رواية تمرد اسيرة القصر الفصل السادس عشر 16 بقلم ياسمين ابو حسين
الفصل السادس عشر
لو تجسد القلق و الخوف فى شخص لكان هى .. تتطلع حولها بصدمة و بلاهة .. و صراخ السيدة يخترق عقلها و هى تندب زوجها .. زوجها ..
فمن رمى بنفسه بالنار منذ قليل أمامها هو زوجها أيضا .. زاغت أبصارها و إحتلت مقلتيها غمامة شفافة من الدموع .. و قلبها يصرخ من خوفه عليه .. و هى تطالع النيران و ألسنتها المقتدة .. و تتخيل أنه ربما تلفحه تلك الألسنة و يتألم بل و يحترق ..
فوجدت نفسها تصرخ بإسمه دون أن تشعر و دموعها قد إنسابت شاقة طريقها على وجهها الشاحب لونه من قلقها ..
مرت لحظات و لكنها كانت كالدهر عليها .. حتى خرج و هو يحمل الرجل .. مدده على الأرض و جلست السيدة زوجته بجواره و هى تصرخ به كى يستيقظ ركضت غزل بإتجاه فارس و أخذت تصفعه و تلكمه فى صدره و هى تصرخ به قائلة بهيستيريا :
- إنت مجنون و متخلف و أنا بقا هموتك بإيديا يا غبى .
ضحك على حالتها و قبض على يديها بقوة و ضمها لصدره و حاوطها بذراعيه محتويا غضبها .. و قال لها مهدئا :
- إهدى بس .. أنا كويس إهدى .
تململت بين يديه و هى تضرب صدره بقبضتيها و دموعها لا تنضب و قالت بحرقة :
- مش إنت عاوز تموت .. أموتك أنا بقا .. يا متخلف .
قبض على كفيها بالقوة و هزها بعنف و قال بجدية لإيقافها :
- خلاص بقا عاوزك تطمنينا على الراجل الغلبان ده .
إبتعدت عنه و هى تدفعه بالقوة .. ثم جلست على الأرض و عاينت الرجل .. و وقفت و سارت حتى ثلاجة الكشك و أحضرت منها زجاجة مياة و نثرت بعضها على وجهه فانتفض مذعورا وصرخ بخوف :
- النار .. النار .
وقفت غزل و قالت للسيدة بعملية :
- هو كويس ما تقلقيش دى كانت إغمائة من خوفه .. حمد الله على سلامته .
وقفت السيدة و قالت لفارس و غزل بإمتنان :
- مش عارفة أتشكركم إزاى .. ربنا يخليكم لبعض و يهنيكم .
رفع فارس يده عاليا و قال بصوت عالى :
- آميييين .
وصلت سيارة المطافئ .. فنظرت غزل لفارس بضيق و إبتعدت عنه سيرا .. أوقفها بمكر متألما :
- آآآآآآه .
إستوقفها تألمه .. فعادت إليه و عينيها يملؤها القلق و هو يضع يده على كتفه من الخلف .. أدارته و تطلعت لمكان ألمه حتى جحظت عينيها و هى ترى حرق خفيف و ملتهب بشدة .. فهزت رأسها بيأس و قالت و هى تدفعه نحو سيارته :
- تستاهل علشان تعملى باتمان مرة تانية .. إركب بسرعة .
و أجلسته بجوار مقعد السائق .. و إلتفت مسرعة و إستقلت أمام المقود .. فسألها بقلق ممزوجا بالتعجب :
- بتعرفى تسوقى ؟!
أجابته و هى تطالع الطريق من المرآة الجانبية قبل أن تدير السيارة و تنطلق بها مسرعة :
- خليك فى حالك .. أديك إتحرقت مبسوط دلوقتى .. ده عقاب ربنا على رقصة التانجو إياها .
ضحك فارس ضحكة عالية و قال بمداعبة و هو يقترب من وجهها :
- بتغيرى عليا صح .. و كمان خفتى عليا و أنا جوة الحريقة .. ده حب بقا .
دفعته بعيدا عنها و قالت بإرتباك ملحوظ :
- ده بعينك .. و إتفضل قولى أسوق إزاى للمستشفى .
إقترب منها مجددا و قال بهمس ثائر :
- طب تدفعى كام و أقولك .
قبضت على المقود بقوة و قالت بتحذير حازم :
- إقعد إتكلم لغاية ما الحرق يلتهب .. لو سمحت قولى أروح إزاى و إلا هسيبك و هنزل أركب تاكسى و أروح لوحدى .
زادت إبتسامته و هو يطالع إرتباكها من قربه منها متعمقا بعينيه فى جمال ملامحها الغاضبة ... ظل يرشدها طوال الطريق و هو يتأملها بحب .. لم تتركها عينيه و لو لثانية متعجبا من تمكنها على القيادة و على إنهيارها أمام سطوته و هيبته ...
وصلوا أخيرا للمشفى .. صفت السيارة .. و ترجلا منها و دلفا للمشفى .. أجلسته عنوة على فراش غرفة الإستقبال و بدأت فى فك أزرار قميصه واحدا تلو الآخر بقوة مصطنعة أمام عطره و إنكشاف صدره أمامها ...
لم يقل حاله عنها .. و هى قريبة منه لهذا الحد و تنزع قميصه من عليه و لامست صدره العارى بيدها ليزداد قلبه ضخا للدماء التى تحفزه لحملها عنوة و أخذها لجناحه بالقصر و سترى منه لحظات جنونية لم تعهدها و لم يعهدها أحد من قبل ...
تم تطهير الحرق و وضعت له دهانات و ضمادة .. و غزل تقف أمامه مرتبكة من جسده الرياضى العارى أمامها .. و هو مستمتع بخجلها التى تخفيه وراء عبوسها .. ما أن إنتهت حتى نزعت قفازيها و ألقتهما بصندوق القمامة و إلتفتت إليه و قالت بحزم :
- إرتاح بكرة و ما تجيش المستشفى.. و كل كويس علشان الحرق يروق بسرعة .
حاوط خصرها بذراعه و ضمها إلى صدره بالقوة الجبرية حيث يسكن قلبه التى إحتلته منذ أعوام .. وقال هامسا و هو يغوص بمحيطى عيناها :
- شكرا يا دكتور .
زادت دقات قلبها و سرعة أنفاسها و يديها تلامس صدره العارى مستندة عليه .. و تشعر بدقات قلبه المضطربة من لمستها .. تمالكت نفسها و إبتعدت عنه قائلة بحزم :
- إياك تلمسنى تانى .. مفهوم .
جذبها ناحيته مجددا و حاوط خصرها تلك المرة بذراعيه الإثنين و قال بمداعبة جريئة :
- لأ مش مفهوم .. و باعدين هو أنا كده عملت حاجة .. ده أنا بسخن بس .
إتسعت عيناها بخجل و نزعت ذراعيه بقوة و خرجت مسرعة من الغرفة .. وقف مسرعا و أوقفها قائلا بإبتسامة ماكرة :
- إنتى رايحة فين دلوقتى .
رفعت رأسها بملل و قالت بضيق :
- إنت زودتها معايا جدا .. و أنا مش هسمحلك تتعدى حدودك معايا .
لعق شفتيه بلهفة و هو يطالع شفتيها بنهم :
- طب إيه رأيك أعدى حدودك إنتى .. و أوصلك .
تطلعت حولها بقلق ربما سمعه أحد و عادت بعينيها إليه و رفعت سبابتها أمام وجهه و قالت بتحذير :
- إحترم نفسك بقولك .. و دى آخر مرة تكلمنى بالطريقة دى .. مفهوم .
علت ملامحه الجدية و سألها بهدوء :
- حاضر .. بس برضه ماشية و سيبانى ليه .
عقدت ذراعيها أمام صدرها و قالت ببديهية :
- هروح طبعا .. دنيا كلمتنى و قلقانة عليا عندك مانع .
بدت علامات الضجر ظاهرة عليه كرد فعل طبيعى لطريقتها المستفزة .. و لكنه أجابها بتعقل رزين :
- معاكى حق .. ثوانى بس و هوصلك .
و إرتدى قميصه بصعوبه .. فإضطرت لمساعدته و هو يخفى سعادته .. ثم خرجا سويا و إستقلا السيارة بصمت .. فطلب منها أن تساعده فى بسم الله الرحمن الرحيم إرتداء سترته .. فساعدته و قالت بعدم فهم :
- هتسوق إزاى دلوقتى .. خلينى أنا اللى أسوق .
رد بصرامة و هو يدير السيارة :
- لأ .. أنا اللى هسوق .
ظلا طوال الطريق صامتين و هى تتخبط بين غيرتها من رقصته الوقحة و خوفها عليه و إعجابها بشجاعته لإنقاذه للرجل دون تردد .. قاطع شرودها قائلا بهدوء :
- وصلنا .. إنزلى يالا .
لم تتطلع إليه و قالت بحزم :
- زى ما قولتلك إرتاح بكرة .. و كل كويس .. سلام .
و ترجلت من السيارة مسرعة و دلفت بنايتهم .. تنهد فارس مطولا و هو يتابعها بلباسها الطفولى و هيأتها المثيرة .. لم يعد يقوى على الصبر و يريد إقتناء ذات الحجرين الفيروزيين الكريمين .. و صاحبة الصوت المغوى و الآسر لقلبه ..
ثم صف السيارة و صعد لشقتهم و هو ينتظر عاصفة الغضب من والدته .. ضحك بخفوت و هو يتخيل هيأته المرتعدة أمامها و الشرسة و الحادة أمام الناس ...
دلف للشقة ببطء و تطلع حوله بتوجس فلم يجدها ..تنفس براحة و نزع سترته بصعوبة متألما من حرقه .. فصرخت زينب من ورائه و قالت بذعر :
- يا لهووى .. إيه اللى فى كتفك ده .. إنطق .
إلتفت إليها بعينين متسعتين من ذعره و قال بضيق :
- حرام عليكى يا أما قطعتى خلفى .. فى حد يصوت كده .
أدارته ناحيتها عنوة و خلعت قميصه و أدارته مجددا و تطلعت للضمادة بقلق و هى تقول بغضب :
- و ده من إيه بقا .. خناقة و لا إيه .. أنا عارفة عمرى ما هرتاح .. طول ما إنتم ورايا .. إنطق من إيه ده ؟!
إلتفت ناحيتها و قال بحزم :
- ده حرق بسيط .. واحد ِولع الكشك بتاعه و هو فيه و خرجته و خلصنا .. و غزل خدتنى المستشفى و عالجته و قالتلى إنه مافيهوش حاجة .. ممكن أنام بقا .
طالعته بنظرة كانت ترعبه صغيرا و قالت بضيق :
- هتفضل لغاية إمتى عايش دور حامى الحماة .. لغاية ما فى يوم ترجعلى ميت .
حك مؤخرة رأسه بغضب و قال بتروى هادئ :
- يا أمى يا حبيبتى .. و الله أنا كويس .. تحبى أفكلك الشاش و القطن علشان تشوفى بنفسك .
فقالت مسرعة بخوف :
- ﻷ يا حبيبى خلاص .. يا إبنى أنا خايفة عليك .. مش كفاية أخوك اللى حارق قلبى كل ما أشوفه قاعد على الكرسى اللى بعجل .
لانت ملامحه و قبل مقدمة رأسها و قال بحنو :
- ما تقلقيش عليا ربنا الحامى .. و حمزة و الله أنا مش ساكت .. و أكيد هلاقى حد يعمله العملية بنسبة نجاح عالية و هيبقى زى الأول و أحسن .
هزت رأسها بشجن و قالت بوهن :
- يا رب يا إبنى .. هو أنا عاوزة إيه غير أطمن عليكم و أشوفكم كويسين .
إبتسم بخفوت و قال برفق :
- عارف يا حبيبتى .. إدعيلنا إنتى بس و إرضى علينا و ربنا هيكرمنا من وسع .. يالا تصبحى على خير .
ربتت على ذراعيه و قالت بحنو :
- و إنت من أهل الخير .. لو إحتاجت حاجة إنده عليا .
أومأ برأسه إليها و قبل كفها و توجه ناحية غرفته و دلفها بهدوء مبتسما بإنتشاء و هو يتذكر لحظاته مع مجنونته الجميلة .. و يدعو الله بداخله أن يقرب البعيد ...
فى اليوم التالى إنهمكت غزل فى عملها حتى شعرت بالإرهاق .. فقررت التوجه لغرفتها لتستريح قليلا .. قابلت دكتور راغب فإبتسمت إليه و صافحته و قالت بود :
- أخبار حضرتك إيه يا دكتور .
أجابها راغب مازحا :
- أنا كويس الحمد لله .. مافيش مرة تسألى عنى .
إتسعت إبتسامتها و قالت بإعتذار :
- سامحنى و الله غصب عنى .. ضغط الشغل حضرتك عارف إن القسم بتاعنا مشاكله كتيره .
وضع يديه بجيبى معطفه و قال بتفهم :
- معاكى حق .. و الدكتور أحمد بيقولى أخبارك دايما و هو مبسوط منك و فخور بيكى جدا .
أومأت برأسها و قالت بإمتنان :
- مرسيه يا دكتور دى شهادة أعتز بيها .
إبتسم إليها و قال بمكر :
- مبروك .. و لو إنها متأخرة شوية .
قطبت حاجبيها بتعجب و تسائلت بفضول :
- مبروك على إيه ؟!
أجابها راغب مسرعا :
- على كتب كتابك طبعا .. الأستاذ فارس يستحق إنسانة زيك يا دكتور .. ربنا يهنيكم .
إبتسمت بخجل و قالت بعملية :
- شكرا .. بس النهاردة إنت هترتاح من إجتمعاته .
زم شفتيه بعدم فهم و قال متعجبا :
- قصدك إيه ؟!
أجابته ببديهية :
- لأنه مش هاييجى الشغل النهاردة .. أصله تعبان شوية .
ضحك ضحكة عالية و قال بهزل :
- أستاذ فارس هنا من ساعتين .. واضح إنك مش مسيطرة يا دكتور .
إستشاطت نظراتها و قالت بإندهاش غاضب :
_ نعم ؟!!
لاحظ علامات الغضب التى كست وجهها فقال بتريث :
_ عادى يا غزل هو شكله مش تعبان و لا حاجة .. ماتقلقيش .
تجاهلت حديث راغب و قالت بتوعد :
- مشيت اللى فى دماغك برضه .. ماشى يا فارس .
ثم إستأذنت من راغب و تركته و توجهت لغرفة مكتبه .. و لأن الجميع بات على علم بزواجهم .. لم توقفها سكرتيرة مكتبه .. فدلفت بغضب حتى صدمت مما رأت و إتسعت عيناها بصدمة .. و جزت على نواجزها و هى تتوعده بحنق ..
لأنه ببساطة كان جالسا أمام تلك الحقيرة سما و يشعل لها سيجارتها و هى مائلة نحوهو قد برز صدرها العارى من فستانها الوقح مثلها ...
فور رؤيته لها إبتسم بتسلية و قال بهدوء :
- إتفضلى يا غزل .
إحتدت نظراتها نحوه و كانت على وشك الإنفجار فى وجهيهما و لكنها جمدت أعصابها و إبتسمت بهدوء و دلفت بثقة..
لم يخفى عليه حركة فمها السريعة الهيستيرية و التى تصاحب نوباتها الغاضبة .. و حركة مقلتيها المحتدة بلهب فيروزى لو طالهما لصهرهما فورا من شدته .. و إقترابها البطئ الواثق و المتحفز أيضا ..
إقتربت منهما و جلست على ذراع الأريكة التى يجلس عليها فارس .. و مالت ناحيته و قبلت وجنته مطولا و قالت برقة أذابت معها كل أعصابه :
- أخبارك النهاردة إيه يا حبيبى .
حبيبها كان فى عالم آخر من صدمته بقبلتها التى لامست قلبه .. و كلماتها الحانية و صوتها الساحر و ذرات عطرها الرقيقة .. لم تتركها عينيه و هو يغوص ببحر عينيها الفيروزى .. ثم إبتلع ريقه و قال بصوت عميق :
- أنا بقيت كويس .
فزمت شفتيها بضيق و قالت بلوم :
- هو أنا مش قولتلك ترتاح فى البيت النهاردة .. ليه جيت .
تنهد مطولا و أجابها بهدوء و هو مازال يتفرس فى وجهها لكى يقتنع أنه لا يحلم و هذه حقيقة :
- ما تقلقيش .. حسيت إنى بقيت كويس فنزلت .
تطلعت غزل بسما و قالت من بين أسنانها :
- أهلا يا آنسة .
زفرت سما بضيق و تصنعت الإبتسام و قالت بضيق :
- أهلا .
وقفت غزل و قالت بخجل مصطنع :
- أسيبكم أنا ليكون وراكم شغل ولا حاجة .
جذبها فارس من يدها و أجلسها بجواره مرة أخرى و هو يطالعها بنظرات نهمة و قال بنبرة آمرة :
- ﻷ خليكى .. أنا عاوزك فى موضوع مهم .. هخلص إجتماعى مع سما و .. و هفضالك .
أومأت برأسها بتوجس من نظراته المتحفزة و كلماته المبهمة .. و أشاحت بعيناها عنه بصعوبة و كأنه كبلها به ...
إستمرت جلسة فارس و سما حتى إتفقوا على كل شئ و وقعوا العقود .. بأن يكون تأمين موظفى شركتها بمشفى فارس .. إنتهى الإجتماع و غزل لم تتركهما .. رغم أعمالها المعطلة و الغضب الذى سيطالها من أحمد .. و لكن يذهب كل شئ للجحيم أمام إنتصارها على تلك الوقحة ..
وقفت سما و ودعت فارس و هى تطلب منه أن يتقابلوا مرة أخرى حتى تغضب غزل أكثر .. و إستطاعت إغضابها لأنه لم يرفض طلبها أو على الأقل عنفها على تماديها و الأسوء أنه تبعها لباب غرفته حتى خرجت .. و أغلق الباب و إستدار لساحرته التى حطمت بقبلتها كل الجدران التى شيدها ليحمى قلبه من أى شرارات أنثوية ...
لاحظت نظراته الجريئة فقالت و فى عينيها مزيج من الدهشة و التريث :
- معلش قطعت عليكم خلوتكم .
لم تلن نظراته بل زادت حدتها و قوتها فقالت بقلق :
- مالك بتبصلى كده ليه .. و باعدين إيه نظام البت دى و كل مرة لبسها بيخف .. ﻷ و كنت مبسوط إنت بقميص النوم اللى هى كانت لبساه لحضرتك و عمال تولعلها سجاير .. إيه هى عجبتك .
وقف أمامها يستمع لكلماتها و هو يلتهمها بعينيه .. ثم بدون وعى منه إنحنى عليها ليلتهم شفتيها بشوق كل ثانية كانت قريبة أو بعيدة عنه و رغبها ..
فى البداية تفاجأت من فعلته .. و حاولت دفعه بعيدا عنها .. فتحرك بها قليلا حتى إصطدم ظهرها بالحائط خلفها ...
و تابع قبلته العميقة و هو يكبل ذراعيها خلف ظهرها بيده و متمسكا بمؤخرة رأسها بيده الأخرى و متعمقا بقبلته أكثر و أكثر ...
بسرعة شعرت بمشاعر غريبة تجذبها إليه .. إلى عالمه .. بسحر لم تشعر به من قبل .. و إستسلمت لدوامه سحره و بدأت مقاومتها تتلاشى ببطء .. و بادلته قبلاته المجنونة ...
شعر هو بتجاوبها معه .. فتابع بشغف .. إذا فلم يعذبه شوقه بمفرده .. فهى أيضا تعذبت معه ..!!
ترك ذراعيها و كبل خصرها و ضمها إليه أكثر .. فرفعت ذراعيها و جذبته من ياقة قميصه إليها و هى تندفع بقوة وراء شغفها ...
رغم كل ما مرت به بغربتها من قذارة و إنتهاك و لكن تلك كانت قبلتها الأولى .. قاومت فى البداية رهبة إقترابه المفاجئ منها و ذابت بين يديه كقطعة غزل بنات ناعمة ...
إبتعد عنها قليلا و همس على شفتيها بأنفاس متقطعة :
- بحبببببببك .
رفعت عيناها نحوه و طالعته بصدمة .. و كأنها تطلب منه تأكيد ما سمعته أذنيها .. فقبل أنفها و قال بتنهيدة مرتجفة طويلة :
- بحبك .. و الله العظيم بحبك .
خرج صوتها متحشرجا و كأنه سحبه بقبلته الثائرة تلك و قالت بإرتجاف :
_ بتحبنى أنا ؟!!
إستند بذراعيه على الحائط محاوطا إياها و لامس بجبهته جبهتها و قال بصدق العالم كله :
_ مش بحبك و بس .. بعشقك .. و ما حبتش فى حياتى كلها غيرك .
إبتعدت عنه قليلا و هى تتحرك بين عينيه تطالع صدقهما و إبتسمت برقة و هى تستقر بعيناها أمام شفتيه الغليظة القوية و همست بصوت قد يسبب له أزمة قلبية من فرط رقته و لوعته :
- وأنا بموت فيك .
كلامك لسه بيدفى
و حضنك برضه دفانى
و بشتاقلك عشان قلبك
صبح ليا وطن تانى .....
بحبك أد أنفاسك
و بيشجعنى إحساسك
و ببقى غريبة من بعدك
عشان إحساسى وحدانى
و ببقى ضعيفة من غيرك
عشان غيرك بينسانى
و لما نسيم هواك يرحل
بتدبل كل أغصانى
و لما نسيم هواك يدخل
فى قلبى يهد أشجانى
و بفرح لما تلمسنى
و تزرعنى فى جناتك
وبتنفس عبير حبك
و بتدوبنى نظراتك
و ألف دراعى و أحضن فيك
كأنى حجاب عشان أحميك
و أحرك فيك و أدور أنا بيك
و تسقينى النعيم بإديك
و أنا بسقيك كاسات حبى
وتحينى و بيه أحييك .....
قصيدة للشاعر مصطفى هلال ....
كل الممكن ... و بعض المستحيل ..
هل تخطى جميع حواجزهما بقفزة واحدة .. هل أصبحت ملكه قلبا و قالبا .. هل ذابت بين يديه منذ لحظات .. هل صرح لها بعشقه الذى دفنه بداخله لسنوات و سنوات و خرج أمام شفتيها للنور .. هل .. هل إعترفتله هى أيضا .. بحبها ....
تعمق بنظراته فى محيطى عيناها الفيروزيتين .. و تفرس بملامحها المتوردة .. و عاد لشفتيها مجددا فى إنتظار تأكيدا على ما سمعته أذنيه .. ربما توهم .. ربما ما يحياه كله وهما فى وهم .....
أخرجته غزل من حيرته و قالت بتأكيد .. هامس .. بطئ :
- و أنا.. بموت .. فيك .
لم يعطها وقتا و عاد للإرتواء من شفتيها و التى حلم كثيرا بتذوقها .. لكنها فاقت كل أحلامه .. مذاقها كالشهد و شف و ناعمة كقطعة غزل بنات جعلته يأبى تركها .. و لكنه سيطر على رغبته الجامحة و إبتعد عنها و تطلع داخل عيونها آسرته و قال بحب و عشق لم يشعر بهما قلبه قبلها :
- أخيرا .. مش مصدق إنك معايا و عوزانى .. حاسس إنى بحلم و خايف أصحى .
تنهدت مطولا .. تنهيدة حارة بسخونة قلبها و هى تتأمل نظراته العاشقة .. ثم تسائلت بإبتسامة مشاغبة :
- إنت قولت إنك بتحبنى .. مش كده .
لثم شفتيها برقة و عاد لعينيها و قال بقوة :
- بحبك قوى .. ﻷ.. بعشقك .
لفت ذراعيها حول عنقه و هى تقف على أطراف أصابعها لتصبح بمستوى طوله .. و ضمته إليها و أغمضت عيناها و هى تستشعر دفء مشاعره الصادقة ...
إفتقدت الصدق و الأمان من قبله .. مرت بأيام و أيام و هى منطوية على نفسها بذعر من كل شئ و أى شئ .. فيقدر لها العودة لموطنها .. فموطنها ذاك ليس الوطن الذى يجمعنا جميعا بداخله فقط .. بل له معنى أعمق شعرت به و هو يضمها لصدره .. لموطنها الدافئ .....
و رائحته تغازل أنفها .. ضمها إليه بقوة كادت معها أن يحطم عظامها .. ثم أبعدها عنه و جذبها ورائه و جلس على الأريكة و أجلسها على قدميه و هو لا يقوى على ترك عينيها و لا شفتيها أيضا ....
إبتسمت بخجل و وارت عينيها عنه .. و لكنه لامس ذقنها بأنامله و أدار وجهها ناحيته و عاد لنظراته الشقية التى تلتهم تقاسيم وجهها الساحر .. ثم ظهرت إبتسامة تسلية خطيرة على زوايا فمه و قال بصلابة :
- تتجوزينى يا غزل ؟!!
طالعته بنظرة شقية ألهبت حواسه بقوة و قالت بمكر :
- إتسألت السؤال ده قبل كده .. و وافقت .
فهمس إليها فارس برغبة و هو يرفع ذراعيها و يلفهما حول عنقه :
- يعنى موافقة جوازنا يبقى بجد و نعيش مع بعض .
تغنجت غزل بكتفها و قالت بدلال :
- مش عارفة .
رد عليها بنبرة جادة و لكن نظراته العاشقة هى ما سيطرت على حديثه :
- تحبى أعرفك إنتى موافقة و لا ﻷ .
إبتسمت بخجل بعدما فطنت لغموض عبارته و قالت بصوت متسلى :
- ﻷ مش لازم .. عموما .. أنا موافقة .
قربها منه و هى مازالت جالسة على قدميه و داعب أنفها بأنفه و قال بشوق :
- خلاص يومين و تبقى معايا .. و أنا جهزت جناحنا فى القصر .
إتسعت عينيها بدهشة و قالت بصدمة :
- يومين !
أجابها مسرعا :
- كتير صح .. خلاص بكرة نتجوز .
وقفت و قالت ساخرة بحدة :
- إنت هتهزر .. ده أنا محتاجة شهر على الأقل .
- شهر مش كده .
قالها محذرا و هو يقف أمامها .. ثم جذبها بالقوة من ذراعها لتصطدم بصدره .. ثم طاوع قلبه و مال عليها مجددا و قبلها و لكن هذه المرة بقوة آلمتها .. لحظات و لحظات و هو ينهل منها دون توقف حتى إبتعد عنها و قال هامسا :
- هاه عاوزة شهر برضه .
ردت بتنهيدة متلهفة :
- خلاص إسبوعين .
فقبلها ثانية بقوة أكبر .. و إبتعد عنها قائلا بأنفاس متقطعة :
- و كده بقا لسه عاوزة إسبوعين برضه .
أطرقت رأسها و قد إشتعلت وجنتاها و زاد توردهم .. ثم قالت بإستسلام :
- تمام .. بس مهاب و دنيا هنعمل فيهم إيه .
رد بجدية لأنه قد خطط لكل شئ و كأنه كان يثق فى موافقتها و عشقها :
- دنيا هتعيش مع أمى .. و مهاب هيفضل معاهم فترة قصيرة .. و بعد كده هييجى يعيش معانا .. و أنا جهزت جناحنا و فرشته على أعلى مستوى و إشتريت ليكى كل اللى هتحتاجيه .. من هدوم عرايس و هدوم خروج و عبايات بيت و كل حاجة ممكن تعوزيها .
قطبت حاجبيها وقالت بتعجب :
- عملت كل ده إمتى و إزاى .
ضحك ضحكة عالية و قال مازحا و هو يمرر أنفه على عنقها الظاهر من ما يسمى حجابها :
- ده أنا ورايا مافيا .. بمساعدتهم قدرت أخلص كل حاجة بسرعة و هما اللى ساعدونى علشان أعرف ذوقك فى اللبس و المقاس و كل حاجة ممكن تحتاجيها مهما كانت صغيرة .. حضرتها .
ضحكت و هزت رأسها بعدما فهمت مقصده و إبتعدت عنه لأنه يلعب على أوتار قد تنسيها بأى مكان هما و تنساق وراء نيرانه التى تلسعها برقة و قالت بإبتسامة مرتجفة :
- يا ولاد اللذين .. كل ده من ورايا .. ده ليال و ميناس عقابهم عسير.
مرر أنامله على وجهها برقة و قال بهمس مثير :
- مش هقدر أبعد عنك بعد ما قربت منك تانى .. بعد بكرة دخلتنا تمام .
أومأت برأسها و قد أظلمت عيونها و قالت بحزن :
- بس مش هيبقى فيه أى حاجة .. علشان تيتة رأفة و... .
قاطعها قائلا بضمة غمرتها بين ضلوعه :
- عارف يا حبيبتى .. ما تقلقيش .. بس أوعدك إنى هبقى أعملك حفلة الكل يحكى عنها لما تبقى جاهزة .
غاصت بأنفها فى رقبته تستنشق عطره و قالت بإمتنان :
- شكرا .
إلتفت برأسه قليلا و نثر قبلاته الناعمة على وجنتها و هو يقول بجدية لا تناسب وضعهما الحالى :
- إيه رأيك نقضى اليوم سوا .. و نعمل شوبنج و نجيب بدلتى و فستانك.
فكرت قليلا و إبتعدت عنه قائلة بفضول :
- موافقة .. بس أنا محتاجة أعرف كل حاجة عنك .. و إنت كمان من حقك تعرفنى .
قبل جبينها و قال و هو يتطلع إليها كأنه ينحت لها تمثالا على عرش قلبه :
- تمام خلصى شغلك و هفوت عليكى نخرج سوا .
قبضت على كفيه براحتيها الناعمتين و قالت برقة :
- حاضر .. باى .
و طالعته مطولا قبل أن تلتف قليلا لتغادر .. لم يستطع فجذبها مجددا لصدره و ضمها بقوة و رفعها عن الأرضية و دار بها بسعادة و هو يقول من أعماق قلبه :
- بحبك .. بحبك قوى .
تعالت ضحكاتها العفوية السعيدة و التى لم يسمعها من قبل .. و ضمته إليها أكثر و الدنيا تدور بهما كدوامة كبيرة تبتلعهما بداخلها ....
أصابهما بعض الدوار فسقطا على الأريكة .. يلتقطان أنفاسهما بصعوبة و هو يعتليها و هى مازالت متشبسة بعنقه و نظراتهما تشعل الصورة حولهما .. عاد لعبثه مجددا بشفتيها .. و تمادت يديه قليلا على جسدها .. فإبتعدت عنه بتوجس و قالت بتحذير :
- يا ريت لو تبص حواليك .. إحنا لسه فى المستشفى و لو حد دخل علينا دلوقتى .. هيطلب لنا بوليس قلة الأدب .
ضحك فارس ضحكة عالية و ذكرها بموقف الحمار القديم قائلا بسخرية :
- ده زى مدير عام حقوق الحيوان اللى كنتى هتتصلى بيه علشان الحمار .
ضحكت بخفوت و قالت متصنعة الضيق :
- إنت شرير على فكرة .. و إتفضل إبعد عنى .. عيب كده.
وقف وجذبها معه و عدل من هندامها و قال بضيق :
- إنتى متخيلة هتوحشينى إزاى .
هامت بعينيه و قالت بقوة :
- أيوة .. لأنك هتوحشنى أكتر .
طالت نظراتهما المتلهفة فإبتسمت إليه برقة و إبتعدت عنه و إتجهت ناحية الباب و إبتسامتها المشرقة عنوان سعادتها ..
أغلقت الباب ورائها بعدما منحته نظرة خاطفة أشعلت توقه لها مرة أخرى ..
طالعتها سكرتيرته بإبتسامة خافتة .. فعضت غزل على باطن صدغها بخجل .. فمن المؤكد أن بعض كلماتهما قد تسربت لها ... بغير قصد .. طبعا ..
عادت لمكتبها واجمة و شاردة .. و سعيدة .. ربما لم تجرب السعادة من قبل و لكن سيظل الخوف صديقها الصدوق .. خصوصا بعدما أصبحت تملك ما تخشى عليه ..
و لكنها غلبت خوفها بتذكرها لنظراته التى تلتهمها من شوقه .. و قبلاته المشاغبة و الجامحة أحيانا ...
دلفت لمكتبها و هى تبتسم ببلاهة .. و جلست على مكتبها و إستندت برأسها على ظهر المقعد تسترجع كل ما مرت به قبل قليل ....
طالعتها سالى بقلق .. و إقتربت منها و تفرست فى ملامحها و إبتسمت بخجل و تنحنحت بصوت عالى و قالت لتنبيهها :
- إحممم .. نحن هنا .
إنتفضت غزل بذعر و وبختها قائلة بضيق :
- ما بالراحة يا بنتى .. إيه الفزع ده .
مالت سالى بجسدها على مكتبها و إستندت بمرفقيها عليه و حركت حاجبيها بمكر و تسائلت بفضول وقح :
- إلا يا زولا .. هو الروج بتاعك راح فين .
إعتدلت غزل بجلستها و إبتلعت ريقها بتوتر و عدلت من حجابها و قالت بتلعثم :
- روج .. روج إيه مش .. فاهمة .
غمزت لها سالى بعينها و قالت بمكر عابث :
- الروج اللى كنتى حطاه .. ده نوعه صعب يروح .. راح فين بقا .
فركت غزل أناملها ببعضهما و قالت بقوة مصطنعة :
- و لا راح و لا حاجة .. ما هو موجود أهه .
ضحكت سالى بخفوت و قالت بمشاغبة :
- بلاش الروج .. هى شفايفك مالها كده متغيرة .. ده بوتكس و لا فيلر .
قذفتها غزل بقلم أمامها و قالت بضحكة مكتومة :
- قليلة أدب .. قصدك إيه يا بتاعة إنتى .
تفادت سالى ذلك القلم الطائر و قالت بضحك هيستيرى :
- قصدى كنت إستنوا لما يلمكوا بيت .. مستعجلين على إيه .. أحب أطمنك .. إن كل اللى شافك عرف كنتم بتعملوا إيه .
شهقت غزل بداخلها و لامست شفتيها بأناملها و قالت بخجل :
- oh my god.. بجد يا سالى .
قبضت سالى كفها و سحبت ذراعها للأسفل بإنتصار و قالت :
- yes .. إعترفى بقا بكل جرايمك .. جريمة جريمة .
إبتسمت غزل بخفوت و تنهدت تنهيدة طويلة شغوفة و قالت برقة :
- قالى بحبك يا سالى .
عزفت سالى على كمانجة وهمية و قالت بمزاح :
- تيرا را را را را .. هاه و باعدين يا قطة إدخلى فى المهم باسك إزاى .
بحثت غزل حولها عن شئ لتقذفها به و قالت بضيق :
- آه يا وقحة أنا هوريكى .
ركضت سالى من أمامها و فتحت باب الغرفة و خرجت مسرعة .. ثم أطلت برأسها و هى تحتمى بالباب و قالت بضجر :
- هلف لفة و أرجعلك تكونى هديتى .. على فكرة دكتور أحمد قلب عليكى المستشفى .. و إنتى كنتى .. هاه .
قذفتها غزل بدفتر الوصفات الطبية .. فأغلقت الباب و هربت مسرعة .. هزت غزل رأسها بيأس و عادت لإبتسامتها المشرقة .. و هى تتلمس شفتيها بخجل ....
أنهت غزل مرورها و جلس معها أحمد للتنسيق معها على جدول العمليات .. إنهمكا سويا فى مطالعة الأشعة و التحاليل .. فقاطعهما فارس قائلا بضيق :
- مساء الخير .
وقفت غزل بعدما لمعت عيناها فور رؤيته .. فدلف هو للمكتب و إقترب منها .. و إنحنى قليلا و قبلها فى وجنتها ليرد الصاع صاعين لذلك الوسيم المتذاكى .. و قال برقة :
- جاهزة يا حبيبتى .
أومأت برأسها موافقة .. ثم وجهت حديثها لأحمد بعدما شعرت بغضبه .. من إحتقان وجهه و إحمراره و ضغط شفتيه بقوة قائلة بهدوء :
- أحمد معلش هنكمل كلامنا بكرة .. و هنبقى نتفق على كل حاجة .
حاوط فارس كتفيها بذراعه و ضمها إليه و قال بقوة :
- معلش يا دكتور أحمد .. غزل هتاخد أجازة إسبوعين .. أصلنا هنتجوز .. فإستعين بدكتور راغب أو دكتور نادر .
وقف أحمد مسرعا و هو يخفى توتره .. ثم تنحنح قائلا و هو يرسم إبتسامة باهتة على ثغره :
- مبروك .. بعد إذنكم .
و إنصرف مسرعا .. أغمض فارس عينيه و هو يزفر بضيق و سبه بكلمات نابية .. إبتسمت غزل على غيرته و وخزته فى جانبه و قالت معاتبة :
- عيب كده .. ما تشتمش حد تانى .
رفع حاجبه بحدة و قال بتذمر :
- إنتى زعلانة علشانه و لا إيه .
إبتسمت بمكر و قالت بنبرة صوتها المغوية :
he is just afriend . -
ضيق نظراته و قال بضيق :
- لا و الله .. صاحبك إزاى يعنى .. مافيش الكلام ده خلاص.. إنتى هنا فى مصر و مافيش هنا صحوبية و الكلام الفارغ ده .. مفهوم .
إبتسمت بهدوء و هى تتأمل وسامته من قريب و هو يضمها إليه .. ثم قالت برقة :
- relax لو سمحت .. done.
إبتسم و هو يعتدل إستعدادا للخروج و قال بمداعبة :
- بموت فى العربى المستهبل بتاعك ده .. يالا بينا .
أومأت برأسها بالإيجاب و نزعت مأزرها الأبيض و تأكدت من هندامها و سألته بفضول :
- هنروح فين بقا .
سحب مقدمة حجابها للأمام قليلا و دس شعرات تمردت من رابطتها بداخل حجابها و قال بضيق :
- نفسى تلبسى الحجاب صح .
تركته يفعل ما يشاء و أجابته بتعقل :
- إن شاء الله .. برضه ما قولتليش هنروح فين .
رفع ذقنها و هام على صفحة وجهها و قال بإبتسامة عينيه التى تعشقها :
- دى مفاجأة يا أميرتى .
قطبت حاجبيها بتعجب و تسائلت بإهتمام :
- أميرتك ؟!!
قربها منه أكثر و قال بهدوء متمرس :
- أيوة أميرتى .. و إنتى صغيرة كانت خالتو حور دايما تلبسك توكة على شكل تاج .. و كنتى بتحبيها جدا .. و أنا بسببها كنت بقولك يا أميرتى .
شعرت بروحها تذوب أمام كلماته و نظراته .. فتشبثت بسترته و قالت بضيق :
- أنا بقول نمشى أحسن .
أومأ برأسه و أشار بيده لتتقدمه و قال بتهذيب :
- إتفضلى .
و مد يده ناحيتها فتمسكت بكفه و خرجا سويا تتابعهما أعين الجميع بإعجاب و ضيق .. و حزن أيضا .. مسد أحمد جبهته و هو يتابع إنصرافهما و نظراتهما المعبرة عما بداخلهما و قال بنفسه :
- ﻷ مش هستحمل .. كده كتير عليا و الله .. مش هستحمل .
شعر الإرهاق و التعب على غير عادته فإرتمى رامى بجسده على أحد الأرائك متنفسا بصعوبة .. فصرخت به ليال و قالت بضيق :
- قوم أقف بسرعة .
وقف مفزوعا و قال بسخط :
- فى إيه .
أجابته ليال بضيق و هى تجفف عرق جبينها :
- ده فرش عروسة و ما ينفعش تقعد عليه .
زفر مطولا بضيق .. ثم قال بهدوء :
- حرام عليكى .. ما أنا تعبت كمان .. و لا هما يتمشوا و إحنا نتنفخ هنا .
ضحك حمزة ضحكة عالية و قال محذرا :
- إهدى كده للعوو يوصله كلامك و يعلقك .
جلس رامى على ذراع مقعد حمزة و قال ببرود :
- يا عم إحنا قولنا حاجة .. ده عم الناس كلها .. اللى مضايقنى إنى أنا.. هاه أنا .. اللى بفرش لغزل بيتها بإيدى .. هااااه عجبى .
فقالت له ميناس بمداعبة و هى تقف على الدرج المتحرك لتلميع الثرايا المعلقة :
- مش عارفة بينك و بين غزل إيه .
أشاح رامى بيده فى الهواء و قال بإزدراء :
- و لا حاجة .. و ماتوقعنيش فى الغلط .
وقفت ليال تتطلع لغرفة النوم بفخر على مجهودها و قالت :
- إيه رأيكم فى الأوضة بعد ماخلصت .. تجنن صح .
أجابها حمزة بإبتسامة هادئة و قال بإمتنان :
- تسلم إيدكم .. ده هيبقى أحلى جناح فى القصر .
أشارت ليال للفتيات اللاتى ساعدوهم فى الفرش و ترتيب حاجيات غزل و فارس .. فتركوهم و إنصرفوا ...
شعرت مجددا بتلك الوخزات ببطنها و تقلب معدتها .. فضغطت على بطنها متألمة ..
إنتبه رامى على عبوسها و إنكماش وجهها و ضغطها على بطنها فسألها بقلق :
- مالك يا ليال .. إنتى تعبانة .
إبتسمت بسرعة و قالت نافية :
- ﻷ .. أنا كويسة الحمد لله .
فسألها حمزة بتوجس :
- ليال لو تعبانة قولى ما تكدبيش .
و فجأة إتسعت عينى حمزة و حرك الكرسى مسرعا فإنتفض رامى واقفا .. و أسرع فى تحريكه ليسند الدرج الذى تقف عليه ميناس قبل أن تسقط على الأرض ..
صرخت ميناس مستنجدة و الدرج يميل بها .. حتى شعرت بقوة ما أعادت الدرج ليقف مرة أخرى بإتزان .. ركضا نحوهما ليال و رامى فقالت لها ليال مسرعة بقلق :
- إنزلى بسرعة يا ميناس .
مد رامى يده إليها و قال بهدوء :
- هاتى إيدك .. و إنزلى بالراحة .. يالا .
تمسكت بكف رامى و هبطت بهدوء و جسدها ينتفض من ذعرها .. ما أن لامست الأرض بقدميها حتى تشنجت تعابير حمزة و صرخ بها قائلا بغضب :
- إنت متخلفة .. إيه اللى طلعك على الزفت ده .
طالعته ميناس بخوف و قالت بتلعثم :
- كنت.. كنت بلمع النجف .
حرك الكرسى قليلا حتى إقترب منها و قال بشراسة :
- بلا نجف بلا زفت .. ياريتك وقعتى و إتقطمت رقبتك و خلصت منك .
كانت كلماته مؤلمة و صادمة للجميع .. و هبطت دموعها بهدوء كعادتها .. إقترب رامى من حمزة و قال له لائما :
- ليه كده يا حمزة .. حرام عليك يا أخى .
إتسعت عينيه و أجابه بغضب هادر :
- مالكش دعوة يا رامى .. قدامى يا هانم حسابك معايا .
وقفت ليال أمام ميناس و قالت و هى ترتجف بذعر :
- ﻷ .. مش هاتيجى معاك .. عاوز تضربها زى كل مرة .
صاح بها حمزة بحدة و قد فقد السيطرة على نفسه من قلقه عليها :
- و إنتى مالك إنتى .
فزعت ليال من صياح حمزة بها و إنكمشت بنفسها .. لتشتعل حدقتى رامى من إسلوبه الفظ مع حبيبته .. فأمسكه من تلابيبه بالقوة و قال له محذرا :
- إنت إتهرشت فى مخك .. بتزعق لليال قدامى .. مرة تانية و هدفنك مكانك إنت فاهم .
أزاح حمزة يدى رامى بالقوة .. و رفع سبابته أمام وجهه و قال بغضب :
- لو مديت إيدك عليا تانى هقطعهالك .. سامعنى .
إعتدل رامى فى وقفته و هو يحدجه بدهشة .. فهل تتعامل ميناس مع هذا المتحجر المشاعر .. لم يكن بهذه الشراسة من قبل .. ما الذى حوله و جعله مسخ و شبح لصديق و أخ .. قديم .. خرج رامى عن صمته و قال بألم :
- بقا كده يا حمزة .. كتر خيرك .. قدامى يا ليال .
أجابته ليال بخوف و هى تهز رأسها نافية و متشبسة بميناس :
- ﻷ .. مش هسيب ميناس ممكن يأذيها .
ربتت ميناس على ذراعها و قالت مسرعة بجمود :
- روحى مع جوزك يا ليال .. ما تقلقيش عليا .
حاوط رامى ليال بذراعه و حثها على السير معه .. فسارت معه و عيونها متعلقة بأختها .. و طالعت حمزة بإزدراء قبل أن تتركهما و تخرج ...
وقفت ميناس أمام حمزة وقالت ببرود و جمود :
• أنا جاهزة .. تقدر تعمل اللى إنت عايزه .. زعق إضرب إشتم .. براحتك خالص .
تطلع إليها مطولا و هو متعجبا من جمودها .. لأول مرة لم يرى ذعرها و خوفها منه .. فهل فقد سيطرته عليها .. أم أنه لم يعد يعنيها .. خرج عن صمته قائلا بخفوت :
- ودينى أوضتى لو سمحتى .
هذا فقط ...
إتسعت عينى ميناس العشبية بتعجب من رده البارد .. ثم إلتفت ورائه و دفعت الكرسى و خرجت متوجهه لغرفته ...
أوقفت الكرسى بمنتصف الغرفة و قالت بخوف :
- عاوز حاجة منى .
أجابها حمزة بهدوء يحسد عليه :
- خليهم يحضروا الغدا و يجيبوه هنا علشان تتغدى معايا .
وقفت ميناس تتطلع إليه بذهول .. و هى تسأل نفسها .. لمتى ستحتمل تقلباته و إساءاته .. لو هذا هو الحب فملعون هذا الحب الذى حولها لإمرأة عجوز شاحبة فاقدة لطعم الحياة .. و لعبة فى يدى ذلك المريض بعقله ...
هزت كتفيها بإستسلام و خرجت من الغرفة بهدوء .. أخبرتهم بالمطبخ بأن يعدوا غدائهما و يرسلوه لغرفة حمزة و صعدت لليال لتطمئنها عليها ...
جثى رامى على ركبته أمامها و هى منهارة من البكاء .. و قد سقطت شعراتها الذهبية على وجهها فأبعدهم بأنامله و رفع وجهها نحوه و كفف دموعها و قال بضيق :
- إهدى بقا يا لولو .. لولا إنه إبن عمى كنت قتلته على دموعك و خوفك ده .
خرج صوت ليال متحشرجا من بكائها و قالت بخوف :
- خايفة عليها قوى .. أكيد هتتوجع لما يضربها .
وقف و ضم رأسها بصدره و قال لطمأنتها بحنو :
- ﻷ .. أنا هنزله و هكلمه رغم إنى مش طايق أشوفه .. بس علشان خاطرك هعمل أى حاجة .
كففت دموعها و قالت بجدية :
- بجد يا رامى .
قبل مقدمة رأسها و قال بإبتسامة مشاغبة على إحمرار أنفها المغرى :
- بجد يا قلب رامى .. و هنزل أجيبهالك من إيدها كمان .
إبتسمت بخفوت و تمسكت به بقوة و قالت براحة :
- ربنا يخليك ليا .
إنتبها لطرقات على باب الجناح .. إبتعد رامى عن ليال و فتح باب الغرفة .. لتلين ملامحه فور رؤيته لميناس بإبتسامتها الملائكية .. فسألها رامى مازحا :
- إنتى لسه عايشة يا مينو .. ده أنا من عياط ليال قولت زمانك مفرفرة .
وقفت ليال مسرعة و ركضت نحو باب غرفتها و إجتذبت ميناس و تطلعت إليها بنظرة شمولية تتفحص وجهها و قالت بتوجس :
- إنتى كويسة .. عمل فيكى إيه .. ضربك و لا شتمك و لا إيه .
هدأتها ميناس و وضعت إصبعها على فمها لتسكتها و قالت بهدوء :
- هشششش .. إهدى و الله ما عمل حاجة .. أنا كويسة قدامك أهه .
- الحمد لله .
قالتها ليال براحة .. فقالت لها ميناس بتعقل :
- ماتقلقيش كده يا ليال .. حمزة مش وحش كده زى ما إنتى فاكرة .
زمت ليال شفتيها و قالت بحدة :
- لغاية إمتى هتفضلى تكدبى و تغطى عليه .. كفاية بقا يا ميناس .
تنهدت ميناس مطولا و قالت و هى تنصرف :
- الغدا هيطلع لكم هنا .. أنا جهزت كل حاجة .. سلام .
و جذبت ورائها الباب و أغلقته .. جلست ليال مجددا و قالت براحة :
- كويس إنها طمنتنى عليها .. بس برضه مش مصدقاها .
إقترب منها رامى و هو يعض على شفتيه السفلى بإستثارة و قال هامسا :
- إحلويتى قوى بعد العياط الجامد ده .. ده أنا هعكنن عليكى كل شوية.. و النبى قمر .
إختفى حزنها و إبتسمت بخجل و هى تتطلع إليه بلوم .. جلس بجوارها و مشط لها شعراتها بأنامله و قال بحب :
- بحبك بكل حالاتك و كل شوية بحبك أكتر إرحمينى هو اللى لسه فى دماغى برج و طار منه الحمام اللى كان معشش كمان .. يرضيكى .
ضحكت ليال ضحكة عالية و ضربت جبهتها بيأس .. فمال عليها و قال بشوق :
- بما إنى أجازة النهاردة فا أنا ناوى أستغل كل ثانية فى اليوم ده .
إبتعدت عنه مسرعة و وقفت مبتعدة .. ثم قالت بتذمر بطريقة طفولية :
- رامى .. هنتغدى و هتروح شغلك لأنى وراية مذاكرة كتير جدا و عندى إمتحان كمان 3 أيام .
ظهرت إبتسامة شقية على زوايا فمه و قال بهمس حارق:
- ده هما ساعتين بس .. و بعد كده إعملى اللى يريحك .
أومأت برأسها نافية و قالت بإصرار :
- ﻷ .. توضيب جناح غزل و فارس عطلنى كفاية .. و إنت آخد حقك و زيادة كمان .. سبنى أذاكر لو سمحت .
فقال بجمود لا يبشر بأى خير :
- براحتك .. أنا اللى مش عايزك أصلا .
دمرها الألم الذى ظهر بعينيه و قالت مسرعة بأسف :
- آسفة و الله مش قصدى أنا بس...... .
قاطعها رامى بحدة ألجمتها و هو يرمقها بنظرات قوية غاضبة :
- مش عايز أسمع منك حاجة .. إخرسى خالص .
تمسكت بسترته و قالت برجاء متذلل :
- سامحنى خلاص .. مش عايزة أشوفك زعلان و أنا تحت أمرك و هعمل اللى إنت عايزه .
نزع ذراعيها عنه و رفع سبابته أمام وجهها و قال بجنون لم تره منه من قبل :
- مش واحدة زيك اللى تقولى ﻷ .. و إبقى خلى مذاكرتك تنفعك .. و إوعى تيجى جنبى تانى .. فاهمة .
و حمل سترته و خرج مسرعا .. ركضت ليال ورائه و هى تشعر أن قلبها يتمزق .. و جذبته من ذراعه فقذف ذراعها بعيدا عنه بالقوة .. فإصطدمت بالجدار خلفها فتألمت و شعرت بألم شديد فى ظهرها .. تحاملت على نفسها و عادت لغرفتها تبكى بحرقة ...
حملت هاتفها و ظلت تهاتفه و هو يغلق المكالمة بوجهها .. ثم أغلق هاتفه ليرتاح من إتصالاتها .. قذفت الهاتف على الأرضية بغضب و وقفت بملامح متجهمة تنتظره بنافذة غرفتها ...
وضعت غزل شوكتها بجوار صحنها و قالت بعبوس :
- مش عارفة أكل و إنت عمال تبصلى كده .
أجابها فارس بهدوء متمرس و هو يبتسم بشوق :
- أنا حر أبص فى المكان اللى عايزه .
بدا الإنزعاج واضح عليها من طريقته المستفزة و بروده اللا متناهى .. فلامس وجهها بأنامله و قال برقة تذيبها :
- مش قادر أبعد عنيا عنك .. إنتى السبب .. هو فى جمال كده .
إبتسمت غزل بخجل و قالت بصرامة :
- طب خلص الأكل علشان لسه هنشترى الفستان و البدلة .
أومأ فارس برأسه وقال بإبتسامته التى كأنه خلق بها لتسحرها :
- حاضر .
إقتربت منهما إمرأة تمسك بيدها طفلة صغيرة و قالت بسعادة بالغة :
- فارس .. معقولة .. إيه الصدفة الحلوة دى .
وقف مسرعا بملامح سعيدة و يبدو عليه أنه يعرفها جيدا و صافحها قائلا بود زائد :
- رنا .. أخبارك إيه يا بنتى .. فينك من زمان .
رفعت غزل حاجبها بتحفز و حولت مقلتيه ناحية تلك المتطفلة و التى أجابته بلوم :
- أنا اللى فينى .. ما إنت عارف طريقى و لا نسيت .
إرتفعا حاجبى غزل الإثنين و حركت مقلتيها مجددا ناحيته و هو يجيبها ببشاشة :
- الدنيا لهتنى شوية و الشغل أخدنى بس عمرى ما نسيتك .
هزت غزل رأسها بقوة علها تتوهم ما تراه أمامها و تنحنحت بقوة .. فإلتفت ناحيتها فارس و رنا .. فطالعتها رنا بتعجب و سألته بفضول :
- مين دى يا برنس .
إبتسم فارس بهدوء و هو يتابع غضب غزل الممتع و أجابها بإنتشاء :
- دى غزل .. خطيبتى و هنتجوز كمان يومين .
شهقت رنا شهقة عالية و قالت بتعجب قوى :
- غزل غزل ؟!!!
أومأ برأسه مؤكدا و قال بسعادة :
- أيوة غزل الصغيرة .. اللى حكيتلك عنها .
مدت رنا زراعها ناحية غزل لمصافحتها و قالت بإبتسامة مشرقة :
- أهلا يا غزل .. أنا رنا زميلة البرنس أربع سنين فى كلية تجارة .
رسمت غزل إبتسامة باهتة على شفتيها و صافحتها قائلة ببرود :
- أهلا .
أشارت رنا على صغيرتها التى تبتسم لفارس بخجل و قالت :
- أحب أعرفك .. بنتى غزل .. و فارس هو اللى سماها .
إبتسمت غزل بخفوت و تطلعت ناحية فارس بحب و خجل من تسرعها .. إقترب منهم شابا و ما أن رأى فارس حتى إقترب منه قائلا بفرحة :
- فارس باشا بجلالة قدره .. ده إيه الصدفة السعيدة دى .
إحتضنه فارس و قال بشوق :
- وحشتنى يا إتش .. أخبارك إيه ؟!
إبتعد عنه هشام قليلا و قال بعتاب رقيق :
- لو كنت وحشتك كنت سألت .. بس إنت ندل .
ربت فارس على ذراعه و قال بإعتذار مهذب :
- سامحنى يا إتش مشاغل و الله .
إلتفت هشام ناحية غزل و أومأ لها برأسه مرحبا .. فقالت له زوجته مسرعة :
- عارف مين دى يا هشام .. دى غزل .. بتاعت فارس .. و هيتجوزا خلال أيام .
رفع هشام حاجبيه بتعجب و قال بصدمة :
- غزل الصغيرة .. معقولة ؟!!
و إلتفت برأسه ناحية فارس و سأله بإندهاش :
- لقتها فين يا معلم !!
تطلع فارس بغزل و غمز لها بطرف عينه و قال بقوة :
- هى اللى لقتنى .. و مش هسيبها تانى .
إقتربت منه رنا و قالت بإعجاب و هى تطالع غزل :
- دى ماشاء الله زى القمر .. ليك حق كنت تفضل تحبها العمر ده كله .
إبتسم فارس بخفوت و أشار إليهم قائلا بترحاب :
- إتفضلوا إقعدوا .
أجابه هشام مسرعا بتهذيب :
- معلش يا معلم .. بس ماما عزمانا على العشا و مش هينفع نتأخر .. ده غير إن غزل تعبت من كتر اللف .
داعب فارس وجنتى الصغيرة و قال ببشاشة :
- خلاص علشان خاطر غزل هسيبكم .. بس لازم نتقابل قريب تانى .
أجابته رنا بزمة من شفتيها و قالت بضيق :
- بلاش إنت علشان مش هصدقك تانى .. بس غزل أكيد هتفكرك بينا مش كده يا غزل .
أومأت غزل برأسها و قالت بهدوء :
- إن شاء الله .. فرصة سعيدة .
أجابتها رنا بود :
- أنا الأسعد حبيتى .. سلام .
و ودعوا فارس و إنصرفوا .. أشار إليها فارس برأسه و قال بهدوء :
- يالا بينا .
أومأت له برأسها و وقفت و إنصرفا و كفه يحتضن كفها بتملك ...
إستمرت جولتهم لساعات و إشتروا كل ما تبقى لهم .. و بالتأكيد لم يرى فستانها .. و هى لم ترى بدلته .. جلسا فى إحدى المطاعم لإلتقاط أنفاسهم قليلا .. فسألته غزل بفضول :
- فارس ممكن تحكيلى عنك شوية .
لمعت عيناه و هو يقول بتأكيد :
- حقك طبعا .. أنا هبدأ من مكان ما وقفت و أنا بحكيلك حكايتنا القديمة .
إستندت بوجنتها على يدها و طالعته بإهتمام .. فتابع حديثه قائلا :
- بعد ما سافرتى حتة منى فضلت معاكى و إتغيرت و بقيت العوو .. و مرت السنين و دخلت الكلية ..إختارت تجارة علشان أكبر شغل والدى .. و كان ليا شلتى معاهم عرفت الدنيا ماشية إزاى برة الحارة .
فسألته غزل بغيرة مخفية و قالت ببرود :
- و شلتك دى كان فيها بنات طبعا .
إبتسم بمكر و إستند بمرفقيه على الطاولة ليقترب من وجهها و قال بتأنى :
- أكيد .. بس كانوا أصحابى و بس .. بقينا نسافر و نعمل سفارى و إتعلمت منهم الرقص و اللبس و الحياة المرفهة اللى ما كنتش أعرفها .. و بعد الكلية رجعت لحياتى و حارتى تانى .. و إهتميت بشغلى و بس و بعد كده أمى فضلت تزن عليا علشان أتجوز .
قاطعته مرة أخرى و قالت بوجوم :
- و طبعا العروسة كانت بنت خالتك .
أومأ فارس برأسه و أردف قائلا بحزن :
- فعلا .. كنت عارف إنها بتحبنى .. و وافقت أتجوزها ..لأنه ما كانش يفرق معايا مين العروسة أصلا .. و بعد الجواز حاولت أحبها بس كان فيه حاجة دايما واقفة بينى وبينها .. خصوصا لما كنت بقوم من نومى مفزوع كل فترة .. بنده بإسمك .
كانت صدمة غزل قوية بدرجة جمدت الدم بعروقها و تشنجت أعصابها .. جاهدت و بقوة أن تخرج من حالة الشلل المؤقت الذى أصابها من كلماته الصادقة ..
نعم .. فهى متأكده من صدقه .. عيونه تشع حبا و شوقا و هذه العيون لا تعرف الكذب .. لاحظ صدمتها فأردف قائلا بصوت مرهق :
- إنتى اللى كنتى بينى و بينها يا غزل .. زادت مشاكلنا و هى فاكرة إنك لسه موجودة فى حياتى و إنى بخونها .. أوقات كانت بتصعب عليا لأنى كنت بخونها فعلا بحبى لطفلة مش موجودة إلا فى حلمى و فى خيالى و بس .
إرتشف قليلا من مشروبه الساخن و تابع بنبرة حزينة :
- و يوم الحادثة خرجت من البيت و هى بتعيط بعد ما خرجت عن شعورى و طلقتها .. لأنى كنت زهقت من خناقنا اليومى .. و قابلت حمزة و ركبت معاه و عملوا الحادثة و ماتت و سابتلى مهاب .
لاحظت غزل لمعان عينيه بدموع حبيسة .. فربتت على كفه بحنانها الذى لم يتعرف عليه بعد و قالت بهدوء :
- آسفة إنى فكرتك .. الله يرحمها .
إبتسم فارس إبتسامة باهتة و قال متابعا :
- بعد ما ماتت .. قفلت على نفسى و على مهاب .. و بعدت عن حمزة بس بقيت أطمن عليه من أبويا و عرفت إنه إتعالج من الإدمان .. بس موضوع شلله ده اللى خلانى تقريبا أسامحه .
قررت غزل تغير دفة الحوار فقالت بفضول :
- ?
لو تجسد القلق و الخوف فى شخص لكان هى .. تتطلع حولها بصدمة و بلاهة .. و صراخ السيدة يخترق عقلها و هى تندب زوجها .. زوجها ..
فمن رمى بنفسه بالنار منذ قليل أمامها هو زوجها أيضا .. زاغت أبصارها و إحتلت مقلتيها غمامة شفافة من الدموع .. و قلبها يصرخ من خوفه عليه .. و هى تطالع النيران و ألسنتها المقتدة .. و تتخيل أنه ربما تلفحه تلك الألسنة و يتألم بل و يحترق ..
فوجدت نفسها تصرخ بإسمه دون أن تشعر و دموعها قد إنسابت شاقة طريقها على وجهها الشاحب لونه من قلقها ..
مرت لحظات و لكنها كانت كالدهر عليها .. حتى خرج و هو يحمل الرجل .. مدده على الأرض و جلست السيدة زوجته بجواره و هى تصرخ به كى يستيقظ ركضت غزل بإتجاه فارس و أخذت تصفعه و تلكمه فى صدره و هى تصرخ به قائلة بهيستيريا :
- إنت مجنون و متخلف و أنا بقا هموتك بإيديا يا غبى .
ضحك على حالتها و قبض على يديها بقوة و ضمها لصدره و حاوطها بذراعيه محتويا غضبها .. و قال لها مهدئا :
- إهدى بس .. أنا كويس إهدى .
تململت بين يديه و هى تضرب صدره بقبضتيها و دموعها لا تنضب و قالت بحرقة :
- مش إنت عاوز تموت .. أموتك أنا بقا .. يا متخلف .
قبض على كفيها بالقوة و هزها بعنف و قال بجدية لإيقافها :
- خلاص بقا عاوزك تطمنينا على الراجل الغلبان ده .
إبتعدت عنه و هى تدفعه بالقوة .. ثم جلست على الأرض و عاينت الرجل .. و وقفت و سارت حتى ثلاجة الكشك و أحضرت منها زجاجة مياة و نثرت بعضها على وجهه فانتفض مذعورا وصرخ بخوف :
- النار .. النار .
وقفت غزل و قالت للسيدة بعملية :
- هو كويس ما تقلقيش دى كانت إغمائة من خوفه .. حمد الله على سلامته .
وقفت السيدة و قالت لفارس و غزل بإمتنان :
- مش عارفة أتشكركم إزاى .. ربنا يخليكم لبعض و يهنيكم .
رفع فارس يده عاليا و قال بصوت عالى :
- آميييين .
وصلت سيارة المطافئ .. فنظرت غزل لفارس بضيق و إبتعدت عنه سيرا .. أوقفها بمكر متألما :
- آآآآآآه .
إستوقفها تألمه .. فعادت إليه و عينيها يملؤها القلق و هو يضع يده على كتفه من الخلف .. أدارته و تطلعت لمكان ألمه حتى جحظت عينيها و هى ترى حرق خفيف و ملتهب بشدة .. فهزت رأسها بيأس و قالت و هى تدفعه نحو سيارته :
- تستاهل علشان تعملى باتمان مرة تانية .. إركب بسرعة .
و أجلسته بجوار مقعد السائق .. و إلتفت مسرعة و إستقلت أمام المقود .. فسألها بقلق ممزوجا بالتعجب :
- بتعرفى تسوقى ؟!
أجابته و هى تطالع الطريق من المرآة الجانبية قبل أن تدير السيارة و تنطلق بها مسرعة :
- خليك فى حالك .. أديك إتحرقت مبسوط دلوقتى .. ده عقاب ربنا على رقصة التانجو إياها .
ضحك فارس ضحكة عالية و قال بمداعبة و هو يقترب من وجهها :
- بتغيرى عليا صح .. و كمان خفتى عليا و أنا جوة الحريقة .. ده حب بقا .
دفعته بعيدا عنها و قالت بإرتباك ملحوظ :
- ده بعينك .. و إتفضل قولى أسوق إزاى للمستشفى .
إقترب منها مجددا و قال بهمس ثائر :
- طب تدفعى كام و أقولك .
قبضت على المقود بقوة و قالت بتحذير حازم :
- إقعد إتكلم لغاية ما الحرق يلتهب .. لو سمحت قولى أروح إزاى و إلا هسيبك و هنزل أركب تاكسى و أروح لوحدى .
زادت إبتسامته و هو يطالع إرتباكها من قربه منها متعمقا بعينيه فى جمال ملامحها الغاضبة ... ظل يرشدها طوال الطريق و هو يتأملها بحب .. لم تتركها عينيه و لو لثانية متعجبا من تمكنها على القيادة و على إنهيارها أمام سطوته و هيبته ...
وصلوا أخيرا للمشفى .. صفت السيارة .. و ترجلا منها و دلفا للمشفى .. أجلسته عنوة على فراش غرفة الإستقبال و بدأت فى فك أزرار قميصه واحدا تلو الآخر بقوة مصطنعة أمام عطره و إنكشاف صدره أمامها ...
لم يقل حاله عنها .. و هى قريبة منه لهذا الحد و تنزع قميصه من عليه و لامست صدره العارى بيدها ليزداد قلبه ضخا للدماء التى تحفزه لحملها عنوة و أخذها لجناحه بالقصر و سترى منه لحظات جنونية لم تعهدها و لم يعهدها أحد من قبل ...
تم تطهير الحرق و وضعت له دهانات و ضمادة .. و غزل تقف أمامه مرتبكة من جسده الرياضى العارى أمامها .. و هو مستمتع بخجلها التى تخفيه وراء عبوسها .. ما أن إنتهت حتى نزعت قفازيها و ألقتهما بصندوق القمامة و إلتفتت إليه و قالت بحزم :
- إرتاح بكرة و ما تجيش المستشفى.. و كل كويس علشان الحرق يروق بسرعة .
حاوط خصرها بذراعه و ضمها إلى صدره بالقوة الجبرية حيث يسكن قلبه التى إحتلته منذ أعوام .. وقال هامسا و هو يغوص بمحيطى عيناها :
- شكرا يا دكتور .
زادت دقات قلبها و سرعة أنفاسها و يديها تلامس صدره العارى مستندة عليه .. و تشعر بدقات قلبه المضطربة من لمستها .. تمالكت نفسها و إبتعدت عنه قائلة بحزم :
- إياك تلمسنى تانى .. مفهوم .
جذبها ناحيته مجددا و حاوط خصرها تلك المرة بذراعيه الإثنين و قال بمداعبة جريئة :
- لأ مش مفهوم .. و باعدين هو أنا كده عملت حاجة .. ده أنا بسخن بس .
إتسعت عيناها بخجل و نزعت ذراعيه بقوة و خرجت مسرعة من الغرفة .. وقف مسرعا و أوقفها قائلا بإبتسامة ماكرة :
- إنتى رايحة فين دلوقتى .
رفعت رأسها بملل و قالت بضيق :
- إنت زودتها معايا جدا .. و أنا مش هسمحلك تتعدى حدودك معايا .
لعق شفتيه بلهفة و هو يطالع شفتيها بنهم :
- طب إيه رأيك أعدى حدودك إنتى .. و أوصلك .
تطلعت حولها بقلق ربما سمعه أحد و عادت بعينيها إليه و رفعت سبابتها أمام وجهه و قالت بتحذير :
- إحترم نفسك بقولك .. و دى آخر مرة تكلمنى بالطريقة دى .. مفهوم .
علت ملامحه الجدية و سألها بهدوء :
- حاضر .. بس برضه ماشية و سيبانى ليه .
عقدت ذراعيها أمام صدرها و قالت ببديهية :
- هروح طبعا .. دنيا كلمتنى و قلقانة عليا عندك مانع .
بدت علامات الضجر ظاهرة عليه كرد فعل طبيعى لطريقتها المستفزة .. و لكنه أجابها بتعقل رزين :
- معاكى حق .. ثوانى بس و هوصلك .
و إرتدى قميصه بصعوبه .. فإضطرت لمساعدته و هو يخفى سعادته .. ثم خرجا سويا و إستقلا السيارة بصمت .. فطلب منها أن تساعده فى بسم الله الرحمن الرحيم إرتداء سترته .. فساعدته و قالت بعدم فهم :
- هتسوق إزاى دلوقتى .. خلينى أنا اللى أسوق .
رد بصرامة و هو يدير السيارة :
- لأ .. أنا اللى هسوق .
ظلا طوال الطريق صامتين و هى تتخبط بين غيرتها من رقصته الوقحة و خوفها عليه و إعجابها بشجاعته لإنقاذه للرجل دون تردد .. قاطع شرودها قائلا بهدوء :
- وصلنا .. إنزلى يالا .
لم تتطلع إليه و قالت بحزم :
- زى ما قولتلك إرتاح بكرة .. و كل كويس .. سلام .
و ترجلت من السيارة مسرعة و دلفت بنايتهم .. تنهد فارس مطولا و هو يتابعها بلباسها الطفولى و هيأتها المثيرة .. لم يعد يقوى على الصبر و يريد إقتناء ذات الحجرين الفيروزيين الكريمين .. و صاحبة الصوت المغوى و الآسر لقلبه ..
ثم صف السيارة و صعد لشقتهم و هو ينتظر عاصفة الغضب من والدته .. ضحك بخفوت و هو يتخيل هيأته المرتعدة أمامها و الشرسة و الحادة أمام الناس ...
دلف للشقة ببطء و تطلع حوله بتوجس فلم يجدها ..تنفس براحة و نزع سترته بصعوبة متألما من حرقه .. فصرخت زينب من ورائه و قالت بذعر :
- يا لهووى .. إيه اللى فى كتفك ده .. إنطق .
إلتفت إليها بعينين متسعتين من ذعره و قال بضيق :
- حرام عليكى يا أما قطعتى خلفى .. فى حد يصوت كده .
أدارته ناحيتها عنوة و خلعت قميصه و أدارته مجددا و تطلعت للضمادة بقلق و هى تقول بغضب :
- و ده من إيه بقا .. خناقة و لا إيه .. أنا عارفة عمرى ما هرتاح .. طول ما إنتم ورايا .. إنطق من إيه ده ؟!
إلتفت ناحيتها و قال بحزم :
- ده حرق بسيط .. واحد ِولع الكشك بتاعه و هو فيه و خرجته و خلصنا .. و غزل خدتنى المستشفى و عالجته و قالتلى إنه مافيهوش حاجة .. ممكن أنام بقا .
طالعته بنظرة كانت ترعبه صغيرا و قالت بضيق :
- هتفضل لغاية إمتى عايش دور حامى الحماة .. لغاية ما فى يوم ترجعلى ميت .
حك مؤخرة رأسه بغضب و قال بتروى هادئ :
- يا أمى يا حبيبتى .. و الله أنا كويس .. تحبى أفكلك الشاش و القطن علشان تشوفى بنفسك .
فقالت مسرعة بخوف :
- ﻷ يا حبيبى خلاص .. يا إبنى أنا خايفة عليك .. مش كفاية أخوك اللى حارق قلبى كل ما أشوفه قاعد على الكرسى اللى بعجل .
لانت ملامحه و قبل مقدمة رأسها و قال بحنو :
- ما تقلقيش عليا ربنا الحامى .. و حمزة و الله أنا مش ساكت .. و أكيد هلاقى حد يعمله العملية بنسبة نجاح عالية و هيبقى زى الأول و أحسن .
هزت رأسها بشجن و قالت بوهن :
- يا رب يا إبنى .. هو أنا عاوزة إيه غير أطمن عليكم و أشوفكم كويسين .
إبتسم بخفوت و قال برفق :
- عارف يا حبيبتى .. إدعيلنا إنتى بس و إرضى علينا و ربنا هيكرمنا من وسع .. يالا تصبحى على خير .
ربتت على ذراعيه و قالت بحنو :
- و إنت من أهل الخير .. لو إحتاجت حاجة إنده عليا .
أومأ برأسه إليها و قبل كفها و توجه ناحية غرفته و دلفها بهدوء مبتسما بإنتشاء و هو يتذكر لحظاته مع مجنونته الجميلة .. و يدعو الله بداخله أن يقرب البعيد ...
فى اليوم التالى إنهمكت غزل فى عملها حتى شعرت بالإرهاق .. فقررت التوجه لغرفتها لتستريح قليلا .. قابلت دكتور راغب فإبتسمت إليه و صافحته و قالت بود :
- أخبار حضرتك إيه يا دكتور .
أجابها راغب مازحا :
- أنا كويس الحمد لله .. مافيش مرة تسألى عنى .
إتسعت إبتسامتها و قالت بإعتذار :
- سامحنى و الله غصب عنى .. ضغط الشغل حضرتك عارف إن القسم بتاعنا مشاكله كتيره .
وضع يديه بجيبى معطفه و قال بتفهم :
- معاكى حق .. و الدكتور أحمد بيقولى أخبارك دايما و هو مبسوط منك و فخور بيكى جدا .
أومأت برأسها و قالت بإمتنان :
- مرسيه يا دكتور دى شهادة أعتز بيها .
إبتسم إليها و قال بمكر :
- مبروك .. و لو إنها متأخرة شوية .
قطبت حاجبيها بتعجب و تسائلت بفضول :
- مبروك على إيه ؟!
أجابها راغب مسرعا :
- على كتب كتابك طبعا .. الأستاذ فارس يستحق إنسانة زيك يا دكتور .. ربنا يهنيكم .
إبتسمت بخجل و قالت بعملية :
- شكرا .. بس النهاردة إنت هترتاح من إجتمعاته .
زم شفتيه بعدم فهم و قال متعجبا :
- قصدك إيه ؟!
أجابته ببديهية :
- لأنه مش هاييجى الشغل النهاردة .. أصله تعبان شوية .
ضحك ضحكة عالية و قال بهزل :
- أستاذ فارس هنا من ساعتين .. واضح إنك مش مسيطرة يا دكتور .
إستشاطت نظراتها و قالت بإندهاش غاضب :
_ نعم ؟!!
لاحظ علامات الغضب التى كست وجهها فقال بتريث :
_ عادى يا غزل هو شكله مش تعبان و لا حاجة .. ماتقلقيش .
تجاهلت حديث راغب و قالت بتوعد :
- مشيت اللى فى دماغك برضه .. ماشى يا فارس .
ثم إستأذنت من راغب و تركته و توجهت لغرفة مكتبه .. و لأن الجميع بات على علم بزواجهم .. لم توقفها سكرتيرة مكتبه .. فدلفت بغضب حتى صدمت مما رأت و إتسعت عيناها بصدمة .. و جزت على نواجزها و هى تتوعده بحنق ..
لأنه ببساطة كان جالسا أمام تلك الحقيرة سما و يشعل لها سيجارتها و هى مائلة نحوهو قد برز صدرها العارى من فستانها الوقح مثلها ...
فور رؤيته لها إبتسم بتسلية و قال بهدوء :
- إتفضلى يا غزل .
إحتدت نظراتها نحوه و كانت على وشك الإنفجار فى وجهيهما و لكنها جمدت أعصابها و إبتسمت بهدوء و دلفت بثقة..
لم يخفى عليه حركة فمها السريعة الهيستيرية و التى تصاحب نوباتها الغاضبة .. و حركة مقلتيها المحتدة بلهب فيروزى لو طالهما لصهرهما فورا من شدته .. و إقترابها البطئ الواثق و المتحفز أيضا ..
إقتربت منهما و جلست على ذراع الأريكة التى يجلس عليها فارس .. و مالت ناحيته و قبلت وجنته مطولا و قالت برقة أذابت معها كل أعصابه :
- أخبارك النهاردة إيه يا حبيبى .
حبيبها كان فى عالم آخر من صدمته بقبلتها التى لامست قلبه .. و كلماتها الحانية و صوتها الساحر و ذرات عطرها الرقيقة .. لم تتركها عينيه و هو يغوص ببحر عينيها الفيروزى .. ثم إبتلع ريقه و قال بصوت عميق :
- أنا بقيت كويس .
فزمت شفتيها بضيق و قالت بلوم :
- هو أنا مش قولتلك ترتاح فى البيت النهاردة .. ليه جيت .
تنهد مطولا و أجابها بهدوء و هو مازال يتفرس فى وجهها لكى يقتنع أنه لا يحلم و هذه حقيقة :
- ما تقلقيش .. حسيت إنى بقيت كويس فنزلت .
تطلعت غزل بسما و قالت من بين أسنانها :
- أهلا يا آنسة .
زفرت سما بضيق و تصنعت الإبتسام و قالت بضيق :
- أهلا .
وقفت غزل و قالت بخجل مصطنع :
- أسيبكم أنا ليكون وراكم شغل ولا حاجة .
جذبها فارس من يدها و أجلسها بجواره مرة أخرى و هو يطالعها بنظرات نهمة و قال بنبرة آمرة :
- ﻷ خليكى .. أنا عاوزك فى موضوع مهم .. هخلص إجتماعى مع سما و .. و هفضالك .
أومأت برأسها بتوجس من نظراته المتحفزة و كلماته المبهمة .. و أشاحت بعيناها عنه بصعوبة و كأنه كبلها به ...
إستمرت جلسة فارس و سما حتى إتفقوا على كل شئ و وقعوا العقود .. بأن يكون تأمين موظفى شركتها بمشفى فارس .. إنتهى الإجتماع و غزل لم تتركهما .. رغم أعمالها المعطلة و الغضب الذى سيطالها من أحمد .. و لكن يذهب كل شئ للجحيم أمام إنتصارها على تلك الوقحة ..
وقفت سما و ودعت فارس و هى تطلب منه أن يتقابلوا مرة أخرى حتى تغضب غزل أكثر .. و إستطاعت إغضابها لأنه لم يرفض طلبها أو على الأقل عنفها على تماديها و الأسوء أنه تبعها لباب غرفته حتى خرجت .. و أغلق الباب و إستدار لساحرته التى حطمت بقبلتها كل الجدران التى شيدها ليحمى قلبه من أى شرارات أنثوية ...
لاحظت نظراته الجريئة فقالت و فى عينيها مزيج من الدهشة و التريث :
- معلش قطعت عليكم خلوتكم .
لم تلن نظراته بل زادت حدتها و قوتها فقالت بقلق :
- مالك بتبصلى كده ليه .. و باعدين إيه نظام البت دى و كل مرة لبسها بيخف .. ﻷ و كنت مبسوط إنت بقميص النوم اللى هى كانت لبساه لحضرتك و عمال تولعلها سجاير .. إيه هى عجبتك .
وقف أمامها يستمع لكلماتها و هو يلتهمها بعينيه .. ثم بدون وعى منه إنحنى عليها ليلتهم شفتيها بشوق كل ثانية كانت قريبة أو بعيدة عنه و رغبها ..
فى البداية تفاجأت من فعلته .. و حاولت دفعه بعيدا عنها .. فتحرك بها قليلا حتى إصطدم ظهرها بالحائط خلفها ...
و تابع قبلته العميقة و هو يكبل ذراعيها خلف ظهرها بيده و متمسكا بمؤخرة رأسها بيده الأخرى و متعمقا بقبلته أكثر و أكثر ...
بسرعة شعرت بمشاعر غريبة تجذبها إليه .. إلى عالمه .. بسحر لم تشعر به من قبل .. و إستسلمت لدوامه سحره و بدأت مقاومتها تتلاشى ببطء .. و بادلته قبلاته المجنونة ...
شعر هو بتجاوبها معه .. فتابع بشغف .. إذا فلم يعذبه شوقه بمفرده .. فهى أيضا تعذبت معه ..!!
ترك ذراعيها و كبل خصرها و ضمها إليه أكثر .. فرفعت ذراعيها و جذبته من ياقة قميصه إليها و هى تندفع بقوة وراء شغفها ...
رغم كل ما مرت به بغربتها من قذارة و إنتهاك و لكن تلك كانت قبلتها الأولى .. قاومت فى البداية رهبة إقترابه المفاجئ منها و ذابت بين يديه كقطعة غزل بنات ناعمة ...
إبتعد عنها قليلا و همس على شفتيها بأنفاس متقطعة :
- بحبببببببك .
رفعت عيناها نحوه و طالعته بصدمة .. و كأنها تطلب منه تأكيد ما سمعته أذنيها .. فقبل أنفها و قال بتنهيدة مرتجفة طويلة :
- بحبك .. و الله العظيم بحبك .
خرج صوتها متحشرجا و كأنه سحبه بقبلته الثائرة تلك و قالت بإرتجاف :
_ بتحبنى أنا ؟!!
إستند بذراعيه على الحائط محاوطا إياها و لامس بجبهته جبهتها و قال بصدق العالم كله :
_ مش بحبك و بس .. بعشقك .. و ما حبتش فى حياتى كلها غيرك .
إبتعدت عنه قليلا و هى تتحرك بين عينيه تطالع صدقهما و إبتسمت برقة و هى تستقر بعيناها أمام شفتيه الغليظة القوية و همست بصوت قد يسبب له أزمة قلبية من فرط رقته و لوعته :
- وأنا بموت فيك .
كلامك لسه بيدفى
و حضنك برضه دفانى
و بشتاقلك عشان قلبك
صبح ليا وطن تانى .....
بحبك أد أنفاسك
و بيشجعنى إحساسك
و ببقى غريبة من بعدك
عشان إحساسى وحدانى
و ببقى ضعيفة من غيرك
عشان غيرك بينسانى
و لما نسيم هواك يرحل
بتدبل كل أغصانى
و لما نسيم هواك يدخل
فى قلبى يهد أشجانى
و بفرح لما تلمسنى
و تزرعنى فى جناتك
وبتنفس عبير حبك
و بتدوبنى نظراتك
و ألف دراعى و أحضن فيك
كأنى حجاب عشان أحميك
و أحرك فيك و أدور أنا بيك
و تسقينى النعيم بإديك
و أنا بسقيك كاسات حبى
وتحينى و بيه أحييك .....
قصيدة للشاعر مصطفى هلال ....
كل الممكن ... و بعض المستحيل ..
هل تخطى جميع حواجزهما بقفزة واحدة .. هل أصبحت ملكه قلبا و قالبا .. هل ذابت بين يديه منذ لحظات .. هل صرح لها بعشقه الذى دفنه بداخله لسنوات و سنوات و خرج أمام شفتيها للنور .. هل .. هل إعترفتله هى أيضا .. بحبها ....
تعمق بنظراته فى محيطى عيناها الفيروزيتين .. و تفرس بملامحها المتوردة .. و عاد لشفتيها مجددا فى إنتظار تأكيدا على ما سمعته أذنيه .. ربما توهم .. ربما ما يحياه كله وهما فى وهم .....
أخرجته غزل من حيرته و قالت بتأكيد .. هامس .. بطئ :
- و أنا.. بموت .. فيك .
لم يعطها وقتا و عاد للإرتواء من شفتيها و التى حلم كثيرا بتذوقها .. لكنها فاقت كل أحلامه .. مذاقها كالشهد و شف و ناعمة كقطعة غزل بنات جعلته يأبى تركها .. و لكنه سيطر على رغبته الجامحة و إبتعد عنها و تطلع داخل عيونها آسرته و قال بحب و عشق لم يشعر بهما قلبه قبلها :
- أخيرا .. مش مصدق إنك معايا و عوزانى .. حاسس إنى بحلم و خايف أصحى .
تنهدت مطولا .. تنهيدة حارة بسخونة قلبها و هى تتأمل نظراته العاشقة .. ثم تسائلت بإبتسامة مشاغبة :
- إنت قولت إنك بتحبنى .. مش كده .
لثم شفتيها برقة و عاد لعينيها و قال بقوة :
- بحبك قوى .. ﻷ.. بعشقك .
لفت ذراعيها حول عنقه و هى تقف على أطراف أصابعها لتصبح بمستوى طوله .. و ضمته إليها و أغمضت عيناها و هى تستشعر دفء مشاعره الصادقة ...
إفتقدت الصدق و الأمان من قبله .. مرت بأيام و أيام و هى منطوية على نفسها بذعر من كل شئ و أى شئ .. فيقدر لها العودة لموطنها .. فموطنها ذاك ليس الوطن الذى يجمعنا جميعا بداخله فقط .. بل له معنى أعمق شعرت به و هو يضمها لصدره .. لموطنها الدافئ .....
و رائحته تغازل أنفها .. ضمها إليه بقوة كادت معها أن يحطم عظامها .. ثم أبعدها عنه و جذبها ورائه و جلس على الأريكة و أجلسها على قدميه و هو لا يقوى على ترك عينيها و لا شفتيها أيضا ....
إبتسمت بخجل و وارت عينيها عنه .. و لكنه لامس ذقنها بأنامله و أدار وجهها ناحيته و عاد لنظراته الشقية التى تلتهم تقاسيم وجهها الساحر .. ثم ظهرت إبتسامة تسلية خطيرة على زوايا فمه و قال بصلابة :
- تتجوزينى يا غزل ؟!!
طالعته بنظرة شقية ألهبت حواسه بقوة و قالت بمكر :
- إتسألت السؤال ده قبل كده .. و وافقت .
فهمس إليها فارس برغبة و هو يرفع ذراعيها و يلفهما حول عنقه :
- يعنى موافقة جوازنا يبقى بجد و نعيش مع بعض .
تغنجت غزل بكتفها و قالت بدلال :
- مش عارفة .
رد عليها بنبرة جادة و لكن نظراته العاشقة هى ما سيطرت على حديثه :
- تحبى أعرفك إنتى موافقة و لا ﻷ .
إبتسمت بخجل بعدما فطنت لغموض عبارته و قالت بصوت متسلى :
- ﻷ مش لازم .. عموما .. أنا موافقة .
قربها منه و هى مازالت جالسة على قدميه و داعب أنفها بأنفه و قال بشوق :
- خلاص يومين و تبقى معايا .. و أنا جهزت جناحنا فى القصر .
إتسعت عينيها بدهشة و قالت بصدمة :
- يومين !
أجابها مسرعا :
- كتير صح .. خلاص بكرة نتجوز .
وقفت و قالت ساخرة بحدة :
- إنت هتهزر .. ده أنا محتاجة شهر على الأقل .
- شهر مش كده .
قالها محذرا و هو يقف أمامها .. ثم جذبها بالقوة من ذراعها لتصطدم بصدره .. ثم طاوع قلبه و مال عليها مجددا و قبلها و لكن هذه المرة بقوة آلمتها .. لحظات و لحظات و هو ينهل منها دون توقف حتى إبتعد عنها و قال هامسا :
- هاه عاوزة شهر برضه .
ردت بتنهيدة متلهفة :
- خلاص إسبوعين .
فقبلها ثانية بقوة أكبر .. و إبتعد عنها قائلا بأنفاس متقطعة :
- و كده بقا لسه عاوزة إسبوعين برضه .
أطرقت رأسها و قد إشتعلت وجنتاها و زاد توردهم .. ثم قالت بإستسلام :
- تمام .. بس مهاب و دنيا هنعمل فيهم إيه .
رد بجدية لأنه قد خطط لكل شئ و كأنه كان يثق فى موافقتها و عشقها :
- دنيا هتعيش مع أمى .. و مهاب هيفضل معاهم فترة قصيرة .. و بعد كده هييجى يعيش معانا .. و أنا جهزت جناحنا و فرشته على أعلى مستوى و إشتريت ليكى كل اللى هتحتاجيه .. من هدوم عرايس و هدوم خروج و عبايات بيت و كل حاجة ممكن تعوزيها .
قطبت حاجبيها وقالت بتعجب :
- عملت كل ده إمتى و إزاى .
ضحك ضحكة عالية و قال مازحا و هو يمرر أنفه على عنقها الظاهر من ما يسمى حجابها :
- ده أنا ورايا مافيا .. بمساعدتهم قدرت أخلص كل حاجة بسرعة و هما اللى ساعدونى علشان أعرف ذوقك فى اللبس و المقاس و كل حاجة ممكن تحتاجيها مهما كانت صغيرة .. حضرتها .
ضحكت و هزت رأسها بعدما فهمت مقصده و إبتعدت عنه لأنه يلعب على أوتار قد تنسيها بأى مكان هما و تنساق وراء نيرانه التى تلسعها برقة و قالت بإبتسامة مرتجفة :
- يا ولاد اللذين .. كل ده من ورايا .. ده ليال و ميناس عقابهم عسير.
مرر أنامله على وجهها برقة و قال بهمس مثير :
- مش هقدر أبعد عنك بعد ما قربت منك تانى .. بعد بكرة دخلتنا تمام .
أومأت برأسها و قد أظلمت عيونها و قالت بحزن :
- بس مش هيبقى فيه أى حاجة .. علشان تيتة رأفة و... .
قاطعها قائلا بضمة غمرتها بين ضلوعه :
- عارف يا حبيبتى .. ما تقلقيش .. بس أوعدك إنى هبقى أعملك حفلة الكل يحكى عنها لما تبقى جاهزة .
غاصت بأنفها فى رقبته تستنشق عطره و قالت بإمتنان :
- شكرا .
إلتفت برأسه قليلا و نثر قبلاته الناعمة على وجنتها و هو يقول بجدية لا تناسب وضعهما الحالى :
- إيه رأيك نقضى اليوم سوا .. و نعمل شوبنج و نجيب بدلتى و فستانك.
فكرت قليلا و إبتعدت عنه قائلة بفضول :
- موافقة .. بس أنا محتاجة أعرف كل حاجة عنك .. و إنت كمان من حقك تعرفنى .
قبل جبينها و قال و هو يتطلع إليها كأنه ينحت لها تمثالا على عرش قلبه :
- تمام خلصى شغلك و هفوت عليكى نخرج سوا .
قبضت على كفيه براحتيها الناعمتين و قالت برقة :
- حاضر .. باى .
و طالعته مطولا قبل أن تلتف قليلا لتغادر .. لم يستطع فجذبها مجددا لصدره و ضمها بقوة و رفعها عن الأرضية و دار بها بسعادة و هو يقول من أعماق قلبه :
- بحبك .. بحبك قوى .
تعالت ضحكاتها العفوية السعيدة و التى لم يسمعها من قبل .. و ضمته إليها أكثر و الدنيا تدور بهما كدوامة كبيرة تبتلعهما بداخلها ....
أصابهما بعض الدوار فسقطا على الأريكة .. يلتقطان أنفاسهما بصعوبة و هو يعتليها و هى مازالت متشبسة بعنقه و نظراتهما تشعل الصورة حولهما .. عاد لعبثه مجددا بشفتيها .. و تمادت يديه قليلا على جسدها .. فإبتعدت عنه بتوجس و قالت بتحذير :
- يا ريت لو تبص حواليك .. إحنا لسه فى المستشفى و لو حد دخل علينا دلوقتى .. هيطلب لنا بوليس قلة الأدب .
ضحك فارس ضحكة عالية و ذكرها بموقف الحمار القديم قائلا بسخرية :
- ده زى مدير عام حقوق الحيوان اللى كنتى هتتصلى بيه علشان الحمار .
ضحكت بخفوت و قالت متصنعة الضيق :
- إنت شرير على فكرة .. و إتفضل إبعد عنى .. عيب كده.
وقف وجذبها معه و عدل من هندامها و قال بضيق :
- إنتى متخيلة هتوحشينى إزاى .
هامت بعينيه و قالت بقوة :
- أيوة .. لأنك هتوحشنى أكتر .
طالت نظراتهما المتلهفة فإبتسمت إليه برقة و إبتعدت عنه و إتجهت ناحية الباب و إبتسامتها المشرقة عنوان سعادتها ..
أغلقت الباب ورائها بعدما منحته نظرة خاطفة أشعلت توقه لها مرة أخرى ..
طالعتها سكرتيرته بإبتسامة خافتة .. فعضت غزل على باطن صدغها بخجل .. فمن المؤكد أن بعض كلماتهما قد تسربت لها ... بغير قصد .. طبعا ..
عادت لمكتبها واجمة و شاردة .. و سعيدة .. ربما لم تجرب السعادة من قبل و لكن سيظل الخوف صديقها الصدوق .. خصوصا بعدما أصبحت تملك ما تخشى عليه ..
و لكنها غلبت خوفها بتذكرها لنظراته التى تلتهمها من شوقه .. و قبلاته المشاغبة و الجامحة أحيانا ...
دلفت لمكتبها و هى تبتسم ببلاهة .. و جلست على مكتبها و إستندت برأسها على ظهر المقعد تسترجع كل ما مرت به قبل قليل ....
طالعتها سالى بقلق .. و إقتربت منها و تفرست فى ملامحها و إبتسمت بخجل و تنحنحت بصوت عالى و قالت لتنبيهها :
- إحممم .. نحن هنا .
إنتفضت غزل بذعر و وبختها قائلة بضيق :
- ما بالراحة يا بنتى .. إيه الفزع ده .
مالت سالى بجسدها على مكتبها و إستندت بمرفقيها عليه و حركت حاجبيها بمكر و تسائلت بفضول وقح :
- إلا يا زولا .. هو الروج بتاعك راح فين .
إعتدلت غزل بجلستها و إبتلعت ريقها بتوتر و عدلت من حجابها و قالت بتلعثم :
- روج .. روج إيه مش .. فاهمة .
غمزت لها سالى بعينها و قالت بمكر عابث :
- الروج اللى كنتى حطاه .. ده نوعه صعب يروح .. راح فين بقا .
فركت غزل أناملها ببعضهما و قالت بقوة مصطنعة :
- و لا راح و لا حاجة .. ما هو موجود أهه .
ضحكت سالى بخفوت و قالت بمشاغبة :
- بلاش الروج .. هى شفايفك مالها كده متغيرة .. ده بوتكس و لا فيلر .
قذفتها غزل بقلم أمامها و قالت بضحكة مكتومة :
- قليلة أدب .. قصدك إيه يا بتاعة إنتى .
تفادت سالى ذلك القلم الطائر و قالت بضحك هيستيرى :
- قصدى كنت إستنوا لما يلمكوا بيت .. مستعجلين على إيه .. أحب أطمنك .. إن كل اللى شافك عرف كنتم بتعملوا إيه .
شهقت غزل بداخلها و لامست شفتيها بأناملها و قالت بخجل :
- oh my god.. بجد يا سالى .
قبضت سالى كفها و سحبت ذراعها للأسفل بإنتصار و قالت :
- yes .. إعترفى بقا بكل جرايمك .. جريمة جريمة .
إبتسمت غزل بخفوت و تنهدت تنهيدة طويلة شغوفة و قالت برقة :
- قالى بحبك يا سالى .
عزفت سالى على كمانجة وهمية و قالت بمزاح :
- تيرا را را را را .. هاه و باعدين يا قطة إدخلى فى المهم باسك إزاى .
بحثت غزل حولها عن شئ لتقذفها به و قالت بضيق :
- آه يا وقحة أنا هوريكى .
ركضت سالى من أمامها و فتحت باب الغرفة و خرجت مسرعة .. ثم أطلت برأسها و هى تحتمى بالباب و قالت بضجر :
- هلف لفة و أرجعلك تكونى هديتى .. على فكرة دكتور أحمد قلب عليكى المستشفى .. و إنتى كنتى .. هاه .
قذفتها غزل بدفتر الوصفات الطبية .. فأغلقت الباب و هربت مسرعة .. هزت غزل رأسها بيأس و عادت لإبتسامتها المشرقة .. و هى تتلمس شفتيها بخجل ....
أنهت غزل مرورها و جلس معها أحمد للتنسيق معها على جدول العمليات .. إنهمكا سويا فى مطالعة الأشعة و التحاليل .. فقاطعهما فارس قائلا بضيق :
- مساء الخير .
وقفت غزل بعدما لمعت عيناها فور رؤيته .. فدلف هو للمكتب و إقترب منها .. و إنحنى قليلا و قبلها فى وجنتها ليرد الصاع صاعين لذلك الوسيم المتذاكى .. و قال برقة :
- جاهزة يا حبيبتى .
أومأت برأسها موافقة .. ثم وجهت حديثها لأحمد بعدما شعرت بغضبه .. من إحتقان وجهه و إحمراره و ضغط شفتيه بقوة قائلة بهدوء :
- أحمد معلش هنكمل كلامنا بكرة .. و هنبقى نتفق على كل حاجة .
حاوط فارس كتفيها بذراعه و ضمها إليه و قال بقوة :
- معلش يا دكتور أحمد .. غزل هتاخد أجازة إسبوعين .. أصلنا هنتجوز .. فإستعين بدكتور راغب أو دكتور نادر .
وقف أحمد مسرعا و هو يخفى توتره .. ثم تنحنح قائلا و هو يرسم إبتسامة باهتة على ثغره :
- مبروك .. بعد إذنكم .
و إنصرف مسرعا .. أغمض فارس عينيه و هو يزفر بضيق و سبه بكلمات نابية .. إبتسمت غزل على غيرته و وخزته فى جانبه و قالت معاتبة :
- عيب كده .. ما تشتمش حد تانى .
رفع حاجبه بحدة و قال بتذمر :
- إنتى زعلانة علشانه و لا إيه .
إبتسمت بمكر و قالت بنبرة صوتها المغوية :
he is just afriend . -
ضيق نظراته و قال بضيق :
- لا و الله .. صاحبك إزاى يعنى .. مافيش الكلام ده خلاص.. إنتى هنا فى مصر و مافيش هنا صحوبية و الكلام الفارغ ده .. مفهوم .
إبتسمت بهدوء و هى تتأمل وسامته من قريب و هو يضمها إليه .. ثم قالت برقة :
- relax لو سمحت .. done.
إبتسم و هو يعتدل إستعدادا للخروج و قال بمداعبة :
- بموت فى العربى المستهبل بتاعك ده .. يالا بينا .
أومأت برأسها بالإيجاب و نزعت مأزرها الأبيض و تأكدت من هندامها و سألته بفضول :
- هنروح فين بقا .
سحب مقدمة حجابها للأمام قليلا و دس شعرات تمردت من رابطتها بداخل حجابها و قال بضيق :
- نفسى تلبسى الحجاب صح .
تركته يفعل ما يشاء و أجابته بتعقل :
- إن شاء الله .. برضه ما قولتليش هنروح فين .
رفع ذقنها و هام على صفحة وجهها و قال بإبتسامة عينيه التى تعشقها :
- دى مفاجأة يا أميرتى .
قطبت حاجبيها بتعجب و تسائلت بإهتمام :
- أميرتك ؟!!
قربها منه أكثر و قال بهدوء متمرس :
- أيوة أميرتى .. و إنتى صغيرة كانت خالتو حور دايما تلبسك توكة على شكل تاج .. و كنتى بتحبيها جدا .. و أنا بسببها كنت بقولك يا أميرتى .
شعرت بروحها تذوب أمام كلماته و نظراته .. فتشبثت بسترته و قالت بضيق :
- أنا بقول نمشى أحسن .
أومأ برأسه و أشار بيده لتتقدمه و قال بتهذيب :
- إتفضلى .
و مد يده ناحيتها فتمسكت بكفه و خرجا سويا تتابعهما أعين الجميع بإعجاب و ضيق .. و حزن أيضا .. مسد أحمد جبهته و هو يتابع إنصرافهما و نظراتهما المعبرة عما بداخلهما و قال بنفسه :
- ﻷ مش هستحمل .. كده كتير عليا و الله .. مش هستحمل .
شعر الإرهاق و التعب على غير عادته فإرتمى رامى بجسده على أحد الأرائك متنفسا بصعوبة .. فصرخت به ليال و قالت بضيق :
- قوم أقف بسرعة .
وقف مفزوعا و قال بسخط :
- فى إيه .
أجابته ليال بضيق و هى تجفف عرق جبينها :
- ده فرش عروسة و ما ينفعش تقعد عليه .
زفر مطولا بضيق .. ثم قال بهدوء :
- حرام عليكى .. ما أنا تعبت كمان .. و لا هما يتمشوا و إحنا نتنفخ هنا .
ضحك حمزة ضحكة عالية و قال محذرا :
- إهدى كده للعوو يوصله كلامك و يعلقك .
جلس رامى على ذراع مقعد حمزة و قال ببرود :
- يا عم إحنا قولنا حاجة .. ده عم الناس كلها .. اللى مضايقنى إنى أنا.. هاه أنا .. اللى بفرش لغزل بيتها بإيدى .. هااااه عجبى .
فقالت له ميناس بمداعبة و هى تقف على الدرج المتحرك لتلميع الثرايا المعلقة :
- مش عارفة بينك و بين غزل إيه .
أشاح رامى بيده فى الهواء و قال بإزدراء :
- و لا حاجة .. و ماتوقعنيش فى الغلط .
وقفت ليال تتطلع لغرفة النوم بفخر على مجهودها و قالت :
- إيه رأيكم فى الأوضة بعد ماخلصت .. تجنن صح .
أجابها حمزة بإبتسامة هادئة و قال بإمتنان :
- تسلم إيدكم .. ده هيبقى أحلى جناح فى القصر .
أشارت ليال للفتيات اللاتى ساعدوهم فى الفرش و ترتيب حاجيات غزل و فارس .. فتركوهم و إنصرفوا ...
شعرت مجددا بتلك الوخزات ببطنها و تقلب معدتها .. فضغطت على بطنها متألمة ..
إنتبه رامى على عبوسها و إنكماش وجهها و ضغطها على بطنها فسألها بقلق :
- مالك يا ليال .. إنتى تعبانة .
إبتسمت بسرعة و قالت نافية :
- ﻷ .. أنا كويسة الحمد لله .
فسألها حمزة بتوجس :
- ليال لو تعبانة قولى ما تكدبيش .
و فجأة إتسعت عينى حمزة و حرك الكرسى مسرعا فإنتفض رامى واقفا .. و أسرع فى تحريكه ليسند الدرج الذى تقف عليه ميناس قبل أن تسقط على الأرض ..
صرخت ميناس مستنجدة و الدرج يميل بها .. حتى شعرت بقوة ما أعادت الدرج ليقف مرة أخرى بإتزان .. ركضا نحوهما ليال و رامى فقالت لها ليال مسرعة بقلق :
- إنزلى بسرعة يا ميناس .
مد رامى يده إليها و قال بهدوء :
- هاتى إيدك .. و إنزلى بالراحة .. يالا .
تمسكت بكف رامى و هبطت بهدوء و جسدها ينتفض من ذعرها .. ما أن لامست الأرض بقدميها حتى تشنجت تعابير حمزة و صرخ بها قائلا بغضب :
- إنت متخلفة .. إيه اللى طلعك على الزفت ده .
طالعته ميناس بخوف و قالت بتلعثم :
- كنت.. كنت بلمع النجف .
حرك الكرسى قليلا حتى إقترب منها و قال بشراسة :
- بلا نجف بلا زفت .. ياريتك وقعتى و إتقطمت رقبتك و خلصت منك .
كانت كلماته مؤلمة و صادمة للجميع .. و هبطت دموعها بهدوء كعادتها .. إقترب رامى من حمزة و قال له لائما :
- ليه كده يا حمزة .. حرام عليك يا أخى .
إتسعت عينيه و أجابه بغضب هادر :
- مالكش دعوة يا رامى .. قدامى يا هانم حسابك معايا .
وقفت ليال أمام ميناس و قالت و هى ترتجف بذعر :
- ﻷ .. مش هاتيجى معاك .. عاوز تضربها زى كل مرة .
صاح بها حمزة بحدة و قد فقد السيطرة على نفسه من قلقه عليها :
- و إنتى مالك إنتى .
فزعت ليال من صياح حمزة بها و إنكمشت بنفسها .. لتشتعل حدقتى رامى من إسلوبه الفظ مع حبيبته .. فأمسكه من تلابيبه بالقوة و قال له محذرا :
- إنت إتهرشت فى مخك .. بتزعق لليال قدامى .. مرة تانية و هدفنك مكانك إنت فاهم .
أزاح حمزة يدى رامى بالقوة .. و رفع سبابته أمام وجهه و قال بغضب :
- لو مديت إيدك عليا تانى هقطعهالك .. سامعنى .
إعتدل رامى فى وقفته و هو يحدجه بدهشة .. فهل تتعامل ميناس مع هذا المتحجر المشاعر .. لم يكن بهذه الشراسة من قبل .. ما الذى حوله و جعله مسخ و شبح لصديق و أخ .. قديم .. خرج رامى عن صمته و قال بألم :
- بقا كده يا حمزة .. كتر خيرك .. قدامى يا ليال .
أجابته ليال بخوف و هى تهز رأسها نافية و متشبسة بميناس :
- ﻷ .. مش هسيب ميناس ممكن يأذيها .
ربتت ميناس على ذراعها و قالت مسرعة بجمود :
- روحى مع جوزك يا ليال .. ما تقلقيش عليا .
حاوط رامى ليال بذراعه و حثها على السير معه .. فسارت معه و عيونها متعلقة بأختها .. و طالعت حمزة بإزدراء قبل أن تتركهما و تخرج ...
وقفت ميناس أمام حمزة وقالت ببرود و جمود :
• أنا جاهزة .. تقدر تعمل اللى إنت عايزه .. زعق إضرب إشتم .. براحتك خالص .
تطلع إليها مطولا و هو متعجبا من جمودها .. لأول مرة لم يرى ذعرها و خوفها منه .. فهل فقد سيطرته عليها .. أم أنه لم يعد يعنيها .. خرج عن صمته قائلا بخفوت :
- ودينى أوضتى لو سمحتى .
هذا فقط ...
إتسعت عينى ميناس العشبية بتعجب من رده البارد .. ثم إلتفت ورائه و دفعت الكرسى و خرجت متوجهه لغرفته ...
أوقفت الكرسى بمنتصف الغرفة و قالت بخوف :
- عاوز حاجة منى .
أجابها حمزة بهدوء يحسد عليه :
- خليهم يحضروا الغدا و يجيبوه هنا علشان تتغدى معايا .
وقفت ميناس تتطلع إليه بذهول .. و هى تسأل نفسها .. لمتى ستحتمل تقلباته و إساءاته .. لو هذا هو الحب فملعون هذا الحب الذى حولها لإمرأة عجوز شاحبة فاقدة لطعم الحياة .. و لعبة فى يدى ذلك المريض بعقله ...
هزت كتفيها بإستسلام و خرجت من الغرفة بهدوء .. أخبرتهم بالمطبخ بأن يعدوا غدائهما و يرسلوه لغرفة حمزة و صعدت لليال لتطمئنها عليها ...
جثى رامى على ركبته أمامها و هى منهارة من البكاء .. و قد سقطت شعراتها الذهبية على وجهها فأبعدهم بأنامله و رفع وجهها نحوه و كفف دموعها و قال بضيق :
- إهدى بقا يا لولو .. لولا إنه إبن عمى كنت قتلته على دموعك و خوفك ده .
خرج صوت ليال متحشرجا من بكائها و قالت بخوف :
- خايفة عليها قوى .. أكيد هتتوجع لما يضربها .
وقف و ضم رأسها بصدره و قال لطمأنتها بحنو :
- ﻷ .. أنا هنزله و هكلمه رغم إنى مش طايق أشوفه .. بس علشان خاطرك هعمل أى حاجة .
كففت دموعها و قالت بجدية :
- بجد يا رامى .
قبل مقدمة رأسها و قال بإبتسامة مشاغبة على إحمرار أنفها المغرى :
- بجد يا قلب رامى .. و هنزل أجيبهالك من إيدها كمان .
إبتسمت بخفوت و تمسكت به بقوة و قالت براحة :
- ربنا يخليك ليا .
إنتبها لطرقات على باب الجناح .. إبتعد رامى عن ليال و فتح باب الغرفة .. لتلين ملامحه فور رؤيته لميناس بإبتسامتها الملائكية .. فسألها رامى مازحا :
- إنتى لسه عايشة يا مينو .. ده أنا من عياط ليال قولت زمانك مفرفرة .
وقفت ليال مسرعة و ركضت نحو باب غرفتها و إجتذبت ميناس و تطلعت إليها بنظرة شمولية تتفحص وجهها و قالت بتوجس :
- إنتى كويسة .. عمل فيكى إيه .. ضربك و لا شتمك و لا إيه .
هدأتها ميناس و وضعت إصبعها على فمها لتسكتها و قالت بهدوء :
- هشششش .. إهدى و الله ما عمل حاجة .. أنا كويسة قدامك أهه .
- الحمد لله .
قالتها ليال براحة .. فقالت لها ميناس بتعقل :
- ماتقلقيش كده يا ليال .. حمزة مش وحش كده زى ما إنتى فاكرة .
زمت ليال شفتيها و قالت بحدة :
- لغاية إمتى هتفضلى تكدبى و تغطى عليه .. كفاية بقا يا ميناس .
تنهدت ميناس مطولا و قالت و هى تنصرف :
- الغدا هيطلع لكم هنا .. أنا جهزت كل حاجة .. سلام .
و جذبت ورائها الباب و أغلقته .. جلست ليال مجددا و قالت براحة :
- كويس إنها طمنتنى عليها .. بس برضه مش مصدقاها .
إقترب منها رامى و هو يعض على شفتيه السفلى بإستثارة و قال هامسا :
- إحلويتى قوى بعد العياط الجامد ده .. ده أنا هعكنن عليكى كل شوية.. و النبى قمر .
إختفى حزنها و إبتسمت بخجل و هى تتطلع إليه بلوم .. جلس بجوارها و مشط لها شعراتها بأنامله و قال بحب :
- بحبك بكل حالاتك و كل شوية بحبك أكتر إرحمينى هو اللى لسه فى دماغى برج و طار منه الحمام اللى كان معشش كمان .. يرضيكى .
ضحكت ليال ضحكة عالية و ضربت جبهتها بيأس .. فمال عليها و قال بشوق :
- بما إنى أجازة النهاردة فا أنا ناوى أستغل كل ثانية فى اليوم ده .
إبتعدت عنه مسرعة و وقفت مبتعدة .. ثم قالت بتذمر بطريقة طفولية :
- رامى .. هنتغدى و هتروح شغلك لأنى وراية مذاكرة كتير جدا و عندى إمتحان كمان 3 أيام .
ظهرت إبتسامة شقية على زوايا فمه و قال بهمس حارق:
- ده هما ساعتين بس .. و بعد كده إعملى اللى يريحك .
أومأت برأسها نافية و قالت بإصرار :
- ﻷ .. توضيب جناح غزل و فارس عطلنى كفاية .. و إنت آخد حقك و زيادة كمان .. سبنى أذاكر لو سمحت .
فقال بجمود لا يبشر بأى خير :
- براحتك .. أنا اللى مش عايزك أصلا .
دمرها الألم الذى ظهر بعينيه و قالت مسرعة بأسف :
- آسفة و الله مش قصدى أنا بس...... .
قاطعها رامى بحدة ألجمتها و هو يرمقها بنظرات قوية غاضبة :
- مش عايز أسمع منك حاجة .. إخرسى خالص .
تمسكت بسترته و قالت برجاء متذلل :
- سامحنى خلاص .. مش عايزة أشوفك زعلان و أنا تحت أمرك و هعمل اللى إنت عايزه .
نزع ذراعيها عنه و رفع سبابته أمام وجهها و قال بجنون لم تره منه من قبل :
- مش واحدة زيك اللى تقولى ﻷ .. و إبقى خلى مذاكرتك تنفعك .. و إوعى تيجى جنبى تانى .. فاهمة .
و حمل سترته و خرج مسرعا .. ركضت ليال ورائه و هى تشعر أن قلبها يتمزق .. و جذبته من ذراعه فقذف ذراعها بعيدا عنه بالقوة .. فإصطدمت بالجدار خلفها فتألمت و شعرت بألم شديد فى ظهرها .. تحاملت على نفسها و عادت لغرفتها تبكى بحرقة ...
حملت هاتفها و ظلت تهاتفه و هو يغلق المكالمة بوجهها .. ثم أغلق هاتفه ليرتاح من إتصالاتها .. قذفت الهاتف على الأرضية بغضب و وقفت بملامح متجهمة تنتظره بنافذة غرفتها ...
وضعت غزل شوكتها بجوار صحنها و قالت بعبوس :
- مش عارفة أكل و إنت عمال تبصلى كده .
أجابها فارس بهدوء متمرس و هو يبتسم بشوق :
- أنا حر أبص فى المكان اللى عايزه .
بدا الإنزعاج واضح عليها من طريقته المستفزة و بروده اللا متناهى .. فلامس وجهها بأنامله و قال برقة تذيبها :
- مش قادر أبعد عنيا عنك .. إنتى السبب .. هو فى جمال كده .
إبتسمت غزل بخجل و قالت بصرامة :
- طب خلص الأكل علشان لسه هنشترى الفستان و البدلة .
أومأ فارس برأسه وقال بإبتسامته التى كأنه خلق بها لتسحرها :
- حاضر .
إقتربت منهما إمرأة تمسك بيدها طفلة صغيرة و قالت بسعادة بالغة :
- فارس .. معقولة .. إيه الصدفة الحلوة دى .
وقف مسرعا بملامح سعيدة و يبدو عليه أنه يعرفها جيدا و صافحها قائلا بود زائد :
- رنا .. أخبارك إيه يا بنتى .. فينك من زمان .
رفعت غزل حاجبها بتحفز و حولت مقلتيه ناحية تلك المتطفلة و التى أجابته بلوم :
- أنا اللى فينى .. ما إنت عارف طريقى و لا نسيت .
إرتفعا حاجبى غزل الإثنين و حركت مقلتيها مجددا ناحيته و هو يجيبها ببشاشة :
- الدنيا لهتنى شوية و الشغل أخدنى بس عمرى ما نسيتك .
هزت غزل رأسها بقوة علها تتوهم ما تراه أمامها و تنحنحت بقوة .. فإلتفت ناحيتها فارس و رنا .. فطالعتها رنا بتعجب و سألته بفضول :
- مين دى يا برنس .
إبتسم فارس بهدوء و هو يتابع غضب غزل الممتع و أجابها بإنتشاء :
- دى غزل .. خطيبتى و هنتجوز كمان يومين .
شهقت رنا شهقة عالية و قالت بتعجب قوى :
- غزل غزل ؟!!!
أومأ برأسه مؤكدا و قال بسعادة :
- أيوة غزل الصغيرة .. اللى حكيتلك عنها .
مدت رنا زراعها ناحية غزل لمصافحتها و قالت بإبتسامة مشرقة :
- أهلا يا غزل .. أنا رنا زميلة البرنس أربع سنين فى كلية تجارة .
رسمت غزل إبتسامة باهتة على شفتيها و صافحتها قائلة ببرود :
- أهلا .
أشارت رنا على صغيرتها التى تبتسم لفارس بخجل و قالت :
- أحب أعرفك .. بنتى غزل .. و فارس هو اللى سماها .
إبتسمت غزل بخفوت و تطلعت ناحية فارس بحب و خجل من تسرعها .. إقترب منهم شابا و ما أن رأى فارس حتى إقترب منه قائلا بفرحة :
- فارس باشا بجلالة قدره .. ده إيه الصدفة السعيدة دى .
إحتضنه فارس و قال بشوق :
- وحشتنى يا إتش .. أخبارك إيه ؟!
إبتعد عنه هشام قليلا و قال بعتاب رقيق :
- لو كنت وحشتك كنت سألت .. بس إنت ندل .
ربت فارس على ذراعه و قال بإعتذار مهذب :
- سامحنى يا إتش مشاغل و الله .
إلتفت هشام ناحية غزل و أومأ لها برأسه مرحبا .. فقالت له زوجته مسرعة :
- عارف مين دى يا هشام .. دى غزل .. بتاعت فارس .. و هيتجوزا خلال أيام .
رفع هشام حاجبيه بتعجب و قال بصدمة :
- غزل الصغيرة .. معقولة ؟!!
و إلتفت برأسه ناحية فارس و سأله بإندهاش :
- لقتها فين يا معلم !!
تطلع فارس بغزل و غمز لها بطرف عينه و قال بقوة :
- هى اللى لقتنى .. و مش هسيبها تانى .
إقتربت منه رنا و قالت بإعجاب و هى تطالع غزل :
- دى ماشاء الله زى القمر .. ليك حق كنت تفضل تحبها العمر ده كله .
إبتسم فارس بخفوت و أشار إليهم قائلا بترحاب :
- إتفضلوا إقعدوا .
أجابه هشام مسرعا بتهذيب :
- معلش يا معلم .. بس ماما عزمانا على العشا و مش هينفع نتأخر .. ده غير إن غزل تعبت من كتر اللف .
داعب فارس وجنتى الصغيرة و قال ببشاشة :
- خلاص علشان خاطر غزل هسيبكم .. بس لازم نتقابل قريب تانى .
أجابته رنا بزمة من شفتيها و قالت بضيق :
- بلاش إنت علشان مش هصدقك تانى .. بس غزل أكيد هتفكرك بينا مش كده يا غزل .
أومأت غزل برأسها و قالت بهدوء :
- إن شاء الله .. فرصة سعيدة .
أجابتها رنا بود :
- أنا الأسعد حبيتى .. سلام .
و ودعوا فارس و إنصرفوا .. أشار إليها فارس برأسه و قال بهدوء :
- يالا بينا .
أومأت له برأسها و وقفت و إنصرفا و كفه يحتضن كفها بتملك ...
إستمرت جولتهم لساعات و إشتروا كل ما تبقى لهم .. و بالتأكيد لم يرى فستانها .. و هى لم ترى بدلته .. جلسا فى إحدى المطاعم لإلتقاط أنفاسهم قليلا .. فسألته غزل بفضول :
- فارس ممكن تحكيلى عنك شوية .
لمعت عيناه و هو يقول بتأكيد :
- حقك طبعا .. أنا هبدأ من مكان ما وقفت و أنا بحكيلك حكايتنا القديمة .
إستندت بوجنتها على يدها و طالعته بإهتمام .. فتابع حديثه قائلا :
- بعد ما سافرتى حتة منى فضلت معاكى و إتغيرت و بقيت العوو .. و مرت السنين و دخلت الكلية ..إختارت تجارة علشان أكبر شغل والدى .. و كان ليا شلتى معاهم عرفت الدنيا ماشية إزاى برة الحارة .
فسألته غزل بغيرة مخفية و قالت ببرود :
- و شلتك دى كان فيها بنات طبعا .
إبتسم بمكر و إستند بمرفقيه على الطاولة ليقترب من وجهها و قال بتأنى :
- أكيد .. بس كانوا أصحابى و بس .. بقينا نسافر و نعمل سفارى و إتعلمت منهم الرقص و اللبس و الحياة المرفهة اللى ما كنتش أعرفها .. و بعد الكلية رجعت لحياتى و حارتى تانى .. و إهتميت بشغلى و بس و بعد كده أمى فضلت تزن عليا علشان أتجوز .
قاطعته مرة أخرى و قالت بوجوم :
- و طبعا العروسة كانت بنت خالتك .
أومأ فارس برأسه و أردف قائلا بحزن :
- فعلا .. كنت عارف إنها بتحبنى .. و وافقت أتجوزها ..لأنه ما كانش يفرق معايا مين العروسة أصلا .. و بعد الجواز حاولت أحبها بس كان فيه حاجة دايما واقفة بينى وبينها .. خصوصا لما كنت بقوم من نومى مفزوع كل فترة .. بنده بإسمك .
كانت صدمة غزل قوية بدرجة جمدت الدم بعروقها و تشنجت أعصابها .. جاهدت و بقوة أن تخرج من حالة الشلل المؤقت الذى أصابها من كلماته الصادقة ..
نعم .. فهى متأكده من صدقه .. عيونه تشع حبا و شوقا و هذه العيون لا تعرف الكذب .. لاحظ صدمتها فأردف قائلا بصوت مرهق :
- إنتى اللى كنتى بينى و بينها يا غزل .. زادت مشاكلنا و هى فاكرة إنك لسه موجودة فى حياتى و إنى بخونها .. أوقات كانت بتصعب عليا لأنى كنت بخونها فعلا بحبى لطفلة مش موجودة إلا فى حلمى و فى خيالى و بس .
إرتشف قليلا من مشروبه الساخن و تابع بنبرة حزينة :
- و يوم الحادثة خرجت من البيت و هى بتعيط بعد ما خرجت عن شعورى و طلقتها .. لأنى كنت زهقت من خناقنا اليومى .. و قابلت حمزة و ركبت معاه و عملوا الحادثة و ماتت و سابتلى مهاب .
لاحظت غزل لمعان عينيه بدموع حبيسة .. فربتت على كفه بحنانها الذى لم يتعرف عليه بعد و قالت بهدوء :
- آسفة إنى فكرتك .. الله يرحمها .
إبتسم فارس إبتسامة باهتة و قال متابعا :
- بعد ما ماتت .. قفلت على نفسى و على مهاب .. و بعدت عن حمزة بس بقيت أطمن عليه من أبويا و عرفت إنه إتعالج من الإدمان .. بس موضوع شلله ده اللى خلانى تقريبا أسامحه .
قررت غزل تغير دفة الحوار فقالت بفضول :
- ?