رواية غموض الجبل القاسي الفصل السادس عشر 16 بقلم سمارة
(غدرُ الصحراء)
﷽
ـــــــــــ
تجهز جبل للنزول من السيارة،
وفي تلك اللحظة كان الشابان يقتربان بخطوات مريبة، بينما لمح جبل الشاب الثالث ينزل هو الآخر من سيارتهم ليقف بجوارها،
ليصبحوا ثلاثة أشخاص يحاصرون المكان.
.
التفت جبل لأمينة وبنبرة فيها أمر قاطع وصوت منخفض يملؤه الحزم:
جبل: "اسمعي زين.. أنا هانزل دلوك،
وخدي المفتاح ده في يدك، أول ما أقفل الباب دوسي هنا تقفلي العربية عليكي من جوه..
أوعاكي يا أمينة، أوعاكي تفتحي لأي سبب مهما حصل، ومهما شفتي بعينك ، فاهمة؟"
شعرت أمينة برعب يسري في جسدها من نبرة صوته وكلامه الذي يوحي بالخطر،
فقالت بخوف:
أمينة: "ليه كل ده يمكن يساعدونا"
جبل: "الله أعلم .. المهم نفذي اللي قولتلك عليه، مهما شفتي أو سمعتي ممنوع تفتحي الباب لأي مخلوق،؟"
أمسكت أمينة بذراعه بتوسل وهي ترتجف:
أمينة: "طيب خلاص متنزلش.. خليك هنا جوه والباب مقفول، ولما يوصلوا نشوفهم لول لو هايساعدو ."
لم يرد جبل، بل أغلق زجاج السيارة لنهايته، ثم قال كلمته الأخيرة قبل النزول:
جبل: "أول ما أنزل وأقفل الباب تقفلي وراي قوام، وخبي المفتاح ، متخليهوش في يدك ."
تسارعت ضربات قلب امينه،
ثم فتح جبل الباب ونزل،
وسار باتجاه الشباب بخطوات ثابتة.
وقف معهم قليلاً وبدأ يشير لسيارته ويشرح لهم ما حدث بتمثيل هادئ وكأنه يصف عطل المحرك.
تنهدت أمينة بداخل السيارة وقالت لنفسها: "الحمد لله.. شكلي خوفت نفسي على الفاضي،
لكن في تلك اللحظة،
تبدلت الموازين؛ سار أحدهم بهدوء حتى وقف خلف جبل تماماً،
وفجأة أخرج من طيات ثيابه "مطواة" ووضع نصلها الحاد في جنب جبل مباشرة.
رفع جبل يده قليلاً بعلامة الاستسلام، ثم التفت برأسه للخلف لينظر لأمينة .
في هذه اللحظة،
ارتعش كل قطعة في جسد أمينة،
وظهر الرعب في عينيها لدرجة شلت لسانها عن النطق.
أمسك الشاب بجبل بقوة وهو يضغط بالسلاح في جنبه، وبدأوا يسيرون به باتجاه السيارة،
بينما بدأ الشاب الثالث هو الآخر بالتقدم نحوهم لينهوا حصارهم.
وصلوا للسيارة، فالتف شخصان حولها كأنهما ذئاب تحيط بفريسة،
بينما ظل الثالث خلف جبل يغرز المطواة في جنبه.
.
أحدهم بخبث: "الظاهر وقعنا واقفين الليلة.. الدنيا عمرانة قوي يا بو عمو!"
ظل جبل صامتاً،
يناظرهم واحداً تلو الآخر بعيون تقدح شرراً، ويخطف نظرات سريعة لأمينة التي كانت داخل السيارة ترتجف وتتلفت حولها برعب شديد،
وكأن جدران السيارة أصبحت سجناً يطبق عليها.
تقدم أحدهم نحو نافذتها وطرق على الزجاج بقوة وبصوت مرتفع: "نزلي القزاز!"
التفتت أمينة لجبل بلهفة،
تستنجد به وتنتظر إشارة منه، فأومأ جبل برأسه بحزم: "لأ".
كرر الرجل إشارته بحدة لتنزل الزجاج،
لكن أمينة تسمرت مكانها،
لم تعد تمتلك أي قدرة على التفكير، فقط الرعب والارتعاش ونظرات معلقة بجبل.
همس الذي يمسك بجبل في أذنه بتهديد: "لو باقي على حياتك.. خليها تنزل القزاز."
لم يهتم جبل لوعيده،
وظل ثابتاً كالطود. تقدم الثالث وطرق الزجاج بقوة جعلت أمينة تنتفض خوفاً،
وهنا بدأ الغضب يتملك جبل؛ ليس خوفاً على نفسه، بل من طريقة معاملتهم لأمينة وإخافتها بهذا الشكل.
أشار الشاب بيده على رقبته ثم أشار لجبل،
في تهديد صريح لأمينة: "إن لم تنزلي الزجاج، سأذبحه!"
تلقائياً ومن فرط خوفها على جبل، أنزلت أمينة الزجاج سنتيمترات قليلة فقط لتستمع للصوت بوضوح.
الشاب (بابتسامة سمجة): "زين.. يالا بقى يا حلوة افتحي الباب."
صمتت أمينة ودموعها تسيل بغزارة على وجهها الشاحب،
فصرخ الشاب بغضب: "قولتلك افتحي الباب ودلوك!"
ولما لم تُجب،
سار نحو جبل بغضب وجذبه من ذراعه بقوة وقال له: "خليها تفتح لو عاوزه تروح وياها!"
نظر له جبل ببرود قاتل
وقال: "بس أنا معاوزش أروح."
ارتفع صوت الشاب بالوعيد: "آخر مرة.. ولو مسمعتيش هنقتله!"
نظرت أمينة لجبل برعب،
تخشى أن ينفذوا تهديدهم ويذبحوه أمام عينها،
لكن جبل صرخ فيها بصوت هز أركان المكان: "قولتلك أوعاكي تفتحي لو حصل إيه!"
استشاط الشاب الذي يمسك بجبل غضباً،
فقام بغرز المطواة قليلاً في جنبه.
أغمض جبل عينيه بألم مكتوم،
وجسده انتفض للحظة،
ثم فتح عينيه ونظر لأمينة بجمود وثبات مرعب،
وأشار لها برأسه مرة أخرى: "لا".
التف الثلاثة حول جبل ليخيفوا أمينة ويجبروها على رؤية عذابه،
ومال رأس من كان يمسكه هامساً بذهول: "يا بوي.. كل ديتي صيغة لبساها؟"
رد الآخر بطمع: "أمال مش بقولك الليلة عمرانة؟"
أردف الممسك بجبل وهو يتفحص أمينة بنظرات قذرة: "عمرانة قوي..
البت إيه حتة فرسة عاوزه خيال يا بوي!" ثم همس في أذن جبل بخبث: "متضوقهالنا.. وبلاهـا الدهبات!"
.
.هنا لم يتحرك جبل كبشر عادي،
بل تحرك كبركان ثائر؛
فغيرته على عرضه الذي استُبيح بكلمات الرجل ونظراته الشهوانية تجاه أمينة جعلته ينسى الألم.
في اللحظة التي نطق فيها الشاب كلماته القذرة، انقض عليه جبل كالكاسر.
أمسك جبل باليد التي تحمل المطواة، وقبل أن يتمكن من سحبها،
غرزها الشاب مرة أخرى في جنب جبل،
لكن جبل لم يرمش له جفن ولم يهتم بجرحه،
بل انهال عليه ضرباً مبرحاً بكل ما أوتي من غضب. تدخل الشابان الآخران للدفاع عن صديقهما،
لكن جبل ظل ملتصقاً بمن أهان عرضه كالغراء، يضربه بضراوة أعمته عما حوله.
كانت أمينة تراقب من خلف الزجاج برعب لا يوصف؛ تتساءل في نفسها: "ماذا حدث لجبل؟ ولماذا جن جنونه هكذا؟"
فقد بدا وكأنه يكاد يقتل الشاب بيديه العاريتين. خبطه أحدهم بقوة على رأسه،
فتألم جبل قليلاً،
لكن الضربة لم تطرحه أرضاً لأن يد الشاب كانت فارغة.
وبسرعة البرق، انتفض جبل من فوق الشاب الملقى أرضاً،
وأخرج سلاحه من جيبه بصرامة هزت قلوبهم.
جبل (بصوت يرعد): "يالا يابن الـ**** أنت وهو.. اقفوا جار بعض!"
ارتعب الشابان حين رأوا السلاح في يد جبل،
وعيناه تشتعلان غضباً لدرجة أوحت لهما أنه قد يفرغ الرصاص في صدورهم في أي لحظة.
أما الثالث،
فكان مرمياً أرضاً وقد فقد وعيه والدماء تغطي وجهه من فتك جبل به.
رفع الشابان أيديهما للأعلى بخضوع تام.
جبل (موجهاً كلامه لأحدهم): "معاك جركن ياد؟"
أجاب الشاب بصوت يرتجف: "ايوه يا باشا."
جبل: "قدامي!"
ساروا أمامه تحت فوهة مسدسه. حاول أحدهم أن يميل بجسده نحو الأرض،
فما كان من جبل إلا أن أطلق عياراً نارياً في الهواء صم الآذان،
مما جعلهم يرتعدون رعباً، وكذلك أمينة التي انتفضت داخل السيارة.
جبل: كده هاتزعلني منك واخد علي خاطري،
يالا كمل كيف المره العايقه.
أكملوا السير حتى وصلوا لسيارتهم.
جبل: "يالا.. طلع الجركن واسحب بنزين من عربيتك دلوك!"
نفذ الشاب الأمر بذعر،
وسحب البنزين ووضعه في الجركن.
بينما الاخر يقف بهدوء،
جبل: "حط الجركن على الأرض."
وضعه الرجل، ثم أكمل جبل بسؤال قاطع: "فين مفاتيح عربيتكم؟"
أخرجها أحدهم من جيبه بمرارة،
فأخذها منه جبل وهو لا يزال يصوب سلاحه نحوهم.
أمرهم جبل بصوت لا يقبل النقاش: "اركبو العربية واقفلوا الباب زين!"
أسرع الشابان بالدخول لسيارتهما وهما يرتعدان، وأغلقا الأبواب خلفهما،
فما كان من جبل إلا أن أحكم إغلاق السيارة عليهما من الخارج باستخدام مفاتيحهما التي صادرها، ليضمن عدم ملاحقتهم له،
ثم تركهما محبوسين في عتمة الصحراء.
عاد جبل سريعاً إلى سيارته،
وبيد ثابتة رغم الألم الذي بدأ ينهش جنبه،
أفرغ جركن البنزين في خزان السيارة.
ما إن انتهى حتى اقترب من الباب،
ففتحت أمينة له بسرعة وهي ملهوفة.
ركب جبل خلف المقود، وأدار المحرك الذي زأر معلناً العودة للحياة،
وانطلق بالسيارة يشق طريقه بسرعة جنونية.
لم يلتفت جبل خلفه ولو لمرة واحدة،
بل كان كل تركيزه منصباً على الطريق،
وعيناه تقدحان شرراً.
الغضب كان يتملكه بالكامل،
ليس من فعلتهم،
فقط بل ومن تلك الكلمات القذرة التي لا تزال ترن في أذنه في حق أمينة ونظراتهم التي تُشعل نار غيرته.
كان يضغط على المقود بقوة جعلت عروق يده تبرز، بينما كانت أمينة تجلس بجواره صامتة، بزهول
ــــــــــ
كان قد فات وقت الفجر، وفي بيت "آل الملاح" وصل الصبر إلى نهايته،
وحلّ محله يقينٌ بأن هناك خطراً قد وقع. وقف فاروق بحزم وهو يشدّ على يده، وقال بصوتٍ جهوري:
فاروق: "خلاص كديتي مبدهاش.. مفيش فايدة من القعدة والانتظار،
لازم نطلعوا الصحراوي دلوك ."
تجهز فاروق وملاح ودياب بسرعة البرق،
والوجوم يسيطر على وجوههم.
وقف الحاج بكري عند الباب، والهمّ قد هدّ حيله، وقال بوصيةٍ أخيرة:
الحاج بكري: "أوعاكم تعاودوا من غير خبر يبرد القلب.. ولما تلاقوا أخوكم طمنونا طوالي، مش عوزين حد ينام والدار فيها غايب."
فاروق: "حاضر يا بوي.. ان شاء الله خير ."
ركب الأخوة الثلاثة السيارة وانطلقوا بسرعة الصاروخ نحو الطريق الصحراوي،
وعيونهم تراقب الطريق بتركيزٍ عالٍ.
أما داخل الدار،
فقد دخلت الحاجة صفاء لتؤدي صلاة الفجر، والدموع لا تجف من عينيها، تحرق وجنتيها مع كل سجدة. كانت تعلم في قرار جدارة قلبها (قلب الأم) أن هذا التأخير ليس علامة خير أبداً،
وأن جبل لا يمكن أن يغيب هكذا إلا لمرٍّ شديد. جلست على سجادة صلاتها،
ترفع يدها للسماء بقلبٍ منفطر، تدعو الله بيقين أن يحفظ أبناءها ويرجع لها جبل وأمينة سالمين من غدر الطريق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ