📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل السابع عشر 17 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل السابع عشر 17 بقلم آية احمد عرفة


17 "ضاعت الأمانة"

أصعبُ الأشياء أن تُؤتمن على أمانة واحدة، وتكتشف بعد سنواتٍ أنك قد أضعتها بإهمالك. فقط شيئًا واحدًا فشلت أن تحافظ عليه، ليكتشف أنه ليس هو فقط من انغرس في الوحل، بل ومن كان منه قد وقع به أيضًا.
أيعقل أن يكون هذا عقابًا له على تجارته بهذا السُم؟

أسئلة كثيرة تضرب رأسه، لا يعلم لها أجوبة، أو يعلم ويتهرب.
.
.
.
.
.
.

في حيّ الزمالك وداخل الشقة، كان يجلس على الكنبة، ما زال غاضبًا من مكالمة صديقه، لا يعلم ماذا فعل أخيه لهم مرة أخرى. حاول كثيرًا أن ينام، ولكن أين النوم وقد هرب بعد هذه المكالمة؟
أمسك هاتفه بعد وصلة تفكير طويل، وضغط على زر الاتصال، وانتظر رد صديقه لكنه لم يرد. فاتصل بشخصٍ آخر، وانتظر ردّه مع أنه يعلم أنه لا يرد على اتصالاته أبدًا.

ولكن قد فاق توقعاته عندما أجاب على اتصاله.
كاد أن يتحدث لكنه سبقه هاتفًا:
"عارف متصل ليه؟ أكيد عرفت باللي عملته مع أخو صاحبك، صح؟ بس لازم تعرف إنك السبب! لو كنت وافقت تبعد عنهم بمزاجك مكنتش عملت كده."

قد استُنفدت كل طاقته، فهتف بنفاد صبر:
"انت عاوز مني إيه يا أيوب؟ مش كفاية إني لوحدي؟ دا مش كافي ليك؟ حتى صاحبي بتبعده عن حياتي! عاوز توصل لإيه؟ أموت نفسي عشان ترتاح؟ يمكن دا يخليك تعفو عني؟ بدّام ١٤ سنة مش كافيين ليك؟ ١٤ سنة! منهم أربع سنين عشتهم مذلول، وحيد في مدرسة داخلي، و١٠ سنين فوقهم أسست حياتي لوحدي عشان أعرف أعيش... وبرضو مش عاوز تعفو عني؟"

لتسقط عبارته وهو يهتف:
"أقولك إمتى هتعفو عني وتشيل الذنب دا من عليّا؟ لما أموت يا أيوب؟"

ثم صاح بغضب:
"الله وحده عالم إذا كان الأوان هيكون فات عشان تفهمني ولا لا!"

أغلق المكالمة، وألقى الهاتف على الأريكة التي أمامه، وهو يتنفس بعنف، وقلبه يملأه القهر.
قد تعب كثيرًا من هذه الوحدة التي يتعايش بها، وباتت تكاد تأكله من الداخل.
قد اكتفى من كل شيء، اكتفى من حمل ذنب حاول كثيرًا الهروب منه، اكتفى من إلقاء التهمة عليه باستمرار.
لا يعلم إلى متى سيظل منبوذًا.
قد اشتاق إلى عناق والدته ليبث له الأمان، قد اشتاق لدفء العائلة التي نسي شكلها كيف تكون، فقد بات يتيمًا منذ زمن، منذ أن رحل أخاه بسببه ولحق به والده في اليوم نفسه، ليقع كل اللوم عليه.

أكثرُ أنواع العذاب أن يكون لك عائلة لكنك تعيش وحيدًا، كأنكا بتَّ يتيمًا بالفعل.
.
..
.
..
.
..
.
..
داخل بيت الزيني، كانوا لا يزالون يتحادثون فيما بينهم، أردف براء متسائلًا:
"مين كان بيتصل عليك في وقت زي ده؟"

هتف الآخر بضيقٍ امتزج في نبرته:
"أويس... وبصراحة، مش طايق أكلمه."

أومأ براء بتفهم لا يريد أن يضغط عليه الآن يكفي الأشياء التي علم بها ليهتف.... بقولكم ايه قوموا يلا خلونا نصلي القيام فاضل نص ساعة على الفجر


.
أومأ براء بتفهم، لا يريد أن يضغط عليه الآن، يكفي الأشياء التي علم بها، ليهتف بعد لحظة:
"بقولكم إيه؟ قوموا يلا، خلونا نصلي القيام... فاضل نص ساعة على الفجر."

كاد حمزة أن ينهض، لكن مهاب قال:
"هدخّل أوتوضا الأول."

غادر الغرفة مسرعًا، كأنه طفل يريد مرازيه أخيه. نظر حمزة إلى براء، هتف بعبوس:
"طول عمره كده... أول واحد يتوضأ، بيحسننا أنه في سباق."

ابتسم براء عقب حديثه:
"أديك قولت... طول عمره اللي في داء مش هيبطله."

أومأ الآخر باقتناع، وبعد قليل انتهوا جميعًا من الوضوء. اجتمعوا في غرفة المعيشة، فرشوا السجادات بجانب بعض، ليبدأ كل منهم بالصلاة.

بعد أن انتهوا من الصلاة، ظلوا جالسين قليلًا على سجاداتهم، كل واحد منهم في عالمه الخاص.
كان من يسبح ويكرر كلمات التسبيح بهدوء، وكأن صوته ينساب في أرجاء الغرفة يملأها طمأنينة.
ومنهم من يدعو لنفسه بالصلاح والهداية، يطلب من الله أن يهديه إلى ما فيه الخير لحياته.
ومنهم من رفع يديه بالدعاء للفرج عن البلاء، متضرعًا بأن يزيل الله عنه وعن أهله كل محنة وهم.

وكان براء ينظر إليهم بعينين ملؤهما الرضا، يشعر بأن هذه اللحظات، رغم بساطتها، ايقن بأنه نجح في أن يرعاهم ويهديهم إلى ما يرضي الله، وأن الجهود التي بذلها في تربيتهم لم تذهب سدى، فهما ليس إخوة فقط، هما بمثابة وصية والده الحية التي تسري في قلبه، وكل يوم يحمد الله على أنه احسن تربيتهم.
..
..
..
..
ليستمع إلى صوت الأذان، نهضوا جميعًا وهم يرفعون سُجّادات الصلاة. هتف براء:
"الجوّ برد أوي... روحوا انت وهو، والبسوا جواكت علشان ما تبردوش."

أردف مهاب وهو يلوّح بيده:
"يا براء إحنا كبرنا... أنا لابس هودي، مش محتاج جاكت."

نظر إليه براء بصرامة:
"عارف أنا الكلمتين بتوع كل دخول شتاء دول حفظهم... تحب أقولك بعد كده هيحصل إيه؟"

وما إن أنهى حديثه حتى وضع يده على فمه وعطس بقوّة، فضحك حمزة بصخب وهو يرمقه؛ فقد كان يعلم أنّ براء سيقول له: "هتمرض"... وها هو قد أعطاه البشارة بنفسه.

نظر مهاب إلى حمزة بضيق:
"عادي! إيه؟ مش بتعطس مثلًا؟"

هزّ براء رأسه بيأس، ثم ولج إلى الغرفة. كانت هند لا تزال نائمة، فأخذ جاكتًا وارتداه ثم خرج. كان حمزة قد ارتدى جاكته هو الآخر، ونظر إلى مهاب بترقّب:
"مفيش فايدة... برضه اللى دماغك هتعمله؟"

خرجت والدتهم من الغرفة وهي تردد خلف الأذان، ثم نظرت إليهم:
"إنتوا صحيتوا؟"

هتف مهاب ممازحًا:
"مش لو كنا نمنا يا حاجة؟ كل جمعة وإنتِ طيبة."

قالت له مبتسمة:
"وإنت طيب وبخير."

قال براء بحزم:
"يلا انت وهو... قدّامي، علشان ننزل."


كادوا أن يغادروا حين استوقفتهم والدتهم:
"مهاب... إنت هتنزل كده؟"

كان يضع الـ"كاب" الخاص بالهودي على رأسه، فأجاب:
"آه."

لكنها أردفت باستنكارٍ يليق بأمّ تعرف ابنها جيدًا:
"لأ... نزله انا عارفاك أول ما ترجع هتقلّعه وتتعب. وحطّ عليك جاكت، الجو برد."

هتف مهاب بعدم تصديق:
"يادي الجاكت اللي عامل ليكم قلق!"

دلف إلى الغرفة ثم خرج مرتديًا جاكته وهو يهتف:
"أهو... لبسته! يا رب ترتاحوا بقى."

وضع براء يده على كتفه وهو يرمقه هتف محذراً:
"عاوز أشوف طولة لسانك دي لما تتعب... ويا ويلك منّي وقتها لو رفضت تاخد الدوا. وتقعد تقول لا برشام مش هبلعه وحقن مش هخدها يبقى إنت
اللي جبته لنفسك. يلا قدّامي."

هبطوا إلى الأسفل. توقّف براء فجأة حين وقعت عيناه على بعض الحقائب، تفهم على الفور أنّها تخصّ عمران. أيقن أنّه كان محقًّا حين قال إنّه سيعود إليهم مرة أخرى.

واصلوا سيرهم نحو الجامع، لكن براء توقّف حين لمح عمران يقترب. نظر إلى أخويه قائلاً:
"روحوا أنتوا... أنا جاي."

أومآ له ومضيا. اقترب عمران وتوقّف أمام براء وهو يهتف بصوت مكسور:
"براء... عاوز أتكلم معاك."

كانت ملامحه غائمة لا تُفسر؛ وجهه يكسوه الحزن، ونظراته تحمل قهرا دفينا. هتف براء على عجلة:
"هيقيموا الصلاة... نصلي وبعدين نتكلم. يلا... تعال."

كاد أن يغادر، لكنه التفت إليه حين لاحظه واقفا في مكانه لا يتحرك. أردف بتساؤل:
"فيه إيه يا عمران؟ مالك واقف كده؟... ثم هتف وهو يرمقه: تكونش كمان مش بتصلي؟ قول! انا خلاص... بقيت أتوقع أي حاجة."

أومأ عمران في حرج، ثم قال:
"أحم... بصراحة... مش فاكر آخر مرة صليت فيها إمتى."

ارتسم الأسى على ملامح براء، ولكن الوقت لم يكن وقت عتاب. هتف بهدوء:
"لينا كلام بعدين... تعال. صلّي الأول. وبدل ما تبقى مكسوف مني، خليك مكسوف من ربنا وتقصيرك في حقه. أنا هدخل أصلي السنة قبل ما يُقام الأذان."

قال اخر كلماته ومضى إلى الداخل. تنهد عمران وتبعه ليتوضأ ثم وقف بجانبهم في الصف.
كانت تلك أوّل صلاة له بعد مقاطعة طويلة... لا يعرف كم سنة وفرض تركهم خلفه. كان عقله منشغلًا يقارن بين طريقٍ سار فيه مظلمًا لسنوات، وبين وقفته الآن بين يدي الله، وبين اخ واحد فشل بالحفاظ عليه، وبين اخواته الذين نشأوا فى بيئه بسيطة لكنها نقية.

بعد قليل انتهت الصلاة. خرج بعض المصلين، وبقي هما جالسين داخل الجامع.
كان حمزة يتمتم بآياتٍ من سورة الكهف بصوت خافت؛ فقد اعتاد قراءتها كل ليلة جمعة كما ربّاه أخوه براء. لم يعد يحتاج إلى مصحف، وقد صار يحفظها عن ظهر قلب. وكان مهاب يفعل الشيء نفسه؛ عادة لا يقطعونها منذ سنوات. فى ليلة
الجمعة بعد صلاة الفجر يقرؤون سورة الكهف
ثم يغادرون إلى البيت.
.
.
.
.
.
.
في حيّ الزمالك، خرج من الجامع، وانتعل حذاءه وما زالت كلماتُ أخيه عالقةً في أذنيه. سار إلى البيت الذي يجاور المسجد، وصعد إلى الطابق العلوي، ثم ولج إلى الداخل. كاد أن يدلف إلى غرفته، لكنه توقّف وألقى نظرةً على غرفة أخته. ولج بهدوء، كانت نائمة، فاقترب منها وطبع قبلة رقيقة على جبينها، ثم خرج من الغرفة ودلف إلى غرفته.
1

أغلق الباب واستلقى على سريره، يفكّر في عمله كما اعتاد دائمًا؛ فإذا حاول إبعاد أي فكرة عن ذهنه، لا يبقى أمامه إلّا عملُه، فهو الأهمّ لديه على الدوام.

لقد وصل إلى رتبةِ مقدّمٍ في جهاز أمن الدولة، لا من فراغ؛ بل أفنى عمره كلّه في سبيل هذا العمل.
...
...
...
...
...
في حيّ السيدة زينب، صعد إخوته إلى الأعلى ليناموا بعد أن طلب منهم براء أن يأخذوا حقائب أخيهم معهم، بينما اصطحب هو أخاه إلى الطابق العلوي للسطح لينفردا بالحديث، كما أراد عمران. لم يكن يعلم متى سيغفو؛ فقد كان بحاجة إلى أن يفصل نفسه قليلًا عن أحداث هذا اليوم الطويل.

وقف بجواره ثم هتف.:
"مالك يا عمران؟روحت شوفت اخوك؟ طمني عليه"

كان صامتًا، ينظر أمامه بشرودٍ عميق؛ ملامحه توحي بالتيه، وكأن كلَّ شيء قد انسحب من بين يديه دفعةً واحدة. فقد آخرَ أملٍ كان يتشبّث به، آخرَ دعاءٍ كان يرجو أن يتحقّق. وما رآه اليوم لم يترك في قلبه موضعًا لكلمة؛ صار الحديث ثقيلًا عليه، يهبط على صدره كجبلٍ منطبق، يكتم أنفاسه ويُثقِل روحه، حتى شعر أنّه لو نطق حرفًا لانفجرت كلّ الجراح التي حاول طوال السنوات إخفاءها.

صمت براء هو الآخر، وظلّ يحدّق أمامه في الفراغ، بينما كانت البرودة قد ازدادت حولهما. طال الصمت أكثر مما يحتمل، فزفر بضيق وهتف أخيرًا، وقد تسلّل القلق إلى نبرته:
ـ "يا ابني... هتفضل ساكت كده؟ قول أي حاجة، سكوتك دا قلقني."

ثم أضاف وهو يقترب منه خطوة، وكأنّ الإجابة باتت ضرورة تُنقذه من هواجسه:
ـ "في حاجة حصلت لعمّار؟... ردّ عليّا بقى."

هتف أخيرًا، وقد ظهر الانكسار جليًّا في نبرته:
ـ "عمار ضاع يا براء... الأمانة الوحيدة اللي بابا آمّنِي عليها ضاعت."

تنهد طويلًا، ثم استرسل حديثه بقهرٍ دفينٍ ظلّ يحمله لسنوات:
ـ "وصية واحدة بس... فشلت إني أحافظ عليها. كنت مستني إيه؟ من دولت هانم وجوزها؟! دول عايشين في الفجور والمحرمات... مسلمين بالاسم بس، لكن حياتهم كلها غلط في غلط.
واللي يغيظك أكتر إن الغلط بقى مستباح... الزمن اتغيّر أوي، وبقى اللي يعمل الغلط يقول: أصل دي الموضة!
واللي يعترض، يقولوله: ايه؟"

قهقه بصخبٍ يحمل مرارة، ثم رفع يديه وثنّى أصابعه مقلّدًا أخته بسخرية:

ـ "خليك كووول!"

ثم هتف بغضبٍ كامن وهو يضرب السور بقبضة يده:
ـ "كول إيه بس؟! وهما بيقلدوا الأجانب اللي لا هما مننا ولا إحنا منهم!
حتى عمار... خلاص... راح. ضاع يا براء.
شوفت آخر مشهد... عمره ما جه في بالي ولا تخيلت أنى اشوفه في أعزّ ما عندي."

كان براء ينظر إليه مترقّبًا، قلبه يطرق صدره بعنف، يريد أن يسمع ما تبقّى، أن يعرف ماذا أصاب أخاهم. تراكمت في رأسه عشرات الاحتمالات، كلّها أسوأ من الأخرى.

هتف بنفاد صبر، يكاد يفقد قدرته على الاحتمال:
ـ "قولي... في إيه؟ عمار ماله؟"

تنهد عمران ونظر أمامه، كأنه يخشى أن يلفظ الحقيقة:
ـ "عمار بقى مدمن يا براء... أخونا مدمن."

تجمّد براء في مكانه، اتسعت عيناه بصدمةٍ أدمت روحه، وتمنّى للحظة لو أنّ عمران يمزح معه...
أيعقل أن تكون الحقيقة بهذه القسوة؟
أيعقل أن أخاهم... صار مدمنًا؟

هتف براء بعدم تصديق، يكاد يفقد عقله:
ـ "إنت بتقول إيه؟!
طب... متأكد إنه عمار؟ مش يمكن تكون غلطان؟ مش يمكن حد شبهه ولا حاجة؟"

تنهد عمران ليسترسل حديثه ليؤكد له:
ـ "بقول الحقيقة... أنا ملقتش غيرك أشكي له همي، ولا أقوله على الخيبة اللي أنا شوفتها.
مش عارف أعمل إيه... فضلت ماشي زي التايه اللي مش لاقي ملجأ، ولقيت رجلي مرجعاني ليك تاني."

ابتلعَ لعابه، وتابع حديثه كأنه يلقي على أخيه مصيبةً أخرى:
ـ "بالذات إنّي كنت بشتغل في السِّم دا وأنا في

صُدِم براء، لا يدري ماذا يقول، ولا كيف لعقله أن يحتمل كلّ هذا دفعةً واحدة. أَيُعقَل أن يستوعب أن أحد إخوته كان يتاجر بالمخدّرات، بينما الآخر يستنشقها؟

توقّف أمامه وهو يهتف بنفاد صبر:
ــ "قولي أعمل إيه يعني؟ منتظر مني تصرّف ازاي دلوقتي؟ انت مش بس فشلت إنّك تحافظ على أخوك... انت فشلت إنّك تحافظ على نفسك
يا عمران!"

ثم رفع سبابته في وجهه:
ــ "قولي حاجة واحدة عملتها صح في العشرين سنة اللي غِبتهم... حاجة واحدة بس!"

ظلّ عمران على صمته.
ثم تنفّس بضيق وهو يهتف:
ــ "ولا حاجة صح... ولا حاجة. خلّينا ننام، عشان أنا تعبت... محتاج أفصل علشان أستوعب. وبُكره نكمّل كلامنا... خلينا ننزل."

أومأ الآخر، لا يريد الضغط عليه أكثر. يكفي ما علم به الآن... يكفي الألم، فمازال هناك المزيد.

يقولون إنّ الإنسان يزرع ما يحصد،
فماذا لو أنّ هذا الإنسان لم يزرع شيئًا قط؟
ماذا عساه يحصد إذن؟
.
.
.
.
ولج إلى البيت، أغلق الباب خلفه، نظر إليه ليشاور هاتفا:
ــ "هتنام مع مهاب وحمزة، معلش، استحمل الليلة دي. ولو ناوي تفضل معانا عالطول بكرا، هتصرف."

هتف بذلك، وكاد أن يذهب، لكنه أمسك عمران ذاعه قائلا:
ــ "عارف إنك مجروح، وإنك ما توقعتش إن دي تكون حياتي... لا أنا ولا عمار. بس صدقني، لما سافرت كان غصب عني، وفي حاجات كتير انت مش تعرف عنها حاجة. بس جيه وقتها هتفهم كل حاجة بالتدريج. تصبح على خير."

تركه ودلف إلى الغرفة. تنهد الآخر، وكاد أن يدخل غرفته الخاصة بهند، لكنه توقف وذهب إلى غرفة سكن. ولج إلى الداخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه، لكنه تفاجأ بأنها غافية على الكرسي. نعم، كان هناك كرسي صغير بالداخل، وجلست عليه كما لو أنها غفت على سهو، أنبه ضميره بأنها تنام بهذه الطريقة، والتي من المؤكد ستؤلم جسدها.

لو كان قد دلف منذ زمن، كان ليعلم بذلك ويوقظها. وضع يده على يدها برفق:
ــ "سكن... سكن..."

انتفضت بذعر، فتحت عينيها، وهي ترمقه بدهشة وضياع. كاد أن يستوعب ما أصابها، لكنها فاقت توقعاته، فقد اندفعت إلى أحضانه تتشبث به. استغرب كثيرًا، وضع يده على خصلاتها بحنو، ثم هتف:
ــ "فيه إيه يا سكن؟ انتِ كويسة؟"

نفت برأسها قائلة:
ــ "حلمت بكابوس وحش أوي."

استعيذ بالله، ثم هتف:
ــ "طبيعي يجي لكِ كوابيس... الجو برد. إيه النومة اللي انتي نيماها دي؟ بتعاقبي نفسك!"

ابتعد قليلا بعد أن صحت على حالها واستوعبت وضعها بين ذراعيه، فهتفت:
ــ "أنا سرحت، أكيد مكنتش هحب أنام كده."

أومأ بتفهم:
ــ "طيب قومي صلي وتعالي نامي."

نظرت له متسائلا:
ــ "هو الفجر إذن؟"

هتف وهو يسير باتجاه السرير ويستلقي عليه:
ــ "من ساعة."

نهضت لترتدي الأسدال، ثم غادرت الغرفة لتتوضأ.
..
..
..
..
..
..

حلّ الصباح عليهم صدع صوت هاتفه. فتح عينه بانزعاج، وجذب الهاتف ليفتح الاتصال، ثم هتف:
ــ "فيه إيه يا علي؟ مش عارف أرتاح منك حتي في الإجازة... يا أخي!"

صمت ليستمع إلى صوت الآخر، ثم انتفض بفزع، وهو يكرر الحديث الذي ألقاه صديقه:
ــ "أنت بتقول إيه؟ مين دا اللي قدم شكوى فيا؟!"

وأضاف وهو يحاول استيعاب الأمر:
ــ "وتوصل أنه يوقفني عن العمل أسبوع من غير حتي ما أعرف!"

جلس ليستمع إلى صوت صديقه، يذكر الإسم:
ــ "عمران الزيني"


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات