📁 آخر الروايات

رواية غموض الجبل القاسي الفصل السابع عشر 17 بقلم سمارة

رواية غموض الجبل القاسي الفصل السابع عشر 17 بقلم سمارة



      (فتنةُ العيون)
ـــــــــــــ

كان جبل صامتًا من الخارج،
لكن داخله بركانٌ يغلي،
وعقله يُعيد كلمات هؤلاء الأوغاد ونظراتهم لأمينة ألف مرة. أما أمينة، فكانت تجلس بجواره لا تصدق ما حدث، وكأنها في كابوس طويل لا ينتهي. لم تنتبه لجرح جبل في البداية؛ فثيابه الغامقة وسواد الليل أخفيا آثار الدماء.
​ساد الصمت لثوانٍ،
قبل أن تنفجر أمينة فجأة في نوبة بكاء مريرة وصوتٍ مرتفع. كانت تبكي كالأطفال؛ خوفاً مما مروا به، وخوفاً من ظلام الصحراء، وخوفاً من ما كان قد يصيب جبل.
​نظر إليها جبل،
وبعد أن ابتعدوا مسافة كافية عن تلك المنطقة الملعونة، مع اول ضوء للنهار.
نحى السيارة إلى جانب الطريق وأوقف المحرك. ومع شهقات أمينة المتتالية،
ودون أي تردد أو تفكير،
جذبها جبل إلى صدره واحتضنها بقوة وعاطفة لم تحدث بينهما من قبل.
​لأول مرة، تذوب الحواجز بينهما؛ قبّل رأسها وهو يضمها بشدة وكأنه يخبئها من العالم كله داخل ضلوعه،
وقال بصوتٍ أجش غلبه الحنان:
جبل: "خلاص.. حقك عليّ.. اهدي."
​تشبثت أمينة بملابسه وشدت بذراعيها عليه،
وكأنها وجدت أخيراً بر الأمان الذي افتقدته طوال تلك الليلة. شعرت بدفء أنفاسه وبقوة جسده التي كانت درعاً لها.
​جبل: "كل حاجة بقت تمام. اهدي"
​تراجعت أمينة قليلاً للخلف وهي تمسح دموعها بـ "شملة" جبل التي كانت لا تزال تلفها،
وفجأة، تجمدت الدماء في عروقها حين رأت آثار دماء حمراء قانية على يديها بعدما احتضنته.
نظرت ليدها برعب،
ثم نظرت لجنبه، مكان ما كان الرجل يغرز المطواة.
​أمينة (بفزع وصراخ): "يا مري! أنت بتنزف! يدّي كلها دم!"
جبل (بهدوء وهو يحاول مداراة ألمه): "ما تقلقيش.. جرح صغير ما يستاهلش كل ده.
​أمينة (بلهفة وخوف): "يعني إيه صغير؟
بقولك يدي مليانة دم منك! كيف مش واعي لجرحك وعمال تنزف ؟"
جبل (بمحاولة للثبات): "خلاص.. هانت، هانروح ونبقى نشوفه، "
​أمينة (بإصرار): "لأ طبعاً، لازم حل يوقف الدم ده قبل ما تتعب وتدوخ في السكة."
خلعت أمينة "الشملة" التي كانت تلفها حول كتفيها واقتربت منه بكيانها كله.
وفي اللحظة التي كانت تمد يدها لتلف الشملة حول خصره لتضغط على الجرح،
تلاقت عيناهما في صمت، واختلطت أنفاسهما المتسارعة.
​زاغت عينا جبل في وجه أمينة الشاحب والجميل في آن واحد؛ شعر بشيء يهتز في أعماقه،
لقد كان عشقٌها الذي بدأ يتسلل لقلبه دون ان يشعر .
نحت أمينة نظراتها سريعاً بخجل،
وبدأت تلف الشملة لتربط جرحه بقوة.
​جبل (بهمس): "بتعملي إيه؟"
أمينة: "لازم نربط على الجرح لغاية ما نوصل أي مكان..
جبل: صغير مش مستاهل.
أمينه: لو شكة إبرة برضه بتنزف ولازم نربطه، بس لازم حاجة تانية نحطها تحت الربطة عشان تمص الدم."
​بدأت تبحث بتوتر حولها،
ثم فجأة وضعت يدها على رأسها تذكرت وفكت دبوس طرحتها.
جبل (باستغراب): "بتعملي إيه؟"
أمينة: "دقيقة واحدة.."
خلعت الطرحة الخارجية بسرعة،
وكان تحتها "بطانة" صغيرة خلعتها.
​جبل (بغيرة عمياء رغم تعبه): "أنتي يا بت! غطي شعرك.. اتهبلتي والّا إيه؟"
أمينة (بعفوية): "مافيش حد غيرنا هنا السكة مقطوعة!"
جبل: "النهار كشف.. خلصي وغطي حالك!"
​وضعت أمينة بطانتها فوق الجرح مباشرة ثم لفت الرباط فوقها لتحجز الدماء،
بينما كانت نظرات جبل تلاحق كل حركة وكل تفصيلة في وجهها، وكأنه يراها لأول مرة.
جبل: "يالا.. البسي حجابك وغطي شعرك."
أمينة: "حاضر.."
​لفت طرحتها مرة أخرى،
وبدأ جبل في تشغيل السيارة.
انطلق مرة ثانية، لكن مفعول النزيف بدأ يظهر عليه؛ بدأ يشعر بهبوط حاد وتعب يغزو أطرافه،
خاصة وأنه لم يذق زاداً منذ الصباح حاله كحال أمينة. صار يغمض عينيه ويفتحهما بصعوبة ليحافظ على تركيزه في الطريق.
​أمينة (بقلق شديد وهي تلاحظ شحوبه): "أنت زين؟  توقف شوية ترتاح؟"
جبل (بمكابرة): "له. أنا تمام،
"كان جبل يصارع الزمن،
يشد على مقبض السيارة بيده التي بدأت ترتجف، يمانع السواد الذي بدأ يهاجم رؤيته،
حتى ظهرت في الجهة المقابلة أضواء سيارة فاروق كأنها طوق نجاة أُلقي له من السماء.
​داخل سيارة الإخوة،
صرخ ملاح وهو يلمح طيف السيارة المألوفة: "معقول دي عربية جبل؟"
رد دياب بلهفة: "أيوة هي.. هي بعينها!"
فاروق تنهد بعمق وهو يضغط على المكابح: "الحمد لله.. الحمد لله يا رب."
​توقفت السيارتان وجهاً لوجه في عرض الطريق. نزل الإخوة مسرعين والوجل يملأ قلوبهم.
في تلك اللحظة، شعر جبل بحمل ثقيل يزاح عن كاهله؛ الآن فقط يستطيع أن يسلم أمينه لهم ويستسلم لضعفه.
​التفوا حول سيارته،
وفاروق سأل بقلق: "أنتو بخير؟ حصل إيه؟"
رد جبل بصوت واهن: "الحمد لله.. بخير."
فاروق وجه نظره لأمينة: "أمينة.. أنتي زينة ؟"
أجابت أمينة بمرارة وصوت يرتجف: "الحمد لله."
​لمح فاروق شحوب وجه جبل وسأله: "مالك يا جبل؟ وشك أصفر كدة ليه؟"
جبل (بأنفاس ثقيلة): "مفيش.. بس خلي ملاح ياجي مكاني هو."
​نزل جبل من السيارة ببطء شديد،
وعندما وقف على قدميه،
ترنح قليلاً، وهنا لمح دياب بقعة الدم القانية التي بدأت تظهر رغم سواد الثوب. صرخ دياب بخوف: "في إيه؟ إيه اللي جرالك؟ دم مين ده؟"
جبل (بجمود): "مش وقته يا خوي..  جرح بسيط خلينا نروح، اركب يا ملاح روح أمينة."
​ركب ملاح مكان جبل،
بينما كانت أمينة لا تزال في مقعدها،
تطل برأسها للخلف وقالت بصوت مخنوق بالبكاء: "قول لأخوي فاروق يوديه مستشفى يا ملاح.. هو متعور قوي مش جرح بسيط والا حاجه!"
سأل ملاح بفزع: "هو متعور قوي؟"
أمينة: "أيوة.. كان عمال ينزف طول السكة، بس مش باين في توبه لأنه غامق.. لازم يكشف ويشوف جرحه!"
​نزل ملاح من السيارة مرة أخرى وهو يصيح:  لفاروق ياخوي! لازم تودوا جبل مستشفى، أمينة بتقول إنه متعور قوي !"
جبل (بإصرار ومكابرة): "مفيش داعي.. أنا زين، بس نروح.. اركب يالا وخدها للبيت !"
​وفجأة، خارت قوى "الجبل"؛ اهتز جسده وسكنت حركته، لولا أن دياب وفاروق أسنداه بسرعة قبل أن يسقط أرضاً.
دياب بصرامة: "منتاش زين واصل يا جبل! أنت جسمك تلج!"
فاروق (موجهاً أمره لملاح): "طيب اركب يا ملاح وخد أمينة وروحوا الدار دلوك طمنوا الناس،
وإحنا هناخد جبل على أقرب مستشفى وناجي وراكم.. يالا همّوا!"
انطلق ملاح بسيارة جبل، بينما قطع فاروق الطريق بسيارته بسرعة جنونية،
جبل معه هو ودياب، ليلهثوا خلف الزمن وصولاً لأي مستشفى قريب.
​في تلك الأثناء،
اهتز هاتف جبل الذي نسيه في السيارة بصوت وصول رسائل وتنبيهات لمكالمات فائتة لم تصل طوال الليل بسبب انقطاع التغطية.
​أمينة (بلهفة): "الشبكة رجعت!."
ملاح: كلمي حد من البيت طمنيهم زمانهم قلقانين."
أمينة (بحيرة): "أنا معنديش رقم حد من البيت على تلفوني،
وتلفون جبل معرفش الرمز بتاعه إيه!"
​أخرج ملاح هاتفه الخاص بسرعة،
وفتحه ثم اتصل بـ "عبير"، وبمجرد أن فتحت الخط أعطى الهاتف لأمينة: "خدي كلميها أنتي."
​ردت عبير بلهفة وصوت يرتجف: "أيوه يا ملاح! طمنا، لقيتوهم؟"
أمينة (بمحاولة للثبات): "أيوه يا عبير.. أنا أمينة، إحنا بخير الحمد لله."
عبير (بصرخة فرح): "أمينة! الف حمد وشكر ليك يا رب.. أنتو كويسين؟"
​قبل أن تُجيب أمينة، سحب الحاج بكري الهاتف من يد عبير وصاح: "أيوه يا بتي.. طمنيني يا أمينة، عاملين إيه؟ صابكم ضر؟"
أمينة (بتلعثم): "لأ يا عمي.. بخير الحمد لله، العربية عطلت بينا في الطريق وإحنا راجعين
"ودلوك جايين علي الدار.
الحاج بكري: "الحمد لله.. توصلوا بالسلامة يا بتي، أمال جبل فين؟"
​نظرت أمينة لملاح برعب، ثم حاولت تزييف صوتها لتبدو طبيعية:
أمينة: "هنا معانا يا عمي.. بس هو نعسان شوية من السهر والتعب،"
الحاج بكري: "ماشي يا بتي.. تاجوا بالسلامة"
​أغلقوا الخط، فتنفس ملاح الصعداء وقال: "زين اللي عملتيه.. كفاية اللي هما فيه،
مش حمل خبر زي ده دلوك لغاية ما جبل يروح بخير.."
مر بعض الوقت.
كان ملاح يقود السيارة بيدٍ ترتجف على المقود، وعقله يكاد ينفجر من الحيرة والقلق، فصمت أمينة وبكاؤها كانا أبلغ من أي كلام.

​ملاح (بصوت يملؤه الإصرار): " إيه اللي حصل وجبل اتعور كيف؟
أنتوا أخرتوا كتير قوي، إيه اللي حصلكم في الطريق ؟"
​بمجرد أن سألها،
انفتحت جراح الليلة في ذاكرتها،
فبدأت تبكي بشهقات مكتومة وهي تمسح دموعها بطرف طرحتها.
أمينة (بصوت مرتعش): "كانوا هايموتوه .. والله كانوا هايموتوه قدام عيني!
الراجل حط السكينة في جنبه وقالي هدبحه لو مفتحتش الباب!"
​ملاح (بفزع وهو يلتفت إليها): "يدبح مين؟ ومين الراجل ده؟ أنا مش فاهم حاجة!
قطاع طرق دول ولا إيه؟"
​لم تستطع أمينة الرد،
غلبها البكاء المرير وهي تتذكر منظر جبل وهو يقاوم لأجلها،
فقالت وسط شهقاتها: "يا ريتنا ما روحنا مكان.. يا ريتنا ما طلعنا من البيت !" وظلت تبكي بحرقة وكأنها تفرغ رعب الليلة كله في تلك اللحظات.
​ملاح (محاولاً تهدئتها رغم نار غضبه): "خلاص. اهدي وحدي الله.
كل حاجة بقت بخير دلوك وجبل سبع وهيقوم منها زي الجبل. امسكي نفسك و جففي دموعك دي، مش عوزين حد يلمحك كدة أول ما ندخل البيت،
الحريم جوه مش هيسكتوا والأسئلة هتكتر."
​مسحت أمينة وجهها بصعوبة،
وحاولت أن تستجمع شتات نفسها وهي ترى بوابة "بيت الملاح" تظهر في الأفق، مدركة أن معركة أخرى من الصمت والتمثيل بدأت لتوها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات