📁 آخر الروايات

رواية ظل البراء الفصل السادس عشر 16 بقلم آية احمد عرفة

رواية ظل البراء الفصل السادس عشر 16 بقلم آية احمد عرفة

16 "عاد الغائب"

عاد الغائب إلى مكانه الصحيح، غير أنّه مال إلى أمورٍ ما كان له أن يميل إليها. وحكايتنا ليست إلا دروبًا نسيرها بكامل حواسّنا، لكن الأهم هو أيُّ طريقٍ تختاره لتمضي به في دربك.
...
...
...

كان صوتُ براء يعلو في أرجاءِ البيت كهديرِ فرحٍ طال انتظاره، يهتف باسمٍ غاب عنهم سنين طويلة حتى كاد الجميع ينسى وقعَه في المكان. كان صوته يتدفّق بحماس لا يُخطئه قلب، فاندفعت والدته من المطبخ على إثر تلك الصيحة، تقف عند العتبة بعينين واسعتين، تتبدّل ملامحها بين الدهشة والذهول، كأنها تخشى أن يكون ما تراه حلمًا آخر من تلك الأحلام التي طالما زارتها ليلًا.

تجمّدت في موضعها، لا تكاد تُصدّق ما تسمعه أذناها… أيمكن أن يكون؟ أحقًّا عاد؟

رفعت بصرها نحوه، نحو ذلك الشاب الواقف في وسط الصالة، يحمل ملامح لم تعرفها فيه من قبل؛ لقد ازداد طولًا، ونضجت ملامحه التي كانت طفولية يوم غادر حياتهم. يغطي فكّه زغب لحية خفيفة، وتلمع عيناه الرماديتان بالبريق ذاته الذي حفظته في قلبها… ذاك البريق الذي لم يرثه سواه هو وبراء من أبيهما. كانت تلك العينان وحدهما الشاهد على الدم الممتد بينهما، إذ لم يشبهه أحد من إخوته في هذا الأمر.

ارتجف قلبها، فعشرون عامًا مضت منذ رحل صغيرًا بعمر الرابعة عشرة، يوم خرج من البيت مغادرًا ليس المنزل فحسب، بل الوطن بأسره.

امتدت يدها نحوه بتردد، تخشى أن يختفي إن لامسته، أن يكون سرابًا صنعه الحنين… ثم ضمّته إلى صدرها، فانهمرت على وجنتيها دموع الفرح، لا تكاد تصدّق أن ابنها يقف الآن بين ذراعيها، حيًّا، حاضرًا، عائدًا أخيرًا.

أما مهاب فكان يتابع المشهد ببلاهةٍ واضحة، لا يدرك من هذا الذي قلبَ البيت رأسًا على عقب بقدومه. وازدادت دهشته حين رأى والدته تعانقه هي الأخرى بحرارة وترحيب، فاقترب من براء هامسًا بغيظٍ خفيف يصحبه السخرية:
"أمك بتتحضن وانت واقف بتتفرّج؟"

حدّق به يحاول استيعاب ما ألقاه عليه، ثم هتف بانفعال:
"اسكت يا مهاب، اسكت."

اقترب منهم وفصل العناق قائلاً:
"خلاص يا أمي، ما هو قدّامك أهو... صدّقي، عمران قدّامنا بعد عشرين سنة."

خيم الحزن على وجه عمران، كأنه يريد إيصال مدى بُعده عنهم؛ لم يكن عامًا أو اثنين، بل عشرون عامًا كاملة. كان عمرًا بحاله مضى دون أن يلتفت خلفه ولو لمرة واحدة.

أما هند فكانت تقف تتابع المشهد بضيق، تحدث نفسها بسخط:
"كان ناقصنا عمران دا كمان! مش كفاية مهاب وحمزة؟ يطلع فيه أخ كمان يعني؟ بيكون ليه في كل اللي تعب فيه براء لوحده؟!"
ثم زفرت بغيظ ودلفت إلى غرفتها.

على الجانب الآخر كانت تقف بجوار أميرة شابة تتابع بدهشة، هتفت متسائلة:
"أخوكم؟ إزاي؟ أنا مش فاهمة حاجة… كان مسافر يعني؟"



تدخلت الأخرى قائلة:
هو أنا مش فاكرة حاجة زي كده… حاسة إني كبرت على براء، وان مهاب وحمزة إخواتي الصغيرين.

أومأت سَكن بتفهّم، ثم جلس عمران وجلس الجميع. نهضت مفيدة قائلة:
"احنا لسه شايلين الأكل، هجبلك تاكل. مش وحشك أكلنا؟"

أومأ مؤكدًا:
"كل حاجة وحشاني يا أمي."

ابتسمت له وغادرت، وتبعتها سكن لتساعدها وتترك الإخوة يتحدثون بحرية.

نظر عمران إلى أميرة وهتف بود:
ازيك يا أميرة؟ والله وحشاني أوي.

ابتسمت بخجل لا عهد لها به، وردّت بصوت خافت:
"الحمدلله."

قطع مهاب بنفاد صبر:
"أنا مبقتش فاهم حاجة خالص."
ثم وجه نظره إلى براء:
ياريت تراعي إن فيه ناس مش فاهمة وتفهمنا.

حدّق براء به قائلاً بوضوح:
أفهمك إيه؟ عمران بيكون أخونا.

اتسعت عينا مهاب غير مستوعب:
أخونا؟ إزاي؟ إلا ما شوفت ليه صورة توحّد ربنا هنا في البيت!

نظر عمران نحو براء بنبرة عتاب:
"مش حاطط صورتي ليه يا براء؟"

صاح براء بنفاد صبر:
"يعرفوك إيه يا عمران؟ يعرفوك إيه! دا انت ماشي وسايب دا كان عنده خمس سنين"

قال ذلك وهو يشاور على مهاب ثم تابع:
"وحمزة كان عنده سنتين!"
ثم أشار إلى أميرة:
"الوحيدة اللي ممكن تكون فكراك أميرة، كانت وقتها عندها 8 سنين."
وأكمل بتهكم مرير:
"يعني لو كنت حطّيت صورتك وانت عندك 14 سنة، كانوا عرفوك دلوقتي مثلاً؟"

بدت أميرة مقتنعة إلى حدٍّ ما. عاد عمران يسأل:
"يعني دا مهاب، ودي أميرة… فين حمزة بقى؟
نفسي أشوفه."

حاول براء تغيير مسار الحديث:
"هتشوفه بعدين… خلينا نشوفك انت الأول."

خرجت الصغيرة من الغرفة راكضة نحو براء، فحملها بحب:
"أهلا يا فريدة، عاملة إيه دلوقتي يا روحي؟"

ابتسمت ببراءة:
"بقيت كويسة يا خالّو، أنا خفيت."

قبّل رأسها ثم يدها قائلاً:
"الحمدلله يا روح خالك."

تساءل عمران وهو ينظر إليها:
"خالّو؟ يعني دي بنت أميرة، صح؟
صح. أجابه براء."

مدّ عمران يده يأخذ الصغيرة من حضن براء، أجلسها على ساقه ثم أخرج قالب شوكولات من جيب معطفه، ناولها لها. نظرت إلى والدتها أولاً، فأومأت بالموافقة، فأخذتها قائلة:
"شكراً يا عمّو."

قال عمران مصححًا وهو يبتسم:
"أنا خالك، قولي يا خالّو… أنا خالك عمران."

ارتبكت الصغيرة تحاول أن تستوعب وتعد على أصابعها:
"يعني أنا كده عندي أربعة خالّو؟ خالّو براء، وخالّو مهاب، وخالّو حمزة…"
فأمسك إصبعها الرابع قائلاً ممازحًا:
"وخالّو عمران… بس أنا غيرهم، أنا اللي جيت عشان آكل ورث أمك."
1


قهقه براء ضاحكًا فهو يعرف مزاحه القديم، بينما تبادل مهاب وأميرة نظرات عدم فهم.

فسّر براء سريعًا:
"عمران بيهزر."

قالت فريدة بطفولة صافية:
"لو هتاخد ورث ماما وتجيب ليا شوكولاتة كل يوم… خده."

قهقه عمران بصخب:
"أجبلك الشوكولاتة من غير حاجة يا ديدا."

هتفت مفيدة وهي تضع الطعام بمساعدة سكن:
"يلا يا عمران، عملتلك اللي بتحبه. تعالَ يا حبيبي، الكلام يتأجل… تلاقيك مكلتش حاجة في الطيارة. أنا عارفاك."

قال مهاب بضيق وسخرية:
"عارفاه إيه يا حاجة؟ دا واحد كان بعيد عشرين سنة! دا أنا لو بعدت عنك أسبوع هتنسي أنا بحب إيه!"

أشار براء له أن يصمت، فقد زاد الأمر توترًا، لكن مفيدة سبقته بنبرة حازمة:
"انت معايا بقالك عشرين سنة يا مهاب… إنما هو كان بعيد. ومش تقلق، مش بنسى حاجة تخص ولادي."

نهض عمران نحو المائدة وجلس، ثم قال بمرح يقصد إغاظته:
"غيران يا أمي… مهاب غيران مني. سيبيه على راحته، بكرة يتعود."

نهض مهاب بضيق متوجهًا لغرفته أو بالاصح إلى الغرفة المشتركة، يتمتم:
"اللهم ما طولك يا روح."
1

نظر إلى حمزة الجالس يحمل كتابًا، غارقًا في القراءة. خطف الكتاب من يده وألقاه مع بقية الكتب قائلاً بنفاد صبر:
"قاعد بتقرا ولا على بالك حاجة؟ ربنا يديني من برودك وطولة بالك يا رب!"

رفع حمزة عينيه ببطء، لا يفهم شيئًا، هتف:
"محدش عاجبه حاله… انت عاوز تكون زيي، وأنا عاوز أكون طبيعي… معادلة ملهاش حل."
1

صاح مهاب:
"لا لا لا… أبوّس إيدك، مش وقت فلسفة!"

ثم سأله بفضول فجائي كأنه قد تذكر للتو:
"صحيح… مين اللي عمل فيك كده؟"

اقترب يمدّ يده نحو وجهه، فتراجع حمزة فزعًا:
"هنادي على براء يا مهاب! بطل بقى."

ابتعد مهاب ضاحكًا:
"بعدت… قول بقى مين اللي عمل فيك كده؟"

قال حمزة بيأس وهو يلتقط كتابه مرة أخرى:
"ملكش دعوة."

أمسك مهاب الكتاب مرة أخرى، وهو يتمتم:
"طيب ايه رايك ألمسك يا حمزة… وأبقَى ورّيني ملّيش دعوة إزاي؟"

انتفض حمزة وتراجع:
"بس يا مهاب! مش بحب الهزار دا… والله لو لمستني أنا…"

توقف مهاب متحديًا:
"هتعمل إيه؟ هتروح تقول لبراء؟ مش هديك فرصة… إي رأيك بقى؟"

زفر حمزة باستسلام واضطراب:
"هقولك… بس ابعد."

ابتسم مهاب برضا وجلس جانبًا:
"سامعك… خلاص اهدى، بعدت عنك."

جلس حمزة على كرسيه من جديد، تنفس بعمق وقال بصوت منخفض يُخفي وجعًا:
"اتقبض عليّا… ودّوني أمن الدولة. وكان فيه ظابط هناك حمار ومستبد… عايز يجبرني أعترف إن لما انت وأدهم كنتوا على السطح… كنتوا بتختطوا لحاجة… بس أنا رفضت أقول اللي هو عاوزه، مع إنه ضغط عليا جامد أوي… وضربني."

كان يحاول استيعاب ما هتف به حمزة الآن، ثم نهض قائلاً بصوت مرتفع:
" ليه مقولتش ليا سعت ما جيت؟"

تراجع حمزة وهو يحيط أذنيه بيده، هاتفًا بذات العلو:
" مش تعلي صوتك كده!"

ولكن الاخر ضرب المكتب بقبضة يده:
"مش قولتلي ليه"

في الخارج، ما إن ارتفع الصوت، نهض براء، فقالت مفيدة بعلم مسبق:
"تلاقي كالعادة مهاب بيضايقه."

دلف براء إلى الغرفة، فوقف حمزة خلف أخيه كأنه طوق النجاة ليشير إلى مهاب وعيناه متسعة بالذعر قائلاً بصوتٍ يرتجف:
"بيعلي صوته… كرهت الصوت العالي كرهته."

تركهم فجأة وركض خارج الغرفة، كأنه يهرب من شئ يطارده فكاد براء يلحق به، إلا أنّ حمزة كان قد فتح الباب وصعد إلى الأعلى هاربًا منهم جميعًا. أطلق براء تنهيدة وأغلق الباب، ثم عاد إلى الغرفة ينظر إلى مهاب بضيق، ثم هتف بعتاب:
"عجبك كده؟ بتتعصب على أخوك ليه؟ قولت مليون مرّة حمزة ملكش دعوة بيه."

لم يجب مهاب، بل عبث بهاتفه قليلًا ثم وضعه على أذنه وصاح بغضب مشحون:
"أويس؟ مش عاوز اعرفك تاني فااااهم؟ واخوك يبعد عننا، كفاية اللي حصل لينا من تحت راسه، ورقمي ذات نفسه تمسحه من حياتك!"

أغلق الهاتف وألقاه على السرير بعنف، فرمقه براء:
"ارتحت كده صح؟"

ثم التقط جاكت حمزة وغادر الغرفة، ونظر إلى عمران قبل ان يغادر:
"أنا طالع على السطح أشوف حمزة، خلّص أكل وتعالا عشان عاوز أتكلم معاك في حاجات كتير أوي."

أومأ له ليغادر، ثم وجّه عمران نظره إلى مفيدة متسائلًا:
"هو فيه إيه؟ حمزة ومهاب متعودين يتخانقوا؟"

هتفت وهي تصحّح له:
"لا مش خناق خناق يعني، بس هو ساعات بيعمل الحاجات اللي بتضايق حمزة، وبراء ربنا يصلح حاله يا رب، كفاية عليه شيلة حمزة، هو لو كده هم بس؟ ولا عمره اشتكى؟"

أكمل عمران وهو يأكل:
طول عمره كده حمال ومش بيقول لا...
ثم تابع:
" بيقول عاوز يتكلم معايا في حاجات كتير، انا مرتحتش للجملة دي مش عارف ليه."

قال ذلك وهو ينهض:
"الحمدلله، تسلم إيدك يا ست الكل."

قالها ثم سار باتجاه الحمّام، فنهضت خلفه وهي تمسك المنشفة قائلة:
"مش ارتحت ليه بقى؟ هو براء عمره زعل حد؟ يمكن عاوز يطمن عليك."

غسل يديه وغسل وجهه أيضًا، ثم أغلق الحنفية وخرج، وأخذ منها المنشفة يجفف بها وجهه وهو يهتف:
"ما هي دي المشكلة، ماعنديش حاجة تطمن خالص."

كاد أن يغادر فاستوقفته قائلة:
"استنى أعملك الشاي الأول."

رد وهو يفتح الباب:
"مش عاوز أتأخر، ووحشني السطح أوي... ابقي ابعتيه مع المتعصب اللي جوا."

أغلق الباب خلفه، وفور خروجه خرج مهاب من الغرفة هاتفًا بضيق:
"بيقول عنّي أنا متعصب؟! طيب مش مطلع حاجة! إيه رأيكم بقى؟"

ثم دلف إلى الغرفة وأغلق الباب بعصبية، فصفعت مفيدة يدها بالأخرى، ودلفت إلى المطبخ تتمتم:
"ربنا يهديك لنفسك قبل أي حاجة."

في الأعلى، كان براء يقف بجوار أخيه يحاول تهدئته قائلًا:
"مش تزعل من مهاب، عمل كده من خوفه عليك، مش مستحمل فكرة إن حد يمد إيده عليك."

هتف الآخر بضيق:
"وأنا مش مستحمل اليوم ده كله، عاوزه يخلص بقى، أنا نازل أنام."

كاد أن يخطو مبتعدًا ثم توقّف متذمرًا:
"هنام إزاي؟ ومهاب تحت، هيرجع يعلي صوته تاني."

قهقه براء على حديثه، وفي تلك اللحظة دلف الآخر إلى الداخل وهو يصيح:
"ضحكوني معاكم يا ولاد الزيني، أصل الواحد بقاله عشرين سنة مضحكش!"

قالها عمران وهو يقترب منهما، فهتف حمزة بذهول:
"عشرين سنة؟! إنت عارف إن الضحك ده ليه فوائد كتير أوي؟"

توقّف عمران مكانه، ولم يكد يستوعب كلمات حمزة الأخيرة حتى رفع حمزة رأسه فجأة، وكأنه تذكّر شيئًا يحفظه عن ظهر قلب، ثم قال بنبرة جادّة وثابتة على غير عادته ليؤكد حديثه مرة أخرى:
"الضحك مفيد.. أيوه مفيد."

رمقه عمران باستغراب، بينما تابع حمزة دون أن ينتظر ردًا، كأنه يلقي درسًا محفوظًا:

"الضحك بيقلل التوتر.. ويخفض هرمون التوتر اللي اسمه كورتيزول... وبيرفع هرمونات السعادة زي الإندورفين."
تحركت يداه في الهواء وهو يشرح بدقة مُلفتة للنظر:
"وكمان بيساعد القلب.. وبيحسن التنفس.. وبيقوي المناعة، لأن الجسم لما يضحك بيشتغل أحسن."

ظل عمران يحدّق به مدهوشًا، عيناه تتسعان رويدًا رويدًا، وكأنه يسمع شيئًا لا يناسب الصورة التي رسمها لحمزة في ذهنه خلال هذه السنوات.
لم يرمش حتى انتهى حمزة، الذي أكمل بجملة أخيرة وهو ينظر للأرض:

"الضحك بيخلي الدنيا أهون... شوية."

لم ينبس عمران بكلمة، فقط بقي واقفًا أمامه صامتًا،.
تفهم براء لنظرات عمران المتفاجئة، فابتسم بهدوء ووضع يده على كتفه قائلاً بمرح:
"أعرفك العبقري حمزة الزيني."

ثم التفت نحو حمزة يشير إليه كأنه يقدّمه رسميًا:
"أخونا عمران الزيني."

جحظت عينا حمزة للحظة وكأنه يعيد الكلمات في رأسه، وبدأ يتحرك ذهابًا وإيابًا بقلق واضح، يكرر الجملة ذاتها كمن يحاول استيعاب فكرة جديدة تمامًا. ثم توقف فجأة، ورفع رأسه متسائلًا باستغراب بريء:
"أخونا؟ إمتى؟ وإزاي؟"

اقترب براء خطوة منه يحاول أن يوصله الفكرة ليُدرِكها:
"هو أخوك الكبير يعني بالنسبة ليك زي ما أنا كده برضو أخوك الكبير."

هزّ رأسه نافياً:
"لا لا، انت مفيش زيك، انت أخويا الكبير وهتفضل انت لوحدك أخويا الكبير... أنا نازل أنام، تصبحوا على خير."

كاد أن يغادر، لكنه توقف ثم هتف دون أن ينظر إليه:
"أهلا بيك."

قال ذلك ثم تركهم وغادر. نظر عمران إلى براء قائلاً باستغراب:
"حمزة... أنا حاسس أنه غريب، هو فيه حاجة أنا مش فاهمها؟"

أومأ براء بنعم، ثم جلب الوسائد ليجلس. نظر إليه وهو يهتف:
"اقعد، تكونش محتاج مني عزومة؟"

جلس بجواره متسائلًا وهو يتفحص المكان:
"حلوة المساند دي، بس على ما أتذكر كان في كبرتاية هنا على السطح، بنقعد عليها... راحت فين؟"

رمقه براء بعدم تصديق ثم هتف ساخرًا:
"انت جاي بعد ٢٠ سنة تسأل على الكبرتاية اللي كنا بنقعد عليها! بجد ربنا يحميك ويحرسك من العين."

ثم صاح بغضب هازلًا:
"دابت يا عمران، دابت... الزمن دوبها حلو كده!"

قهقه عمران على صياحه قائلًا:
"طب ما أنا الزمن هدّني، كنت اتكلّمت! أنا بسأل بفتكر الذكريات..."

ثم أضاف بتساؤل:
"قولي بقى حمزة ماله؟"

تنهد براء قائلًا:
"أقولك إيه... بس انت لما سافرت كان حمزة عنده حوالي سنتين، مكنش لسه ظهر عليه حاجة. لغاية ما بقى عنده أربع سنين، بدأ إنه على طول ساكت ومش بيتكلم كتير. حاولنا ننزله حضانة، كان يعيّط ويرفض، ومش عاوز حد غريب يلمسه أبداً.
وبدأنا نلاحظ أنا وماما حاجات كتير... إنه مش بيحب يبص لينا وإحنا بنتكلم، ولما بيحصل أي صوت عالي مش بيستحمله.
خدته كشفنا عليه، اكتشفنا إنه عنده اضطراب التوحد.. اتولد بيه، ودي حاجة مافيهاش علاج. لازم اللي حواليه يتأقلموا معاه ويحاولوا يحتوى حالته، ودا اللي أنا بحاول أعمله."

ثم نظر إليه مؤكدًا:
"شوف، هديك أساسيات مختصرة عن الحاجات اللي مش لازم تعملها معاه...ما تحاولش تلمسه ولا تقرّب من حاجة تخصه، ولا تعلي صوتك وتتخانق جنبه، ولا تقرّب من سريره، ساعتها ممكن يوصل إنه مش ينام عليه."

تنهد عمران قائلًا:
"دلوقتي فهمت ليه ماما كانت بتقول إن حمزة لوحده هم... "

ثم تابع بحزن:
"أنا لسه فاكر زمان لما قلتلك إني هسافر أمريكا أكمل تعليم برا.. لسه فاكر نظرتك ليا وانت بتقولي (هتسيبني لوحدي وتمشي؟)
انت عارف؟ أنا ندمان دلوقتي إني مشيت. يا ريتني كنت فضلت... على الأقل كنت لحقت حاجات كتير أوي مني."

نظر إليه براء قائلًا بثقة هادئة:
"مش يمكن رجعت في الوقت المناسب؟"

هتف عمران بمرارة:
"أو يمكن رجعت بعد فوات الأوان."
..
..
..
..
..
كان حمزة يجلس على الأريكة في الصالة. اقتربت والدته منه قائلة:
"حمزة، ممكن تاخد الشاي دا تطلّعه لإخواتك؟ عشان مهاب مش راضي."

أومأ موافقاً ونهض وهو يحمل الصينية:
"حاضر يا ماما."
ثم غادر، لتجلس مفيدة بجوار أميرة وسِكن، يتبادلن الحديث، على عكس هند التي أغلقت على نفسها باب غرفتها، ولا يعلم أحد عنها شيئاً.

هتفت أميرة مستغربة:
"كان فين عمران يا ماما كل السنين دي؟ أنا مش فاكراه خالص!"

تنهدت مفيدة وكأنها تسترجع ذكريات بعيدة، ثم قالت:
"الشديد القوي هو اللي بعده عنّا يا بنتي... ولا أنا كنت أتمنى إنه يبعد. كان نفسي يفضل معاكم هنا ويتربّى وسط إخواته، بس مكنش في إيدي حاجة وقتها."

أردفت سِكن بعدم فهم:
"مين يا طنط اللي بعده عن إخواته؟ مش فاهمة!"

هتفت الأم بأسى:
"ياااه... دي حكاية طويلة أوي، هحكيها عشان يكون عندك علم، مكنش عندي امل أنه يرجع لينا تاني."

لتسرد عليهم هذه الحكاية المتشابكة بالماضي.
..
..
..
..
..
..
..
دلف حمزة واقترب منهم، ووضع الصينية على الأرض أمامهم:
"اتفضلوا الشاي."

كاد أن يذهب، فأوقفه عمران:
"اقعد معانا يا حمزة."

رد سريعًا بلا تردّد:
"مش بحب أقعد مع حد معرفوش."
ثم غادر، تاركًا الآخر يتبعه بنظرات مذهولة.

قهقه براء وهو يهتف:
"نسيت أقولك أهم صفة فيه... هو صريح."

هزّ عمران رأسه قائلاً بدهشة:
"اكتشفت الصفة دي لوحدي دلوقتي، بس دي صراحة ولا وقاحة."

اردف وهو يصحح له:
بدام حمزة يبقى صراحة، لو مهاب يبقى ليفل أعلى من الوقاحة ذات نفسها"

ابتسم على حديثه، ثم تساءل:
"مال وشه هو متخانق"

أردف بضيق:
"لا، سيبك... مش عاوز أشغل بالك."

هتف الآخر:
"بقالك عشرين سنة شايل لوحدك! شاركني بقى، وقول في إيه؟ مين اللي عمل في كده؟"

قال براء بضيق وهو يحاول ان يسيطر على غضبه:
"مش عارف... ظابط أمن دولة مستقصدنا من فترة، خد مهاب وصاحبه، وبعدين النهاردة خد حمزة."

أمسك عمران كوب الشاي، ارتشف رشفة ببطء، ثم سأل وهو يراقبه بعينه:
"اسمه إيه الظابط ده؟"

نظر براء إليه باستغراب:
"ليه؟"

هتف عمران بغموض:
"ليه دي بتاعتي أنا... اسمه إيه؟"

تنهد براء وحمل كوب الشاي الآخر وقد بدا عليه التردد، ثم أجاب:
"اسمه أيوب نصّار."

أخرج عمران هاتفه بيده الأخرى، عبث فيه قليلًا ثم تركه بجواره، ثم هتف بثقة باردة:
"اعتبر موضوعه خلص خلاص."
8

رمقه براء بعدم فهم:
"عملت إيه؟"

قال عمران بلا مبالاة:
"قولتلك... دي بتاعتي أنا."

تنهد براء وهو يتأمله، لقد تغيّر عمران كثيرًا. نعم، لابد أنه تغيّر؛ لم يكن عامًا أو عامين، بل عشرون عامًا كاملة.
هتف ليكسر الصمت:
"قولي... عملت إيه في أمريكا؟ درست إيه؟"

أجاب عمران بوهن، وكأنه يحاول الهروب من ذكريات ثقيلة:
"المحاماة... ولا تدريك ما هي المحاماة في أمريكا."

هتف الآخر متذكرًا:
"بجد؟ أميرة برضه كانت في كلية حقوق بس خرجت ومكملتش... اختارت تتجوز."

قال آخر جملته بضيق واضح، فبادر عمران يسأله:
"مش قاعدة عند جوزها ليه؟"

وضع براء كوب الشاي بعد أن فرغ منه قائلا:
"عاوزه تطلق منه... طلع مش بتاع عيشة."

أومأ عمران مستوعبًا، ثم تنهد:
"طيب طمني عليك انت، بما إن مفيش حد حياته سالكة هنا. أنا إحبطت يا براء... راعي شعوري
يا أخي."

ابتسم براء بخفوت وهو ينظر لأخيه الذي غاب طويلاً:
"أنا كويس. متجوز هند بنت عمي... معرفش هتفتكرها ولا لأ أساسًا."

هز عمران رأسه نافيًا:
"مش فاكر... ومش عاوز أفتكر مادام من وش عمي."

قهقه براء على طريقته الساخرة وتابع:
"ومتجوز واحدة تانية... أخت صاحب مهاب."

شهق عمران بعدم تصديق:
"انت متجوز اتنين يا براء؟! اتنين؟! يا بختك والله! العبد لله اللي قدامك ده مدخلش واحدة حتى حياته! توحد ربنا!"

رمقه براء بعدم تصديق شديد:
"فوق! انت كنت في أمريكا... عاوز تفهمني إنك كنت ماشي على الطريق المستقيم؟
كنت أاقلها تسأل علينا يا ابن الزيني! إنما انت مشيت وقلت عدولي، ولا اتصال حتى تطمني عليك. وأنا ماكنش في إيدي حاجة. هوصلك إزاي؟
قلت لنفسي خلاص، عمران اتأقلم على حياته هناك ونسي إن ليه إخوات يسأل عليهم."

تنهد عمران، وكأن يحمل الجبال فوق صدره، قبل أن يهمس بصوت واهن:
"أنا تعبت قوي هناك يا براء... كنت لوحدي. عشرين سنة وأنا لوحدي.
كان ممكن أرجع بعد الدراسة، بس وعدت نفسي وعد... إني مش هرجع غير وأنا قوي.
أنا سافرت بالغصب... بس رجعت بمزاجي.
عشت حياة مش عاوزها، بس أجبرت نفسي أتأقلم."

توقف قليلًا، ثم رفع عينيه للسماء:
"فاكر لما كنا صغيرين؟ كنت تقول إني الغيمة... عشان بتعصب على أقل حاجة وتغيم الدنيا كنت انت الظل... بتحمي، وبتحتوي، وكلامك يداوي القلب المجروح. بس هناك... أنا بقيت الغيمة بجد. عملت حاجات كتير قوي... ودلوقتي بسأل نفسي: لو بابا كان موجود، كنت هعيش كل ده؟"

ثم نظر إليه:
"أخوك وقع في الوحل، وجيه مصر عشان يعرف يطلع منه."

ارتجف قلب براء لهذه الجملة. لم تعجبه، كأنه يريد أن يوصل إنه قد أخطأ لكنه تمهّل ثم هتف بحدة:
"اوعي تكون خيبت يا ابن الزيني! ونسيت المبادئ اللي بابا ربانا عليها. هو آه سبنا وإحنا عندنا 14 سنة، لكن إحنا الاتنين بس اللي كنا فاكرين وعارفين تربيته."

صمت عمران، كأنه يريد أن يكون صمته هو الإجابة
نظر إليه براء يحاصره بعينيه:
"عمران... رد عليَّ."

رفع عمران رأسه وبدا وجههما متقابلًا للمرة الأولى بصدقٍ مؤلم، ثم هتف أخيرًا:
"ابن الزيني خاب يا براء... خاب."
1

تجمد براء في مكانه، تنفس بضيق شديد، بينما تابع عمران:
"رجعت عشان الحق اللي باقي مني.
ساعات أقول يا ريتني ما مشيت، وساعات أقول عملت الصح...
لكن في الآخر اكتشفت حاجة واحدة:
إني ما خسرتش بس عشرين سنة... خسرت فوقهم نفسي."

دوّى صوت هاتفه فقطع الصمت، أمسك به، انقلب وجهه للضيق، ثم أجاب:
"حاضر... حاضر... حاضر جاي."

ثم أنهى المكالمة ونهض وهو يهتف:
"انا لازم امشي دلوقتي"

نظر إليه براء بعتاب:
"انت مش هتقعد هنا؟ توقعت كده. معقول تسيب العِز اللي عندك وتقعد هنا في السيدة زينب؟ تبقى حمار طبعًا!"

ابتسم عمران بخفوت:
"أبقى حمار لو مشيت... أنا بس هروح أشوف اللي باقي مني وراجع."

هز براء رأسه نافيًا وهو ينهض:
"مش هترجع يا عمران.
افتكر زمان لما قلت إنك هتسافر؟ قلتلي هرجع
يا براء... ورجعت بعد عشرين سنة. يا ترى المرادي هتقعد عشرين كمان؟"

ثم استرسل حديثه بضيق:
"امشي يا عمران... روح للمكان اللي انت عاوزه.
أو أقولك حاجة أحلى؟ روح للي انت منهم.
مكنش لازم تيجي وتعلّق ماما بيك.
بس هقول إيه؟ دي عادتك.
وحتى اللي منك مسألتش عليهم! والله أعلم حالهم إيه دلوقتي."

توقف لحظة ثم أنهى بجملة تركت أثرًا كالسكين:
"ساعتها هتعرف إنك ما خسرتش نفسك بس... خسرتهم معاك."

تركه ورحل هابطًا الدرج. بقي عمران واقفًا مكانه، يتابع أثر أخيه بعينين مثقلتين حزنًا.
هو لم يأت ليؤذيهم، بل ليطمئن.
لكن فكرة أنه ربما خسرهم أيضًا أخذت تقضم قلبه بلا رحمة.

هبط هو الآخر على عجل، خرج إلى الشارع الرئيسي، ولوّح لتاكسي.
صعد فى المقعد الأمامي وهو يهمس للسائق:
"الشيخ زايد لو سمحت."

أومأ السائق وأدار المحرك.
كانت سيارة تمضي… بينما كلمات براء ما زالت تتردد في أذنه كنقطة ألم لا تهدأ.
.
.
.
ما كان الطريق بين المكانين سوى بعضاً من الوقت،
لكن بين القلوب مسافة عمرٍ كامل.
هناك حيث تعلو المآذن وتضيق الأزقة بالناس،
نتنفس الحياة كما هي: صاخبة، حقيقية، متعبة.
وهنا، في عالم الصمت والحدائق الواسعة،
ينمو كل شيء ببطء…
حتى الشعور بالوحدة.

كبرت المسافات، لكن السؤال باقٍ:
أيهما أغنى؟
من امتلك المال… أم من امتلك الدفء؟
.
.
.
داخل بيت الزيني، جلس براء على الأريكة بعد أن علم أنّ سَكَن دلفت للنوم، وكذلك أميرة، ولم يبقَ في الصالة إلا والدته. هتفت مفيدة وهي تتابع الباب بعينيها:
"فين أخوك؟"

أجاب بوهن:
"مشي."

هتفت بعدم تصديق:
"راح فين؟ هو لحق يقعد؟"

نهض قائلاً:
"معلش يا ستّ الكل، أنا هدخل أنام. أما عمران فهو على راحته، عاوز يفضل... إحنا بابنا مفتوح ليه."

ثم دلف إلى غرفته الخاصة به وبـهند، وكانت الأخيرة قد غفت. جلس على طرف السرير، يشعر بالاختناق مما دار بينه وبين أخيه قبل قليل. كان قاسياً بأسلوبه، إلا أنّ هو نفسه من استفزه. يكفي أنّ عمران لم يكن يسأل عنهم، لكنه أيضاً أهمل أمانة والدهم كثيراً. الله وحده يعلم كيف تسير حياته الآن. لا
يريد لِعمران أن يندم على سنوات غيابه.

نهض، واستبدل ثيابه، ثم خرج من الغرفة. اتجه إلى غرفة إخوته، فرأى حمزة غفا أيضًا، بينما مهاب يجلس على السرير متكئًا للخلف، يعبث بهاتفه. رفع الأخير بصره نحوه:
"محتاج حاجة؟"

هز براء رأسه:
"لا، جيت أطّمن على حمزة."

قال مهاب:
"نام... وعلى فكرة أنا صالحته. أنا اتعصبت عشانه، بس خلاص، هقطع علاقتي تمامًا بأويس. أدهم كان عنده حق."

قال براء وهو يشير إلى الهاتف:
"اقفل موبايلك ونام، يعني نظرك يا حبيبي حافظ عليه... ماسكه في الضلمة كده!"

قهقه مهاب:
"دي متعة مش يعرفها غير اللي بيمسكه زيي كده، وكمان مرغوم عشان مش أقلّق سي حمزة باشا.'

هتف حمزة  الذي لم يكن نائمًا كما ظنّوه:
"حمزة باشا مش عارف ينام من صوتكم... انتوا فاكرين الموضوع نور بيطفي وخلاص؟"

قهقه مهاب عاليًا:
"أهي عنتظته دي اللي هتوديه في داهية!"

تقدم براء داخل الغرفة، وحدّق بمهاب:
"خش جوا شوية، السرير بياخد اتنين."

أفسح مهاب مساحة له وهو يقول:
"ما عندك حمزة."

كاد حمزة يعترض، لكن مهاب سبقه مقلّدًا إياه بسخرية:
"لا لا لا... محدش يلمسني، خليك بعيد."
1

انفجر براء ضاحكًا على طريقته، ليلكزه بخفة:
"ملكش دعوة بأخوك."

زمجر حمزة بضيق:
"بيتريق عليّا يا براء، شوفت؟"

نظر مهاب إليه مازحًا:
"خسارة مصالحتي فيك يا جاحد."

ثم التفت إلى براء متسائلًا:
"الدخيل الجديد راح فين؟ أنا أساسًا لحد دلوقتي مش فاهم وجوده!"

تنهد براء، ونظر إلى حمزة أيضًا وقد بدا عليه الانتباه:
"كويس إنكم صاحيين عشان أقولكم مين عمران. جه الوقت عشان تفهموا كل حاجة. أنا عارف إنكم هتتصدموا، طبيعي، بس أنا وماما مكنّاش بنجيب سيرة الموضوع ده... عشان مكنش عندنا أمل يرجع بعد السنين دي كلها."

أومأ الاثنان معًا، وقد اتسعت أعينهما بترقّب، ينتظران منه أن يتحدث، ويُشبع فضولهما.
..
..
..
..
..
..
..
..
..
..
توقّف التاكسي أمام فيلا راقية تتلألأ أضواؤها في عتمة الليل. ترجل عمران من السيارة بعد أن حاسب السائق، وما كاد يتجه نحو البوّابة حتى استوقفه أحد الحراس وهتف بصوت صارم:
"جاي تبع مين؟"

نظر إليه عمران بدهشة وعدم فهم:
"أنا عمران الزيني... قول لدولت هانم أني جيت."

تبدلت ملامح الحارس على الفور، ومال بجسده نحو الآخر هامسًا له ثم قال بصوت مسموع:
"افتح الباب يا ابني، الهانم موصّية يدخل أول ما يجي."

ضغط الحارس على زر جانبي، فتوسعت البوابة الحديدية الحديثة ببطء لتكشف ممرًا مضاءً بإنارة أرضية ناعمة. دلف عمران إلى الداخل، واضعًا يده داخل معطفه يتلمّس ولو بعضاً من الدفء، فالشتاء قد حلّ عليهم، وشهر ديسمبر قد بدا البرد يزهر به. التفت حوله بدهشة وهو يرى عشرات السيارات الفاخرة مصطفّة في الحديقة الخلفية، بعضها يحمل لوحات أجنبية، وكأن مناسبة ما تُقام هنا، لكن قلبه لم يطمئن.

اقترب من باب الفيلا الرئيسي، وكان مفتوحًا على مصراعيه كأنه يدعو الداخلين بلا حساب. خطا أولى خطواته، وما إن تجاوز العتبة حتى اتّسعت عيناه بصدمة حاد، يحاول استعياب ما يشاهده.

كان المكان يعجّ بالناس، رجال وفتيات، الموسيقى  تملأ الأرجاء، والقهقات العالية تمتزج برائحة الخمور التي تكاد تثقل الهواء. فتيات ترتدي فساتين قصيرة لا تكاد تخفي منه شيئًا، وأخريات بملابس أكثر جرأة، كأن البرد لا يطال أجسادهن. رأى في الزاوية بارًا كبيرًا تتدلى فوقه كؤوس زجاجية، وبعضهم يتبادل الكؤوس بينما آخرون يدخنون سجائر ونرجيلة، ورائحة دخان غريبة لا تشبه السجائر المعتادة.

على طاولة جانبية جلس عدد من الرجال والنساء يلعبون الكوتشينة على المال، تتطاير الأوراق فوق الطاولة ويعلو صوت أحدهم فرحًا بالفوز، بينما يدفع آخر مبلغًا كبيرًا مسحوبًا من رزمة دولارات. لم يكن ذلك لعبًا عاديًا، بل قمارًا صريحًا لا لبس فيه.

كان عمران يقف مشدوهًا، يشعر كأنه دخل عالمًا آخر لا يمتّ لعائلته أو ذكرياته بصلة. لم يتوقع أن يرى المنزل يعجّ بكل هذا الانحلال، وكأن الزمن أعاد تشكيل كل شيء خلفه بينما هو الغائب الوحيد.

قاطع صدمته، إذ همّت سيدة تعانقه وتهتف بسعادة:
"عمران حبيبي! حمدالله على السلامة!"

ثم ابتعدت قليلًا، ورفعت صوتها بعد أن أمرت بوقف الموسيقى، قائلة بصوت مرتفع:
"أحب أعرفكم على عمران، ابني... الحفلة دي كلها معمولة عشانه، ويستاهل أكتر من كده! رجع بعد عشرين سنة غربه!"

ارتفعت الأصوات من حوله، وكل واحد منهم يردد: "حمدالله على السلامة!"

أما هو فما زالت علامات الدهشة تكسو وجهه. أمسك يد والدته وجذبها إلى أقرب غرفة خالية، صفع الباب خلفه، ثم نظر إليها، وعلامات الضيق تملأ ملامحه، وهو يهتف بنفاد صبر:
"فين إخويا؟ ردي عليا! فين أخويا؟ فين الأمانة اللي وافقت أسافر عشانها؟"

دلف رجل آخر يظهر عليه الوقار، كان وجهه خاليًا من أي مشاعر، ثم قال له:
"انت اتجننت؟ بعد كل السنين دي، جاي ترفع صوتك على والدتك؟"

توقف أمامه، يرمقه بعينين متحديتين، ثم هتف:
"أديك قولت، والدتي أنا يعني، ملكش حق تتدخل
يا راشد بيه."

غضب منه، رفع يده كاد أن يصفعه، لكنه بالمقابل أمسك يده، ونظر في عينيه:
"فوق، أنا مش عمران الطفل الصغير عشان ترفع إيدك عليه. أنا واحد الغربة هي اللي ربته."

ثم دفع ذراعه بعيدًا، واسترسل حديثه:
"الغيب مش عليك، العيب على دولت هانم اللي استرخست في اختيارها بعد موت بابا."

ثم رمق والدته:
"فين أخويا؟ ردي عليا، عاوز أشوفه دلوقتي حالًا."

تنهدت بضيق، وأجابت:
"في إيه يا عمران؟ بعد السنين دي كلها جاي تتخانق برضه؟"

وأضافت:
"تلقيك روحت ليهم قبل ما تيجي، صح؟ روحت لمرات أبوك وعيالها، هما اللي قلبوك عليا."

تابعت:
"أنا مش عارفة هما عملوا ليك إيه عشان تحبهم كده.
وعمتًا انا معرفش  أخوك فين تلاقيه مع صحابه؟ استناه لما يرجع تشوفه.
عن إذنك بقى، مينفعش نسيب الضيوف كده."

لتأخذ راشد وتغادر، وتركته هو يتابع أثرها بعدم تصديق.

خرج وهو لا يعرف أين يعثر على أخيه الآن. يريد أن يراه ليملأ عينه منه. اقتربت منه فتاة ترتدي فستانًا قصيرًا، تنظر إليه من أعلى إلى أسفل:
"أوووو، انت عمران صح؟"

نظر إليها بعدم فهم، فتتابع:
"شوفت صورك عند مامي."

ثم هتفت:
"صح؟ هتعرفني إزاي؟ أنا مروة."

علم على الفور. فهو يعرف أن والدته بعد أن تزوجت من راشد أنجبت فتاة اسمتها مروة. نظر إلى ملابسها بعدم رضا، هاتفا:
"هو انتي عندك كام سنة؟"

هتفت:
"18."

أضاف بضيق:
"في واحدة في سنك تلبس كده؟"

قهقت على حديثه:
"فكك دي الموضة! وكمان انت بقالك كتير في أمريكا، لازم تكون كول كده، ما تبقاش قفل."

كادت أن تذهب ليوقفها:
"أخوكي فين؟"

هتفت:
"بلاش أقولك، عشان شكلك مش كول."

لتقهقه مرة أخرى بصخب كادت أن تغادر.

هتف باستغراب وهو يوقفها:
"قولي، هو فين؟"

أجابت ببساطة:
"أوكي، بما إنك حابب تعرف، هو في نادي ليلي.

ثم اعطته اسمه وهى تتابع:
"وهو هناك مع صحابه. روح واسأل أي حد قول ماروا فين، هتلاقي مين يدلك. هو بالنسبة لهم نجم هناك. جود باي، صاحبي جيه."

لتتركه وتغادر، وهو ينظر إلى هذه الأجواء هاتفا:
"شكلي دخلت النار وانا مش واخد بالي."

ليغادر هذا المكان مسرعًا ليستقل أقرب تاكسي، ليدله على هذا النادي الليلي. وحديث براء لا يتركه، قد أوشك على أن ييقن أنه قد خسر وصية والده، قد فشل أن يحافظ على أخ واحد فقط، بينما براء قد حافظ على أخواته الثلاثة. كم هي معادلة الحياة صعبة أن تتفهم إلى أين تقودنا.
.
.
.
أحيانًا يكون الحنين أقسى من الغربة، والوجوه التي نبحث عنها تختبئ خلف صمت الأيام، ونظل نحن نصرخ في الفراغ باحثين عن ما لم يعد لنا.
.
.
.
نظروا إليه بصدمه، كل منهم يحاول استيعاب ما القاه عليهم، هتف مهاب:
"يعني ايه بابا كان متجوز على ماما أنا مش قادر اصدق"

أردف براء مصححا له:
"لا هو اللي اتجوز مامتنا على مامت عمران عشان مكنتش بتخلف، بس أول ما اتجوز والدتنا اكتشف بعدها أنها حامل في نفس الوقت. والدتي كانت حامل فيا وبكده بيني وبين عمران عشر أيام بس، وبعد كده."

صمت دون أن يكمل ليحسه مهاب على التكملة:
"فيه بعد كده كمان؟"

أومأ براء بنعم ليتابع:
"مامت عمران خلقت ولد كمان، وبعدها بابا طلقها وفضل هنا معانا."

أردف حمزة مسرعا:
"يعني لينا اخ كمان غير عمران؟"

تنهد وكأنه قد أزال حملا من عليه بعد أن أخبرهم:
"اه ليكم اخ كمان"
.
ثم نظر الي مهاب:
"هو دلوقتي في سنك تقريبا، عنده ٢٥ سنة بردوا."

نظر مهاب له فهو يحاول ان يتقبل فكرة أنه يوجد اخ الان، مطلوب أن يتقبل أنهم أشقاء من الاب فقط، وأيضا يوجد اخ اخر.
.
.
.
أحيانًا تأتي الحقيقة صادمة، وتجد نفسك مضطرًا لتقبّل روابط لم تعتدها. أخ جديد، دم جديد، وذكريات لم تُخلق بعد… ومع ذلك، يجب أن تجد في قلبك مساحة للقبول، حتى لو كان صعبًا.
.
.
.
كان يقف أمام هذا المكان، يستجمع شجاعته ليدلف إلى الداخل، حيث الموسيقى الصاخبة، والغفلة التي انتشرت بين الجميع في الداخل.

كان تائهاً، يلاحق وجوه كل شاب يقابله بعينين متفحصة، لكنه لم يعلم أي منهم فهو لا يعلم أي شيء عن أخيه، ولم يكلف نفسه بأن يحدثه ولو مرة واحدة.

أوقف أحد الشباب متسائلا:
"لو سمحت، فين ماروا؟"

أشار له الشاب، وهو يحتسي الكأس الذي بيده دفعة واحدة:
"هو دا."

نظر إلى المكان الذي أشار إليه، وتجحظت عيناه بصدمة. كان يجلس شاب على إحدى الكراسي، يضع بعضًا من البودرة البيضاء أمامه على الطاولة، ويلف ورقة من فئة الدولار ويستنشق بها هذا الخط الأبيض المميت.

ارتعد خطوة إلى الخلف، وعلامات الدهشة تكسو وجهه. هل هذا أخيه؟ هل هذا المدمن الذي أمامه هو أخيه؟

هز رأسه رفضًا، محاولًا نفي الفكرة، ونظر إلى الشاب مرة أخرى:
"لا لا، هو اسمه عمار، اسمه عمار."

قهقه الآخر وهو يهتف بلا توازن:
"عمار هو نفسه، شهرته هنا ماروا."

تركه وذهب، أما هو فقد غادر من المكان وهو أشبه بالهارب، وجملة واحدة تتردد على شفتيه:
"خسرت اللي مني يا براء… أنا خسرت اللي مني… خسرته خلاص… خسرته."
.
.
.
ليعلم أنه قد خسر، وقد دفع سنوات الغربة في أعز ما عنده، وقد فشل في الحفاظ على الوصية الوحيدة لوالده. والأدهى أن هذا السم الذي يستنشقه أخيه، هو نفسه الذي كان يتاجر به أثناء سفره.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات