📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل السابع عشر 17 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل السابع عشر:

عادت غزل لمنزلها .. و حملت أشيائها من سيارته .. و صعد ورائها و هو يحمل فستانها و باقى الأشياء .. دلفت لشقة جدتها بسعادة ..
إستقبلتها دنيا بإبتسامة متعجبة و لكن سرعان ما فطنت لما يحدث و حملت عنها الأكياس .. دلف فارس أيضا و مدد فستانها على الأريكة و وضع باقى الأشياء على الأرضية .. و حمل حقيبة منهم و قال برقة :
- دى شبكتك يا أميرتى يا رب تعجبك .
إبتسمت غزل بفرحة .. و أخذتها من يده .. وقفت دنيا بجوارها و هى تفتح تلك العلبة القطيفة الكبيرة .. لترى طقم ماسى مذهل يدل على رقى من إختاره .. و لكنه أخرج منه خاتم زواجهما و قال بفرحة :
- هاتى إيدك .
وقفت غزل شاردة بعينيه والشرر الساحر المنبعث منهما .. فوخزتها دنيا بذراعها و قالت ساخرة :
- روحتى فين .. ركزى الله يخليكى .
أعطته غزل يدها .. فألبسها خاتمها و قبل كفها برقة و قال بتوق مؤلم :
- أشوفك بكرة .. سلام يا أميرتى .
طالت نظراتهما و دنيا تقف بينهما تبتسم بخجل و تهز رأسها بيأس .. ثم إلتفت بمنتهى الهدوء و خرج و أغلق ورائه الباب .. تنفست غزل بصعوبة و قالت بتنهيدة طويلة :
- سندينى لأقرب كرسى يا دنيا رجليا مش شيلانى .
ضحكت دنيا ضحكة عالية و قالت بمشاغبة متذكرة كلمات غزل لليال :
- مش فاهمة أنا إيه الحب الملزق ده .. نفسى غمت عليا .
حدجتها غزل بضيق و قالت و هى تركض ورائها و صوت ضحكات دنيا يمنزج بصراخها من خوفها :
- مش هسيبك النهاردة .. فعلا إتقى شر من فضفضت إليه .. تعالى هنا .
إحتمت دنيا بالأريكة الكبيرة و وقفت خلفها و قالت من بين ضحكاتها :
- آسفة .. و الله آسفة .
إرتمت غزل على الأريكة و قالت بمشاعر دافئة :
- هنتجوز بعد بكرة يا دودو .. قالى إنه بيحبنى و قضينا يوم من أسعد أيام حياتى ever .
إنحنت دنيا و قبلت وجنتها و قالت بتوجس :
- عارفة طبعا .. ده إحنا بقالنا إسبوع بنحضر لليوم ده .
رفعت غزل رأسها و طالعت دنيا بالمقلوب و هى تقف وراء الأريكة و سألتها بهدوء :
- و إنتى .. كنتى بتساعديه زيهم كده .
أومأت دنيا برأسها و قالت بتأكيد :
- طبعا .. أمال هدومك اللى بقت تختفى و تدورى عليها و أقولك فى الغسيل هتكون راحت فين .. كانوا عاوزينها علشان المقاس .
إبتسمت إليها غزل بمكر و قبضت على شعراتها و قالت بغضب :
- و عارفة و ما قولتيش .. ده أنا هدبحك و هشرب من دمك .
حاولت دنيا تخليص نفسها من غزل و هى تضحك بشدة و قالت بمزاح :
- الحق عليا .. ما إنتى جاية مبسوطة أهه .. و بصراحة هو بيموت فيكى .
تركتها غزل و قالت بثقة :
- عارفة .. كنت بدأت أفقد الأمل إنى أعيش زى أى بنت طبيعية تحب و تتحب و تتجوز و تخلف .. بس ربنا رحيم بينا و دايما مخبى لينا الخير .
ربتت دنيا على ذراعيها و قالت بحنو :
- و نعم بالله .. و إنتى تستاهلى كل خير .. إحكيلى بقا اللى حصل بالتفصيل و إزاى إعترفلك بحبه و كده .
ضيقت غزل عيناها و وقفت و طالعت فضولها الذى يشع من عيناها و قالت بلؤم :
- ده بعينك .. مش هحكيلك أى حاجة .. هسيبك على نارك كده .. زى ماخبيتى عليا إتفاقتكم .
و إلتفتت و حملت أشيائها و دنيا تصرخ بها فاقدة صبرها :
- ﻷ حرام كده .. ده مش عدل .. و مش هسيبك غير لما تحكيلى اللى حصل .
هزت غزل رأسها نافية و قالت ببرود و هى تتدلف لغرفتها :
- أبدا .. خليكى بقا إجرى ورايا كده .

صف فارس سيارته و لمعت فى رأسه فكرة ربما ستسعد أميرته الساحرة .. فصعد سيارته مجددا و أدارها و إنطلق ..
طوال الطريق و هو يتذكر شغبها و غرورها و وداعتها فى أحيانا قليلة و قبلاتهم الساحرة .. حتى توقف أمام بناية عم غزل ....
ترجل من السيارة و صعد الدرج حتى وقف أمام شقة عونى .. طرق الباب و إنتظر فتح له إسلام الذى إتسعت عينيه بذعر و قال بخوف :
- عاوز مننا إيه تانى مش خلصنا .
تنحنح فارس و قال بهدوء :
- ممكن أقابل والدك .
خرج عونى من غرفته و قال بتعجب من صياح إبنه :
- مين اللى جه يا إسلام .
فرأى فارس .. جحظت عيناه و جذب إبنه مسرعا كأنه يحميه من فارس و قال بقلق و خوف :
- عاوز إيه تانى .. إحنا بعدنا عنكم و مش عاوزين حاجة .
زفر فارس بضيق و قال بتعقل :
- ممكن ندخل نتكلم جوة .
تطلع عونى لإسلام بتعجب .. فأردف فارس قائلا بجدية :
- فى موضوع مهم عاوز أكلم حضرتك فيه .
تنهد عونى مطولا ثم أومأ برأسه و أشار بيده قائلا بسخرية :
- حضرتى !!! إتفضل إدخل .

جلسوا ثلاثتهم .. فتنحنح فارس قائلا بقوة :
- أنا و غزل هنتجوز بعد بكرة و كنت عاوز حضرتك تحضر .. رغم كل حاجة إنت عمها .
أجابه عونى مسرعا بضيق :
- أنا ماليش ولاد أخ .. و لا ليا إخوات أصلا .. فا من فضلك إمشى .
زفر فارس بضيق و قال موضحا :
- يا أفندم الضوفر عمره ما يطلع من الدم .. و هى مالهاش حد فى مصر غير حضرتك .. و إحنا عاوزين نفتح صفحة جديدة .
جائه صوت نسائى يقول بحقد :
- يا ريتها تستاهل اللى إنت بتعمله و عملته .. غزل دى شيطانة .
وقف فارس منتصبا فاردا جسده الضخم و قال محذرا :
- لو سمحتى يا آنسة مش عاوز غلط .
ضحكت بسمة ضحكة عالية و قالت بحدة :
- و الله صعبان عليا .. تلاقيك فاكر نفسك إنك وقعتها فى حبك و هى اللى إشتغلتك علشان تفتكر كده .
أغلق فارس عينيه بقوة و هو يزفر بضيق و تابع بنبرته المحذرة :
- مش هسمحلك تغلطى فيها .. و أنا مش بتساهل فى حقها لو مع مين .. و إسألى أخوكى .
إبتسمت بسمة بسخرية و قالت بتعجب :
- أموت و أعرف بتصدقوها إزاى .. بس ما إنت زيك زى مجد اللى هى لعبت عليه و فهمته إنها بتحبه علشان أبوها يكتب لها نصيبه هنا فى البيت .. و لا الأهبل أخويا اللى بنظراتها و سهوكتها خلته خاتم فى صباعها .
ثم تنهدت مطولا و قالت بألم :
- و لا حسام خطيبى اللى لعبت عليه علشان تنتقم منى .. و ما أخدش فى إيدها غلوة .. يومين بس و سابنى قبل فرحنا بكام شهر بعد ما جهزنا كل حاجة .. و لغاية دلوقتى و هو بيدور عليها زى المجنون .
ثم كففت دمعة هاربة من عينيها و قالت بقوة :
- إنت نفسك لو دورت حواليك هتلاقى واحد غيرك بيدور فى محرابها و بيحبها و بيموت فيها و هى فضلتك إنت عليه .
وقف فارس يسمعها و هو مصدوم مما يسمع حتى قفز أمام عينيه صورة أحمد و هو يعترف لها بحبه .. ثم نفض تلك الفكرة من رأسه و قال ساخرا :
- بتكرهيها للدرجة دى .
ردت بسمة مسرعة بنبرة حازمة مؤكدة :
- أيوة بكرهها .. دى دمرت حياتى و أخدت منى الإنسان الوحيد اللى حبيته .
طالعها فارس بإذدراء و قال بيأس :
- عملت فيكوا إيه علشان تطمعوا فى فلوسها و تكرهوها بالشكل ده .. ده إنتوا ناس .... .
تطلع فارس لعونى بقوة و قال منهيا الحوار :
- عموما هستنى حضرتك بعد بكرة عند بيت جدتها لو حبيت تشرفنا و تنورنا بعد إذنكم .
و خرج مسرعا .. و هو يقبض كفيه بقوة لاعنا غباؤه ...
هبط فارس الدرج مسرعا كأنه يهرب من أفكاره التى تتصارع بداخل رأسه .. صعد سيارته و قادها مسرعا .. و كلمات بسمة كالثعابين تنهش فى رأسه مسببة ألما رهيب .. فصف سيارته بجانب الطريق .. و أخذ يفكر فى كلماتها بجدية ...
سائلا نفسه بقلق .. هل أميرته شريرة لهذه الدرجة كما قالت .. ثم إبتسم بخجل و قال قى نفسه :
- مش معقول غزل تكون كده .. أنا عارف إن البت دى قالتلى الكلام ده علشان أسيبها زى ما خطيبها سابها .
ثم قطب جبينه مجددا و الشك ينهشه حيا و قبض على مقود السيارة بقوة كاد يحطمه من شدة قبضته و قال بلهاث :
- معقولة غزل تكون كده ؟!!!

أول الغيث قطرة .... و آخر الغيث سيل ....
دائما البدايات تكون كقطرة و تتتابع بعد ذلك لتتحول لسيل ...
و نحن ما نسمح بتزايد القطرات و تحولها لسيل .. سيل جارف يأخذ فى طريقه الأخضر و اليابس .. حبنا .. أحلامنا .. و أشخاصا كنا نعتقد أنهم محور حياتنا و التى تدور أيامنا و ليالينا حولهم ...
سنظل نلعب دور المتذاكى دائما .. مهما أخطأنا و مهما دفعنا ثمنا غاليا بالمقابل .. بداخل كلا منا قناعة أنه ذكى و ذكى بالقدر الكافى لتماديه بالأخطاء رغم يقينه أنه ينغرس بالوحل أكتر .. و لكن سيظل الذكى المنتظر ...
يعلم أنه مخطأ و أن ما يدور برأسه مجرد كهن فتيات .. و غيرة و حقد ..
و لكن صورة أحمد لا تفارق عقله .. المتذاكى .. و هو يعترف بحبه لغزل و مع ذلك أبقت على صداقته ..
سحقا .. عن أى صداقة يتحدث لقد إعترف لها بحبه .. و منذ متى يتحول الحب للصداقة ..
إستعاذ بالله من شيطانه و قال بداخله بقوة و كأنه يقنع نفسه و عقله الساخر :
- مش معقول غزل تكون كده .. أنا عارف إن البت دى قالتلى الكلام ده علشان أسيبها زى ما خطيبها سابها .
و قع فى فخ عقله و قلبه و الإثنان يتقاذفانه بمرح .. دون الإعتبار لألمه و تخبطه .. فعقله يأمره بالتريث قبل التقدم للأمام و حساب خطواته كى لا يندم ..
و قلبه المزدهر بحبها يخبره أنه أخيرا دبت به الحياة بعودة أميرته و لا يحق له أن يحرمه من تلك السعادة التى إفتقدها منذ رحيلها و التى عادت معها و عاد معها فارس القديم ...
خرجت من صدره تنهيدة متحشرجة .. و جسده ينتفض إنفعالا ثم حمل هاتفه و هاتف غزل مسرعا .. ربما يعيده صوتها الناعم ببحته القاتلة لتعقله .. غزل .. أميرته الصغيرة .. التى ردت قائلة بصوتها الناعم :
- لحقت وحشتك .
إبتسمت شفتيه براحة و قال بهدوء كأنه يزيح حملا ثقيلا من على كاهله :
- يا ريتنى ما سبتك .. هموت و أشوفك دلوقتى و أخدك فى حضنى لغاية ما أشبع منك .
و صل لأذنيه تلك الضحكة الصافية التى تمتع بها اليوم بعينيه و بأذنيه و بشفتيه أيضا .. ليأتيه ردها ناعما و رقيقا و هى تقول بعاطفية :
- و إنت كمان وحشتنى قوى .
إتسعت إبتسامته التى زاد صفائها و إستند بذراعه على نافذة سيارته و أسند رأسه عليه و قال بمداعبة :
- لو ساعة واحدة مش قادر أبعد عنك فيها .. هستحمل يومين إزاى .
وصله تنهيدتها الملتاعة .. فسألها بنبرة خافتة :
- تعرفى يا أميرتى .
همهمت برقة :
- همم .
سحب نفسا طويلا و قال بجرأة لم يعهدها لسانه من قبل :
- أنا جوايا بركان مشاعر لو جاب آخره .. مش هتطلعى منها سليمة .
كتمت غزل ضحكتها بأناملها .. و هى تهز رأسها بيأس .. بينما تابع هو قائلا بتمنى :
- هو أنا لو جتلك دلوقتى و أخدتك فى حضنى و نفست شوية عن النار اللى جوايا .. دنيا هتطلب لنا شرطة قلة الأدب .
لم تستطع كبت ضحكاتها التى إنطلقت بحرية .. جعلته يفقد تعقله و يتابع كلماته الملتهبة المعبرة عن حاله متناسى ما أقلقه منذ لحظات .. و ذاب فى مشاعرهما الجامحة تاركا شكوكه بداخله و لكنها .. منومة ...
إستمرت محادثتهم و هو يعود لثقته بها مرة أخرى و إشتعلت نيران العشق بقلبه مجددا .. و زاد شوقه إليها و كأنه يخشى فقدانها .. و لن يحدث .

ظلت على وقفتها فى نافذة غرفتها فى إنتظار عودته .. زادت خلافاتهم الفترة الأخيرة .. منذ بدأت إمتحاناتها .. لمجرد خروجها من سجنه من الشرنقة التى نسجها حولها حتى لا يراها غيره ...
أكثر ما يؤلمها إحساسها بالذعر كلما إقترب منها أحد من زملائها سواء فتاة أو شاب ... فهل أصبحت منغلقة على نفسها لهذه الدرجة .. تخشى التجمعات و الإندماج بمن حولها ..
تذكرت طفولتها قبله و كيف كانت تشع فرحة و إنطلاق .. حتى سجنها معه و عمرها أربعة عشر عاما فقط .. لم ترفض له طلب أبدا .. أطاعته طاعة عمياء .. تركته يدير حياتها كما يريد ....
لم تفكر بما أرادته هى من قبل .. فقط تفكر بما يريده هو .. بما يرضيه .. و جزائها دائما الهجران .. على قدر عشقه و حنانه إلا إنه قاسى لأبعد الحدود .
أخرجها من شرودها دلوف سيارته داخل القصر .. إبتسمت شفتى ليال بسعادة فور رؤيته .. و إطمأن قلبها عليه .. وقفت فى إنتظاره و هى تعد نفسها للإعتذار عن ذنب لم تقترفه .. و لكنها تعلمه جيدا و يجب أن تمطره بإعتذاراتها و تأسفها .. و تتذلل له حتى يرضى عنها ...
حتى و لو على حساب كرامتها و كبريائها .. فضعفها يقتلها .. و لكن عشقها له ما يغلبها فى النهاية .
دلف رامى لجناحهما .. و تحرك به صوب غرفتهما و هو عابس .. فتح الباب ليجدها فى إنتظاره .. أشاح ببصره عنها .. و خلع سترته و توجه للمرحاض ..
هبطت دموعها و هى تتابع تجاهله لها .. و ظلت مكانها عله يرفق بحالها و يرحمها من عذاب بعده عنها ..
خرج و هو يضع على رأسه منشفته و قد إرتدى ملابس النوم .. قذف المنشفة بعيدا و توجه للفراش .. وقفت أمامه و قالت بحزن :
- هتنام و إنت زعلان منى يا رامى .
لم يرد عليها و إكتفى بدفعها بعيدا عنه .. عادت مرة أخرى و وقفت أمامه و هى تلوى فى أصابع قدميها مطرقة رأسها بخزى و تبتلع إهانتها بمرارة ثم توسلته قائلة بدموعها :
- خلاص و الله هعمل اللى إنت عايزه .. سامحنى علشان خاطرى .
بدت علامات النفور و الضجر ظاهرة عليه كرد فعل طبيعى لطريقتها المستفزة له .. و إصرارها المنفر .. أبعد يديها عنه و قال بصرامة :
- إبعدى عنى خالص فاهمة .. و لا أسيبلك الدنيا كلها و ما تشوفيش وشى تانى .
ردت بخوف و قالت مسرعة :
- بس يا حبيبى أنا ...... .
ضغط عينيه بقوة مستلهما الصبر و هتف مزدريا من بين شفتيته المتصلبتين بغضب :
- إبعدى عنى يا بنت الناس أنا مش طايق أشوف وشك و لا أخرج و أسيبهالك مخضرة .
رفعت كفيها بالهواء و قالت بصوت منهك :
- ﻷ .. خلاص مش هضايقك تانى .
تركها و توجه للفراش .. تمدد به و أغلق الإضائة .. لتسبح الغرفة فى ظلام قاتم .. كظلام قلبها لمجرد غضبه منها .. وقفت تتطلع إليه .. أو بالأحرى تتعرف عليه .. على شخصيته الجديدة ..
هل هو ذاك الشخص الحنون الذى يحنو على فراشها إذا أمسيت لتستقبل النوم فى هدوء .. أو فى الصباح و هى تستقبله فى سرور و راحة و شعور لا يوصف بالامان ؟!!
إنهمرت دموعها بهدوء و تركت الغرفة و خرجت. شعرت بألم فى بطنها و شعور شديد بالقئ .. فركضت ناحية المرحاض الخارجى بااجتاح و أفرغت سائل المعدة الحمضى .. لأنها لم تأكل منذ الصباح ناهيك عن قيئها و الذى لم يتوقف لمدة يومين ...
خرجت من المرحاض تجر ساقيها بألم و جلست على أحد الأرائك .. و رفعت ساقيها و إحتضنت ركبتيها بصدرها و هى تبكى بحرقة و تكتم صوت نحيبها .. فقط تفكر فيما يجب أن تفعله ليسامحها .. فقط لو يسمعها .. لو يضمها إليه الآن .. فألم بطنها يتزايد و شعورها بالقئ يتجدد ...

إستيقظ رامى من نومه فلم يجد ليال بجواره .. و واضح أنها لم تنم ليلتها بالغرفة .. وقف مسرعا و بحث عنها بذعر فلم يجدها .. خرج من الغرفة بخوف حتى وجدها متقوقعة فى نفسها على الأريكة .. و تغط فى نوم عميق و وجهها أحمر بشدة ..
و واضح أنها لم تنم و ظلت تبكى لوقت قريب رق قلبه لها فإقترب منها و حملها و هو يتأمل جمالها المحبب لقلبه ثم إتجه لغرفتهم و مددها على الفراش بهدوء .. و جلس بجوارها يمسد شعراتها الذهبية بيده .. و يمرر أنامله برقة على وجهها و يتأمل قميصها الأحمر القصير و الذى جعلها آسرة ..
كيف لم يرها بالأمس و هى بهذه الروعة .. كيف طاوعه قلبه لجعلها تغفو و هى حزينة بهذا الشكل ..
تململت فى نومتها على آثر لمساته الحانية .. فإختنقت أنفاسها و كانت على وشك البكاء و هى مازالت نائمة فربت على ظهرها كأنها طفلة صغيرة حتى عادت لغفوتها بهدوء .
و كفف لها دمعة إنسابت بنعومة على وجنتها و هو يلعن غبائه و عقله المتحجر الذى جعل تلك اللآلئ تقطر بحزن من شهد عيناها ...

إستيقظت غزل و هى مشرقة .. إغتسلت و توضأت و صلت الضحى و هى تحمد ربها على تلك السعادة التى منحها إياها بعد إنتظار سنوات طويلة ..
إرتدت ملابسها و خرجت تناولت الإفطار مع دنيا الحنونة و التى تذكرها دائما بليال .. و خصوصا بعدما تعلمت إعداد طبق غزل المفضل الشكشوكة .. إبتلعت غزل ما فى فمها و قالت بإبتسامة رقيقة :
- هتوحشينى يا دودو .
فسألتها دنيا بحرج و هى تعبث فى طبقها بحزن :
- هو أنا هفضل هنا فى الشقة لواحدى .
إنتبهت غزل لحزنها فقالت مسرعة بحنو :
- ﻷ يا قلبى .. هتروحى تعيشى مع أنطى زينب و أونكل صبرى .. و ما تقلقيش هما اللى طلبوا من فارس كده لأنهم بعد جوازه هيبقوا لواحدهم .
توردت وجنتى دنيا و إنفرجت شفتاها بإبتسامة هادئة و قالت بفرحة :
- بجد يا غزل .
أومأت غزل برأسها و قالت بحزم :
- و لو عاوزة تيجى معانا القصر .. مافيش مشكلة طبعا و تبقى مع البنات دايما .
هزت دنيا رأسها نافية و قالت بسعادة :
- ﻷ .. أنا عاوزة أفضل مع خالتى زينب .. دى غلاوتها من غلاوة أمى و ستى رأفة .. و هى كمان بتحبنى و بتعاملنى زى بنتها أم بوز .
ضحكت غزل ضخكة عالية و قالت بلوم :
- عيب كده .. و إوعى تقولى أم بوز دى قدام أنطى زينب لتزعل منك .
عقدت دنيا ذراعيها على الطاولة و قالت بأسف :
- أنا آسفة .. بس بوزها أستغفر الله .. يالا دع الخلق للخالق .
و قفت غزل و هى تهز رأسها بيأس و قالت و هى تعد حقيبتها و تطمئن على محتوياتها :
- عيب المصريين لما يقعدوا يتكلموا على حد لساعات و فى الآخر يقولوا .. دع الخلق للخالق .
تممت على حقيبتها فرفعتها على كتفها و إلتفتت لدنيا و قالت بمشاغبة :
- بس بصراحة عندك حق يا دودو .. عليها بوز .. و لا بوز البطة بتاع السيلفى .
وقفت دنيا هى الأخرى و قالت بتأكيد ساخر :
- مش كده و النبى .. عموما .. خلى بالك من نفسك و بلاش عط بعد الشغل مع حبيب القلب .. مفهوم .
عضت غزل على شفتها و قالت بوعيد :
- لما أجيلك بس .. هعرف أربى لسانك المتبرى منك ده .. سلام .

إتجهت غزل لعملها .. و إنهمكت به كعادتها .. بعد ساعات عادت لغرفتها مرهقة .. تمددت على الأريكة فاردة ساقيها بألم من طولة وقفتها بالمعاينات ...
دلفت سالى أيضا لا تحملها ساقيها فأزاحتها قليلا و جلست عكسها على الأريكة فاردة ساقيها أيضا .. و قالت بتعب :
- رجليا خلاص إستسلمت .. أخبارك إيه يا عروسة .
ردت غزل بإبتسامة مرهقة :
- تعبانة شوية .. بس برضه مبسوطة قوى .
غمزت لها سالى و قالت بمشاغبة و توجس من ردة فعلها :
- لازم تبقى مبسوطة .. إلا أخبار الروج إيه .. زى ما هو يعنى .. إنتوا لسه ما شوفتوش بعض .
ركلتها غزل بقدمها فى ذراعها و قالت بخجل غاضب :
- مش عاوزة أتغابى عليكى .. يا قليلة الأدب .
ضحكت سالى ضحكة عالية و قالت لها بحقد مداعب :
- أيوة يا عم فرحك بكرة .. هتدخل دنيا يا قمر و إبقى إدعيلنا بقا نحصلك لصبرى نفذ .
ضحكت غزل ضحكة عالية و قالت بتعجب :
- إيه ما فيش كسوف .. عادى كده .
أجابتها سالى بقوة و تأكيد و هى تنزل ساقيها و تنزع حذائها لتتنفس قدميها قليلا :
- آه عادى كده .. نفسى أتجوز و أحب و أتحب .. ما تعلمينى يا غزل بتصطاديهم إزاى .. مرة موز الموزز الدكتور أحمد و مرة الصاروخ جوزك .. بس إنتى إختارتى الصاروخ .
قذفتها غزل بقلم كان بيدها و قالت بعبوس و هى ترفع سبابتها محذرة :
- إياكى تتكلمى على فارس لهقوملك .
تفادت سالى القلم و قالت و هى منهارة من الضحك :
- يا بنت المجانين .. بس و النبى لتقولى وقعتيه إزاى يا خبرة .
لمعت عينى غزل و قالت بهدوء ثائر :
- أنا و فارس كنا عاملين زى الكبريت و البنزين .. كل ما نقرب من بعض تقوم حريقة .. بس أنا راهنت نفسى إنى هخليه يحبنى .. و إنى هكسر غروره و بروده بإيدى .
و قبضت كفها كأنها تعتصر شيئا بها و تابعت بقوة و قد زادت لمعة عيناها كأنثى الذئب التى نجحت و وقعت فريستها و إلتهمتها كليا :
- و حلفت لخليه يسلم زى اللى قابله .. و فعلا نجحت و بسهولة قوى .
سقطت باقة الورد من يده و هو يستمع لكلماتها التى حطمته آلاف القطع .. و إلتفت مسرعا و هو يدارى ملامحه المنهارة .. و توجه لمكتبه شاردا كأنه شجرة إقتلعت من جذورها و تشعر بالضعف و الوهن .
فسألتها سالى بفضول :
- طب ما تقولى السر يا قطة خلينى أحصلك .
تنهدت غزل مطولا و قالت و هى تتخيله أمامها بإبتسامتها الناعمة كالمخمل :
- إنتى فاكرة إنه بس اللى وقع .. ده أنا إستسلمت ليه بسهولة أكبر .. عمرى ما كنت أصدق إنى ممكن أضعف و أحب بالشكل ده .
و تنهدت تنهيدة طويلة مشتعلة و قالت بنبرة عاشقة و حالمة :
- بموت فيه يا سالى .. نفسى يعرف أنا بحبه إزاى .
تنهدت سالى مطولا أيضا و قالت بتمنى :
- هاااااااح .. إوعدنى يا رب لقربت ألسع خلاص .
بحثت غزل حولها عن شئ تقذفها به مجددا و قالت بصرامة :
- قومى من وشى لهتغابى عليكى .. غورى .
وقفت سالى و ركضت من أمامها و حملت حذائها و جلست على مقعد مكتبها و إرتدته و سألتها بجدية :
- طب حكتيله عن نفسك يا غزل .. يعنى على اللى حصل لمامتك و إنتى عملتى إيه و كده .
هزت غزل رأسها نافية و إعتدلت بجلستها و أنزلت ساقيها حتى لامست الأرضية و قالت بحزن و قلق :
- خايفة ما يفهمنيش يا سالى .. اللى عملته ده كان غصب عنى .. نارى على أمى خلتنى عامية .. و متلخبطة و ما كنتش عارفة بعمل إيه .
وقفت سالى و توجهت ناحية غلاية الماء الكهربائية و ضغطت زرها و قالت بحدة :
- بس من حقه يعرفك كويس يا غزل .. لازم تبدأوا مع بعض على الصراحة .. علشان لو عرف باعدين ما يفهمكيش غلط .
قست نظراتها و إشتعلت عيناها و إندفعت منها تلك الشرارات الفيروزية و قالت بقوة و صلابة إكتسبتها من تجربتها القاسية :
- اللى عملته هو الصح .. ممكن الطريقة كانت غلط .. بس دى أمى .. أمى .. أغلى حد فى حياتى .
ثم لانت ملامحها قليلا و قالت بشجن :
- عمرها ما سابت فرض و صيامها كان دايم .. هى ما تستحقش تبقى نهايتها كده .. أبدا .
ناولتها سالى كوب القهوة خاصتها و قالت بمداعبة لإخراحها من حالة الحزن و الضيق تلك :
- إنسى يا حبيبتى قوليلى بقا .. هتقضوا شهر العسل فين ؟!
ضيقت غزل عيناها و قالت بعد تفكير :
- مش عارفة .. لو إنه أى مكان هبقى فيه مع فارس هيبقى أحلى مكان فى الدنيا .
أنهت سالى كوب قهوتها و وضعته على مكتبها و قالت بمزاح :
- إنتى هتقوليلى .. حتى لو مكتبه مش هتفرق معاكم .. إنتم يعنى بترحموا .
خلعت غزل سماعتها الطبية من حول عنقها و كانت ستقذفها بها لولا ركض سالى من أمامها و هى تقول بغضب :
- غورى يا بتاعة إنتى من قدامى .
خرجت سالى من الغرفة وهى منهارة من الضحك .. ثم إنحنت و حملت باقة الورد و قالت بتعجب :
- بتاع مين الورد ده .. بس شكله تحفة .
دلفت الغرفة و وضعته بمزهرية و قالت وهى تتأمل جماله :
- يا ترى كنت جاى لمين يا حلو إنت .. و إزاى هان عليه يرميك كده .
تطلعت غزل للوردات و قالت بإعجاب :
- فعلا شكله يجنن .. يا ترى مين صاحبه .
فقالت لها سالى و هى تنصرف :
- هروح أشوف شغلى بقا .. سلام يا قطة .
وقفت غزل و سارت حتى الوردات و لامستهم و إستنشقت عبيرهم بسعادة و هى شاردة بحبيبها و آسرها ...

- ليال .. قومى بقا كفاية نوم .. ليال إنتى سمعانى .
فتحت ليال عيناها الذهبية بتثاقل و رأسها يؤلمها .. تطلعت حولها بتعجب لأنها قد غفت على الأريكة بالخارج .. ثم تذكرت كلماته و هو يساعدها على أن تغفو مرة أخرى .. فرفعت رأسها و تطلعت بميناس التى قالت بقلق :
- كل ده نوم قلقتينى عليكى .. قومى يالا خدى شاور و أنا هخليهم يحضرولك الفطار علشان تذاكرى شوية .
أومأت ليال برأسها و هى تشعر بدوار شديد و رغبة مجددة فى التقيؤ .. تركتها ميناس و خرجت .. فركضت للمرحاض و تقيأت و هى تتألم من بطنها ...
وقفت تتطلع للمرآة و هى تطالع نفسها بشعراتها المبعثرة و وجهها الشاحب و عيونها المتورمة من كثرة البكاء .. كانت هيأتها مذرية للغاية ..
وقفت تحت المياة الجارية بملابسها و دموعها لا تتوقف .. لا تقوى على بعاده عنها .. إحساسها بالضعف يزداد .. و ألم بطنها يزداد و لا تعرف له سببا ..
كل ما تفكر به هو كيف سيسامحها و يغفر لها .. و تعود له إبتسامته التى تنير كونها .

كان جالسا على مكتبه متصلبا و يشعر بألم بقلبه .. كيف سمح لها بأن تجعله مجال لسخريتها مع صديقتها .. ألهذا القدر لا يعنى لها شيئا .. و ما معنى عبارتها .. زى اللى قبله .. إذا فإبنة عمها معها حق .. تتلاعب بالجميع بنظراتها الساحرة و بحة صوتها القاتلة ..
و لسوء حظها إختارت أن تلاعبه هو .. تلاعب العوو .. إذا فلتصمد أمام إنتقامه .. و لو كانت تقوى .
خرج من شروده على طرق سكرتيرته على باب مكتبه .. فسمح لها بالدخول .. وقفت أمامه و قالت بعملية :
- دكتور أحمد عاوز يقابل حضرتك .
تنهد فارس مطولا و قال بصوت خفيض متعب :
- خليه يتفضل .
حدجته السكرتيرة بتعجب من هيأته و ملامحه الشاحبة ثم خرجت بهدوء ليدلف أحمد المكتب و فى عينيه نظرة إنكسار .. وقف أمام فارس و قال بهدوء :
- صباح الخير يا فندم .
أجابه فارس بوجوم :
- صباح الخير .. فى حاجة يا دكتور .
إقترب أحمد أكثر من مكتبه و وضع ورقة أمامه و قال بقوة :
- دى إستقالتى يا فندم .. أنا قدمتها لدكتور راغب و هو رفض بس أنا مصمم .. و أتمنى من حضرتك توافق .
إبتسم فارس بسخرية و سأله بهدوء قاسى :
- بتحبها للدرجة دى .
إبتلع أحمد ريقه بصعوبة .. و قطب جبينه بقلق و قال بتوتر :
- قصد حضرتك مين ؟!!
إستند فارس بظهره على كرسيه و قال بنار أشعلها بنفسه بداخل قلبه المسكين بنبرة صوت قاتمة :
- اللى خلتك تسيب الشغل علشان مش مستحمل تشوفها مع غيرك .
طأطأ أحمد رأسه و قال متصنعا الجهل :
- مش فاهم حضرتك بتتكلم عن مين .
ضحك فارس ضحكة عالية و قال ببرود مشتعل :
- لأ فاهم كويس .. عموما أنا موافق على إستقالتك .. مع إن المستشفى هتخسر دكتور كفء زيك .. بس كده أحسن ليك .. و ربنا يوفقك فى خطواتك اللى جاية .
إبتسم أحمد بهدوء لتزداد وسامته الساحرة و قال بتقدير :
- كلام حضرتك شرف ليا .. و ليا طلب واحد من حضرتك .
زم فارس شفتيه متعجبا و سأله بفضول :
- طلب إيه ؟!
نزع أحمد نظارته الطبية و ثناها و علقها بجيب مأزره و قال بإنهزام :
- أتمنى تكون جدير بحبها ليك .. هى لو بتبين قوتها للناس بس هى رقيقة .. عاملة زى جناح الفراشة لو ضغطت عليها ممكن تموت .. و هى بتحبك بجد .. بعد إذن حضرتك .
و إلتفت و خرج من مكتبه بهدوء .. إبتسم فارس ساخرا على هذا العاشق المتيم بأميرته الشريرة .. فهل ما آسره و جذبه إليها نظراتها الفيروزية أم كلماتها الرقيقة ..
فشخص كأحمد صيد سهل لغزالة ذكية مثلها .. غريب أن يشعر فارس نحوه بالشفقة .. لأنه مثله كان صيدا لها و لكنه ليس مثله بالتأكيد .. ففارس لن يستسلم و سيعاقبها على كل قلب إنجرح بعدما سحقته ورائها بحذائها .. ببرود شيطانة متجردة من المشاعر .. سترى ...

إنتبه مرة أخرى على دخولها الساحر عليه بطلتها الآخذة .. كم تمنى أن يكون ما سمعه مجرد أوهام .. جرحه منها ينزف بقوة و هو يعلم جيدا أن دوائه بيدها هى و لكن ليس قبل أن يذيقها من بعض الألم الذى يشعر به الآن ..
وقف و إتجه ناحيتها بهدوء .. و تأملها مطولا قبل أن يلامس وجهها بأنامله كأنه يتشرب قسماته بداخل قلبه .. و أغمض عينيه و هو يستنشقها كأن عطرها أصبح الأكسجين لرئتيه ..
فتح عينيه على عينيها العميقتين بعمق البحر .. و لكنه بحره الفيروزى الخاص به .. و سيظل ..
لاحظ نظراتها التى إخترقت قلبه مباشرة و ضمها إليه بقوة دون أن يتفوه بحرف واحد .. و هى مستسلمة لتيار شوقه لها .. و مستمتعة به .. شعرت بتنهيدته الطويلة فإبتسمت بنعومة و قالت بشوق :
- وحشاك للدرجة دى .
ضمها إليه أكثر و قال برقة تذيبها به و تقتلها توقا إليه :
- مش عارف هصبر لبكرة إزاى .. أنا بتعذب فى كل ثانية بتبعدى عنى فيها .
إبتعدت غزل عنه و تطلعت داخل عينيه و قالت برقة :
- أوعدك إنك هتفضل تشتاقلى لحد آخر يوم فى عمرى .
ضحك فارس ضحكة عالية و قال بهزل مخفى :
- يا واد يا سيطرة .. جامدة إنتى برضه .
ردت غزل بثقة :
- طبعا .. إنت لسه ما تعرفنيش كويس .
قبلها فى وجنتها و قال هامسا :
- صدقينى يا أميرتى إنتى اللى لسه مش عارفانى .
تنحنحت غزل مقاومة لشعورها الضعيف ناحيته و قالت مغيرة دفة الحوار بذكاء :
- أنا تواصلت مع البروفيسور اللى كلمتك عنه على الميل و طلب منى أرسله تقارير حمزة الأخيرة .. و طمنى إنه فى أمل فا جيت علشان أخدها منك .
إبتعد عنها و دنا لمكتبه و فتح خزنته و أخرج منها إسطوانة مدمجة و أغلق الخزنة و إقترب منها و أعطاها إياه .. أخذته منه و قالت بأمل :
- خلاص هبعته و قول يا رب .. همشى أنا ورايا حاجات كتير هشتريها لسه .
حمل كفيها بين راحتيه و قال بجدية :
- تحبى أجى معاكى .
أومأت برأسها و قالت نافية بتهذيب :
- ﻷ شكرا .
طالعها بقوة و هو بداخله ألم لا تغسل مرارته كل أنهار الأرض و كأنه داخل سجن مظلم ينطبق عليه ببطئ لتختنق روحه .. حتى إقترب منها و حمل كفها و قربه من فمه و قبل باطن كفها و قال بشوق بادى بكل ملامحه :
- مش هشوفك تانى النهاردة أو بكرة .
تطلعت إليه مطولا و تنهدت بحرارة وقالت بلؤم و نظرات مشتعلة بقوة :
- ﻷ .. مش هتشوفنى غير بفستان الفرح .. و يالا سلام بقا .
لوحت له بيدها و تركته و خرجت .. لتتجهم قسمات وجهه و يلتفت لمكتبه غاضبا .. و قد تهدج صدره و فقد السيطرة على أنفاسه .. ثم بحركة واحدة من ذراعه قذف كل شئ بمكتبه على الأرضية .. بعدما إندفع الدم بعروقه و الصور البغيضة تتلاحق أمامه لتلك المغوية .. و هو يتوعدها .. يتوعدها بألم لن تستطع مواجهته ...
رغم أن هناك جزء بداخله يسامحها و يتمنى أن يبدأ معها من جديد .. و لكن .. لن يغفر لها قبل أن تندم على ما فعلته به .. و بغيره .....

إتسعت إبتسامتها و هى تدور و تدور بفستانها الأبيض البسيط و فرحتها إختلطت بدموعها .. وقفت ميناس و ليال تتطلعان إليها بإبتسامة باهتة فها هى ستنضم إليهما .. و لكم تمنوا لها سعادة تتمناها كلا منهما .. صاحت سالى بغزل و قالت بحدة :
- إهدى يا مجنونة الفستان هيتبهدل .
وقفت غزل على أطراف أصابعها و هى تقفز بفرحة طفولية .. و قالت بسعادة :
- فرحانة قوى .. بحبه و الله بحبه .
زمت سالى شفتيها بضيق و قالت ساخرة :
- البت لسعت .. عليه العوض و منه العوض .
دلفت دنيا للغرفة و قالت بهدوء :
- خالتى زينب بره هى و بنتها أم بوز إخرجوا بقا .
إعتدلت ليال فى وقفتها و قالت و عيونها قد إختفى بريق و لمعان الذهب بهما :
- أنا هخرجلهم .. تيجى معايا يا ميناس .
أومأت ميناس برأسها و قالت موافقة :
- أيوة .. يالا بينا .
وقفت غزل أمام مرآتها تتأكد أن فستانها لم يفقد رونقه من فرحتها الطفولية .. و عدلت وضعيته قليلا فهو أرق و أجمل من أن يوصف ..
ضيق بطول جسدها و يتسع قليلا من الأسفل .. مزين بالفصوص اللامعة على الصدر .. مفتوح قليلا من منطقة الرقبة .. و إرتدت حجابها على الطريقة الإسبانية كما يقال ..
و توج رأسها بتاج رقيق أكمل هيأتها الساحرة رغم بساطتها .. كانت تتمنى أن ترتدى فستان زفاف يليق بجمالها .. و لكن وفاة جدتها ما منعها .. تجمعت عبراتها فى مقلتيها عند تذكرها جدتها .. فربتت مهجة على كتفها و قالت بحنو :
- ليه الدموع دى .. ده إنتى هتتجوزى سيد الناس كلهم .. إفرحى يا غزل لأنه أكيد ستك فرحانة دلوقتى .
إبتسمت غزل بشجن و قالت مداعبة مهجة :
- بت إنتى لسه فى جواكى حاجة مزعلاكى منى .
ضربتها مهجة على ذراعها و قالت ببديهية :
- ﻷ طبعا .. ده أنا ملبساكى التاج بإيدى .. بس هتوحشنى لماضتك .
قبلتها غزل بوجنتها و قالت بحب :
- ما تقلقيش هنطلك كل شوية و هستناكى تزورينى برضه done .. .
ردت مهجة بإبتسامة حزينة :
- done يا أختى .
دلفت زينب للغرفة و وقفت تتطلع لغزل بإنبهار و قد أعلنت هيئة أرصاد عيونها عن بدء هطول دموعها بكثافة .. و بالفعل بدأت نوبة البكاء من الفرحة .. ثم إحتضنت غزل و قالت بطيبة قلبها :
- كنت عارفة من أول ما شوفتك إنك هتبقى نصيبه .. إبنى تعب كتير يا غزل خلى بالك منه .
ملست غزل على ظهرها و قالت برقة :
- فى عنيا يا طنط .
إبتعدت عنها زينب قليلا و طالعتها بلوم و قالت بقوة :
- ﻷ .. قوليلى يا ماما .
أومأت غزل برأسها و قالت و هى تطالعها بحنو :
- حاضر يا ماما .
وقفت عاليا بجوار والدتها و قالت بإبتسامة ودودة :
- مبروك يا عروسة .
أجابتها غزل و هى تبادلها إبتسامتها :
- Thanks .
ركض مهاب على غزل و إحتضن ساقيها بفرحة و قال :
- مبروك يا مامى .
إنحنت قليلا و قبلته قبلة طويلة بوجنته و قالت بحنو :
- حبيب قلب مامى .
رفع رأسه ناحيتها و قال بحماس :
- بسرعة يالا بابا طالع ورايا .
إتسعت عينى غزل .. و فركت أناملها من توترها .. ثم ملست على شعرات مهاب الناعمة .. إستشعرت توترها فربتت زينب على كفها و قالت بحب :
- ربنا يهنيكوا و يرزقكم الذرية الصالحة يا بنتى .
فقالت لها غزل و هى تخفى قلقها :
- شكرا .. خلى بالك من دنيا يا ماما .
أشارت زينب على عيناها و قالت بقوة :
- فى عنيا يا بنتى ما تقلقيش .
دلف فارس لشقة رأفة بإبتسامة مشرقة .. تلقى التهانى من جميع السيدات .. و إحساس بالإنتصار يجتاحه .. لقد فاز بما يخصه منذ زمن بعيد .. و قد أصبحت اليوم ملك يديه بعد رحلة تلك السنين الطويلة ..
و رغم ذلك يتملكه شعور غريب يبهج ولا يمنح الرضا و السعادة .. شعور مقيت يزداد و يزداد و يخشى من تحوله لسيل جارف سيطيح بهما معا ... ثم توقف أمام غرفة غزل و عدل من هيئة بذلته .. و تطلع بليال و سألها بقلق :
- إيه النظام شكلى حلو .
أشارت له ليال بإصبعها و قالت بإعجاب :
- مية مية يا كبير .. إدخلها بقا بقلب جامد .
أوقفته ميناس قائلة :
- إستنى إستنى .. إظبط الجرافتة شوية يا أبيه .
عبث فارس برابطة عنقه و قال بهدوء :
- كده كويس .
غمزت له ميناس بعينها و قالت بمداعبة :
- زى القمر .. ربنا يهنيكم .
إعتدل فارس فى وقفته و حمل باقة الورد و تنفس مطولا و تنحنح قائلا :
- ممكن أدخل .
لأول مرة تشعر غزل بذلك الشعور .. رجفة شديدة يتبعها جفاف بحلقها .. قدماها لم تعد تحملها مصاحبة بتنميل شديد .. دقات قلبها تكاد تكون مرئية من شدتها .. و تسارع أنفاسها التى إختفت فور رؤيته و هو يدلف لغرفتها ...
كم كان جميلا و جذابا .. بهيئته المهيبة و وسامته الهادئة .. إستجمعت قواها و أنفاسها و هى تطالع نظرات الإعجاب بعينيه و إبتسامة هادئة تتشكل على ثغره ..
إقترب منها حتى أصبح قبالتها .. و إحتضن كفيها بين راحتيه و نفسه تقول بألم :

آه من عينيكى آسرتى .. قلبى يتمزق أمامهما .. بداخلى سؤال وحيد .. لماذا حبيبتى ؟!.. لماذا أميرتى ؟!.. جمالك ساحر لدرجة سلبت عقلى فلم أميز نظرات العشق من نظرات الإرضاخ .. فسبيتنى لتزيد لائحتك بإسمى .. و لكنى سأظل الأخير صدقينى .. فلقد حان وقت إرضاخى لكى يا.. يا حلمى الفيروزى .

من أنت ؟!!

كيف إقتحمت كيانى .. و أسرت قلبى و روحى .. كيف إمتلكتنى دون أن أشعر .. و تعمقت بشراينى ..
هل نعشق كما نريد ؟! أم أن العشق مفاجأة .. مفاجأة تحمل الكثير .. منذ لقائنا الأول .. نظرتنا الأولى .. نبضتنا الأولى .. همستنا الأولى .. لمستنا الأولى .. قُبلتنا الأولى .....
شغف ...
فالعشق حقا شغف .. شغف قاتل .. و معانى مهلكة .. حين أصف شعورى بك .. و رغم ذلك من أنت .. فصدمتى بك .. و ألمى منك .. فاق حدود إحتمال قلبى الواهى ..

فمن أنت .. حبيبى ؟!!

ملاك .. يقف أمام ملاك .. بهالته البيضاء .. و إبتسامته الناعمة .. و خجله اللذيذ .. و نظراته الوالهه .. و دفء مشاعره الملتهب ...
و ينتظر بتوجس أن يكشر ذلك الملاك عن أنيابه .. و يظهر قرنيه أعلى جبهته .. و يصطبغ وجهه باللون الأحمر القانى .. و يتخلى عن جناحيه البريئين .. و يسقط قناعه المزيف ليظهر على حقيقته ..
حقيقته المؤلمة ....

لم تمل عينيه و هو يتأمل جمالها .. و ذكر الله بداخله كى لا تصيبها عينه بالحسد .. لا تحتاج لشئ لترهق أى عين برؤيتها .. فما بالك ببعض اللمسات السحرية التى تزيدها بهاءا و سحرا ..

تناسبها كلمة ساحرة .. و لكن ساحرة شريرة جميلة مغوية تسبى من تريد .. و قتما تشاء .. بفيروز عيناها اللامع و شفتاها المسكرة كنبيذ ملعون .. و جسدها الغص الفاتن .. و الذى يسحبك مع تموجاته لمنطقة السحر ..

ألم أقل ساحرة .. تتجول بمكنستها الطائرة و تتثر غبار سحرها على كل من رآها .. و الأسوء أنها تربح دائما و تصيب من أرادت بلعنتها ..
لعنة غزل ...
بعد الألم الذى لاقاه بالأمس يستحق بعض الهدوء لإلتئام جروحه .. و لكن بوجودها يختفى الهدوء .. فقرر أنه سيحارب النار .. بالنار ...

و سيكتوى بها .. و ستكتوى هى أيضا .. حينها .. يمكنه الصفح و المسامحة .. و غفى عن أمرا هام .. هل ستسامحه هى .. هل سينجو من عقابها .. ففتاة مثلها لا تتوقع ردة فعلها .. و سيكون ...

إبتسم بسعادة و هو يتأمل عيناها التى حددت بلون أسود أبرز جمالها و شفتاها التى برزت أكثر بلون أحمر جمرى .. و عطرها الوقح يتجول حولها بجرأة تناسبها .. حمل فارس كفها برقة و عينيه تلتهمها و قبَّله برقة و عينيه مازالتا مكبلتين بفيروزها النادر .. و خرج صوته حانيا ناعما رغم قوته و هو يقول بصدق :
- حبيبتى أحلى عروسة فى الدنيا .
لعقت غزل شفتيها بلسانها و هى فى قمة خجلها .. فإقترب منها أكثر و قبل جبينها مطولا و تطلع داخل عيناها من قرب و قال هامسا برقة تقتلها :
- إنتى بجد بقيتى ليا و بتاعتى .
إبتسم الجميع بخجل إثر مداعبته الساخنة و خرجت دنيا و وجنتاها قد توردت بخجل .. بينما تنهدت ليال و ميناس برومانسية .. و مصمصت زينب شفتيها و هى تطالع جرأة إبنها العاقل الرصين .. بينما تنحنحت غزل بخجل و قالت هامسة :
- أنا بقول نأجل كلامنا باعدين .
لماذا أميرتى .. هل تستحى و تخجلى مثلا .. أشك ..
و لكنه أومأ برأسه و قال بمشاغبة و هو ينذرها و يهيأها لما هو قادم من جموح لحظات ستحيا بها :
- تؤ .. باعدين مش هيبقى فى كلام .. هيبقى فى فعل و بس .
إحمرت وجنتاها و زادت حرارتها من كلماته الصريحة و التى تنبئها بجنون ينتظرها معه .. ربتت زينب على ذراعه و قالت بخجل بعدما وصلها همسه الثائر :
- مالك يا حبيبى كده .. حساك متوتر .
إلتفت إليها برأسه و هو يطالعها بلوم و قال بإندفاع جرئ :
- أنا متحمس .. مش متوتر .
زمت زينب شفتيها و قالت بإبتسامة خافتة :
- و ماله يا إبنى .. ربنا يسعد أيامكم .
قبل فارس كف والدته و قال بقوة :
- تسلميلى يا ست الكل .. إدعيلى دايما يا حبيبتى .
ربتت على ظهره بحنو و قالت و قد تجمعت العبرات بعينيها مجددا :
- دعيالك يا حبيبى .. ده إنت الغالى .
جذبها مهاب من عبائتها و قال بضيق :
- و أنا يا تيتة .
كففت دمعاتها و تطلعت إليه و قالت بحنو :
- إنت الغالى إبن الغالى .
إتسع صدر مهاب بفرحة و إنتشاء .. و عاد فارس بعينيه لساحرته و هو يتأملها بحزن .. و خوف .. لأنه يعلم أنها كالماء .. و ربما تتسرب من بين أنامله و يفقدها ..

صرخ قلبه قائلا بقوة .. لا لن يسمح لها و لو أغلق حولها ألف باب و باب .. لن يفقدها مجددا .. أبدا ..
تاهت غزل بين نظراته الغريبة عليها و المتخبطة بين السعادة و التوجس .. ربما ما يشعر به هو توتر و إرتباك كما قالت والدته ..

و لكن لماذا سيتوتر .. فما حدث بينهما باليومين السابقين خالى تماما من التوتر و القلق .. و كأنهما عاشقين منذ سنوات ...
لم يمهلها وقتا لتخبطها و عقد ذراعه لها و قال فاقدا صبره :
- يالا بينا يا أميرتى .
أومأت برأسها و تأبطت ذراعه و خرجت معه .. و دعت دنيا و سالى و مهجة بتأثر ....

بينما و داع مهاب المؤقت آلمها بشدة و هى تضمه لصدرها و تطمأنه قائلة بحنو :
- مش عوزاك تزعل .. يومين بس و مش هتبعد عنى أبدا .
إبتعد عنها قليلا و رفع سبابته أمام وجهها و قال بطفولة :
- وعد .
شبكت سبابتها بسبابته و قالت بقوة :
- وعد يا حبيبى .. إسمع كلام تيتة و دودو و أنا هكلمك كل يوم كذا مرة .. تمام .
أومأ برأسه و أجابها بتهذيب :
- حاضر يا ماما .
لم تحتمل سماع تلك الكلمة الدافئة التى تلامس قلبها كلما نطقها و إحتضنته مجددا بقوة أكبر ..
تابعها فارس بتعجب .. و إعجاب .. فطفل كمهاب لا يخطأ فى تقديره أبدا لأى شخص .. ربما يكون هو المخطأ ..
تابعهما و هو يتسائل بتعجب ..
من أنتى حبيبتى ؟!!
إنفرجت شفتيه بإبتسامة ساخرة .. و صوتها يصدع برأسه قائلا أنه لم يكن الأول و هناك من خدعتهم قبله ..
فقبض كفه بقوة و تشنج .. و لكن لمستها لقبضته جعلته يرتخى و يتمسك بكفها بقوة ..
إبتسمت إليه بنعومة آسرة فجذبها ورائه و إنطلق غير عابئا بسرعته التى جعلتها ستنكفء على وجهها من إتساع خطوته و ضيق فستانها ..

إنطفأت الأنوار و غزا الظلام تلك الشقة التى لم تغلق منذ سنوات .. وقفت ميناس تتطلع للشقة بحزن .. و آخر شئ طالعته عيناها هو باب غرفة رأفة .. شعرت بملوحة دموعها تحرق مقلتيها فقالت بداخلها بألم و كأنها تتحدث مع المنزل التى قضت به طفولتها بعدما تركهما والدها و هرب من مسؤليته تجاههم و عشقها الأول و نظراتها المسروقة لحمزة من نافذتها :
- مش هتأخر عليك .. و هرجع و هملاك نور و ضحك و حياة زى ما كنت زمان .
و جففت تلك العبرة الساخنة التى إنسابت بصمت و أغلقت الباب ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات