رواية بين النضج والبراءة الفصل السابع عشر 17 بقلم زمرد الراوي
المواجهة في مكتب عمران مكنتش مجرد كلام، دي كانت حرب أعصاب.. سعاد واقفة زي الجبل وصوتها بيزلزل المكان، وعمران واقف قدامها وشه خشب وعينيه بتلمع ببرود مرعب...
سهام زعقت بوجع أم خايفة على بنتها : ابعد عن بنتي.. وسيبها تعيش سنها.. فين الغلط في اللي قولته دا؟ راجل قد أبوها.. عاوز يسرق شبابها ويحبسها في دنيا مش دنيتها.. أنت ترضى كدة علي بنتك ؟
عمران كان بيسمعها وقرب منها، الصدمة كانت باينة في نبرة صوته بس ممزوجة بكبرياء غريب:
أنا راجل قد أبوها..؟ ليه شايفاني عندي 60 سنة؟ دا أنا ممكن أكون أصغر من حضرتك في الروح وفي الهيئة! اسمعي يا ست سهام، في الوقت اللي أنتي كنتي حامل فيه في قاسم، أنا ساعتها كان عندي 12 سنة.. ولما قاسم بقى عنده 12 سنة، أنا كنت بتجوز أم ليان.. يعني الفرق مش زي ما أنتي متخيلة، دا غير إن السن ده مجرد رقم في البطاقة، لا باين عليا سن ولا مأثر فيا كصحه ..
سهام لفت وشها الناحية التانية بضيق، بس عمران كمل كلامه بحرقة لأول مرة يظهرها:
أنا مابقتش كدة من فراغ.. أنا مش حبيت في حياتي غير مراتي، كنا مع بعض في الجامعة واتجوزنا علطول واحنا صغيرين، خلفت ليان وماتت وسابتني.. أنا ماعشتش الحب اللي بجد، في لحظة لاقيت نفسي مسؤول عن طفلة، ومسؤول عن شركات ومصانع، نسيت نفسي ونسيت إني راجل محتاج حياه ..
سكت ثانية وخد نفسه وكمل وهو بيبص في عينيها بتحدي: أول ما شفت بنتك.. أنا معرفش إيه اللي حصل، دي جت لخبطت كياني وشقلبت حياتي كلها.. بقيت حاسس إن فيه سبب حلو محلي أيامي، بقيت بتشد ليها وواحدة واحدة بقيت هي الأساس في حياتي..
بعد كل دا حضرتك جاية تقولي ليا ابعد؟ لا مش هبعد واللي يحصل يحصل.. أنا مش هسيبها.. وعاوزها.. وأيوة أنا أناني في حبها، وأنا أكتر حد هعرف أسعدها، ومش هحرمها من أي حاجة نفسها تجربها.. أنا بعشق بنتك ومش مكسوف وأنا بقول كدا، فلو جاية عشان أبعد، فأنا بقولك لا.. وألف لا..
سهام بصت له بنظرة كلها قسوة وقالت بصوت واطي ومرعب: وأنا بقولك مش هوافق على موضوعكم.. لو السما انطبقت على الأرض.. أنا عارفة مصلحة بنتي، وعارفة إن السكينة سرقاها ومبهورة بيك وحبها ممكن يكون ليك احتياج اب..
بس هي لسه عيلة مش فاهمة إن فرق السن ده بكرة هيقتلها.. خسارة قريبة أحلى مليون مرة من خسارة بعيدة توجع العمر كله..
عمران ملامحه اتصلبت و بكل جبروت، ورسم ابتسامة باردة على شفايفه وقال بلهجة مفيش فيها تراجع:
خلصتي ؟ أنا مش هبعد.. وده آخر كلام عندي.. بنتك بقيت حتة مني، واللي يقدر ياخد روحي، يبقى يجي ياخدها مني..
سهام بصت له بنظرة أخيرة كلها وعيد، وخرجت وهي بتخبط الباب وراها بكل قوتها، وكأنها بتقفل باب الرحمة اللي كان ممكن يحل الموضوع بالود.. مع انها حست بحب عمران لبنتها.. بس للاسف كانت مصممه على رايها...
$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$
ملاك خلصت محاضرتها الأخيرة، وطول الطريق للشركة كانت ضربات قلبها سريعة، مابين شوقها لعمران وخوفها من اللي جاي..
أول ما وصلت وقبل ماتوصل لمكتب عمران ، لقت بيري واقفة ساندة على الحيطة ببرود، وماسكة تليفونها وبتمثل إنها غرقانة في مكالمة، وعينها مراقبة خيال ملاك وهو بيقرب...
بيري بصوت عالي ومقصود وهي بتضحك بدلع مستفز: يا بنتي والله قولتلك، أنا وعمران بنحب بعض من سنتين، الموضوع قديم بس هو كان مستني الوقت المناسب.. لا طبعاً، إن شاء الله هرجع دبي بس وإحنا متجوزين، خلاص اتفقنا على كل حاجة...
الكلمات نزلت على ودان ملاك زي مية النار، وقفت مكانها والدم غلي في عروقها.. جواز إيه.. ؟ وحب سنتين إيه.. ؟
الصدمة خلتها مش شايفة قدامها، والغيرة والشك اللي كانت بتحاول تدفنهم صحيوا فجأة وبقوا وحوش بياكلوا في قلبها.. أمال أنا أبقى إيه في حياتك يا عمران؟ تسلية.. مثلا ؟ ولا محطة ؟
ملاك من غير تفكير، ومن كتر العصبية، خبطت على باب مكتب عمران ودخلت زي الإعصار، كانت ناوية تصرخ في وشه وتسمعه كلام يوجعه، وتنهي كل حاجة في لحظة..
بس عمران أول ما شافها، ملامحه المتوترة والمرهقة من حواره مع سهام الصبح اتغيرت تماماً.. قام من مكانه بلهفة، وقبل ما هي تنطق حرف واحد، كان سحبها لحضنه بقوة، ودفن راسه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها كأنه غريق لقى طوق نجاة..
فضل يبوس في كتافها ووشها بهيام، وهو بيهمس بصوت مبحوح: ملاكى .. كنت محتاجلك أوي.. اليوم ده كان تقيل بشكل ميتوصفش، وجودك بس هو اللي بيخليني أهدا...
ملاك في حضنه بدأت تهدا غصب عنها، لمسته وحنيته ليهم مفعول السحر عليها.. بردت نارها شوية وقالت لنفسها: أكيد بيري دي مجنونة، مستحيل اللي في حضني ده بكل الصدق ده يكون بيخدعني.. دي أكيد لعبة منها عشان توقع بينا..
فاقت من سرحانها على صوت عمران وهو بيشدد من مسكته لإيدها وبيقولها بضيق: تعالي نمشي من هنا يا حبيبي . أنا مخنوق أوي، والحيطان دي بقيت بتضغط على أعصابي..
ملاك بصت له بقلق: هنروح فين بس يا حبيبي؟ أنت عارف إني مش هينفع أتأخر، أنا آخري ساعتين بالكتير وأكون في البيت عشان ماما..
عمران بصلها بعيون مليانة شوق ورجاء: هنروح نقعد في أي حتة هادية بعيد عن الدوشة والعيون دي.. تعالي نتغدى بره، أنا نفسي أقعد معاكي ونتكلم كتير، بجد يا ملاكي أنتي وحشاني جداً، ومش قادر أركز في اي حاجه .. أنا كل اللي عاوزه إني أفضل جنبك، أسمع صوتك وأبص في عينيكي وبس.. كأن العالم ملوش وجود غيرنا...
ملاك حست بقلبها بيدوب من كلامه، لمست وشه بحنية وطبعت بوسة رقيقة وسريعة على شفايفه وقالت بابتسامة نورت وشها: كل اللي حبيبي نفسه فيه يحصل.. أنا معاك في أي مكان..
لمّ عمران حاجته بسرعة وخدها من إيدها وخرجوا من باب المكتب .. وفي الوقت ده، كانت ليان واقفة في ركن بعيد، شافتهم وهما خارجين والضحكة مالية وشهم.. ليان قبضت على إيدها بقوة والدموع لمعت في عينيها بكسرة وقالت بصوت واطي: بقي كدا يا ملاك.. بقي كدا...
$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$
ليان دخلت مكتبها وقفلت الباب عليها وكأنها بتقفل على نفسها العالم كله..
سندت ضهرها على الباب واول ما حست إنها لوحدها، جسمها كله اترعش وانهارت من العياط.. شهقات مكتومة كانت طالعة من قلبها، بس الغريب إن دموع ليان المرة دي مكنتش دموع وجع وبس، كانت خليط غريب من المشاعر اللي تعجز أي بنت توصفها...
بس الوجع كان في الخوف اللي بيوقف التفكير. كانت بتسأل نفسها بعياط وحرقة: يا ترى يا قاسم هتعمل إيه لو عرفت؟ يا ترى رد فعله هيكون ؟وكانت خايفة إن الحب ده يكون هو الشرارة اللي تحرق العيلة كلها وتفرق بينهم..
فاقت من دوامة أفكارها وشهقاتها على صوت رنة موبايلها.. مسحت دموعها بسرعة وبصت في الشاشة، لاقت "قاسم" بيتصل.. حاولت تظبط صوتها وتكتم أثر العياط وردت: أيوة يا قاسم؟
قاسم بصوته اللي كله حيوية وحب: أنا بره يا حبيبي، مستنيكي قدام الشركة.. خلصتي ولا لسه؟ تمام.. اخرجي يلا عشان وحشتينى اوووي يا غزال..
خرجت ليان من مكتبها وهي شايلة جواها سر يهد جبال، وماشية ناحية قاسم وهي بتفكر: يا ترى يا قاسم، لو عرفت إن ملاك وبابا بيحبوا بعض .. هتعمل إيه؟
$$$$$$$$$$$$$$$$$
مع كل غروب وأشعة شمس بتنزل، كان المكان اللي عمران و ملاك اعدين فيه بيتحول لقطعة من الخيال.. في الدور الخمسين فوق سحاب القاهرة، بيبان النيل من ورا الإزاز الضخم وكأنه لوحة مرسومة بالزيت، وألوان السما بتتبدل من البرتقالي الهادي للبنفسجي اللي بيسحر العين...
الوقت كأنه وقف. المكان كله كان محجوز ليهم هما وبس؛ عمران مكنش عاوز ملاكه تلمح عين حد غيره، ولا حد يشاركهم لحظة الغروب دي...
النيل كان تحتهم زي شريط حرير بيلمع، والشمس بدأت تدفن نفسها في المية ...
عمران كان قاعد وساند ضهره علي كنبه كبيره ، واخد ملاك في حضنه ومطوقها بدراعاته كأنه بيخبيها من الدنيا.. كان بيشم ريحة شعرها بتلذذ، وإيده بتمشي بحنية على كف إيدها الصغير...
عمران بصوت واطي ومبحوح : ملاكى .. حبيبي انا خدت قرار.. أول ما امتحاناتك تخلص إن شاء الله، أنا هكلم قاسم في موضوعنا..
الموضوع ده لازم يخرج للنور، مبقاش ينفع نستخبى أكتر من كدة.. أنا مش حابب الوضع ده، عاوزك تكوني ملكي قدام الدنيا كلها، و اسمك يتكتب علي اسمي.. واوشم حبيبي ليا بس قدام الدنيا كلها.. اللي بيحصل دا مبقاش مكفيني.. عاوزك النهارده قبل بكره.. عاوزك تنوري حياتي كلها.. عاوز ادخل جنتك...
ملاك اتنفضت وقامت من حضنه بخضة، وبصت له بعيون واسعة من الصدمة: أنت بتتكلم جد يا عمران؟ امتحاناتي هتبدأ آخر الأسبوع ده.. يعني بنتكلم في أقل من أسبوعين.. أنت متخيل رد الفعل؟ متخيل قاسم ممكن يعمل إيه..؟
عمران مسك وشها بين كفيه وباس دماغها بحنية : يا حبيبتي، لو كان عليا كنت روحت له دلوقتي.. بس أنا عارف إن مستقبلك أهم، ومحتاجة تركيز وهدوء في الأسبوعين دول...
أنا عارف إن موضوعنا مش سهل، وهياخد وقت ومجهود ومحايلة، وعشان كدة لازم تكوني خلصتي دراستك وفاضية للمعركة اللي هندخلها سوا...
ملاك عينيها دمعت من كتر الحنية اللي في صوته، مالت عليه وباست خده برقة وقالت بصوت مهزوز: أنا بحبك أوي يا عمران .. بجد بحس معاك بأمان غريب، كأنك معوضني عن كل إحساس كان ناقص جوايا.. كأنك الأب والسند والحبيب في وقت واحد..
كلمة الأب نزلت على عمران زي القنبله ، وافتكر فوراً كلام سعاد الصبح وهي بترميه في وشّه وتشككه في مشاعر بنتها.. عمران اتعدل في قعدته، وملامحه بقت جدية زيادة عن اللزوم، ومسك إيد ملاك وضغط عليها بخفة...
عمران بصلها بعمق وكأنه بيحاول يقرأ اللي جواها: حبيبي.. هسألك سؤال ولازم تردي عليا بمنتهى الصراحة.. أنتي بتحبيني بجد؟ يعني حب ست لحبيبها وراجلها؟ ولا حب بنوتة صغيرة حاسة بالفراغ ومحتاجة حنية أب شافتهم فيا؟
ملاك اتفاجئت بالسؤال، وبصت له بحيرة وسكتت لحظة.. كانت بتدور على إجابة جواها توصف الحالة اللي هي فيها، وقالت بتردد: أياً كان اللي أنا حاسة بيه، أنا مش عاوزه الإحساس ده ينتهي.. أنا بكون مبسوطة وأنا جنبك، وده كفاية عندي...
عمران هز راسه بالرفض وقال بجديه هادية: لا يا ملاكي.. فيه فرق كبير بين الإحساسين، ولازم تفرقي بينهم وتعرفي مين فيهم المسيطر عليكي.. عشان ده اللي هيحدد حاجات كتير أوي في اللي جاي...
ملاك استغربت وقالت بصوت خافت: يحدد إيه؟ أنا مش فاهمة ليه التعقيد ده دلوقتي؟
عمران اتنهد وقال بصدق: يا قلبي، أنا عن نفسي أي إحساس منك موافق عليه ومرحب بيه، المهم تفضلي جنبي.. أنا بتكلم عنك أنتي. لازم تبقي متأكدة من مشاعرك قبل ما أقف قدام أهلك؛ عشان لما الحرب تبدأ، هتحتاج نفس طويل وصبر ومحاربة، وانتي لازم تكوني قد كل ده.. مش عاوزك تيجي في نص الطريق وتكتشفي إنك كنتي محتاجة أب بس، وتسيبي إيدي وتضيعينا...
ملاك بصت له وبدأت تفكر في كلامه بعمق.. بدأت تراجع دقات قلبها وهي معاه، وغيرتها عليه من بيري، وشوقها ليه وهو مسافر.. هزت راسها براحة دليل إنها بدأت تستوعب كلامه، وإن الحب اللي جواها أكبر بكتير من مجرد احتياج لحضن أبوي...
عمران شاف نظرة الفهم في عينيها، فابتسم وسحبها تاني لحضنه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيقول بيقين: مش عاوزك تشيلي هم أي حاجة.. أنا كدة كدة معاكي، وعمري ما هسيبك، مهما حصل ومهما كانت الظروف.. أنتي بقيتي نَفَسي يا ملاك...
ملاك غمضت عينيها واستسلمت لحضنه، وهي بتقول لنفسها: أنا هحارب الدنيا عشانك يا عمران.. بس يا رب قاسم يسامحنا...
الشمس كانت بتودعهم بآخر خيط نور ليها، كانت بتنعكس على وش ملاك وهي في حضن عمران، وكأن الطبيعة نفسها بتبارك الحب ده اللي اتولد وسط الصعاب، فوق قمة العالم، بعيد عن عيون الناس وغدر البشر.
$$$$$$$$$$$$$
قاسم وقف بالعربية قدام بيت ليان، الشارع مكنش فيه دوشه ، بس جوه العربية كان فيها دوشه من نوع تاني..
دوشه السكوت اللي كان مسيطر على ليان طول الطريق. قاسم لف بجسمه وبص ليها بتركيز، عينه كانت بتفحص وشها اللي باين عليه الإرهاق والتفكير...
قاسم مد إيده ولمس وشها بحنية وقال بنبرة كلها قلق: ليان.. حبيبتي أنتي كويسة؟ من ساعة ما خرجنا وأنتي مش معايا خالص، سرحانة لدرجة خلتني أقلق عليكي.. فيكي إيه يا قلب قاسم؟ حد ضايقك في الشغل؟ ولا فيه حاجة شاغلة بالك ومش عاوزة تقوليها؟
ليان أول ما سمعت صوته الدافي والحنية اللي في كلامه، مكنتش قادرة تمسك نفسها أكتر من كدة.. في لحظة، اترمت في حضنه وانفجرت في العياط، عياط بحرقة كأنها بتطلع كل الخوف اللي جواها...
ليان وهي بتشهق في حضنه: مفيش يا قاسم.. مفيش حاجة معينة.. بس حاسة إني مخنوقة أوي، حاسة بخوف مش فاهمة سببه.. قاسم، أرجوك مهما حصل بلاش تسيبني.. بلاش تبعد عني لأي سبب في الدنيا. أنا ماليش غيرك، أنت كل دنيتي وحياتي.. بلاش تسيب إيدي يا قاسم، خليك دايما مخبيني في حضنك ومخبيبي من الدنيا ومن اللي جاي...
قاسم قلبه وجعه عليها جداً، شدد من ضمته ليها وبدأ يملس على شعرها ويهديها كأنها بنته الصغيرة اللي خايفة من الضلمة: شسسس.. اهدي يا حبيبتي، اهدي يا ليان. إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ وإيه اللي خلاكي تفكري في كدة أصلاً؟ حد في الدنيا يسيب روحه؟"
رفع راسها وبص في عينيها اللي غرقانة دموع وكمل بحب صافي: أنا مقدرش أبعد عنك ولا ثانية، ولا أقدر أعيش بره حضنك ده.. أنتي روحي والنفس اللي بيطلع ويدخل في صدري، ولو بعدت عنك لحظة كأني بموت بالبطيء.. أنا مقدرش يا قلب قاسم، أنتي بقيتي محفورة فيا...
أي حاجة هتحصل هنعديها سوا، وأنا هفضل السند والضهر ليكي لحد آخر يوم في عمري.. بلاش تعيطي تاني عشان دموعك دي بتحرق قلبي...
ليان بدأت تهدا شوية في حضنه، بس جواها كان فيه وجع مر..
قاسم باس دماغها وفضل ماسك إيدها بقوة، وهو مش فاهم إن ورا الدموع دي حكاية كبيرة، عمران وملاك هما أبطالها..
$$$$$$$$$$$$$$$$
طول طريق الرجوع، كانت ملاك زي اللي بتسرق لحظات من الجنة قبل ما تواجه الواقع...
كانت دافنة راسها في حضن عمران، بتشبع من ريحته اللي بقت هي الأكسجين بتاعها، وهو كان ضاممها بدراعه وكأنه بيستمد منها القوة عشان يقدر يقف قدام العاصفة اللي هو عارف إنها قربت.. دقات قلوبهم كانت بتتكلم لغة واحدة، لغة خوف ممزوجة بعشق مالوش حدود...
وصلوا قدام البيت، وعمران ركن العربية على جنب في حتة هادية. مسك إيد ملاك وباسها بطول وبعمق، وبص في عينيها وقال بنبرة مليانة شجن: هتوحشيني يا ملاكي.. لحد بكرة الصبح الثواني هتعدي عليا سنين..
وفجأة، وبدون أي مقدمات، باب العربية من ناحية ملاك اتفتح بقوة وعنف خلع قلبها من مكانه..
كان ياسين ، واقف وعيونه بتطق شرار، وشه كان مقلوب من الغضب...
ياسين بصوت زي الرعد: انزلي يا ملاك.. انزلي حالاً..
ملاك اتنفضت من مكانها وجسمها كله اترعش، لسانها اتمسك من الصدمة، وبصت لياسين برعب وقالت بصوت مهزوز: ياسين.. أرجوك اهدي... ووطي صوتك..
عمران مكنش من النوع اللي يتخض أو يستنى حد يهاجمه، في ثانية كان نازل من العربية وواقف قدام ياسين ب طوله وهيبته اللي تخوف أي حد. وقف سد منيع بين ياسين وبين باب العربية اللي ملاك لسه قاعدة فيها...
عمران ببرود قتال ونظرة حادة: خير يا ياسين؟ في حاجه ؟ وأنت بأي صفة بتفتح باب عربيتي بالشكل ده وبتكلمها بالطريقة دي وأنا موجود؟
ياسين قرب من عمران بخطوة تحدي، وصوته علي أكتر: بصفتي أخوها.. أخوها اللي مش عاجبه المسخرة اللي بتحصل دي، ولا عاجبه إن أخته تدمر نفسها بالشكل دا.. وكمان أنت بقى بصفتك إيه أصلاً عشان تتدخل بيني وبينها؟
عمران عدل وقفته، ورسم على وشة ابتسامة ثقة تخلي اللي قدامه يفقد أعصابه، وقال بهدوء وثبات: مع إني مش من عادتي أبرر تصرفاتي لحد، ولا بحب حد يحاسبني.. بس هرد عليك. أنا بكلمك بصفتي حبيبها.. وممكن نختصر الطريق ونقول بصفتي جوزها المستقبلي..
ياسين ضحك بسخرية وهو بيجز على سنانه: جوزها؟ أنت بجد متخيل إن ده ممكن يحصل؟ ده في أحلامك .. الجوازة دي مش هتم ، وملاك عمرها ما هتكون ليك...
عمران رفع حاجبه وبص له ب استهزاء: وهو حد أصلاً خد رأيك في اللي بيحصل؟ أو حد مهتم أنت موافق ولا لأ؟ انا بالنسبه ليا الحكاية خلصانة بس هي مساله وقت ، فا بلاش تضيع وقتك في كلام ملوش لازمة...
ياسين الغضب عماه، وما بقاش شايف قدامه، مد إيده بعنف عشان يشد ملاك من العربية ويسحبها وراه، بس قبل ما صوابعه تلمس كتف ملاك، كانت إيد عمران زي الكماشة حديد قبضت على معصم ياسين بقوة خلته يتأوه من الوجع...
عمران صوته كان مرعب وهو بيقرب من وش ياسين: إيدك لتوحشك .. هي بتعرف تمشي لوحدها كويس أوي.. لو لمحت إيدك دي بس بتفكر تلمسها أو تمسكها بالعافية، هزعلك... وزعلي وحش فابلاش تجربه..
ضغط عمران على إيد ياسين أكتر وكمل بوعيد: و لو عرفت إنك بس فكرت تضايقها بكلمة، أو تسمعها نص كلمة تزعلها، أنا معرفش ممكن أعمل فيك إيه.. اللي قدامك دي ملاك العمران، يعني ملكية خاصة،كرامتها من كرامتي و مفيش حد يتجرأ يرفع عينه فيها أو يخلي دمعة تنزل من عينيها طول ما أنا فوق الأرض.. فاهم؟
ياسين شد إيده بصعوبة وهو بيحاول يداري وجعه، وعمران لف لملاك وبص لها بنظرة حنينة طمنتها في وسط المعمعة دي، وقالها بهدوء: اطلعي يلا يا بابا.. اطلعي وخلصي كل اللي وراكي، وماتشغليش بالك بأي حاجة.. أنا موجود..
ملاك نزلت من العربية وهي بتبص لياسين بخوف وعمران بامتنان، وجريت على باب البيت.. وياسين فضل واقف قدام عمران، الاتنين بيبصوا لبعض بنظرات كأنها رصاص حي، والجو مكهرب ومستني بس شرارة عشان الانفجار الكبير يحصل...
$$$$$$$$$$$$$$$$$$
مرّ أسبوعين.. كانوا من أثقل وأصعب الأيام اللي مرت على عمران وملاكه...
أسبوعين والوقت فيهم كأنه واقف مبيتحركش، وكل ثانية بتعدي كانت بتسحب من رصيد صبرهم..
ملاك كانت غرقانة وسط امتحاناتها كانت هي الشبح اللي بيبعدها عن عمران..
أما عمران، فكان عامل زي الأسد المحبوس في قفص.. الشركة بقت كئيبة من غير طيفها، ومكتبه اللي كان بيجمعهم بقى مجرد أربع حيطان خنقاه. كان بيقضي ليله يقلب في صورها، ويبعت لها رسايل يطمن عليها وهو من جواه محتاج اللي يطمنه...
كان آخر يوم ليها في الامتحانات، والجو كان فيه نسمة حرية أخيراً بعد ضغط أسبوعين.. عمران كان موصلها البيت، وماسك إيدها طول الطريق كأنه مش عايز يسيبها..
عمران بصلها بحب وهو بيوقف العربية قدام البيت: أخيراً ياملاكي الامتحانات خلصت ، عاوزك من اللحظة دي ملمحش في عينك غير الفرحة وبس .. إحنا اتفقنا، بكرة ان شاء الله هكون هنا عندكم واكلم قاسم في كل حاجه..
ملاك ابتسمت بتعب ممزوج براحة: انا خايفه اوووي. قلبي مقبوض مش عارفة ليه... نفسي اغمض عيني وافتحها الاقي كل حاجه تمام..
عمران باس إيدها وطمنها بكلمات دافية قبل ما تنزل، واستنى لحد ما دخلت البيت وقفلت الباب وراها،..
على بعد مسافة كافية، كانت في عربية مركونة في الضلمة، مطفية النور تماماً زي سواد قلب اللي قاعد فيها. عمر كان ساند راسه على الشباك، وعينه زي الصقر مراقبة كل تفصيله..
طلع موبايله وضغط على رقم بيري، وصوته كان واطي وفيه فحيح أفاعي: "ألو.. أيوا يا بيري، الليلة بدأت تحلوّ أوي. عمران لسه موصلها اهو، ودلوقتي هو اتحرك وجاي على البيت.. اجهزي أنتي بقى، الساحة فضيت ليكي...
بيري بضحكة انتصار: خلاص زي الفل.. واحلي حاجه ان ليان كمان مع قاسم اللحظة دي انا مستنياها من بدري.. هكلم أميرة تحضر نفسها هي كمان للمرحلة التانية..
عمر: تمام، انجزي يلا واستغلي إن ليان لسه بره مع قاسم، البيت ملكك يا قطة.. فرجينا شطارتك...
$$$$$$$$$$$$$$
أصعب أنواع الشر هو اللي بيلبس لبس القرب ، واللي بيستنى لحظة ضعفك عشان ينهي عليك.. الشر الحقيقي هو اللي بيحاول يوسخ البراءة عشان يثبت إن الكل زيه...
بيري قامت زي المجنونة، دخلت أوضتها ولبست "لانجري" مثير جداً وحطت فوقه روب خفيف، ورشت من عطرها النفاذ اللي عمران دايما كان بيقول عليه إنه بيخنقه ، بس هي المرة دي كانت عاوزة تخنقه بجد..
نزلت وقفت في الريسيبشن، وبدأت تمثل دور الهادية الرقيقة..
في اللحظة دي، باب الفيلا اتفتح ودخل عمران.. ملامحه كانت هاديه . أول ما شاف بيري، مكنش ليه خلق للكلام، بس هي قربت منه بتمكن...
بيري بنعومة: حمد لله على سلامتك يا عمران.. شكلك تعبان أوي ومرهق، اليوم كان طويل عليك صح؟
عمران بتنهيدة وتعب: أيوة يا بيري.. فعلاً محتاج أرتاح.
قعد عمران على الكنبة، وبيري بدأت تتكلم في مواضيع شغل عادية عشان تطمنه وما يشكش في حاجة، وبعدين قامت بدلع وقالت: أنا كنت قايمة أجيب لنفسي عصير فراولة فريش يروق أعصابي، هجيبلك كاس معايا يبرد على قلبك...
دخلت المطبخ، وطلعت "الحباية" اللي كانت مجهزاها، طحنتها وحطتها في كاس عمران.. رجعت ومعاها الكاسين، وقعدت جنبه وقدمتله الكاس بابتسامة صافية: اتفضل.. بالف هنا..
عمران، شرب أول مرة.. ومع التانية.. ومع التالتة، بدأ يحس إن جفون عينه تقلت بشكل مش طبيعي، وصورة بيري قدامه بدأت تتهز، وصوته بقى تقيل ومبحوح: أنا .. أنا مش عارف مالي.. حاسس إني دايخ.. أوي...
بيري بلمعة شر في عينيها، سندته وقالت بتمثيل: يا روحي سلامتك.. شكلك منمتش بقالك كتير والضغط عالي عليك، تعالي.. تعالي هطلعك أوضتك ترتاح.
وبالفعل، عمران كان غايب عن الوعي تقريباً، سحبته بيري وطلعوا الأوضة، وأول ما دخلوا، عمران اترمي على السرير زي الجثة، مبيتحركش غير بأنفاس تقيلة.
هنا بيري كشرت عن أنيابها.. وبكل برود بدأت تقلعه هدومه قطعة قطعة لحد ما بقى عريان الصدر، وهي كمان قلعت الروب بتاعها، واترمت في حضنه على السرير، وبدأت تطلع موبايلها...
خدت "سيلفي" وهي نايمة على صدره، وصورة تانية وهي بتبوسه وهو غايب، وصورة تالتة توضح إنهم في وضع حميمي جداً.. كانت بتصور ببرود واحترافية وكأنها بتوثق لحظة تاريخية.
وبكل غل، دخلت على "واتساب" واختارت رقم ملاك.. وبعتت الصور واحدة ورا التانية، ومعاهم رسالة واحدة:
شوفتي يا قطة؟ شوفتي بعينك عمران فين و في حضن مين دلوقتي..
ملاك كانت قاعدة بتفكر في كلام عمران وسرحانة في بكرة، مكنتش تعرف إن بكرة ده اتدمر خلاص قبل ما يبدأ...
تلفونها رن باشعار رساله.. مدت إيدها بلهفة وهي فاكرة إنها رسالة "تصبح على خير" من عمران زى كل يوم .. بس أول ما شافت الصور، الدنيا اسودت في عينيها، والنفس انقطع، والموبايل وقع من إيدها على الأرض وكأنه العالم بالنسبه ليها انتهي...
$$$$$$$$$$$
ياترى اى هيحصل ف البارت الجاى.....