وخرج الطبيب وهو ينزع قفازاته الطبية ويتنهد.
​هرع إليه فاروق ودياب بلهفة تكاد تنطق من عيونهم قبل ألسنتهم:
فاروق (بصوت مخنوق): "طمنا يا دكتور.. جبل خوي عامل إيه؟"
​الطبيب (بابتسامة مطمئنة): "متقلقوش، الحمد لله جت سليمة..
هو بخير وعال العال."
تنهد دياب وكأنه كان يحبس أنفاسه منذ ساعات، بينما أكمل الطبيب:
الطبيب: "الجرح سطحي الحمد لله، بس المشكلة إنه بقاله فترة كويسة بينزف،
وتقريباً فقد كمية دم كتير هي اللي سببت له الهبوط والهلوسة دي."
​دياب (بقلق): "يعني هو زين دلوك؟
يقدر يعاود معانا الدار والّا هايقعد هنا شويه؟"
الطبيب: "لا هو زي الفل متقلقش،
إحنا خيطنا الجرح ونضفناه، ومركبنله محاليل دلوقتي عشان تعوض النزيف اللي حصل وتصلب طوله شوية،
وإن شاء الله أول ما المحاليل تخلص ويرجع لوعيه التام، تقدروا تاخدوه وتروحو."
​فاروق: "الحمد لله.. نقدر ندخل نشوفه يا دكتور؟"
الطبيب: "ممكن، طبعا ."
​دخل فاروق ودياب لغرفة جبل بخطوات حذرة. كان جبل ممدداً،
وجهه بدأ يسترد لونه تدريجياً،
والمحلول يقطر في عروقه ببطء. فتح جبل عينيه نصف فتحة،
ونظر لإخوته بجمود وكأنه يستعيد ذاكرة ما حدث.
​جبل (بصوت واهن ولكنه حاد): "أمينة.. وصلت الدار؟"
فاروق (وهو يربت على كتفه): "وصلت متقلقيش عليها .. اهدي أنت وغمض عينك لغاية ما المحلول يخلص.



"في دار الملاح

مر الوقت كأنه دهر. دخل الحاج بكري الصالة بخطواته الوقورة وجلس قريباً من أمينة،
والجميع يرقب المشهد بصمت مشوب بالحذر. وكان ملاح قبل قليل، تسلل من تحت نظرات والده الثاقبة، مدعياً الدخول للحمام،
ليختلي بهاتفه ويطمئن على جبل بعيداً عنهم.
​الحاج بكري (بنبرة هادئة لكنها تحمل أمراً قاطعاً): "قولي لي يا بنتي.. إيه اللي حصل بالظبط؟ وفاروق فين؟ وليه جبل وخواته مرجعوش معاكي لغاية دلوك؟"
​أمينة (انتفضت من مكانها بخوف): "يا عمي.. العربية عطلت بينا في الصحرا،
ويمكن حوّدوا يشوفوا كان فيها إيه ويصلحوها."
​الحاج بكري (بذكاء الملاح ونظرة ثاقبة): "يصلحوا فيها إيه ؟
وانتي أصلاً جاية في عربية جبل اللي بتقولي إنها عطلانة! ايه حكايتكم بتدارو ايه ؟"
​تسمرت أمينة،
وشعرت بريقها يجف؛ لقد أوقعت نفسها في الفخ وكذبتها "انكشفت" أمام دهاء الحاج بكري.
الحاج بكري:
"يالا يا بنتي احكي.. واوعاكي تكدبي عليا، فيه حاجة مخبياها."
​في تلك اللحظة،
خرج ملاح من الداخل ليفاجأ بالمواجهة المحتدمة.
أمينة (بصوت يرتجف): "العربية معطلتش ولا حاجة يا عمي.. الصراحة البنزين خلص بينا،
واستنينا كتير حد يساعدنا والطريق كان مقطوع وواعر.. وبعدين كان.. ااا.. بعدين.."
​الحاج بكري: "بعدين إيه؟ كملي كلامك!
........ طيب كمل أنت يا ملاح، إيه اللي دار في السكة؟"
ملاح (بارتباك): "والله يا بوي.. أنا معرفش إيه حصلهم بالظبط قبل ما أوصل."
​التفت الحاج بكري لأمينة مرة أخرى وقال بحزم يزلزل الأرض: "كملي يا بتي الله يرضى عنك
.. والكل يستمع." كانت هند تقف في الزاوية، تراقب كل حركة وتفصيلة بعيون لا تفوت شيئاً.
​أمينة (بانفجار ودموع): "قطاع الطرق.. قطاع الطرق طلعوا علينا يا عمي!"
​نزلت الكلمة كالصاعقة. خبطت الحاجة صفاء على صدرها بصرخة رعب:
الحاجة صفاء: "يا مري! يبقا ولدي حصله حاجة! جبل فين يا ملاح؟ أخوك فين وليه بتخبوا عليا؟"
​انقلب البيت لساحة من العويل والقلق.
الحاجة صفاء (ببكاء): "جبل فين يا ولدي؟ انطق!"
ملاح (محاولاً التهدئة): "يا أماي.. جبل زين والله العظيم!
أنا لسه مكلم فاروق، هما في المستشفى وشوية وجايين، جرح بسيط "
الحاج بكري: راح فين يعني اي مستشفي.
​الحاجة صفاء (بإصرار ودموع): "رن على فاروق وادهولي.. قلبي مش هيبرد إلا لما أسمع حسه."
علم ملاح أنه لا فائدة من الجدال،
فالحاجة صفاء إذا صممت لن يوقفها أحد.
أخرج ملاح هاتفه واتصل بفاروق الذي رد بسرعة.
​فاروق: "ألو.. إيه؟"
الحاجة صفاء (سحبت الهاتف بلهفة وبدأ البكاء يغلب صوتها): "أنا يا ولدي.. أخوك فين يا فاروق؟ أخوك جرى ليه إيه؟"
فاروق (بمحاولة لتهدئتها): "جبل زين يا أماي.. والله العظيم زين، متخافيش إحنا في الطريق وجايين دلوك."
​لم يكتفِ الحاج بكري بكلام فاروق،
فأخذ الهاتف بحزم:
الحاج بكري: "أنتوا فين يا فاروق؟  أنا جاييكم دلوك ."
فاروق: "يا بوي إحنا أصلاً راجعين وفي نص الطريق.. ومعاك جبل أهو يكلمك."
​كان جبل في تلك اللحظة قد استرد وعيه بالكامل، وبدت المحاليل قد فعلت فعلتها في جسده القوي، فاستعاد نبرة صوته الهادئة الرزينة.
​جبل: "ألو.. أيوه يا بوي."
بمجرد سماع صوته عبر "الاسبيكر"، شهقت الحاجة صفاء براحة: "آه.. الحمد لله،"
​الحاج بكري: "أنت زين يا جبل؟ قولي الحقيقة يا ولدي،؟"
جبل (بثبات): "أيوه يا بوي أنا تمام،
شوية تعب وراحوا لحالهم وإحنا جايين دلوك، متقلقوش "
الحاج بكري: "طيب.. تاجوا على خير يا ولدي."
​أغلق الحاج بكري الهاتف،
والتفت للجميع بعينين لم يغادرهما الشك تماماً لكنهما أصبحتا أهدأ. أما أمينة، فقد استراح قلبها أخيراً؛ نبرة صوت جبل القوية أعادت لها الأمان،
وأيقنت أنه استعاد عافيته وأنه أفضل بكثير مما تركته عليه في السيارة.
انتظر الجميع عودتهم على أحر من الجمر،
​كانت الحاجة صفاء تحاول تهدئة أمينة: "قومي يا بتي غيري خلقاتك دي واغسلي وشك بشوية ميه، شكلك تعبان قوي."
أجابت أمينة بقلب معلق: "أنا زينة يا أماي،
لما يرجع جبل وأطمن عليه الأول.." ثم لمحت نظرة الحاج بكري،
فأكملت بحياء: "قصدي يعني لما يرجعوا كلهم بخير."
مر بعض الوقت.
​توقفت السيارة في البراندة،
ونزل الجميع. ترجل جبل من السيارة وهو يحاول بكل قوته أن يظهر صموده وهيبته المعتادة ، رغم الشحوب الذي يكسو وجهه. وكان يضع يده علي جنبه استقبله الحاج بكري بحرارة واحتضان الأب بينما ارتمت الحاجة صفاء في صدره تقبله وتتفحصه كأنه طفل صغير غاب عنها لسنوات.
​نظر جبل لأمينة نظرة طويلة،
كانت مزيجاً من الاطمئنان عليها،
وخجلٍ طفيف من تدليل والدته له أمامها. ابتسمت أمينة بضعف وهي تراه يقف على قدميه مرة أخرى، بينما كانت هند تقف بعيداً،
تراقب جبل بشوق غريب وغيرة تفحص، وقلبها يأكلها عليه وتتمنى لو كانت هي من تضمد جراحه وتلمس يده لتتأكد أنه بخير.
​قطع فاروق جو التوتر بمزاحه المعتاد: "بكفاية بوس يا أماي! أنا داخل على سنة دلوقت مبوستنيش ولا مرة، فيه إيه يا ست الكل؟"
ضحك الجميع وزال الثقل عن القلوب قليلاً. قال الحاج بكري: "ادخلوا جوه يالا،
مش وقته الحكي هنه."
​دخلوا جميعاً،
لكن عين الحاجة صفاء لم تغادر ثوب جبل الغامق الذي تظهر عليه بقع الدماء الجافة: "يا كبد أمك يا ولدي! كل ده دم ليه؟ حصلك إيه بالظبط؟ ده أنت خسيت النص يا جبل!"
ضحك الحاج بكري محاولاً تهدئة الأم: "أهه، بدأنا نستلم.. خسيت النص والربع! ولدك زين وشديد يا صفاء، الحمد لله."
ردت الحاجة صفاء بإصرار: "له حقاش (لازم) يتغذى ويتقوت..
ابقي اطلعي يا سمية أنتي وعبير السطوح ادبحوا كام ديك بلدي وجهزوهم"
​كان جبل صامتاً،
لكن عيناه كانتا تحكيان الكثير وهو ينظر لأمينة التي لم تنزل بصرها عنه. شعر برغبة عارمة في الحديث معها،
وفي كسر هذا الحاجز الذي بني في ليلة واحدة وسط الصحراء.
جبل (بصوت هادئ): "أنتي زينة دلوقت؟ وهديتي؟"
نظرت أمينة للحاج بكري بإحراج، ثم ردت بصوت منخفض: "الحمد لله.. كويسة."
جبل: "كلتي ولا لسه؟"
​تنحنح فاروق محاولاً تنبيه جبل أنه يتحدث بعاطفة ظاهرة أمام والده: "أحم.."
ونظر للحاج بكري الذي كان يراقب الموقف بصمت.
انتبهت الحاجة صفاء وقالت بأسف: "صح نسيت يا بتي سامحيني، اتلهيت.. أكيد مكلتوش من الليل، جهزي يا سمية الأكل قوام."
​قامت سمية وعبير لتجهيز الطعام،
وعندما همّت أمينة بالوقوف لتساعدهما، استوقفها صوت الحاج بكري الرزين:
الحاج بكري: "خليكي أنتي يا أمينة دلوقت.. هما هيجهزوا كل حاجة، اقعدي ارتاحي."

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات