رواية بين النضج والبراءة الفصل الثامن عشر 18 بقلم زمرد الراوي
صوت محرك الطيارة كان هو الونيس الوحيد لملاك وهي ساندة راسها على الشباك، بتبص للسما اللي بدأت تلونها خيوط الفجر.. نفس ألوان الغروب اللي شافتها مع عمران من أربع سنين في البيت اللي كان على النيل، لما كان واخدها في حضنه وبيوعدها إن الشمس مش هتغيب عن حبهم أبدًا. بس المرة دي، قلبها مكنش بيدق بالحب ولا بالهيام.. كان بيدق بدقات منتظمة، باردة، مليانة "تحدي"..
ملاك مابقتش البنت الصغيرة اللي بتخاف من خيالها، ولا "العيلة" اللي كانت بتترعش من نظرة عين عمران. ملامحها بقت أهدى، وأقوى، وبرودها بقى يوزن بلد.. الغربة علمتها إن الوجع مابيموّتش، لكنه بيعيد صياغة الروح من أول وجديد..
فتحت شنطتها وطلعت "نوتة" صغيرة كانت بتسجل فيها أفكارها ، وقعت منها صورة قديمة.. صورة مكسورة الأطراف، بتجمعها هي وعمران وليان وقاسم في يوم كتب كتاب قاسم وليان. عمران كان واقف فيها بهيبته ، وعينه بتلمع بفرحة كانت وقتها فاكراها حقيقية..
بصت للصورة بنظرة خالية من أي مشاعر، لا حنين ولا غضب، وكأنها بتبص لشخص غريب مات وشبع موت في سجلات ذاكرتها.. بصت من شباك الطياره وشافت فراغ.. وافتكرت اللي حصل من أربع سنيين...
$$$$$$$$$$$$$$$$$$$$
فلاش باك
ملاك كانت واقفة في نص أوضتها، جسمها كله بيترعش كأنها في عز الشتاء.. الصور كانت قدامها زي السكاكين اللي بتقطع في روحها، بتغرس في قلبها وتنهي على كل ذرة أمان حست بيها معاه...
خرجت من البيت زي المجنونة، مش شايفة قدامها، الدنيا بتلف بيها ومش عارفة تروح فين .. كانت ماشية زي التايهه ، ودموعها مغرقة وشها. ركبت عربيتها وقالت للسواق يوديها الفيلا عند عمران .. مش عشان تعاتبه، بس عشان تعرفه انه مايستاهلش ..
في الوقت ده، عمر اللي كان مراقبها زي الشيطان، أول ما شافها خارجة اتصل ببيري بسرعة:
"ألو يا بيري.. ملاك خرجت وجيالك الفيلا .. فوقي عمران من المخدر اللي خدّه، مش عاوزه يفضل نايم، عاوزه يشوف بعينه وهي بتسيبه، خلينا نخلص من الليلة دي ونحرق قلوبهم بجد..
بيري بكل برود وجبروت، طلعت حقنة مجهزة "مضاد" وادتها لعمران عشان يفوق بسرعة، والأهم عشان تمحي أي أثر كيميائي للمخدر في دمه لو فكر يعمل تحليل.. بيري كانت بتمحي اي إثبات براءه لعمران ..
وصلت ملاك الفيلا، ودخلت من الباب وهي بتنهج بوجع، قلبها كان هيقف من الرعب والكسرة. في اللحظة دي، كان عمران نازل من على السلم، وشّه أحمر زي الجمر، وعينه بتطق شرار وهو بيزق بيري قدامه وبيصرخ بصوت هز أركان الفيلا:
أنتي جيتي جنبي إزاي؟ أنتي دخلتي أوضتي إزاي يا بنت الكلب يا وسخة؟ أنتي فاكرة الحركة القذرة دي هتعدي؟ وحياة أمي لأدفعك تمن اللي عملتيه ده غالي أوي يا بيري.. انتي فاكره ممكن تضحكي عليا بدموع التماسيح دي...
.
بيري كانت بتمثل الضعف والذل، بتلم الروب عليها وبتمثل العياط ببراعة شيطانية .. بس فجأة عمران سكت، والنفس انقطع من صدره لما رفع عينه ولقى ملاك واقفة قدامه.. الدنيا اسودت في عينه لما شاف "الموت" اللي في عينيها والكسرة اللي في وقفتها..
قرب منها بلهفة ، وإيده بتترعش وهو بيحاول يلمسها:
ملاك.. ملاكي أنتي هنا؟ والله العظيم أنتي فاهمة غلط.. قسماً بالله ما لمستها ولا أعرف هي دخلت أوضتي إمتى.. أنا كنت دايخ، مش عارف ده حصل إزاي اصلا ..
ملاك بصت له بنظرة "قرف" ووجع خلت عمران يتمنى الأرض تنشق وتبلعه.. طلعت الموبايل من شنطتها ورمته في وشه بكل قوتها وهي بتصرخ صرخة وجع شقت السما:
غلط إيه؟ الصور دي كدب؟ نومك في حضنها كدب؟ أنت إنسان وحش .. ليه دخلتني حياتك؟ ليه مثلت عليا الحنية والأمان وأنت كدة؟ أنا ذنبي إيه تكسرني الكسرة دي؟
شهقت بكسرة وكملت وكلامها زي الرصاص اللي بيخرم في صدره:
"ده أنت المفروض بكرة كنت هتيجي تتكلم مع قاسم.. كنت هتقابله بـ أنهي وش؟ أنا بقيت قرفانة إنك في حياتي.. وقرفانة من نفسي إني حبيت واحد زيك..
وحطت اديها علي رقبتها وقطعت السلسله.. ورمتها في وشه.. خد.. خد روح دور على واحده غيري تحبسها في قفص وتتحكم فيها و تخونها براحتك..
بيري بصت ليهم بملل واستفزاز، وسابتهم وطلعت أوضتها بكل برود.. جابت تليفونها واتصلت بعمر:
أيوة يا عمر.. أنا كدة عملت اللي عليا وقفلنا الحكاية. الباقي عليك، ملاك ثواني وهتخرج، اخطفها بقى وكمل اللي اتفقنا عليه.
ملاك لفت وشها عشان تخرج وهي مش شايفة الطريق من كتر الدموع، بس مالحقتش توصل للباب.. جسمها خذلها، والدنيا اسودت فجأة، ووقعت على الأرض جثة هامدة وسط صرخة عمران اللي هزت الحيطان وهو بيلحقها قبل ما راسها تلمس الأرض.. كان شايلها في حضنه وبيصرخ باسمها كأن روحه هي اللي بتطلع...
في اللحظة دي، اتفتح الباب ودخل قاسم وليان.. قاسم شاف أخته مرمية على الأرض وعمران حاضنها، ففقد أعصابه تماماً:
مالها؟ حصلها إيه؟ رد عليا عملت فيها إيه؟
عمران بانهيار وهو بيحاول يفوقها: وسع إيدك.. خليني أفوقها.. ابعدوا عنها..
شالها عمران بلهفة ودخلها مكتبه، وليان جابت برفان وهي بتعيط، وقاسم كان واقف هيموت من الخوف على أخته.. عمران بدأ يرش برفان ويقربه من مناخيرها، وبدأت تفوق ببطء.. وأول ما فتحت عينيها ولقته في وشها، اتنفضت بوجع وسحبت نفسها لورا كأنها بتبعد عن نار بصت حواليها لقت اخوها وحاميها: قاسم، خدني من هنا.. عشان خاطري خدني من هنا..
قاسم من غير تفكير قرب منها وخدها في حضنه، وهي انهارت في عياط هستيري: خدني يا قاسم.. عاوزة أمشي..
عمران حاول يتكلم وصوته مخنوق: هنروح المستشفى الأول نطمن عليكي..
ملاك ولا كأنها سامعاه، بصت لقاسم بضعف: قاسم وحياتي عندك لو بتحبني، أنا عوزة أروح البيت.. عاوزة حضن ماما...
عمران غمض عينه بوجع يهد جبال، وفي اللحظة دي جاله تليفون من رجالته :
أيوة يا باشا.. عمر واقف قدام الفيلا، وكان ماشي ورا الآنسة ملاك من ساعة ما خرجت من بيتها.. وأميرة في المخزن شكلها مستنية حد.
عمران هنا بدأ يجمع الخيوط.. و فهم إن "عمر وبيري وأميرة" عاملين فخ عليه وعلى ملاك.. إنهم مش بس عاوزين يفرقوهم، هما عاوزين يدمروا ملاك تماماً...
عمران بعد عن قاسم وملاك، ورد بصوت تقيل كأنه خارج من القبر، صوت كله انتقام وغدر:
خده على المخزن.. وجيبلي بنت الكلب أميرة هناك..
قاسم خد ملاك ومشيوا، وسابوا وراهم ليان المنهارة، وعمران اللي قلبه اتكسر مليون حتة.. مكنش كسر قلب وبس، ده كان "إعدام" لرجولته وكرامته قدام البنت الوحيدة اللي عشقها...
$$$$$$$$$$$$$$$$$
ملاك كانت قاعدة في حضن مامتها على السرير، كأنها طفلة عندها خمس سنين بتهرب من كابوس مرعب..
مكنتش قادرة تغمض عينيها، لأن كل ما بتغمض بتشوف صورة بيري وهي بتضحك، وصورة عمران وهو غايب عن الدنيا في حضنها..
قاسم وياسين وخالتها عزة كانوا حواليها، عيونهم كلها قلق، والبيت اللي كان دايماً مليان ضحك، بقى فيه سكوت يقبض القلب...
سهام بتمسح على شعر ملاك بحنية: إيه يا قلب ماما.. مش عاوزة تحكي لي حصل إيه؟ وإيه اللي وصلك للحالة دي يا بنتي؟
ملاك، وهي بتحاول تبين إنها متماسكة : مافيش حاجة يا ماما.. ضغط الامتحانات كان شديد، وأنا كنت عاملة مفاجأة لليان، قولت أروح لها البيت عشان وحشتني بقالنا كتير مشفناش بعض.. وأول ما وصلت هناك، حسيت بدوخة جامدة أوي ومخي وقف، مابقتش شايفة قدامي لحد ما وقعت من طولي.. بس ده كل اللي حصل، إرهاق مش أكتر...
سهام حضنتها جامد، ونفسها بتقول لها إن بنتها بتخبي وجع يهد جبال، وهمست في ودنها بنبرة الأم اللي فاهمة كل حاجة: أنا مش هضغط عليكي يا ملاكي.. بس هستنى اليوم اللي تيجي فيه وتترمي في حضني وتحكي لي الحقيقة.. الحقيقة اللي كاسرة عينيكي دي..
ملاك أول ما سمعت الجملة دي، حصونها انهارت، واترمت في حضن سهام وانفجرت في عياط مكتوم ومحروق، عياط بيطلع نار من جوه قلبها، والكل واقف حواليها مش فاهم غير إنها "تعبانة من ضغط الامتحانات "
$$$$$$$$$$$$$
مر شهر كامل على الليلة دي.. شهر ملاك كانت مطفية فيه.. كان دايما ياسين جمبها مابيسبهاش كان بيخرجها غصب عنها ، بس هي دايما كانت عاملة زي "الخيال"، ساكتة، شاردة، وفقدت شهيتها لكل حاجة...
لحد ما جتلها مكالمة غيرت مسار حياتها. عميد الكلية كلمها وبشرها إنها جابت امتياز، وإن ملفها مرشح لمنحة "دعم المتفوقين" للسفر للندن وتكملة دراستها هناك في أكبر الكليات ...
في الأول، ملاك كانت هترفض، كانت عاوزة تفضل في حضن أمها.. بس بعدين افتكرت إن "عمران" لسه موجود في نفس البلد، في نفس الهوا، وإنها كل ما بتمشي في شارع بتشم ريحته.. فقررت إن الهروب هو "البداية"... عشان تبني ملاك جديدة ميكسرهاش حد..
قفلت مع العميد بقرار نهائي، وأول حد فكرت فيه كان ياسين.. اتصلت بيه وصوتها فيه بحة غريبة: ياسين.. أنت فين؟
ياسين رد بلهفة وحماس وكأنه كان مستني المكالمة دي: ملاك.. كنت لسه هكلمك.. أنا عندي ليكي خبر بمليون جنيه! العميد كلمني وقالي على المنحة..
ملاك بفرحه لياسين..بجد يا حبيبي.. الف مبروك.. انا كمان جالي نفس المنحة...
ياسين بحماس.. ايوا بقي يعني هسافر معاكي يا قلب أخوكي.. ها يا ملاك.. قوليلي إنك وافقتي، قولي إننا هنمشي من هنا...
ملاك خدت نفس طويل، وكأنها بتطرد آخر ذرة ضعف من صدرها وقالت بقوة: أنا بلغت العميد اصلا إني موافقة يا ياسين..
ياسين صرخ من الفرحة: أيوا بقى.. هي دي ملاك اللي أعرفها.. لندن دي هتنور بيكي يا بشمهندسة..
ملاك بابتسامه باهته.. طب اقفل اقفل.. علشان اروح اعرف ماما وقاسم.. اوعي ماتجيش باليل.. هستناك
$$$$$$$$$$$$$$$$
بيت ملاك كان فيه فرحه غريبه و ريحته "ورق عنب" من إيد سهام اللي كانت بتحاول تخرج ملاك من مود الكآبة. الكل كان متجمع، والضحك مالي المكان...
سهام بفرحة وهي بتحط الأكل: محدش يمد إيده على ورق العنب ده غير ملاكي.. دي بيتعمل للغاليين بس..
ياسين وهو بيخطف صباع ورق عنب: يا خالتو يعني إحنا ولاد البطة السودة؟ ما كلنا تعبانين أهو.. خلوني اشبع منه انا كمان.. كلها اسبوع وهنسافر.. مش هنلاقيه هناك في لندن
قاسم ضحك وبص لملاك اللي كانت قاعدة بتقلب في طبقها وسرحانة: مالك يا قلبي؟ ساكتة ليه؟
ملاك خدت نفس طويل، وسابت الشوكة، وبصت لهم بملامح جدية خلت الكل ينتبه: مافيش ياقاسم اول مرة ابعد عنكم.. قلقانه بس شويه.. وخايفة من الخطوة دي.
قاسم شدد على إيدها وبص في عينيها بصدق: "تقلقي وأنا موجود؟ يا حبيبتي الغربة صعبة اه، بس ياسين معاكي ومش هيسيبك ثانية، وأنا هنا ضهرك وسندك.. أي وقت هتحسي فيه إنك محتاجاني، هتلاقيني قدامك في أقل من ساعات.
$$$$$$$$$$$$$$$$
بعد الأكل، ملاك خرجت تقعد في الجنينة تحت ضوء القمر.. سهام عملت عصير وراحت قعدت جنبها، وفضلوا ساكتين شوية، لحد ما سعاد قطعت الشك باليقين.
سهام: لسه مش عاوزة تحكي لي يا قلبي.. إيه اللي حصل بجد؟
ملاك بصت للسما ودموعها نزلت غصب عنها، وبدأت تحكي.. حكت عن "عمران وبيري"، حكت عن الخذلان، عن الوجع اللي شفته بعينيها والرسائل اللي بيبعتها عمران وهو بيحلف إنه مظلوم..
سهام بوجع: ممكن يكون مظلوم يا بنتي.. أنتي عارفة إن الحقد بيعمل أكتر من كدة.
ملاك بصرخة مكتومة: حتى لو كان مظلوم يا ماما.. أنا مابقيتش قادرة. أنا مكسورة أوي.. حاسة إني اتدبحت. اللي شفته بعيني خلاني مابقيتش قادرة أبص في وشي في المراية، ولا قادرة أفتكر كلماته من غير ما أقرف من نفسي. أنا محتاجة أبعد.. محتاجة أشوف نفسي بعيد عنه، محتاجة أعرف هو كان 'حب' ولا كنت 'محتاجة حنية أب' زي ما كنتي بتقولي لي دايماً.. محتاجة أبني ملاك تانية، ملاك قوية ماحدش يقدر يكسرها...
سهام ضمتها لصدرها بقوة، ودموعها نزلت على دموع بنتها: سافري يا قلبي.. ادرسي، وانجحي، وخليكي أقوى من أي ظرف. المنحة دي هي طوق النجاة ليكي.. روحي ابني شخصيتك هناك، وخلي الدنيا كلها تعرف مين هي ملاك.. والزمن هو اللي بيكشف الحقايق يا بنتي.. سافري وأنتي مطمنة، و قلبي راضي عليكي .
$$$$$$$$$
و انتهت القصة بمشهد ملاك وهي في المطار، ماسكة شنطتها ب إيد بتترعش، وبتبص وراها بصه أخيرة لمصر.. سابت وراها دنيا، وسابت "عمران" اللي كان واقف من بعيد في المطار، مستخبي ورا نضارته السوداء، بيراقب "روحه" وهي بتركب الطيارة وبتمشي، وهو مش قادر حتى يودعها.. سابت وراها قلب مكسور، وحكاية مكملتش، ووعود ادفنت تحت تراب الوجع.
ملاك مشيت.. بس كانت عارفة إنها لما ترجع، مش هترجع "ملاك الضعيفة" أبداً.
$$$$$$$$$$$$$$$$$$$
عمران كان قاعد ورا مكتبه، بس المكتب المرة دي مكنش عليه صفقات بملايين ولا عقود محتاجة إمضا.. كان قدامه "صندوق" صغير، فتحه ببطء وحذر كأنه بيفتح صندوق فيه قنبلة موقوتة لو لمسها قلبه هينفجر...
طلع منه سلسلتها ولمس الفراشه كانه بيلمسها هي.. وطلع قلم روج بلون هادي، مسح عليه بصوابعه وكأنه بيلمس شفايفها، وطلع إزازة برفانها المفضلة.. فتحها وغمض عينه، استنشق الريحة وكأنها "أكسجين" بيسكن خلايا مخه اللي تعبت من التفكير. مسك الإسكارف الحرير اللي لسه محتفظ بلمستها، دفن وشه فيه وبدأ يشم ريحتها بقوة، ريحة ملاك اللي كانت بتخليه ينسى الدنيا.. دمعة وحيدة نزلت من عينه وهو بيكلم صورتها بصوت مبحوح وواطي:
بقالي أربع سنين يا ملاك.. أربع سنين والليل مبيعديش من غير ما أعاتبك.. ليه مشيتي يا ملاكي؟ ليه سبتيني للضلمة دي؟ قسماً بالله ما خنتك، ولا شوفت ست غيرك.. السنين دي كلها كانت سجن كبير من غيرك، كنتي محتاجة تسمعيني بس.. ولاد الكلب اللي فرقونا خدت حقك منهم تالت ومتلت، بس أنتي فين؟ أنتي وحشتيني لدرجة بتدبحني كل يوم...
فلاش باك..
عمران طلع لبيري أوضتها.. خبط الباب برجله وفتحه بعنف خلع قلبها. بيري لفت بصدمة بس حاولت تتصنع الثبات: إيه يا عمران؟ ملاك مشيت؟
من غير كلمة، عمران نزل بـ "قلم" على وشها بكل قوته، لدرجة إنها وقعت على الكنبة وصوت القلم رن في جوانب الأوضة..
عمران بصوت مرعب: كنت عارف بكل حاجة بتعمليها يا بنت الكلب.. كنت عارف إنك بتقابلي الخول 'عمر' والوسخة 'أميرة'.. بس مكنتش متخيل إن الحقارة والنجاسة توصل بيكي إنك تخدريني وتنامي جنبي وتتصوري معايا..
كنت فاكر إنك عاوزة تأذي ملاك بس وتوجعي قلبها وقلبي ، مكنتش فاكر إنك شيطانة بالشكل ده.. ملاك عملت ليكي إيه عشان تعملي فيها وفيا كدة؟
بيري قامت وهي بتمسح الدم من شفايفها وضحكت بـ هستيرية: عملت إيه؟ أنت بتهزر صح؟ أنت بتسأل ملاك عملت إيه؟
ملاك خدت حاجة مش بتاعتها.. حاجة حقي أنا.. أنت ملكي يا عمران.. من يوم ما كنت بشوفك مع أختي وأنا لسه صغيرة وأنا قلبي واجعني .. حبيتك و عشقتك ، ولما القدر ريحني منها وماتت وهي بتولد ليان، قولت خلاص.. الدنيا بتصالحني وهتكون ليا...
كملت بصراخ وغل: كل مرة كنت بقرب، كنت بتصدني.. كنت بتبعدني كأني وباء.. ولما رجعت وشفت نظراتك لملاك.. في الأول مكنتش مصدقه.. ولما شوفتكم في دهب بتبوسوا بعض.. اتجننت مكنتش مصدقة إنك سلمت ووقعت لحتة عيلة..
حلفت إني أنتقم منها، وأحرق قلبها وقلبك.. خدت حاجة ملكي، واللي يلمس اي حاجه ملك بيري لازم يدفع التمن..
عمران قرب منها وعيونه بقت سواد ملوش آخر، مسكها من رقبتها وضغط بقوه: أنتي مريضة.. مريضة وزبالة وشيطانة.. وأنا غبي إني آمنت ليكي في بيتي. مكنتش اعرف انك هتستخدميني لاذية ملاك.. . مجاش في بالي نهائي ان دا ممكن يحصل.. كنت فاكر بس انتقامك كله هيبقي لملاك.. مكنتش اعرف انك وسخه اوي كدا.. لو ليان مكنتش في الصورة، وانك خالتها، كنت محيتك من على وش الأرض ودبحتك بإيدي دي...
زقها بعيد عنه بقرف وكمل بوعيد يهد جبال: هتاخدي هدومك وتغوري من هنا في ستين داهية.. ولو فكرتي بس تهوبي ناحية ملاك أو تظهري في سكتي، هدمرك يا بيري.. هعرفك يعني إيه عمران لما بحط حد في دماغه .. فيديوهاتك 'القذرة' مع عساف السوهاجي و رضوان وخالد عندي، وهقول انتي مشغله فلوسك معاهم في اي.. هفضحك يابيري وانشر كل نجاستك و هخلي الشعب كله يتفرج عليكي.. ابعدي عن سكتي عشان أنا لا بسامح ولا برحم.. أنا خارج ساعة، أرجع ملاقيش ليكي أثر في البيت ده.. فاهمة؟
خرج عمران ورزع الباب وراه، وساب بيري بتصرخ بضعف وهي عارفة إنها خسرت كل حاجة.. خسرت عمران، وخسرت كرامتها، ومبقلهاش غير الهرب.
$$$$$$$$$$$$$$$$$
دخل عمران المخزن وخطوات كانت بترن في المكان زي دقات ساعة الموت...
الجو كان مكتومو، وصوت أنفاس "عمر" و"أميرة" المرعوبة كانت هي اللي مسيطرة. عمران كان قالع الجاكيت، وشمر كمام قميصه، وعروق إيده بارزة من كتر الغضب المكتوم...
قرب من أميرة اللي كانت مربوطة ومنهارة، بصلها ببرود قتال، مفيش في عينه ذرة شفقة. وطى لمستواها وقال بنبرة هادية بس تخوف بلد: أنا لا هضربك ولا هوسخ إيدي فيكي ... وأنتي مجرد أداة رخيصة ...
بس أنا هعمل معاكي أحلى واجب يليق بالوسخين اللي زيك.. اللي يفكروا بس يلمسوا طرف حاجة تخص 'عمران الهواري'..
نادى بصوت جهوري هز أركان المخزن: "مدحت"
مدحت جه جري: "أيوة يا باشا.. تؤمر بإيه؟
عمران بصلها بقرف وقال: "خد الشـ**وطه دي، ارميها قدام بيت 'لولا'.. أنتوا عارفين السكة، وبلغوا بوليس الآداب يعمل كبسة بعد عشر دقايق...
أميرة صرخت وبدأت تتوسل وهي بتبوس رجله: حرام عليك.. أنا كدة مستقبلي هيضيع.. أبوس إيدك بلاش الفضيحة دي، أنا هعملك اللي أنت عاوزه..
عمران نفض رجله منها وقال بمنتهى القسوة: دي قرصة ودن صغيرة عشان بس فكرتي تقربي من حاجه تخص عمران الهوارى .. وأحمدي ربنا إني مخلتكيش تختفي من على وش الأرض. يلا.. خدوها من وشي مش عاوز ألمح طيفها...
لف عمران وبص لـ عمر.. النظرة المرة دي كانت مختلفة، كانت نظرة "سفاح" لقى فريسته. قرب منه ببطء، وعمر كان بيحاول يرجع بكرسيه لورا وهو بيترعش..
عمران فك أول زرارين في قميصه وقال بصوت مرعب: كنت عاوز تاخدها؟ كنت ناوي تلمسها يا روح أمك؟
عمر حاول يتكلم: أنا .. أنا...
عمران مقدرش يكمل كلامه، الغيرة على "ملاكه" عمت قلبه. هجم على عمر زي الإعصار، نزل فيه ضرب ملوش آخر.. بوكسات وشلاليت وضرب بكل غل السنين، ماسبش فيه حتة سليمة..
كان بيضربه وهو بيفتكر نظرة الخوف في عين ملاك، وصراخها وهي بتعيط.
عمران وهو بينهج وماسك عمر من شعره: كنت ناوي تغتصبها يا ك*س امك ؟ كنت ناوي تضيعها ؟ أنا بقى هحرمك من رجولتك دي خالص.. خليك تجرب الاغتصاب اللي علي حق.. فتحي.. خد الوسخ ده، روق عليه بطريقتك .. والكلب ده م يخرجش من هنا غير لما تريحوا علي الاخر..
رمى عمر على الأرض وبص له باحتقار وكمل: ابقى عرف أبوك يا مـتـن*ـاك إن الشراكة اللي بيننا ملغية.. وكل اللي حصل ده وانا لسه ماخدتش حقي منك .. عرف أبوك إنكم من اللحظة دي بقيتوا أعداء عمران الهواري.. وشوفوا بقى هتصدوا قدامي إزاي. أنا لو ماخليتكم تشحتوا اللقمة في الشوارع مابقاش أنا عمران..
خرج عمران من المخزن وهو بيعدل قميصه، الهوا الساقع خبط في وشه بس نار قلبه مبردتش.. كان بيفكر في ملاك، في حضنها اللي اتحرم منه، وفي عينيها اللي شاف فيها "كُره" لأول مرة...
$$$$$$$$$$$$$$$
مر شهر كامل على "ليلة المشؤمه دي "، شهر وعمران عايش في جحيم ملوش آخر. مسبش فرصة إلا وحاول يوصل لملاك فيها رسايل، مكالمات، محاولات إنه يروح تحت بيتها.. بس الرد كان دايماً "السكوت القاتل". ملاك كانت قافلة كل بيبان الرحمة في وشه، وهو، بكل جبروته، مكنش عاوز يضغط عليها أكتر، قال لنفسه: هسيبها شهر، تهدا، وبعدها ياانا ياانتي ياملاك..
كان قاعد في أوضته، الإضاءة خافتة، والسجائر مابتفارقش إيده. مسك الموبايل وطلب رقمها للمرة الألف، وجاله الرد البارد اللي بيقبض قلبه: "الهاتف الذي طلبته ربما يكون مغلقاً.."
رمى الموبايل على السرير بغل وقام وقف قدام الشباك: كدا كتير يا ملاك.. كدا كتير أوي. أنا سبتك تهدي، بس البعد ده بياكل في روحي. بكرة.. بكرة الصبح إن شاء الله هروح لقاسم، واللي يحصل يحصل، مش هسيبك تضيعي مني حتى لو وقفت قدام الدنيا كلها.. وأولهم انتى
في اللحظة دي، خبطت ليان ودخلت الأوضة.. وشها كان باهت وباين عليها إنها شايلة خبر تقيل.
ليان بصوت واطي: بابا.. حبيبي أنت لسه صاحي؟ قولت آجي أقعد معاك شوية...
عمران بصلها بابتسامة باهتة وحاول يداري تعبه: تعالي يا قلب بابا.. صاحي، مابقتش أعرف طعم النوم أصلاً..
قوليلي أنتي كويسة؟ وقاسم كويس معاكي؟
ليان قعدت جنبه ومسكت إيده بحنية: أيوة يا حبيبي، كل حاجة تمام وقاسم شايلني في عينه.. بس.. في موضوع كنت عاوزه أقولك عليه، وخايفة على زعلك..
عمران قلبه انقبض، وشه اتصلب وقال: قولي يا ليان.. خير؟ قلقتيني..
ليان خدت نفس طويل وقالت جملتها دفعة واحدة: ملاك مسافرة كمان خمس ساعات يا بابا..
الخبر نزل على عمران كأنه صاعقة شلت حركته.. عينه برقت بصدمة، وصوته طلع مخنوق: مسافرة؟ مسافرة فين؟ وإزاي؟
ليان بدموع محبوسة: منحة تبع الكلية في لندن .. هتروح تكمل دراستها هناك هي وياسين ...
عمران كان عامل زي المشلول، مكنش عارف يقول إيه، العالم كله وقف عند الكلمة دي.. "مسافرة". يعني الوداع اللي كان خايف منه بقى حقيقة..
ليان بصت لأبوها بصدق وقالت : بابا.. أنا عارفة إنك أنت وملاك بتحبوا بعض..
عمران رفع راسه بصدمة وذهول: أنتي عرفتي منين؟
ليان بابتسامة حزينة ممزوجة بحنية: عرفت من فترة .. سمعتك مرة وأنت بتكلمها، ده غير نظراتكم لبعض في الشركة وفي كل مكان.. دي لوحدها بتحكي الف حكايه..
عمران بتوتر: ليااان ....انا...
قاطعته ليان وكملت:
انا انا مش زعلانه خالص يا بابا.. أنا بس كان نفسي ملاك متخبيش عليا، كان نفسي تحكيلي وأكون سرها.. أنا مكنتش زعلانة يا بابا، بالعكس، أنا كنت مبسوطة ليكم أوي، وكان نفسي بجد تكملوا مع بعض وتكون هي اللي تعوضك عن سنين الوحدة..
انا ماعرفش اي حصل بينكم خلاكم تبعدوا عن بعض بس اكيد هيجي يوم وتعد معايا وتحكي ليا عن كل حاجه..
مسحت دموعها وحضنته جامد وقالت: بابا ممكن اطلب منك طلب.. أنا كنت جاية استأذنك إن أروح معاهم المطار، أسلم عليها قبل ما تمشي.. قاسم هيفوت عليا كمان ساعتين... ممكن..؟
عمران هز راسه بالموافقة، بس جواه كانت فيه نار قايدة.. فكر إنه لازم يروح، مش عشان يكلمها ولا يمنعها، هو عارف إنها مش هتسمعه.. هو بس عاوز يلمح "طيفها" لآخر مرة قبل ما تغيب عنه سنين...
باك....
عمران فاق من سرحانه.. وبص للبوكس بغل وقال قسما بربي ياملاك لاربيكي علي البعد دا.. راجعه مصر وفاكره انك حره.. مهما حاولتي تهربي هتفضلي تحت وصايتي انا.. هنشوف مين فينا هيسلم للتاني..
شويه و ليان خبطت على الباب. ودخلت .. خلصت شغل يا بابا..؟
ليان لاحظت البوكس اللي في حاجة ملاك..
عمران قالها لسا يا قلبي.. قدامي ساعه كدا..
ليان قالت ليه حلو.. اكون خلصت انا كمان.. طنط سعاد موصيااني انك لازم تيجي معايا.. عاوزه ملاك لما توصل.. يبقي كلنا متجمعين... وكمان بالمره تشوف فارس.. هيتجنن عليك.. الواد دا طالع شبهك في كل حاجه..
$$$$$$$$$$$$$
عجلات الطيارة لمست الأرض، ومعاها دقات قلب ملاك زادت سرعة وكأنها طبول حرب. لبست نضارتها السوداء، وشدت ضهرها ببرود بنوته قويه جاية تفرض سيطرتها، مش بنت مكسورة بتهرب...
ملاك بهمس: "مصر وحشتني.. بس وجعها لسه معلم فيا...
ياسين وهو بيطبطب على كتفها: فكيها بقى يا بومة .. انتي مش فرحانه ولا اي..
خرجوا من صالة الوصول، وكان قاسم واقف فاتح دراعاته بلهفة وشوق ملوش حدود. ملاك أول ما شافته، نسيت برودها وجريت عليه اترمت في حضنه، وقاسم فضل ضاممها كأنه بيطمن قلبه إنها رجعت فعلاً.
قاسم بدموع: نورتي يا روح قلب أخوكي.. اخيرا اخيرا..
ملاك وهي بتشم ريحته: خلاص يا قاسم.. أنا هنا، ومش همشي تاني...
ياسين بضحك: بقولكم إيه.. الدراما دي مش وقتها، أنا واقع من الجوع ورق عنب خالتو سعاد واحشنى ..
$$$$$$$$$$$$$$$
الباب اتفتح، ودخل ياسين وهو بيصيح بصوته العالي اللي ملى البيت حيوية: يا أهل الدار.. وسعوا الطريق البشمهندسين وصلوا يا عالم
دخلت ملاك وراه، والزمن وقف عند اللحظة دي.. مكنتش مجرد بنت راجعة من السفر، كانت "أيقونة جمال" بتمشي على الأرض. كانت لابسة دريس "بينك" هادي وشيك جداً، بيبرز رشاقتها وقوامها اللي بقى زي عارضات الأزياء. لكن السحر كله كان في شعرها الأصفر الغجري.. اللي طول وبقى نازل على ضهرها زي شلالات الذهب، متموج بحرية ومتمرد زي صاحبته، لونه بقى أغمق سنة من شمس لندن الباردة، بس لسه فيه اللمعة اللي تخطف العين...
سهام أول ما شافتها، شهقت من الفرحة وجريت عليها، ارتمت في حضنها وملاك كانت بتضحك وتعيط في نفس الوقت.. حضن كان فيه ريحة الأمان اللي افتقدته.
ملاك بشهقة فرحة: وحشتيني يا ست الكل.. وحشتيني يا روح قلبي..
ملاك شالت النضارة، وبدأت تبص في الصالة بابتسامة، لحد ما عينها جت عليه.. عمران...
كان واقف بكل شموخه، شايل فارس على إيده، وبيبص لها بنظرة فيها "تحدي، عتاب، وعشق" مبردش ثانية واحدة..
ملاك الابتسامة اختفت من على وشها تدريجياً، وملامحها اتصلبت كأنها اتحولت لتمثال رخام. الصمت ساد المكان، والكل كان بيراقب "الشرارة" اللي طلعت من عيونهم..
$$$$$$$$$$$$$$
ياترى اى هيحصل ف البارت الجاى يا كيكااااتى...
التاسع عشر من هنا