رواية حلال ولكن مرفوض الفصل السابع عشر 17 بقلم هالة محمد
17 = حلال ولكن مرفوض - رشوة -17 /
للجميع@
في منزل العامري، كان يجلس كل من جابر وعامر والجد العامري. تحدث عامر بضيق، وعلى وجهه علامات الغضب، وقال
: "أنا رحت الصبح علشان أشوف المحضر، بس قالولي المأمور مش موجود، مع أن حمدي مؤكد لي أنه موجود."
نظر جابر لوالده، فابتسم الجد بسخرية، ثم وضع يده فوق كتف عامر وضرب عليه برفق، وهو يتحدث، وقال
له: "ما تزعلش نفسك يا ولدي، احنا هنحلوها."
رد عامر، وهو يضع يده فوق جبهته من الألم، هذا الصداع الذي يكاد يفتق برأسه بسبب عدم الراحة، فمنذ يومين لم ينم عامر والعائلة. قال عامر:
"يا جدي، عمر في كارثة، أصابت طلعت خطيرة كمان، والزفت عاصم الغول في المستشفى، عاوز شهر علشان يخرج، وكله شاهد على عمر أنه هو اللي عمل كده، هو ونوار، ده غير السلاح اللي مسكوه مع عمر."
ضحك جابر والجد بصوت مرتفع. نظر لهم عامر بذهول، فتحدث جابر، وهو يضحك، وقال
: "مالك يا عامر، فاتح بقك كده ليه؟"
رد الجد، وقال لعامر:
"أنت مستغرب علشان بنضحك وسط الهم ده كله؟ احنا بس مبسوطين من اللي عمله عمر في الغول، ما كناش فاكرين إن ده كله يطلع من عمر، كنا فاكرين عشان عايش في القاهرة بقى خرع.
تحدث عامر عتب وقال: "يعني
أنت يا جدي شايفني خرع علشان من القاهرة"
رد الجد، وهو يطرب عليه برفق وينظر له بنظرة حنية، وقال له :
"معاش ولا كان اللي يقول عليك خرع يا عامر، ده أنت سيد الرجال يا ولدي، ومن بيت أصيل. روح نام وارتاح شوية، ارتاح
تحدث عامر برفض، وقال: "أنام إزاي؟ أنا لازم أرجع المركز تاني علشان أشوف المحضر، لازم أعرف إيه اللي بيحصل."
رد جابر، وهو ينظر لعامر بنظرة وقال : بثبات وثقه "ما فيش حد هيوري لك المحضر يا عامر، عشان المحضر ما أخدش رقم، وكمان عشان عايزين الموضوع يمشي كده من غير محاضر ولا حاجة، بس ده مش ببلاش، واحنا عارفين هم عايزين إيه يا ولدي. اسمع كلام جدك، وروح ارتاح.
رد الجد، وهو ينهض حتى يذهب، وقال:
"اسمع الكلام يا عامر، وروح ارتاح، أنا هتصرف.
" ثم وجه الحديث لجابر، وقال له:
"يلا يا جابر."
وقبل الخروج، دخل نوار بغضب شديد، وقال بصوت عالي:
"أمي فين وهالة فين؟ أنا عايز أعرف دلوقتي حالا."
نظر جابر لابنه، واشتعل غضبه، وضغط على أسنانه بقوة، وبرقت عيناه بالغضب، واحمرت كالجمر. ثم وشك على تحدث، ولكن قبل أن يتحدث، تحدث الجد، وقال
: "أمك وأختك في بيت جدك، راحوا هناك علشان يرتاحوا."
نظر كل من نوار وجابر للجد باستغراب وذهول. ذهب الجد سريعا، وهو يمسك بيد جابر حتى يذهب معه. تحدث جابر مع والده بصوت منخفض، وقال:
"أنت ليه يا بوي ما خلتنيش أقول له إن الفاجرة وبنتها هربو؟
رد الجد، وقال: "مش وقته يا جابر، بعدين أنا مخلي رجالة يدوروا عليهم في كل حتة من غير ما أحد يحس، علشان مش ناقصين فضايح، كفاية اللي حصل من تحت رأس بنتك."
كان جابر على وشك الانفجار من كثرة الغضب الذي تمكن منه، أصبحت عيون جابر مثل الدماء، وتحدث بقلب خالي من المشاعر الذي تمكن منه الشيطان، وقال:
"دول عاري، وأنا اللي هقطع راسهم بايدي وأرميهم في البحر زي الرمم، دول ما يستاهلوش يعيشوا."
لم يستمع نوار للحديث الدائر بين والده وجده، كان مشغولا في التفكير، أمها لا تذهب منذ سنوات لمنزل أسرتها الذي حدث في الماضي قد قطعت جميع العلاقات مع هذا المنزل، فكيف لها أن تذهب؟
**************************
في العيادة الخاصة بهشام، كانت تجلس كل من نسمه وأمينة والصغار مع يحيى، الذي كان يجلس على سريره، محاطًا بأحبائه. نظر إلى أمه التي كانت تجلس وهي تمسك يده بكل قوة، وترفض تركها، وشقيقته تجلس عند قدميه، تحدث يحيى وقال بنبرة حنون:
"نسمه، خدي أمك، روحي عشان ترتاح شوية، أنا كويس."
ردت أمينة برفض، وقالت بنبرة صوت حازمة:
"لا، أنا مش رايحة مكان، أنا هفضل جنبك يا يحيى."
وأكدت نسمه على كلام أمها، وقالت: "
وأنا برضو مش هسيبك يا يحيى."
نظر يحيى إليهم، فكانت أمه يظهر عليها التعب الشديد، وكذلك أخته، فلم ينم أحد منهم ولم يرتاحوا. صمت قليلًا وهو يفكر كيف يقنعهم بالذهاب، ثم لمعت في ذهنه فكرة، وتحدث وقال بنبرة حنون
: "طيب، خليكم، بس أنا كنت جعان وعاوز أكل من إيدك يا ست الكل، أنتي عارفة أنا مش بحب أكل المستشفى."
نظر أمينة لابنها الذي يظهر على وجهه الإرهاق الشديد، وردت بقلب أم يملأه المحبة، وقالت: "
يقلب امك يا ولدي حاضر يا حبيبي من عيوني"
ابتسم يحيى لنجاح خطته.
قالت امينه لنسمه: "خليكي مع أخوكي، وأنا هعمل أكل وارجع.
" رفض يحيى أن تذهب أمه بمفردها، وطلب منها أن تذهب معها نسمه.
ذهبت أمينة ونسمه بعد ما استطاع يحيى إقناعهم. ثم دخل هشام حتى يطمئن على يحيى، وتحدث وقال:
"حمدلله على السلامة يا يحيى."
رد يحيى وهو يبتسم ابتسامة صغيرة من التعب، وقال
: "تسلم يا هشام، مش عارف أقولك إيه، احنا تعبناك معانا."
رد هشام وهو يبتسم، وقال
: "لا يا هندسة، مفيش تعب ولا حاجة، بكره تخرج بسلامة زي بنت عمك."
سأل يحيى، وهو يشعر بالقلق الشديد، متسائلًا عن
موعد خروجها: وقال
"هي خرجت إمتى؟"
رد هشام،
"ما فيش من يومين، جدك وعمك جاؤوا عشان يأخذوهم، بس بعد كده دورنا في العيادة، وما لقيناش حد منهم." فقال جدك لعمك: "أكيد راحوا البيت."
امتلأ قلب يحيى بالقلق والخوف بعد حديث هشام الذي لا يوجد فيه شيء يطمئن، فهو كان يطمئن عليها داخل تلك العيادة، ولكن بعد هذا الحديث صار قلبه يشعر أن هناك مكروها حدث لها.
تحدث يحيى بصوت يملأه القلق الشديد، وقال:
"هشام، عاوز تليفونك، أعمل مكالمة ضرورية."
قام هشام بإعطاء الهاتف ليحيى وتركه وخرج حتى يأخذ راحته في الحديث على الهاتف.
كان نوار ما زال يفكر في حديث ولده وهو غير مقتنع. رن هاتف نوار، وظهر اسم هشام. قام نوار برد سريعا، وهو يتحدث بقلق، وقال
: "إيوا يا هشام، يحيى جرى له حاجة؟"
جاء الرد من الجانب الآخر، وقال:
"أهدا نوار، أنا يحيى، وأنا كويس وبخير، "
تنفس نوار بارتياح، وقال:
"الحمدلله، معلش يا ولد عمي، مش عارف أجي لك، جدك وعمك حبسوني في البيت زي الحريم، "
كان يتحدث بغضب وانفعال شديد. تحدث يحيى من الجانب الآخر، وقال:
"اسمع الكلام يا نوار، أنت عارف دلوقتي، الشرطة بدور عليك، المهم هي مرات عمي في البيت، علشان تاخد بالها من أمي، وبلاش تخليها تيجي العيادة تاني، خليها ترتاح."
فضل يحيى عدم السؤال على ابنت عموه مباشرة، حتى لا يتعجب أحد من سؤاله عليها وهو بتلك الحالة، فهو وهالة لم يكونوا أبدا مقربين، بل كانوا دائما في خلافات ومشاحنات.
صمت نوار، ولا يعرف ماذا يجب، وعلى الجانب الآخر، كان يحيى ينتظر الإجابة بقلق شديد، وهو لا يعرف لماذا قلبه يشعر بالقلق.
رد نوار بعد صمت طويل، وقال: "
بص يا يحيى، جدك قال... " ثم قص نوار حديث الجد على يحيى.
ثم أكمل الحديث، وقال
يحيى: "أنا مش مصدق كلام جدك، يعني إزاي امي هتروح عند أهله، وهي مقطعاهم لها سنين، ما أنت عارف اللي حصل بيننا وبينهم."
ازداد قلق يحيى، ابن عمه محقا، فمن المستحيل زوجة عمه أن تذهب لمنزل أسرتها بعد كل ما حدث، ولكن لم يريد أن يحسس ابن عمه بهذا الخوف.
تحدث وقال:
"ما فيش حاجة يا نوار، يعني أكيد تصالحوا ، في ناس بتتخاصم بالسنين وبعدين بتتصالح فجأة، خليك بس أنت في مكانك، ما تتحركش، وأنا هتصرف."
ثم غلق الهاتف، وقام بالاتصال على حمدي، وطلب منه يذهب ويرى إذا كان زوجة عمه وابنة عمه ذهبوا لمنزل عائلتها أم لا، وطلب منه أن لا يشعر أحدا بشيء، وأنه يسأل في السرية التامة، حتى لا يتعقد الوضع أكثر.
* * **************************
في مشفى الحياة، داخل غرفة يجلس الغول على سريره، ووجهه مليء بالعديد من الكدمات، ويظهر عليه التعب الشديد. رحب الغول بالضيف الذي دخل عليه ، وقال :
نورتنا يا سيادة النائب
رد النائب وقال
حمدلله على السلامه يا غول
رد الغول، وهو متعب، وقال:
"تسلم يا سيادة النائب، متشكرين على زيارتك العزيزة دي."
رد النائب، وهو يتحدث بجدية، وقال: "متشكر يا
غول، . أنا كنت عاوز منك طلب، وأنا عارف أنك راجل عاقل وبتعرف تحسبها كويس وتعرف مصلحتك فين."
صمت الغول، وهو يعرف ماذا يريد منه النائب. أكمل النائب حديثه، وقال:
"اسمع كويس يا غول، أنا انهارده كان عندي جابر وابوه العامري، وهما عاوزين يخلص الموضوع ." ودي
رد الغول بغضب وحقد، وقال:
"لا، مفيش بينا غير الدم. أنا بس أخرج من هنا وأخليها مجزرة، ومش هخلي حد في بيت العامري عايش."
تنفس النائب بغضب، وهو يضع قدم فوق الأخرى، ونظر للغول، وقال:
"بلاش بلاش غباء يا عاصم. أنا طول عمري أقول عليك راجل بتفهم. أنت راجل وحد وسط عائلة كبيرة. لو على السلاح، بيت العامري يقدر يجيب سلاح يدخلوا بحرب مش عركة. ولو على الرجالة اللي معاك، فهم معاهم رجالة كثير. بس الفرق، أنت رجالتك بفلوس، يعني يبيعوك في لحظة. بس هم رجالتهم عيالهم يا غول.
رد الغول وقال: "
وانت يا سيادة النائب معايا ولا معاهم؟"
تحدث النائب بعيون يملأها الشر، وقال:
"مع مصلحتي يا غول، وأنت كمان لازم تفكر في المصلحة. يعني لو أنت ركبت راسك وحبست عيال العامري، ساعتها بيت العامري وعيلة العامري كلهم ما فيش حد فيهم هيديني صوته في الانتخابات. دول عددهم كبير، ومقامهم في البلد اكبر غير أنهم مناسبين كل كبراء البلد. مش بعيد ينزلوا حد منهم الانتخابات وساعتها يكسبوها. وساعتها أنا مش هكون في المجلس وساعتها مش هعرف أدار علي شغلك ولا اساعدك
ثم وجه الحديث للشخص الآخر الذي يجلس بصمت، وقال: "
ما تقول حاجة يا جاسر بيه".
وأخيرًا شارك في الحديث المدعو جاسر وهو ينفث دخان السيجار باستمتاع دون أي مراعاة للمكان الذي يجلس به، وقال: "
اسمع الكلام يا غول، وبعدين بيت العامري هيدفعوا ثمن الخروج". ثم ابتسم بخبث وهو ينظر للنائب الذي يشاركه الابتسامة، وبصوت مرتفع ووجه الحديث وقال:
"صح يا غول، ما أنا وأنت وسيادة المأمور جاسر بيه
الجيزاوي هنستفاد"رد الغول وقال
: "إنتم فاكرين إن حتة السلاح اللي هيطلبها جاسر بيه بحجة إنها تأديب عشان ما يعملوش مشاكل تاني، دول هيعملوا حاجه لبيت العامري
وبعدين هو دا ثمني أنا وولدي عندكم"
. شاح النائب بوجهه للجهة الأخرى بغضب من حديث الغول
. تحدث المدعو جاسر وقال:
"حتة سلاح دي نطلبها لما يكون في شكله صغير أو مع ناس فقيرة، مش مع عائلة العامري. وبعدين يا غول، أنت مستفيد، ما هو أنت تاجر السلاح ولا إيه؟ دا غير الحاجات التانية".
رد الغول بغضب مكبوت وقال: "لو على السلاح والمخدرات، أنتوا الاتنين شركائي فيها. لو أنا أخذت حاجة، أنت هتاخذ أكثر منها. وبعدين لو أنا اتمسكت، أنتم هتخرجوا منها، وأنا اللي هشيل الليلة كلها"
. قام النائب بغضب وقال:
"براحتك يا غول، بس بعد كده ما تبقاش تشتكي".
شعر الغول بأنه أغضب النائب، تحدث بسرعة وهو يخشى غضبه، وقال: "
تحت أمرك يا سيادة النائب، أنا هتنازل عشان خاطركم، وانت وسيادة مامور بلدنا".
ثم قال بكراهية شديدة:
"لازم تطلبوا منهم سلاح كتير، لازم يدفعوا دم قلبهم".
رد جاسر وهو ممتلئ بالطمع وقال:
"أكيد يا غول، دول عائلة العامري". ثم خرجوا وهم غافلين عن تلك التي كانت تستمع إلى جميع الحديث، وازداد في قلبها الحقد والغل على بيت العامري. ثم ذهبت وهي تحكم فيها الشيطان، وعزمت على الانتقام منهم..
************
كأن يحيى يجلس بقلق وتوتر كبير، ينتظر الاتصال من حمدي. كان قلبه يخفق بقوة، وعقله يتصارع مع الشكوك والمخاوف. بعد الكثير من الانتظار، أخيرًا يعلن الهاتف عن اتصال من حمدي. رد يحيى سريعًا، وكانت أنفاسه متقطعة، ولكن لم يطمئن قلبه بل ازداد قلقًا ورعبًا وغضبًا.
لم ينتظر يحيى كثيرًا، وأغلق الهاتف بعد أن أكد له حمدي أن ابنة عمه وزوجة عمه غير متواجدين في منزل أهل زوجة عمه. كانت كلمات حمدي مثل صاعقة على رأس يحيى، فازداد غضبه وقلقه.
خرج يحيى من الغرفة، وحاولت إحدى العاملات إيقافه حتى يعود هشام، ولكن رفض بشدة. حاولت العاملة مرة أخرى، فازداد غضب يحيى وتحدث بصوت مرتفع جدًا وغاضب، جعل هؤلاء الرجال من عائلته الذين يقفون خارج العيادة من أجل حراسة يحيى، حتى لا يبعث الغول أحد الرجال ويقوم بإيذاء يحيى.
ركض الجميع على صوت يحيى الغاضب، وتحدث أحد الرجال، وقال:
"في إيه؟ مالك يا يحيى؟ حصل إيه يا ود عمي؟
" رد يحيى وهو يحاول أن يتحكم في غضبه، وقال:
"عاوز أروح البيت."
رد شاب آخر، وقال:
"تروح فين بس يا واد عمي مش شايف نفسك تعبان؟ أنت مش قادر حتى تقف."
كان وجه يحيى شاحبًا، وكان لا يستطيع الوقوف بشكل جيد، وكان يشعر بدوار شديد. ولكن تحدث هو، ورفع أحد أصابعه يده بشكل غاضب، وقال:
"هي كلمة واحدة، أنا رايح البيت. في حد منكم هيوصلني ولا أمشي وحدي؟"
لاحظ الجميع أنهم لم يستطيعوا إقناع يحيى، فقاموا بمساعدته واصطحبوه داخل السيارة وذهبوا به إلى المنزل..
************************
في منزل العامري، كانت أمينة ونسمه دخل المطبخ من أجل تجهيز الطعام من أجل يحيى، ولكن تفاجأتا بأحدهم يدق فوق باب المنزل بغضب شديد، جعل باب المنزل يهتز. خرج كل من أمينة ونسمه يركضان خوفًا، يكون الطارق حدث مكروه ليحيى. فتحت نسمه الباب، وتفاجأت بشقيقة أمها نعمة.
كانت عيون نعمة "تملأها الشر، تبرق بالغضب وتحدق بنظرة حادة تشبه عيون أسد غاضب، تبحث عن هدف لتفرغ فيه غضبها وحقدها على تلك العائلة التي جعلت ابنها طريح الفراش بدلاً من عريس في يوم زفافه". تحدثت نعمة بصوت "يغلي بالكراهية، يعكس كل مشاعر الحقد التي تملأ قلبه، وكأنها ستفتك بكل من يقف في طريقها".قالت نعمه
"ولدك بخير يا أمينة، وأنا ولدي بعد ما كان عريسًا بقي على كرسي زي العاجز، وكل ده بسبب ولدك أبو قلب حجر زي بيت العامري. طيب بتكره الغول وقلت ماشي، بس الغاية ولدي؟ ولا يا أمينة، دا أنا أكل ولدك بأسناني". كان
صوتها يرتفع مع كل كلمة، وانفاسها تعلو وتَهبط من كثرة الانفعال.
تحدثت أمينة بغضب مثل شقيقتها، وقالت:
"ولدك يستهل أكتر من كده يا نعمة، طالع نجس زي أبوه. أنتي فاكرة أني مصدقة إن كل ألي حصل كان السبب فيه أبو زهراء زي ما قال ولدك؟ لا يا أختي، أنا عارفة زين النجاسة دي ما تطلعش غير من بيت نجس زي بيت الغوازي".
نظرت نعمة لشقيقتها جدًا، وكأنها تراها لأول مرة، فتلك ليست شقيقتها أمينة ذات القلب الطيب . تلك المرأة صاحبة الحديث المسمومه الذي توقف أمامها، هي من بيت العامري ذات القلوب القاسية، أصحاب اللسان الذي يشبه السيف الحاد يقطع دون رحمة.
ابتسمت نعمة بسخرية، وقالت:
"بقيت زي بيت العامري يا بت أبوي؟"
ردت أمينة وقالت: "وأنتي بقيت زي بيت الغوازي يا نعمة، تعملوا العيبة وشكم مكشوف، لا عندكم خشة ولا حية".
أثناء هذا الحديث الدائر، دخل يحيى، ثم نظرت له نعمة بانتصار، وأخيرًا قد حصلت على فريستها التي تعاهدت لنفسها أنها سوف تقضي على تلك الفريسة. انقضت نعمة على يحيى فجأة دون سابق إنذار، تفاجأ يحيى منها ولم يعرف ماذا يفعل. كانت نعمة غاضبة مثل البركان، كانت تضرب يحيى ضربات عشوائية مليئة بالحقد والغل الدفين. كانت مثل الصياد الذي ينقض على فريسته حتى ينهي حياتها.
حاول يحيى إبعاد نعمة عنه، بكل الطرق دون أن يرد لها تلك الضربات، كان فقط يحاول إبعادها عنه. ولكن كانت نعمة مصرة على الحاق الضرر بيحيى. اقتربت أمينة من شقيقتها وقامت بإبعادها عن ابنها. ازداد الغضب بين الشقيقتين، وكان سوف يقومون بضرب بعض، ولكن قد اجتمع الناس على تلك الشجار العنيف وقاموا بتفريقتهم عن بعض.
تحدثت نعمة وهي يقوم بامساكها النساء، وقالت بصوت غاضب:
"من النهارده لا أنتي أختي ولا أنا أعرفك يا أمينة، وحق ولدي هاخده من ولدك يا أمينة، هقتله بيدي يا أمينة وهرقص على قبره
انقبض قلب أمينة من حدث شقيقتها فقام يحيى باحتضانها بحنان وهو يحاول ان يطمنها وان تخرج هذا الحديث السام من عقلها ولكن كن قلب امينه ازداد قلقا على ابنها
*********************
في مجلس خاص بعائلة العامري، كان يجلس العديد من رجال العائلة، ويترأس هذا المجلس كبير عائلة العامري، الجد العامري الذي كان اسمه علي اسم العامري الكبير قوي مؤسس هذه العائلة. كان الجميع في حالة من القلق، وينظرون بترقب إلى الضيف الذي سيأتي مع النائب.
كان عامر يجلس بجوار الجد، واقترب الجد منه وتحدث معه بجديّة وصوت منخفض، قائلاً:
"اسمع زين يا عامر، مهما تشوف وتسمع هنا ما تتكلمش، والأهم أنسى كلام القانون اللي أنت درسته، هنا قانون ثاني".
نظر عامر للجد باستغراب شديد، وكان على وشك التحدث والاستفسار
، ولكن تفاجأ بدخول الضيف المنتظر. رحب جميع ا
عائلة العامري بهذا الضيف، وظل الجد يجلس مكانه دون أن يتحرك من مجلسه فقط قام بتحريك راسه علامه الترحيب بالضيف
.
جلس جاسر وهو يضع قدم فوق الأخرى، ثم نظر لعامر
وتحدث بغرور وقال : شكرا يا رجاله علي الترحب ده
". تحدث النائب بنفاق وكذب، وقال
"والله يا حج العامري، أنا من يوم ما جيت أنت وأبو نوار وأنا بحاول أقنع جاسر بيه إنتم عارفين أن جاسر بيه راجل قانوني وبحب يمشي كل حاجة قانوني، بس أنا قولت له إن عائلة العامري من أحسن العائلات في البلد".مش بتوع مشاكل
ابتسم الجد بسخرية داخله من حديث هذا المنافق، وتحدث وهو يرسم ابتسامة زائفة على وجهه وقال
: "تعيش يا سيادة النائب، متشكرين و كل حاجة طلبها جناب المأمور جاهزة"
. ثم وجه الحديث لجابر، قائلاً:
"خلي الرجالة يجيبوا الحاجة يا جابر".
ذهب جابر وثواني وعاد معه ستة رجال يحملون الصناديق الضخمة المليئة بالفواكه الطازجة من بستان عائلة العامري. نظر عامر لهم وعلى وجهه علامات التعجب، وقال في سره: "ما هذا المأمور التافه الذي يأخذ رشوة صناديق من الفواكه؟".
ولكن ثواني ونظر عامر بذهول مما رآى داخل الصناديق بعد أن قامت الرجال بإزالة الطبقة الأولى من الصناديق التي كانت عبارة عن فاكهة. تفاجأ عامر بأن داخل تلك الصناديق مجموعة كبيرة من الأسلحة النارية والطلقات النارية. ذهل عامر مما رأى ثم وقف فجأة.
نظر له الجد بنظرات رجاء أنه يجلس ولا يلفت الانتباه. نظر عامر للجد بنظرات الرفض، فكيف له أن يشارك في تلك الجريمة؟ إنه رجل قانون. ولكن ابتسم بسخرية حين رأى مأمور المركز الذي يفترض أنه رجل قانون وينفذ القانون، يجبر الأهالي على الرشوة، ليس رشوة عادية، بل رشوة من الأسلحة النارية التي تجعل الفوضى والاجرام والثأر تنتشر في تلك البلد. بسبب هذه الاسلحه الملعونه
نظر النائب والمامور لبعضهم في الخفاء بعدما تاكدان ان كل الامور تمشي كما يريدان، وبدا على وجهيهما الاطمئنان
. تحدث الجد بعد ما استطاع أن يجعل عامر يجلس دون أن يلفت الانظار له ثم قال بثقة وا خبثة
: "كل حاجة تمام يا جاسر بيه، اتأكدت من السلاح زين، سيادة النائب هو اللي قال لينا على تاجر سلاح شكله يعرفه زين".
ارتجف النائب من حديث الجد، وتحدث المأمور بسرعة حتى ينفي جميع الشكوك عن نفسه وعن النائب، وقال بابتسامة مصطنعة
: "أنت عارف يا حاج العامري إني بعمل كده علشان الناس تخاف من المشاكل وتفكر الف مرة قبل ما تعمل أي مشكلة"
. كانت كلماته تتدفق بسرعة، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الآخرين.
تحدث جابر بسخرية لاذعة، وقال باستهزاء وازدراء:
"صح يا سيادة المأمور، حضرتك من ساعة ما جيت البلد وكل الناس هتفكر قبل ما تعمل مشكلة عشان عارفة ما حدش هيطلع من المركز غير وهو دافع حتة سلاح علشان يطلع. دا حتى شكلة العيار الصغيرة بتاخذ عليها سلاح من الناس، وسيادة النائب مشكور هيعرف للناس على تاجر السلاح
ظهر الارتباك والخوف على وجوه كل من المأمور والنائب بعد حديث جابر الذي يؤكد أن عائلة العامري تعرف كل شيء يفعله المأمور والنائب في الخفاء. استأذن المأمور والنائب من العائلة بعدما تأكد أن عمر سوف يتم إخراجه صباح غد، وخرجا من المجلس وكأنهما هاربان من الموت.
لم يتحمل عامر الجلوس في المكان وذهب سريعًا، وجميع الأفكار تعصف برأسه، وكأنه يرى العالم من حوله يتغير. فكان دائمًا تأكد أن من يراه في المسلسلات وفي الروايات والأفلام عن الصعيد ليس حقيقي، فهناك أسرار مخبأة لا يعرفها إلا أهل تلك البلاد. مازالت الأفكار تعصف برأس عامر، وتأكد أن ليس كل شيء يظهر على السطح هو الحقيقة. شعر عامر بالحيرة والقلق ثم ابتسم بسخرية حين تذكر قول أمها وهي تقول تلك الجمله الشهيره وهي حميها حراميها
**************************
في صباح يوم جديد مليء بالمفاجآت، منها ما هو سار ومنها ما هو غير سار، ومنها ما سيقلب حياة الناس رأسًا على عقب، ومنها ما سيغير مصير أشخاص. الجد رحب بحفيده العائد بحرارة ومحبة. عمر كان جالسًا مع والده وجدّه، لكن عيناه تبحثان بلهفة وشوق وقلق. قال عمر:
"فين أمي وهالة؟ مش شايفهم، كنت فاكر إني هلاقيهم واقفين على الباب".
لم يرد أحد، وهذا السكون جعل عمر يخاف ويقلق، فذهب من هذا المكان يبحث في كل أرجاء المنزل أو ينادي باسم شقيقته وأمه، يبحث مثل الضائع وهو ينادي باسمهم بلهفة وخوف شديد.
عاد عمر إلى والده وجدّه، وسألهم مرة أخرى، عيناه تملأها القلق والرعب. لكن الرد جاء من شخص آخر يملأ قلبه الشماتة والكراهية. تحدثت نسمه بشماتة لا تستطيع إخفاءها، قائلة:
"أمك وأختك هربوا يا ولد عم، ولبسوكم العار، ما فيش حد فيكم يقدر يرفع راسه تاني".
التفت عمر لها وهو يقترب منها بملامح غاضبة، ، حاجباه مرفوعان وعضلات وجهه مشدودة. كانت عروق رقبته بارزة، ووجهه أحمر من شدة الغضب. أمسك عمر نسمه من فكها بعنف وضغط بقوة جعلت نسمه تموت رعبًا وخوفًا. قال عمر وهو مازال يضغط على نسمه: "
تعرفي يا نسمه، في يوم هقطع لسانك ده يا عقربة، أمي وأختي أنضف منك، على الأقل قلوبهم مش سودة زيك".
كان كل من الجد وجابر يحاولان إبعاد عمر عن نسمه. قال جابر بغضب هو يحاول إبعاده عن نسمه
: "بنت عمك معاها حق، الفاجر أمك وهي وأختك ركبونا العار، ويمين بالله يقطع راسهم هم الاتنين".
أخيرًا ترك عمر نسمه التي وقعت أرضًا وتحاول التقاط أنفاسها. نظر عمر لوالده بالذهول، وقال له:
"أنت هتفضل كده طول عمرك ما هتبقى الزوج ولا الأب الكويس، عايز تقطع راسهم بدل ما تروح تحب على راسهم وتقول لهم حقكم عليا. ما عرفتش تكون أب ولا تكون زوج كويس ما عرفتش تدافع عن بنتك وعن شرفها اللي البلد شغالة تحكي فيه بالباطل والظلم. امتى هتبقى أب؟".
كان يتحدث بغضب وانفعال شديد، وانفاسه تعلو وتهبط من كثرة الانفعال. لكنه تفاجأ بقف قوية من والده، لم يتحدث عمر وذهب يركض للأعلى عائدًا، وبيده حقيبته التي ظلت كما هي من يوم ما جاء هذه القرية اللعينة.
نظر عمر لوالده بغضب، وقال:
"اللي هيقرب من شعرة واحدة من أمي وأختي أنا اللي هقفله حتى لو كان مين".
ثم رحل من هذه القرية، عازمًا على عدم العودة لها مرة أخرى.
*********************
في قسم الشرطة، كان يجلس جاسر ويهز قدمه بتوتر كبير، ينتظر اتصالًا هامًا. فجأة، رن الهاتف، فقام جاسر بالرد بسرعة. وبعد ثوانٍ معدودة، تحول جاسر إلى ثور غاضب، يكسر كل شيء في المكان بغضب كبير. تحدث بصوت عالٍي وقال بغضب
"عامر مهران، عامر مهران، طلع هو عامر مهران".
استمع الجميع في المركز إلى صوته الغاضب، لكن لم يستطع أحد الاقتراب منه خوفًا من أن يلحقه شر جاسر الجيزاوي.
ووويتبع
للجميع@
في منزل العامري، كان يجلس كل من جابر وعامر والجد العامري. تحدث عامر بضيق، وعلى وجهه علامات الغضب، وقال
: "أنا رحت الصبح علشان أشوف المحضر، بس قالولي المأمور مش موجود، مع أن حمدي مؤكد لي أنه موجود."
نظر جابر لوالده، فابتسم الجد بسخرية، ثم وضع يده فوق كتف عامر وضرب عليه برفق، وهو يتحدث، وقال
له: "ما تزعلش نفسك يا ولدي، احنا هنحلوها."
رد عامر، وهو يضع يده فوق جبهته من الألم، هذا الصداع الذي يكاد يفتق برأسه بسبب عدم الراحة، فمنذ يومين لم ينم عامر والعائلة. قال عامر:
"يا جدي، عمر في كارثة، أصابت طلعت خطيرة كمان، والزفت عاصم الغول في المستشفى، عاوز شهر علشان يخرج، وكله شاهد على عمر أنه هو اللي عمل كده، هو ونوار، ده غير السلاح اللي مسكوه مع عمر."
ضحك جابر والجد بصوت مرتفع. نظر لهم عامر بذهول، فتحدث جابر، وهو يضحك، وقال
: "مالك يا عامر، فاتح بقك كده ليه؟"
رد الجد، وقال لعامر:
"أنت مستغرب علشان بنضحك وسط الهم ده كله؟ احنا بس مبسوطين من اللي عمله عمر في الغول، ما كناش فاكرين إن ده كله يطلع من عمر، كنا فاكرين عشان عايش في القاهرة بقى خرع.
تحدث عامر عتب وقال: "يعني
أنت يا جدي شايفني خرع علشان من القاهرة"
رد الجد، وهو يطرب عليه برفق وينظر له بنظرة حنية، وقال له :
"معاش ولا كان اللي يقول عليك خرع يا عامر، ده أنت سيد الرجال يا ولدي، ومن بيت أصيل. روح نام وارتاح شوية، ارتاح
تحدث عامر برفض، وقال: "أنام إزاي؟ أنا لازم أرجع المركز تاني علشان أشوف المحضر، لازم أعرف إيه اللي بيحصل."
رد جابر، وهو ينظر لعامر بنظرة وقال : بثبات وثقه "ما فيش حد هيوري لك المحضر يا عامر، عشان المحضر ما أخدش رقم، وكمان عشان عايزين الموضوع يمشي كده من غير محاضر ولا حاجة، بس ده مش ببلاش، واحنا عارفين هم عايزين إيه يا ولدي. اسمع كلام جدك، وروح ارتاح.
رد الجد، وهو ينهض حتى يذهب، وقال:
"اسمع الكلام يا عامر، وروح ارتاح، أنا هتصرف.
" ثم وجه الحديث لجابر، وقال له:
"يلا يا جابر."
وقبل الخروج، دخل نوار بغضب شديد، وقال بصوت عالي:
"أمي فين وهالة فين؟ أنا عايز أعرف دلوقتي حالا."
نظر جابر لابنه، واشتعل غضبه، وضغط على أسنانه بقوة، وبرقت عيناه بالغضب، واحمرت كالجمر. ثم وشك على تحدث، ولكن قبل أن يتحدث، تحدث الجد، وقال
: "أمك وأختك في بيت جدك، راحوا هناك علشان يرتاحوا."
نظر كل من نوار وجابر للجد باستغراب وذهول. ذهب الجد سريعا، وهو يمسك بيد جابر حتى يذهب معه. تحدث جابر مع والده بصوت منخفض، وقال:
"أنت ليه يا بوي ما خلتنيش أقول له إن الفاجرة وبنتها هربو؟
رد الجد، وقال: "مش وقته يا جابر، بعدين أنا مخلي رجالة يدوروا عليهم في كل حتة من غير ما أحد يحس، علشان مش ناقصين فضايح، كفاية اللي حصل من تحت رأس بنتك."
كان جابر على وشك الانفجار من كثرة الغضب الذي تمكن منه، أصبحت عيون جابر مثل الدماء، وتحدث بقلب خالي من المشاعر الذي تمكن منه الشيطان، وقال:
"دول عاري، وأنا اللي هقطع راسهم بايدي وأرميهم في البحر زي الرمم، دول ما يستاهلوش يعيشوا."
لم يستمع نوار للحديث الدائر بين والده وجده، كان مشغولا في التفكير، أمها لا تذهب منذ سنوات لمنزل أسرتها الذي حدث في الماضي قد قطعت جميع العلاقات مع هذا المنزل، فكيف لها أن تذهب؟
**************************
في العيادة الخاصة بهشام، كانت تجلس كل من نسمه وأمينة والصغار مع يحيى، الذي كان يجلس على سريره، محاطًا بأحبائه. نظر إلى أمه التي كانت تجلس وهي تمسك يده بكل قوة، وترفض تركها، وشقيقته تجلس عند قدميه، تحدث يحيى وقال بنبرة حنون:
"نسمه، خدي أمك، روحي عشان ترتاح شوية، أنا كويس."
ردت أمينة برفض، وقالت بنبرة صوت حازمة:
"لا، أنا مش رايحة مكان، أنا هفضل جنبك يا يحيى."
وأكدت نسمه على كلام أمها، وقالت: "
وأنا برضو مش هسيبك يا يحيى."
نظر يحيى إليهم، فكانت أمه يظهر عليها التعب الشديد، وكذلك أخته، فلم ينم أحد منهم ولم يرتاحوا. صمت قليلًا وهو يفكر كيف يقنعهم بالذهاب، ثم لمعت في ذهنه فكرة، وتحدث وقال بنبرة حنون
: "طيب، خليكم، بس أنا كنت جعان وعاوز أكل من إيدك يا ست الكل، أنتي عارفة أنا مش بحب أكل المستشفى."
نظر أمينة لابنها الذي يظهر على وجهه الإرهاق الشديد، وردت بقلب أم يملأه المحبة، وقالت: "
يقلب امك يا ولدي حاضر يا حبيبي من عيوني"
ابتسم يحيى لنجاح خطته.
قالت امينه لنسمه: "خليكي مع أخوكي، وأنا هعمل أكل وارجع.
" رفض يحيى أن تذهب أمه بمفردها، وطلب منها أن تذهب معها نسمه.
ذهبت أمينة ونسمه بعد ما استطاع يحيى إقناعهم. ثم دخل هشام حتى يطمئن على يحيى، وتحدث وقال:
"حمدلله على السلامة يا يحيى."
رد يحيى وهو يبتسم ابتسامة صغيرة من التعب، وقال
: "تسلم يا هشام، مش عارف أقولك إيه، احنا تعبناك معانا."
رد هشام وهو يبتسم، وقال
: "لا يا هندسة، مفيش تعب ولا حاجة، بكره تخرج بسلامة زي بنت عمك."
سأل يحيى، وهو يشعر بالقلق الشديد، متسائلًا عن
موعد خروجها: وقال
"هي خرجت إمتى؟"
رد هشام،
"ما فيش من يومين، جدك وعمك جاؤوا عشان يأخذوهم، بس بعد كده دورنا في العيادة، وما لقيناش حد منهم." فقال جدك لعمك: "أكيد راحوا البيت."
امتلأ قلب يحيى بالقلق والخوف بعد حديث هشام الذي لا يوجد فيه شيء يطمئن، فهو كان يطمئن عليها داخل تلك العيادة، ولكن بعد هذا الحديث صار قلبه يشعر أن هناك مكروها حدث لها.
تحدث يحيى بصوت يملأه القلق الشديد، وقال:
"هشام، عاوز تليفونك، أعمل مكالمة ضرورية."
قام هشام بإعطاء الهاتف ليحيى وتركه وخرج حتى يأخذ راحته في الحديث على الهاتف.
كان نوار ما زال يفكر في حديث ولده وهو غير مقتنع. رن هاتف نوار، وظهر اسم هشام. قام نوار برد سريعا، وهو يتحدث بقلق، وقال
: "إيوا يا هشام، يحيى جرى له حاجة؟"
جاء الرد من الجانب الآخر، وقال:
"أهدا نوار، أنا يحيى، وأنا كويس وبخير، "
تنفس نوار بارتياح، وقال:
"الحمدلله، معلش يا ولد عمي، مش عارف أجي لك، جدك وعمك حبسوني في البيت زي الحريم، "
كان يتحدث بغضب وانفعال شديد. تحدث يحيى من الجانب الآخر، وقال:
"اسمع الكلام يا نوار، أنت عارف دلوقتي، الشرطة بدور عليك، المهم هي مرات عمي في البيت، علشان تاخد بالها من أمي، وبلاش تخليها تيجي العيادة تاني، خليها ترتاح."
فضل يحيى عدم السؤال على ابنت عموه مباشرة، حتى لا يتعجب أحد من سؤاله عليها وهو بتلك الحالة، فهو وهالة لم يكونوا أبدا مقربين، بل كانوا دائما في خلافات ومشاحنات.
صمت نوار، ولا يعرف ماذا يجب، وعلى الجانب الآخر، كان يحيى ينتظر الإجابة بقلق شديد، وهو لا يعرف لماذا قلبه يشعر بالقلق.
رد نوار بعد صمت طويل، وقال: "
بص يا يحيى، جدك قال... " ثم قص نوار حديث الجد على يحيى.
ثم أكمل الحديث، وقال
يحيى: "أنا مش مصدق كلام جدك، يعني إزاي امي هتروح عند أهله، وهي مقطعاهم لها سنين، ما أنت عارف اللي حصل بيننا وبينهم."
ازداد قلق يحيى، ابن عمه محقا، فمن المستحيل زوجة عمه أن تذهب لمنزل أسرتها بعد كل ما حدث، ولكن لم يريد أن يحسس ابن عمه بهذا الخوف.
تحدث وقال:
"ما فيش حاجة يا نوار، يعني أكيد تصالحوا ، في ناس بتتخاصم بالسنين وبعدين بتتصالح فجأة، خليك بس أنت في مكانك، ما تتحركش، وأنا هتصرف."
ثم غلق الهاتف، وقام بالاتصال على حمدي، وطلب منه يذهب ويرى إذا كان زوجة عمه وابنة عمه ذهبوا لمنزل عائلتها أم لا، وطلب منه أن لا يشعر أحدا بشيء، وأنه يسأل في السرية التامة، حتى لا يتعقد الوضع أكثر.
* * **************************
في مشفى الحياة، داخل غرفة يجلس الغول على سريره، ووجهه مليء بالعديد من الكدمات، ويظهر عليه التعب الشديد. رحب الغول بالضيف الذي دخل عليه ، وقال :
نورتنا يا سيادة النائب
رد النائب وقال
حمدلله على السلامه يا غول
رد الغول، وهو متعب، وقال:
"تسلم يا سيادة النائب، متشكرين على زيارتك العزيزة دي."
رد النائب، وهو يتحدث بجدية، وقال: "متشكر يا
غول، . أنا كنت عاوز منك طلب، وأنا عارف أنك راجل عاقل وبتعرف تحسبها كويس وتعرف مصلحتك فين."
صمت الغول، وهو يعرف ماذا يريد منه النائب. أكمل النائب حديثه، وقال:
"اسمع كويس يا غول، أنا انهارده كان عندي جابر وابوه العامري، وهما عاوزين يخلص الموضوع ." ودي
رد الغول بغضب وحقد، وقال:
"لا، مفيش بينا غير الدم. أنا بس أخرج من هنا وأخليها مجزرة، ومش هخلي حد في بيت العامري عايش."
تنفس النائب بغضب، وهو يضع قدم فوق الأخرى، ونظر للغول، وقال:
"بلاش بلاش غباء يا عاصم. أنا طول عمري أقول عليك راجل بتفهم. أنت راجل وحد وسط عائلة كبيرة. لو على السلاح، بيت العامري يقدر يجيب سلاح يدخلوا بحرب مش عركة. ولو على الرجالة اللي معاك، فهم معاهم رجالة كثير. بس الفرق، أنت رجالتك بفلوس، يعني يبيعوك في لحظة. بس هم رجالتهم عيالهم يا غول.
رد الغول وقال: "
وانت يا سيادة النائب معايا ولا معاهم؟"
تحدث النائب بعيون يملأها الشر، وقال:
"مع مصلحتي يا غول، وأنت كمان لازم تفكر في المصلحة. يعني لو أنت ركبت راسك وحبست عيال العامري، ساعتها بيت العامري وعيلة العامري كلهم ما فيش حد فيهم هيديني صوته في الانتخابات. دول عددهم كبير، ومقامهم في البلد اكبر غير أنهم مناسبين كل كبراء البلد. مش بعيد ينزلوا حد منهم الانتخابات وساعتها يكسبوها. وساعتها أنا مش هكون في المجلس وساعتها مش هعرف أدار علي شغلك ولا اساعدك
ثم وجه الحديث للشخص الآخر الذي يجلس بصمت، وقال: "
ما تقول حاجة يا جاسر بيه".
وأخيرًا شارك في الحديث المدعو جاسر وهو ينفث دخان السيجار باستمتاع دون أي مراعاة للمكان الذي يجلس به، وقال: "
اسمع الكلام يا غول، وبعدين بيت العامري هيدفعوا ثمن الخروج". ثم ابتسم بخبث وهو ينظر للنائب الذي يشاركه الابتسامة، وبصوت مرتفع ووجه الحديث وقال:
"صح يا غول، ما أنا وأنت وسيادة المأمور جاسر بيه
الجيزاوي هنستفاد"رد الغول وقال
: "إنتم فاكرين إن حتة السلاح اللي هيطلبها جاسر بيه بحجة إنها تأديب عشان ما يعملوش مشاكل تاني، دول هيعملوا حاجه لبيت العامري
وبعدين هو دا ثمني أنا وولدي عندكم"
. شاح النائب بوجهه للجهة الأخرى بغضب من حديث الغول
. تحدث المدعو جاسر وقال:
"حتة سلاح دي نطلبها لما يكون في شكله صغير أو مع ناس فقيرة، مش مع عائلة العامري. وبعدين يا غول، أنت مستفيد، ما هو أنت تاجر السلاح ولا إيه؟ دا غير الحاجات التانية".
رد الغول بغضب مكبوت وقال: "لو على السلاح والمخدرات، أنتوا الاتنين شركائي فيها. لو أنا أخذت حاجة، أنت هتاخذ أكثر منها. وبعدين لو أنا اتمسكت، أنتم هتخرجوا منها، وأنا اللي هشيل الليلة كلها"
. قام النائب بغضب وقال:
"براحتك يا غول، بس بعد كده ما تبقاش تشتكي".
شعر الغول بأنه أغضب النائب، تحدث بسرعة وهو يخشى غضبه، وقال: "
تحت أمرك يا سيادة النائب، أنا هتنازل عشان خاطركم، وانت وسيادة مامور بلدنا".
ثم قال بكراهية شديدة:
"لازم تطلبوا منهم سلاح كتير، لازم يدفعوا دم قلبهم".
رد جاسر وهو ممتلئ بالطمع وقال:
"أكيد يا غول، دول عائلة العامري". ثم خرجوا وهم غافلين عن تلك التي كانت تستمع إلى جميع الحديث، وازداد في قلبها الحقد والغل على بيت العامري. ثم ذهبت وهي تحكم فيها الشيطان، وعزمت على الانتقام منهم..
************
كأن يحيى يجلس بقلق وتوتر كبير، ينتظر الاتصال من حمدي. كان قلبه يخفق بقوة، وعقله يتصارع مع الشكوك والمخاوف. بعد الكثير من الانتظار، أخيرًا يعلن الهاتف عن اتصال من حمدي. رد يحيى سريعًا، وكانت أنفاسه متقطعة، ولكن لم يطمئن قلبه بل ازداد قلقًا ورعبًا وغضبًا.
لم ينتظر يحيى كثيرًا، وأغلق الهاتف بعد أن أكد له حمدي أن ابنة عمه وزوجة عمه غير متواجدين في منزل أهل زوجة عمه. كانت كلمات حمدي مثل صاعقة على رأس يحيى، فازداد غضبه وقلقه.
خرج يحيى من الغرفة، وحاولت إحدى العاملات إيقافه حتى يعود هشام، ولكن رفض بشدة. حاولت العاملة مرة أخرى، فازداد غضب يحيى وتحدث بصوت مرتفع جدًا وغاضب، جعل هؤلاء الرجال من عائلته الذين يقفون خارج العيادة من أجل حراسة يحيى، حتى لا يبعث الغول أحد الرجال ويقوم بإيذاء يحيى.
ركض الجميع على صوت يحيى الغاضب، وتحدث أحد الرجال، وقال:
"في إيه؟ مالك يا يحيى؟ حصل إيه يا ود عمي؟
" رد يحيى وهو يحاول أن يتحكم في غضبه، وقال:
"عاوز أروح البيت."
رد شاب آخر، وقال:
"تروح فين بس يا واد عمي مش شايف نفسك تعبان؟ أنت مش قادر حتى تقف."
كان وجه يحيى شاحبًا، وكان لا يستطيع الوقوف بشكل جيد، وكان يشعر بدوار شديد. ولكن تحدث هو، ورفع أحد أصابعه يده بشكل غاضب، وقال:
"هي كلمة واحدة، أنا رايح البيت. في حد منكم هيوصلني ولا أمشي وحدي؟"
لاحظ الجميع أنهم لم يستطيعوا إقناع يحيى، فقاموا بمساعدته واصطحبوه داخل السيارة وذهبوا به إلى المنزل..
************************
في منزل العامري، كانت أمينة ونسمه دخل المطبخ من أجل تجهيز الطعام من أجل يحيى، ولكن تفاجأتا بأحدهم يدق فوق باب المنزل بغضب شديد، جعل باب المنزل يهتز. خرج كل من أمينة ونسمه يركضان خوفًا، يكون الطارق حدث مكروه ليحيى. فتحت نسمه الباب، وتفاجأت بشقيقة أمها نعمة.
كانت عيون نعمة "تملأها الشر، تبرق بالغضب وتحدق بنظرة حادة تشبه عيون أسد غاضب، تبحث عن هدف لتفرغ فيه غضبها وحقدها على تلك العائلة التي جعلت ابنها طريح الفراش بدلاً من عريس في يوم زفافه". تحدثت نعمة بصوت "يغلي بالكراهية، يعكس كل مشاعر الحقد التي تملأ قلبه، وكأنها ستفتك بكل من يقف في طريقها".قالت نعمه
"ولدك بخير يا أمينة، وأنا ولدي بعد ما كان عريسًا بقي على كرسي زي العاجز، وكل ده بسبب ولدك أبو قلب حجر زي بيت العامري. طيب بتكره الغول وقلت ماشي، بس الغاية ولدي؟ ولا يا أمينة، دا أنا أكل ولدك بأسناني". كان
صوتها يرتفع مع كل كلمة، وانفاسها تعلو وتَهبط من كثرة الانفعال.
تحدثت أمينة بغضب مثل شقيقتها، وقالت:
"ولدك يستهل أكتر من كده يا نعمة، طالع نجس زي أبوه. أنتي فاكرة أني مصدقة إن كل ألي حصل كان السبب فيه أبو زهراء زي ما قال ولدك؟ لا يا أختي، أنا عارفة زين النجاسة دي ما تطلعش غير من بيت نجس زي بيت الغوازي".
نظرت نعمة لشقيقتها جدًا، وكأنها تراها لأول مرة، فتلك ليست شقيقتها أمينة ذات القلب الطيب . تلك المرأة صاحبة الحديث المسمومه الذي توقف أمامها، هي من بيت العامري ذات القلوب القاسية، أصحاب اللسان الذي يشبه السيف الحاد يقطع دون رحمة.
ابتسمت نعمة بسخرية، وقالت:
"بقيت زي بيت العامري يا بت أبوي؟"
ردت أمينة وقالت: "وأنتي بقيت زي بيت الغوازي يا نعمة، تعملوا العيبة وشكم مكشوف، لا عندكم خشة ولا حية".
أثناء هذا الحديث الدائر، دخل يحيى، ثم نظرت له نعمة بانتصار، وأخيرًا قد حصلت على فريستها التي تعاهدت لنفسها أنها سوف تقضي على تلك الفريسة. انقضت نعمة على يحيى فجأة دون سابق إنذار، تفاجأ يحيى منها ولم يعرف ماذا يفعل. كانت نعمة غاضبة مثل البركان، كانت تضرب يحيى ضربات عشوائية مليئة بالحقد والغل الدفين. كانت مثل الصياد الذي ينقض على فريسته حتى ينهي حياتها.
حاول يحيى إبعاد نعمة عنه، بكل الطرق دون أن يرد لها تلك الضربات، كان فقط يحاول إبعادها عنه. ولكن كانت نعمة مصرة على الحاق الضرر بيحيى. اقتربت أمينة من شقيقتها وقامت بإبعادها عن ابنها. ازداد الغضب بين الشقيقتين، وكان سوف يقومون بضرب بعض، ولكن قد اجتمع الناس على تلك الشجار العنيف وقاموا بتفريقتهم عن بعض.
تحدثت نعمة وهي يقوم بامساكها النساء، وقالت بصوت غاضب:
"من النهارده لا أنتي أختي ولا أنا أعرفك يا أمينة، وحق ولدي هاخده من ولدك يا أمينة، هقتله بيدي يا أمينة وهرقص على قبره
انقبض قلب أمينة من حدث شقيقتها فقام يحيى باحتضانها بحنان وهو يحاول ان يطمنها وان تخرج هذا الحديث السام من عقلها ولكن كن قلب امينه ازداد قلقا على ابنها
*********************
في مجلس خاص بعائلة العامري، كان يجلس العديد من رجال العائلة، ويترأس هذا المجلس كبير عائلة العامري، الجد العامري الذي كان اسمه علي اسم العامري الكبير قوي مؤسس هذه العائلة. كان الجميع في حالة من القلق، وينظرون بترقب إلى الضيف الذي سيأتي مع النائب.
كان عامر يجلس بجوار الجد، واقترب الجد منه وتحدث معه بجديّة وصوت منخفض، قائلاً:
"اسمع زين يا عامر، مهما تشوف وتسمع هنا ما تتكلمش، والأهم أنسى كلام القانون اللي أنت درسته، هنا قانون ثاني".
نظر عامر للجد باستغراب شديد، وكان على وشك التحدث والاستفسار
، ولكن تفاجأ بدخول الضيف المنتظر. رحب جميع ا
عائلة العامري بهذا الضيف، وظل الجد يجلس مكانه دون أن يتحرك من مجلسه فقط قام بتحريك راسه علامه الترحيب بالضيف
.
جلس جاسر وهو يضع قدم فوق الأخرى، ثم نظر لعامر
وتحدث بغرور وقال : شكرا يا رجاله علي الترحب ده
". تحدث النائب بنفاق وكذب، وقال
"والله يا حج العامري، أنا من يوم ما جيت أنت وأبو نوار وأنا بحاول أقنع جاسر بيه إنتم عارفين أن جاسر بيه راجل قانوني وبحب يمشي كل حاجة قانوني، بس أنا قولت له إن عائلة العامري من أحسن العائلات في البلد".مش بتوع مشاكل
ابتسم الجد بسخرية داخله من حديث هذا المنافق، وتحدث وهو يرسم ابتسامة زائفة على وجهه وقال
: "تعيش يا سيادة النائب، متشكرين و كل حاجة طلبها جناب المأمور جاهزة"
. ثم وجه الحديث لجابر، قائلاً:
"خلي الرجالة يجيبوا الحاجة يا جابر".
ذهب جابر وثواني وعاد معه ستة رجال يحملون الصناديق الضخمة المليئة بالفواكه الطازجة من بستان عائلة العامري. نظر عامر لهم وعلى وجهه علامات التعجب، وقال في سره: "ما هذا المأمور التافه الذي يأخذ رشوة صناديق من الفواكه؟".
ولكن ثواني ونظر عامر بذهول مما رآى داخل الصناديق بعد أن قامت الرجال بإزالة الطبقة الأولى من الصناديق التي كانت عبارة عن فاكهة. تفاجأ عامر بأن داخل تلك الصناديق مجموعة كبيرة من الأسلحة النارية والطلقات النارية. ذهل عامر مما رأى ثم وقف فجأة.
نظر له الجد بنظرات رجاء أنه يجلس ولا يلفت الانتباه. نظر عامر للجد بنظرات الرفض، فكيف له أن يشارك في تلك الجريمة؟ إنه رجل قانون. ولكن ابتسم بسخرية حين رأى مأمور المركز الذي يفترض أنه رجل قانون وينفذ القانون، يجبر الأهالي على الرشوة، ليس رشوة عادية، بل رشوة من الأسلحة النارية التي تجعل الفوضى والاجرام والثأر تنتشر في تلك البلد. بسبب هذه الاسلحه الملعونه
نظر النائب والمامور لبعضهم في الخفاء بعدما تاكدان ان كل الامور تمشي كما يريدان، وبدا على وجهيهما الاطمئنان
. تحدث الجد بعد ما استطاع أن يجعل عامر يجلس دون أن يلفت الانظار له ثم قال بثقة وا خبثة
: "كل حاجة تمام يا جاسر بيه، اتأكدت من السلاح زين، سيادة النائب هو اللي قال لينا على تاجر سلاح شكله يعرفه زين".
ارتجف النائب من حديث الجد، وتحدث المأمور بسرعة حتى ينفي جميع الشكوك عن نفسه وعن النائب، وقال بابتسامة مصطنعة
: "أنت عارف يا حاج العامري إني بعمل كده علشان الناس تخاف من المشاكل وتفكر الف مرة قبل ما تعمل أي مشكلة"
. كانت كلماته تتدفق بسرعة، وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أن يقنع الآخرين.
تحدث جابر بسخرية لاذعة، وقال باستهزاء وازدراء:
"صح يا سيادة المأمور، حضرتك من ساعة ما جيت البلد وكل الناس هتفكر قبل ما تعمل مشكلة عشان عارفة ما حدش هيطلع من المركز غير وهو دافع حتة سلاح علشان يطلع. دا حتى شكلة العيار الصغيرة بتاخذ عليها سلاح من الناس، وسيادة النائب مشكور هيعرف للناس على تاجر السلاح
ظهر الارتباك والخوف على وجوه كل من المأمور والنائب بعد حديث جابر الذي يؤكد أن عائلة العامري تعرف كل شيء يفعله المأمور والنائب في الخفاء. استأذن المأمور والنائب من العائلة بعدما تأكد أن عمر سوف يتم إخراجه صباح غد، وخرجا من المجلس وكأنهما هاربان من الموت.
لم يتحمل عامر الجلوس في المكان وذهب سريعًا، وجميع الأفكار تعصف برأسه، وكأنه يرى العالم من حوله يتغير. فكان دائمًا تأكد أن من يراه في المسلسلات وفي الروايات والأفلام عن الصعيد ليس حقيقي، فهناك أسرار مخبأة لا يعرفها إلا أهل تلك البلاد. مازالت الأفكار تعصف برأس عامر، وتأكد أن ليس كل شيء يظهر على السطح هو الحقيقة. شعر عامر بالحيرة والقلق ثم ابتسم بسخرية حين تذكر قول أمها وهي تقول تلك الجمله الشهيره وهي حميها حراميها
**************************
في صباح يوم جديد مليء بالمفاجآت، منها ما هو سار ومنها ما هو غير سار، ومنها ما سيقلب حياة الناس رأسًا على عقب، ومنها ما سيغير مصير أشخاص. الجد رحب بحفيده العائد بحرارة ومحبة. عمر كان جالسًا مع والده وجدّه، لكن عيناه تبحثان بلهفة وشوق وقلق. قال عمر:
"فين أمي وهالة؟ مش شايفهم، كنت فاكر إني هلاقيهم واقفين على الباب".
لم يرد أحد، وهذا السكون جعل عمر يخاف ويقلق، فذهب من هذا المكان يبحث في كل أرجاء المنزل أو ينادي باسم شقيقته وأمه، يبحث مثل الضائع وهو ينادي باسمهم بلهفة وخوف شديد.
عاد عمر إلى والده وجدّه، وسألهم مرة أخرى، عيناه تملأها القلق والرعب. لكن الرد جاء من شخص آخر يملأ قلبه الشماتة والكراهية. تحدثت نسمه بشماتة لا تستطيع إخفاءها، قائلة:
"أمك وأختك هربوا يا ولد عم، ولبسوكم العار، ما فيش حد فيكم يقدر يرفع راسه تاني".
التفت عمر لها وهو يقترب منها بملامح غاضبة، ، حاجباه مرفوعان وعضلات وجهه مشدودة. كانت عروق رقبته بارزة، ووجهه أحمر من شدة الغضب. أمسك عمر نسمه من فكها بعنف وضغط بقوة جعلت نسمه تموت رعبًا وخوفًا. قال عمر وهو مازال يضغط على نسمه: "
تعرفي يا نسمه، في يوم هقطع لسانك ده يا عقربة، أمي وأختي أنضف منك، على الأقل قلوبهم مش سودة زيك".
كان كل من الجد وجابر يحاولان إبعاد عمر عن نسمه. قال جابر بغضب هو يحاول إبعاده عن نسمه
: "بنت عمك معاها حق، الفاجر أمك وهي وأختك ركبونا العار، ويمين بالله يقطع راسهم هم الاتنين".
أخيرًا ترك عمر نسمه التي وقعت أرضًا وتحاول التقاط أنفاسها. نظر عمر لوالده بالذهول، وقال له:
"أنت هتفضل كده طول عمرك ما هتبقى الزوج ولا الأب الكويس، عايز تقطع راسهم بدل ما تروح تحب على راسهم وتقول لهم حقكم عليا. ما عرفتش تكون أب ولا تكون زوج كويس ما عرفتش تدافع عن بنتك وعن شرفها اللي البلد شغالة تحكي فيه بالباطل والظلم. امتى هتبقى أب؟".
كان يتحدث بغضب وانفعال شديد، وانفاسه تعلو وتهبط من كثرة الانفعال. لكنه تفاجأ بقف قوية من والده، لم يتحدث عمر وذهب يركض للأعلى عائدًا، وبيده حقيبته التي ظلت كما هي من يوم ما جاء هذه القرية اللعينة.
نظر عمر لوالده بغضب، وقال:
"اللي هيقرب من شعرة واحدة من أمي وأختي أنا اللي هقفله حتى لو كان مين".
ثم رحل من هذه القرية، عازمًا على عدم العودة لها مرة أخرى.
*********************
في قسم الشرطة، كان يجلس جاسر ويهز قدمه بتوتر كبير، ينتظر اتصالًا هامًا. فجأة، رن الهاتف، فقام جاسر بالرد بسرعة. وبعد ثوانٍ معدودة، تحول جاسر إلى ثور غاضب، يكسر كل شيء في المكان بغضب كبير. تحدث بصوت عالٍي وقال بغضب
"عامر مهران، عامر مهران، طلع هو عامر مهران".
استمع الجميع في المركز إلى صوته الغاضب، لكن لم يستطع أحد الاقتراب منه خوفًا من أن يلحقه شر جاسر الجيزاوي.
ووويتبع