📁 آخر الروايات

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الخامس عشر 15 بقلم ياسمين ابو حسين

رواية تمرد اسيرة القصر الفصل الخامس عشر 15 بقلم ياسمين ابو حسين


الفصل الخامس عشر :

فى اليوم التالى .. عادت غزل لعملها و لحياتها الطبيعية بقوة و ثقة .. و كأنها لم تمر بتجربة مؤلمة سحبت من رصيد برائتها و ثقتها بالجميع قدرا كافيا لتنسحب من ذلك العالم البغيض ....
بعدما إنتهت من مرورها اليومى على المرضى عادت لمكتبها .. فقابلت أحمد الذى يتجنب رؤيتها بعدما علم بزواجها من فارس .. أكمل سيره متجاهلها فأوقفته قائلة بضيق :
- و نعم الصداقة يا دكتور .. بتلفت وشك منى .. فعلا كلكم رجالة زى بعض .. مجتمع عنصرى و ذكورى لأبعد حد .
و تركته و دلفت لمكتبها بحقد زائد .. جلست على مكتبها و هى حانقة على كل شئ .. ضمت رأسها بين راحتيها لتتحكم بألم عاصف برأسها .. ثم أخرجت أقراص مسكنة و تناولت واحدة للتخفيف من هذا الألم .. إنتبهت لوقفته أمامها و هو يحدجها بأسف .. ثم قال معتذرا :
- أنا آسف .. ممكن أدخل أقعد معاكى شوية .
ردت بإقتضاب حازم :
- ﻷ .
فقال مازحا مبتسما بمداعبة و هو يتجه ناحية مكتبها :
- شكرا إنك وافقتى .. قوليلى بقا أخبارك إيه .
إبتسمت بهدوء و هزت رأسها و قالت بمعاتبة:
- بس أنا قولت ﻷ .. و أنا اللى مش عاوزة أشوفك .
جلس أمامها و قال بنبرة صوته الحانية رغم صلابتها :
- طب أهون عليكى .. و الله ما أهون .
إتسعت إبتسامتها و قالت ساخرة :
- على فكرة تهون عادى .. زى ما أنا هونت عليك يا .. يا صديقى .
رد عليها أحمد بنبرة متأثرة و قال بجدية :
- غصب عنى و الله .. لما عرفت إنك إتجوزتى الأستاذ فارس حسيت إنى إتضربت قلم على وشى .. فزعلت منك .. خصوصا إنى .. إنى بحبك قوى .
إحتدت نظراتها نحوه و قالت محذرة بقوة :
- إحنا أصدقاء و بس .. و أنا دلوقتى متجوزة و شايلة إسم راجل محترم .. و مش هسمح بتجاوز بينا تانى .
رد عليها بأسف :
- سامحينى زلة لسان و مش هتتكرر .. و أنا هفضل جنبك لو عوزتينى فى أى وقت هتلاقى أخ مش بس صديق .
تنهدت غزل براحة و قالت بتمنى :
- يا ريت تفكر كده بجد .. I need you .. و مش عايزة أى حاجة تلوث صداقتنا مهما كانت .. done.
ضحك ضحكة عالية و قال موافقا :
- done .
رغم صعوبة ما يشعر به إلا إنه أغلق قلبه على عشقها و قرر مساندتها كأخ و صديق .. فملامحها الذابلة و عيناها المنكسرتين دليل كافى على وهنها .. فإن لم تكن حبيبته فيكفى أنه بجوارها و يهتم بها و لو على حساب ألم قلبه هو .. و إنكساره ...

وقف رامى مستندا على سيارته و هو يتطلع حوله بضيق حتى رآها تقترب منه بإبتسامتها البريئة .. لم ينتظرها بل إستقل سيارته مسرعا بوجه متجهم .. فتحت ليال باب السيارة المجاور له و صعدتها مسرعة و قبلته فى وجنته و قالت بفرحة :
- الإمتحان كان سهل جدا .. عقبال الباقى .
تطلع إليها بغضب و قال بحدة :
- مش فاهم لازمتها إيه يعنى .. ما إنتى مش هتشتغلى يبقى ليه الشهادة دى .. و دخول و خروج .. و نتحجج بالإمتحان و.... .
قاطعته ليال و قالت بضيق :
- أنا مش قصدى أزعلك بس الشهادة دى الحاجة الوحيدة اللى عملتها برغبتى .. و عاوزاك تفهمنى مش كل شوية تزعل و تقعد تسمعنى كلام يضايق .
إنتبه لحزنها بعدما إختفت إبتسامتها و علا وجهها العبوس و الضيق .. فحمل كفها و لثمه برقة و قال بهدوء :
- الشوية اللى بسيبك فيهم تدخلى تمتحنى ببقى عاوز أكسر الجامعة على دماغك .. كل ما أفكر إنه ممكن واحد يبصلك أو يكلمك حتى.
عادت الإبتسامة لوجهها و قالت برقة :
- و الله يا رامى أنا واصلة معايا إنى بقيت أخاف من الناس و برفض الكلام مع أى بنت من زمايلى .
سحب نفسا طويلا و قال بهدوء :
- أحسن .. لأن البنات دلوقتى ألعن من الشباب .. يعنى مافيش واحد عاكسك مثلا و حاول يكلمك و لا بص ناحيتك .
لوت ثغرها و قالت بضيق :
- محصلش .
غمز لها بعينه و قال بغضب مخفى تحت إبتسامة باهتة :
- و الله .. ليه إتعموا فى عنيهم و مش شايفين قد إيه إنتى حلوة .. أكيد يعنى ما عدتش كده .
هزت رأسها بيأس و أجابته بقوة :
- محصلش .. أنا دخلت إمتحنت و خرجت عليك على طول .
أومأ رامى برأسه و قال بهدوء :
- غصب عنى يا عسلية و الله بموت و أنا واقف و مستنيكى كده و مش عارف إيه اللى بيحصل جوة .
إبتسمت بسعادة و هى تتطلع لحبيبها الغيور بحب .. ثم رفعت يدها و داعبت أطراف ذقنه .. و قالت بدلال :
- بموت فى غيرتك دى .
ذاب مع لمساتها و نظراتها الشقية .. لو كانوا بمفردهما الآن لجعلها تندم على رقتها و تماديها معه .. و اللعب بالنار التى إشتعلت بقلبه و حفزته لإلتهامها .. لكنه قرر أن يروى عطشه لها فى عشهما بغض النظر عن أعماله المعطلة و التى تنتظره .. فقاد سيارته مسرعا لأنه لم يعد يمتلك صبرا .

بعد عدة أيام .. جلست غزل بمكتبها تفكر بتعجب لما لم يسأل عنها و لو مرة واحدة منذ عقد قرانهما .. فهل أصبحت لا تعنيه لهذا الحد .. و إن كان صحيحا فلماذا يرفض دائما مبدأ الطلاق ....
لم تعد تحتمل و قررت أن تنهى هذا الأمر بقوة .. يجب أن يعرف أنها ليست ضعيفة ليتحكم بها بهذا الشكل .. فوقفت و توجهت لغرفة مكتبه و عيونها تقدح شرارا .. لم تجد السكرتيرة على مكتبها فتوجهت ناحية الباب بثقة ....
و لم لا فهى زوجته و مباح لها الدخول بأى وقت .. أدارت مقبض الباب و دلفت بحدة .. فشعرت بالخجل و هى تطالع تلك الوجوه المتعجبة من دخولها المفاجئ .. فقالت بأسف :
- sorry أصل السكرتيرة مش بره و أنا دخلت .. يعنى علشان .. كنت ... .
قاطعها فارس قائلا بهدوء و هو يتأملها بشوق :
- ما فيش مشكلة إتفضلى إدخلى يادكتور .
أغلقت الباب و توجهت لمكتبه و تطلعت ناحية هذا الشخص الجالس أمامه و يبدو أنه رجل أعمال كبير من هيئته العملية .. و لكن ما أغضبها حقا تلك الجالسة أمامه بملابسها القصيرة العارية و التى تبدى أكثر مما تخفى ...
لاحظ فارس نظراتها الغاضبة المتحفزة .. فوارى إبتسامته و قال مسرعا :
- أحب أقدملك يا فاروق بيه دكتورة غزل السيوفى .. من أهم دكاترة الباطنة بالمستشفى .
و تطلع ناحيتها بعشق و قال بإبتسامة هادئة :
- و المدام بتاعتى .
شعرت غزل برجفة خفيفة تسرى بأوصالها فور سماعها لكلمة " المدام ".. فذلك الجلمود الثلجى مصر على كونها زوجته ...
وقف فاروق أمامها و قال و هو يتأمل جمالها الطبيعى الساحر :
- ذوقك يجنن يا فارس باشا .. أهلا يا دكتور .
و مد يده ناحيتها .. لاحظت غزل عبوس فارس و ضيقه من نظرات فاروق ناحيتها فقررت اللعب على هذا الوتر و صافحته قائلة ببحتها المثيرة و نظراتها الفيروزية القاتلة :
- hello mr ,nice to meet you .
حدجها فاروق بوله .. فتطلع إليه فارس بغضب و إقترب منها و طوقها بذراعه محاوطا كتفيها بتملك .. و قال بإبتسامة باهتة :
- أصل المدام عاشت فى أميريكا عشرين سنة .
شهقت غزل بداخلها و تطلعت إليه من طرف عيناها و هى تتنفس عطره و تشعر بدفع قوى بظهرها من ضربات قلبه القوية مستمتعة بضمته المتملكة لها ....
تعجبت تلك الجالسة تطالع غزل بحنق و قالت بسخرية :
- أميريكا مرة واحدة .. ولو إنه مش مقتنعة .
إبتسمت غزل بمكر و إلتفتت برأسها ناحيتها ببطء و تطلعت إليها بإزدراء و قالت بسخرية :
- I don't care برأيك يا مدام ... .
تطلعت إليها سما بغضب و هى تتطلع لجمالها و قوتها و تلك الضمة القوية و الحانية بنفس الوقت من ذلك الجذاب و الذى كان هدفها قبل أن تدخل عليهم تلك المتطفلة و قالت بإيجاز واثق :
- إسمى " آنسة " سما درويش .
إبتسمت غزل بسخرية و ردت عليها بهدوء هازئ :
- و لو إنى مش مقتنعة بس هعديها .
وقفت سما مسرعة بعينين مشتعلتين و قالت بتحفز و غضب :
- إنتى قصدك إيه ؟!
إتسعت إبتسامة غزل بإنتصار و قالت ببشاشة :
- Calm down يا أنسة سما أنا بهزر معاكى .
أخفى فارس إبتسامته بصعوبة و هو يوزع نظراته بينهما مطالعا نظرات التحفز من واحدة .. و الغيرة من الأخرى و هى الأهم .. فقال بسرعة منقذا للموقف :
- إحنا هنفضل واقفين إتفضلوا إقعدوا يا جماعة .
و أشار إليهم بيده .. و أجلس غزل على كرسيه و جلس هو على طرف مكتبه .. مما زاد من غرور غزل و هى تطالع هذه الجميلة بتقزز ...
قررت سما أن تغضب غزل و ترد لها الصاع صاعين .. فوقفت و سارت ناحية فارس و غزل تقطب حاجبيها مع كل خطوة أكثر .. وقفت سما أمام فارس بفستانها المثير و قالت برقة :
- بما إننا إتفقنا على كل حاجة .. إحنا بكرة عاملين بارتى علشان عقد الشراكة اللى بينى و بين مستر فاروق .
و لامست رابطة عنقه بإعجاب و تابعت بدلال زائد :
- إيه رأيك تيجى بكرة البارتى .. صدقنى مش هتندم .
لم يغفل فارس عن توددها المقزز إليه .. فحرك مقلتيه قليلا ناحية غزل العابسة بقوة و هو يقسم بداخله أن القادم أسوء ...
لاحظت غزل وقاحتها فقررت أنها لن تخسر هذه الحرب فوقفت و إستندت بظهرها على صدر فارس الذى لم يبخل عليها بالدعم و حاوط خصرها بذراعه .. و قالت بهدوء يخفى عاصفة ترابية ستقتلع تلك الوقحة من أرضها و تقذفها من النافذة :
- هنفكر و نبقى نديكى خبر يا آنسة .
حدجتها سما بضيق .. و عادت مرة أخرى و جلست مكانها و هى تتوعدها .. أما فارس فتمنى لو لم تتحرك سما لتبقى غزل بحضنه للأبد .. عادت غزل و جلست على مقعد مكتبه بتحفز متواصل مدافعة عن حقها .. بزوجها ...

إنتهت جلستهم و ودع فارس فاروق و سما التى تعمدت تقبيله و هى تودعه بفظاظة .. و ما أن خرجوا حتى إنفجرت به غزل قائلة بضيق :
- إنت إزاى تسمحلها تبوسك الحيزبونة دى .
لمح بعينيها بارقة أمل لإظهار حبه .. و لكنه الآن مصمم و بقوة أن يجعلها تعشقه و لو رغما عنها هى و عقلها الغبى المتحجر.. و ذلك بعد أن تورط قلبه و عشقها و إنتهى الأمر .. تطلع إليها ببرود و قال بصوت رخيم فاتر :
- و إنتى متضايقة ليه مش فاهم .
ضحكت ضحكة عالية و وقفت أمامه و قالت بسخرية :
- متخليش عقلك يروح لبعيد و تفتكرها غيرة عليك .. أنا بس إتضايقت لأنى بالإسم مراتك و لازم تحترمنى .
تغاضى عن غضبها و هز رأسه متفهما و قال بحدة مغيرا للحوار كعادته مستمتعا بأشعتها الفيروزية المنطلقة ناحيتة و تلفحه بقوة :
- هتحضرى معايا حفلة بكرة و لا .. أروح لوحدى .
صكت أسنانها بقوة من غضبها فهذا الوقح سيذهب للقاء تلك الحيزبونة مجددا .. و ربما تقبله مجددا .. و ربما تعجبه أيضا .. و ربما يعشقها .. و ربما يتزوجها .. نفضت رأسها بقوة و أجابته بسرعة قاطعة :
- فوت عليا بكرة الساعة 8 أكون جهزت .. سلام .

و توجهت ناحية باب الغرفة بغضب .. و هى تسبهما بسرها و تسب قلبها أيضا .. فبقراراته المتسرعة يضعها بمواقف ضاغطة على أعصابها المتوترة من الأساس .. أوقفها فارس قائلا بتساؤل بديهى :
- إنتى كنتى جاية ليه أصلا .
لم تجبه و أكملت سيرها و خرجت و هى تعمق من سبابها اللاذع .. و ودت لو إلتفتت إليه و سبته بوجهه الوسيم .. لكى تهدأ قليلا ...
ليدخل هو فى نوبة ضحك عالية على حالتها .. و جلس على مقعده و رفع ساقيه على مكتبه بإنتشاء مستنشقا عطرها بشوق .. فهى رغم رقتها تظل قوية و شهية لأبعد حد .
يعشق إستقلالها و إتخاذها لقرارتها سواء صحيحة أم خاطئة .. و الأجمل أنها تتحمل نتيجتها بشجاعة .. و لكنه رغم ذلك يرغب فى أن تحتاجه و تطلب مساعدته و تقوى به و تخرج ما بصدرها من آلام ليتلقفها هو بقلبه كى ترتاح ..
رغم صلابتها إلا إن لحظات ضعفها أمامه كانت من أجمل لحظاتهما سويا .. هشة كفراشة زاهية محلقة و سهل قتلها و تحطيمها بين قبضة الظروف .. و لكنها رغم ذلك ستظل .. غزل .. صغيرته الجميلة ....
تنهد مطولا و قال بجنون عاشق حتى النخاع :
- هانت و هتبقى ليا و ساعتها هحاسبك على كل لحظة بعدتى عنى فيها يا .. يا حبيبة قلبى .

الشئ الوحيد الثابت بهذا الكون .. هو التغيير ...

يبدو كلامى متناقضا و لكن يتغير حالنا و تتقلب أيامنا و ننسى وجعنا و نعيش سعادتنا .. دائما .. و ليست لمرة واحدة .. ننسى و نبدأ .. نتألم و نصفح .. نغضب و نغفر .. تغيير فى تغيير .. إذا فالثابت الوحيد بأيامنا هو التغيير ....
فجأة يلين قلبنا و ينسى آلامه و جروحه و يبدأ من الصفر .. و البداية دائما بحب جديد .. و قصدى هنا الحب المطلق و ليس الحب المشروط .. فالقلب العامر بالحب لا ييأس و لا يفقد إيمانه بالحياة ....

لملمت شعراتها أمام مرآتها و هى تتذكر صدفتهما الأولى و قوته وقتها و رجولته الطاغية .. فعلق بعقلها و تمنت رؤيته مجددا .. و لم تكن تعلم ان تتحقق أمنيتها .. و لأول مرة بحياتها .. و يصبح هو حياتها القادمة كلها ...
كانت حياتها قبله صحراء جرداء بلا ماء و لا حياة فأتى هو و دلف لحياتها كواحة واسعة .. بعينيه سمائها .. بصوته رياحها .. بأنفاسه زرعها .. بلمساته مائها .. تحتويها كلها بداخل صدره الرحب الدافئ و الهادئ .. رغم صخب دقات قلبه فور رؤيتها ...
أعلنها قلبها صراحة .. عشقته .. نعم عشقته و تذوب بأدق تفاصيله و تمتلكها أيضا .. ربما تضايقت بتمادى تلك الشمطاء معه و لكنه كان بمثابة جرس إنذار من قلبها أنه لن يتنازل عن حقه به و لن يسمح لغيره بجذب أنظاره و مخيلته .. و سيفعل المستحيل لينال جائزته بالنهاية ....

إطمأنت على هندامها و خرجت من غرفتها أكثر إشراقا .. متحمسة و بشدة تتحرك بنعومة و أعدت كل شئ لإستقبال هديته الغالية و التى تماثل غلاوته و أكتر ...
تطلعت غزل بساعة الحائط و هى تنتظر حضور مهاب بعد صلاة الجمعة لتمضية اليوم معها .. وقفت مع دنيا بالمطبخ تعد له موس الشوكولاته الذى يحبه .. لاحظت دنيا إبتسامتها المشرقة فسألتها بخبث :
- الفرحة دى سببها مهاب و لا الخروجة بتاعت أبو مهاب .
وخزتها غزل فى ذراعها و قالت بغضب و هى تلوح لها بالسكين أمام وجهها :
- لسانك طول يا آنسة دنيا و شكلى هقصهولك .
ضحكت دنيا و تمسكت بيدها و قالت بمرح :
- حاسبى السلاح يطول .. بس بتحبيه .. و الله بتحبيه صح .. إعترفى .
ردت غزل بإبتسامة عاشقة صافية شاردة به :
- بموووت فيه .. من أول ما شوفته و أنا حبيته على طول و بقى أغلى حاجة فى دنيتى كلها .
تنهدت دنيا مطولا و قالت بسخرية و هى تسحب السكين من يدها بحرص :
- ماشية معاك يا عم فارس .
قضمت غزل من تفاحة بيدها الأخرى و قالت بإستنكار غاضب :
- أنا بتكلم عن مهاب على فكرة .
غمزت لها دنيا بعينها و قالت بخبث لئيم :
- عليا أنا برضه .. إطلعى من دول .
رفعت غزل حاجبها بتعجب و سألتها ببلاهة :
_ هما مين دول اللى أطلع منهم .
ضحكت دنيا ضحكة عالية و قالت بمزاح :
_ أهه كده بقيتى خوجاية .. يا بنتى قصدى إنتى هتضحكى عليا .. ما أنا فهماكى و كويس قوى .
رفعت غزل حاجبها بحدة و عقدت ذراعيها و تسائلت بقوة :
- قصدك إيه يا فيلسوفة عصرك و زمانك .
سحبت دنيا مقعد طاولة المطبخ و جلست عليه و تابعت تقطيع صدور الدجاج و قالت ببديهية :
- بصراحة بقا واضح جدا إنك بدأتى تصدقى إنك بتحبيه و جوازك منه مش علشان الناس و كلامهم .
لاكت غزل قطعة التفاح التى بفمها و إبتلعتها و سحبت مقعدا و جلست بجوارها و قالت بإبتسامة ساخرة :
- و إيه كمان يا دكتور .. واضح كده إن روايات ميناس مسحت دماغك .
ضحكت دنيا بخفوت و أجابتها بتعقل رزين :
- بصى يا بنتى .
رفعت غزل السكين مجددا و حذرتها بهزل :
_ بنتك مش كده ؟!
سحبت دنيا السكين منها مجددا و قالت بهدوء :
_ إستنى بس قبل ما أنسى الجملتين اللى فى دماغى .. لازم تعرفى إنك بتحبيه و هو بيموت فى التراب اللى بتمشى عليه و بيتمنى اليوم اللى هتعترفى فيه بإنك موافقة جوازكم يبقى بجد و تلعبوا عريس و عروسة و كده .
إستندت غزل بوجنتها على يدها و تسائلت بإهتمام :
- و ده بقا تفسيرك و لا معلومة .
حركت دنيا حاجبيها بعبث و قالت بمكر :
- معلومة طبعا .. أصل أنا وقعت خالتى زينب فى الكلام و حكتلى قد إيه كان بيحبك من و إنتى صغيرة و عاش بيكى عمره لغاية ما رجعتى و بقيتى خلاص بتاعته .. و الواحد مش أعمى برضه و بيشوف بصاته ليكى .
دارت غزل إبتسامتها بعدما رقص قلبها فرحا .. فذلك الجلمود لم يكن جلمودا و لكنه يبقى ثلجى .. شردت قليلا و هى تتذكر ضمته الدافئة و تخيلت أيامهما القادمة سويا .. فقط لو ينطق و يعترف بحبه ...
إنتبهوا لطرقات على الباب .. فإبتسمت غزل و قالت بفرحة :
- مهاب جه .. هروح أفتحله .
و ركضت نحو باب الشقة و فتحته مسرعة .. حتى إتسعت عيناها و هى ترى فارس أمامها ..!!
تطلع فارس لهيأتها بحدة .. و هو يتأمل قميصها المنزلى الأبيض بكتاباته الحمراء و الذى يصل لفوق ركبتيها المغرية .. بدون أكمام و ضيق بعض الشئ .. فأظهر بياضها و نقاء بشرتها الصافية .. و شعراتها السوداء الناعمة منسدلة على ظهرها ...
شهقت فور رؤيته و ركضت لغرفتها بخجل ...
جذبه مهاب من يده و دلف به للداخل و قال ببساطة :
- إدخل يا عوو يالا .
ثم صاح بنبرة عالية :
- يا دودو إنتى فين بابا معايا .
خرجت دنيا و هى فاتحة ذراعيها لمهاب الذى ركض و إرتمى بحضنها و قال بسعادة :
- دودو حبيبتى .. وحشتينى قوى .
ثم إبتعد عنها قليلا و ضيق عينيه و قال بتوجس :
- عملتيلى البانيه اللى بحبه منك .
أدت التحية العسكرية و قالت بجدية :
- أيوة .. بس مش عارفة أخلصه و كنت بستنى حضرتك علشان تساعدنى يالا علشان نغير هدومك دى .
ثم وقفت و رحبت بفارس قائلة بود :
- أهلا و سهلا يا أستاذ فارس .
أجابها فارس بإبتسامة هادئة :
- أهلا بيكى .. أخبارك إيه .
هزت رأسها و قالت و هى تبحث حولها :
- كويسة الحمد لله .. هى غزل فين .
زم مهاب شفتيه و قال بتلقائية :
- دخلت أوضتها أصلها فتحت الباب برضه بهدوم البيت و أنا قولتلها مش تفتح الباب و هى كده بس مش بتسمع الكلام .
إشتعل غضب فارس أكثر .. إذا فهى ليست المرة الأولى التى تخطئ بها هذا الخطأ الفادح ..
زفر بغضب و قال بحدة :
- يا ريت يا دنيا تدى غزل خبر إنى بستناها .
و دلف لغرفة الصالون و هو فى قمة غضبه .. إنتظرها على نار حتى رأها تقترب منه بخجل و هى ترتدى إسدال الصلاة .. و دلفت قائلة بضيق :
- إتأخرت عليك .. كنت فكراك هتسيب مهاب و هتمشى .
تغاضى عن وقاحة كلماتها و إقترب منها إقتراب خطير و قال محذرا :
- لو فتحتى الباب بلبس البيت تانى مش هيحصلك كويس مفهوم .
لم تكن تسمعه على أية حال .. فعطره الرجولى القوى إحتل مساحة كبيرة من ذهنها .. ناهيك عن وجوده المهيمن عليها كليا .. إبتلعت ريقها بصعوبة و تمالكت أعصابها و قالت برقة جديدة عليها :
- آسفة .. مش هعمل كده تانى .
لم يتوقع هذا الرد على الإطلاق .. كان يتخيل أنه ستهب عاصفة عند و تكبر سترج أنحاء المنزل و لكنها ببساطة.. إعتذرت .. و أبدت ندمها .. تطلع داخل عينيها يتأملهما بحب .. متعمقا بجمالهما النادر ..
لاحظت نظراته الثاقبة لقلبها فقالت بتوتر مخفى :
- إتفضل إقعد .
تابع حديثه و هو ما زال واقفا لأنه إستشعر تأثير قربه عليها مهما أخفت .. فسألها بجرأة :
- إشمعنا أنا دوناً عن خلق الله اللى إتحجبتى قدامه .
رفعت حاجبها بإستنكار و قالت بضيق :
- قصدك إيه مش فاهمة .
أجابها بصوت أجوف خافت :
- يعنى بتلبسى و إنتى خارجة ضيق و قصير و دلوقتى قدام جوزك لابسة إسدال .. مش غريبة .
إنزعجت من كلماته المستفزة و قالت بحدة :
- أنا حرة على فكرة .. و جو جوزى و مراتك دول مش واكل معانا الصراحة .
ضحك فارس ضحكة عالية يستخف من كلماتها .. و قال بهدوء :
- إنتى مراتى غصب عنك .. و مش هيبقى بالكلام بس .
بللت شفتيها بلسانها و طالعته بقوة و سألته بجرأة :
- أمال هيبقى بإيه ؟!
مال ناحيتها و همس أمام وجهها ببطء شديييييد :
- ب ليلة .. واحدة .. تجمعنا .
عملت مضخة قلبها بسرعة كبيرة فجعلت رئتيها تتنفس بسرعة أكبر و تدفقت الدماء بأوردتها و ضخته بوجنتيها اللاتى توردن بقوة .. و إبتعدت عنه مسرعة و إبتلعت ريقها بتوتر و طالعته بغضب و كانت ستنهال عليه بردودها القوية و لكنه لم يمهلها الوقت و قال و هو ينصرف :
- على الساعة 8 بالليل تكونى جهزتى .. تمام .
توقف قليلا و إستدار ناحيتها و قال بإبتسامة مشاغبة :
- ماتتأخريش عليا .. يالا سلام .
و خرج و أغلق ورائه باب الشقة .. ثم ضحك ضحكة عالية و هو يلتفت برأسه ناحية باب شقتها بعدما قذفته بشئ من شدة غضبها .. وقف قليلا يتخيل هيأتها الغاضبة ثم إرتدى نظارته الشمسية و ترجل الدرج بإنتشاء و هو يصفر بسعادة ....

إختفى قلقه و توجسه من الحب عموما .. فبعشقه إليها زاد قوةً و لم يضعف كما تخيل .. ربما يضعف أمامها هى فجمال كجمالها يُسقط أعتى الرجال تحت أمرها .. و طوع يديها .. ربما تحتاج لبعض الترويض و التغيير .. أو لا فلتبقى كما هى بعنفوانها و إندفاعها و قوتها .. ممنيا نفسه ب ليلة واحدة من ذلك العنفوان ...
إبتسم بخفوت متخيلا ليلتهم الأولى سويا .. و كأنه لم يسبق له الزواج ...
وخزته زينب بذراعه و قالت بقلق :
- مالك يا إبنى .. بقالى ساعة بكلمك .
حرك رأسه ناحيتها و أجابها بهدوء :
- بتقولى حاجة يا أما.
مصمصت زينب شفتيها و قالت بضيق :
- لا و الله لسه فاكر إنى بكلمك .. قوم السفرة جاهزة .
أومأ فارس برأسه و تبعها و جلس على طاولة الطعام مع والده فسألته زينب بضيق :
- هتفضل لغاية إمتى إنت فى مكان و مراتك فى مكان يا إبنى .
قطب حاجبيه وسألها بعدم فهم :
- قصدك إيه ؟!
تركت صينية الدجاج من يدها و قالت بقوة و حزم :
- يعنى تعلن جوازكم و تاخدها القصر و تعيشوا مع بعض .. هى دى محتاجة فكاكة .
أجابها صبرى بقوة و هو يأكل طعامه بهدوء :
- سبيه براحته يا زينب هما مش صغيرين و عارفين مصلحتهم فين .
ضاقت نظرات زينب و هى تتطلع لبرود زوجها و لامبالاته و قالت بضجر :
- ﻷ هما مش عارفين مصلحتهم .. و لازم يتجوزوا بقا .
وضع صبرى ملعقته بجانب صحنه و قال ببديهية :
- طب ما هما متجوزين .. مش ده اللى كنتى هتموتى عليه .. و أهه حصل عاوزة إيه تانى .
زفرت بغضب و قالت بإصرار :
- عوزاهم يبقوا مع بعض و أطمن على إبنى و عليها كمان .
أجابها فارس بإبتسامة ماكرة :
- أنا ناوى على كده فعلا .. ما تقلقيش يا ست الكل .. بس كله بوقته .
إبتلعت ريقها و تلألأت العبرات فى مقلتيها بفرحة و قالت :
- أخيرا هفرح بيك يا إبنى .. أنا عارفة إنى ظلمتك قبل كده بجوازتك من بنت أختى .. بس كان نفسى أشيل عيالك قبل ما أموت .
حمل كفها و قبله و قال بضيق :
- بعد الشر عنك يا حبيبة قلبى .. أديكى شيلتى مهاب و ربيتيه و لسه إن شاء الله هجيبلك دستة عيال .. و رامى كمان .. و البت عاليا .. لغاية ما تقولى كفاية عيال خلاص تعبت .
إبتسمت بخفوت و كففت دموعها و قالت بتمنى :
- يا رب يا حبيبى .. بس خلى بالك من غزل و إوعى تسيبها يا فارس لهتندم و الله .
رد عليها مطمئنا :
- مش هسيبها إن شاء الله .. دى بقت مراتى خلاص .
فقال له صبرى و هو يخفى ضحكته :
- و لو إنى مش مصدق إنك طبيت أخيرا .. بس البت تستاهل الصراحة .
زفر فارس بيأس و قال بغضب :
- حتى إنت يا حاج .. هو أنا شفاف يا جدعان و لا إيه .. الحل الوحيد أنقبها بقا .
ضحك ثلاثتهم براحة بعدما إطمأن الوالدان على إبنهما البكرى مع زوجة يحبها و هما متأكدين من حبها له هى الأخرى .

جلست ميناس و ليال بالحديقة بعد تناولهم لوجبة الغداء .. لاحظت ميناس تجهم وجه ليال فسألتها بقلق :
- مالك يا لولو .. بقالك كام يوم مش طبيعية .. و أكلتك بقت قليلة قوى .
أجابتها ليال و هى تتحسس بطنها بألم :
- شكلى خدت برد فى معدتى .. مش مرتاحة رغم إنى واخدة بالى من نفسى و مش بنام فى التكييف عالى .
فسألتها ميناس بقلق :
- أكلم غزل تيجى تطمن عليكى .
تمددت ليال على مقعدها المدداد و قالت بقوة :
- ﻷ .. سبيها هى النهاردة خارجة مع فارس .. إدعيلها ربنا يهديها خليهم يتجوزوا وتيجى تعيش معانا هنا بقا .
ضحكت ميناس و قالت ساخرة :
- هنبقى عاملين زى العدوان الثلاثى بس على القصر .
ضحكت ليال و قالت و هى تتذوق الإسم مسبلة عيناها :
- العدوان الثلاثى على القصر .. ده ينفع إسم مسلسل و الله .
إبتسمت ميناس بخفوت و سألتها بقلق :
- لولو حساكى مش مبسوطة بقالك كام يوم .. فى حاجة بينك و بين رامى .
أومأت ليال برأسها مؤكدة و قالت بضيق :
- أيوة .. من أول ما بدأت الإمتحانات و هو متعصب طول الوقت .. لو شافنى بذاكر كأنه شاف عفريت .. مع إنى مش مقصرة معاه فى أى حاجة .
هزت ميناس رأسها بعدما تأكد حدسها و قالت بشرود :
- كنت حاسة .. بس قولت لو فى حاجة إنتى هتحكيلى .
أشاحت ليال بيدها و قالت بضيق :
- أقولك على إيه .. ده أنا بخرج من الإمتحان و بدعى ربنا دايما إنه يعديها على خير .. و ألاقيه مكشر و مضايق و يقعد يفتحلى محضر مين اللى كلمك و شافك و عاكسك .. لما زهقت .
ثم أنزلت ساقيها عن المقعد و إعتدلت فى جلستها و واجهت ميناس و تابعت بضجر :
- و لما ألبس حاجة يقعد يفصصنى و يخلينى ألبس بالخمس مرات علشان يقتنع باللى لبساه بعد ما أتأخر .. مش عارفه أعمل معاه إيه يا مينو .
ربتت ميناس على ذراعها و قالت بتعقل :
- معلش يا حبيبتى إستحملى بس الفترة دى و هى هتعدى و تخلصوا .
أومأت ليال برأسها و قالت بشرود :
- غزل كان معاها حق .. خليته يتحكم فيا لدرجة الخنقة .
لاحت إبتسامة خافتة على شفتيها و قالت بتنهيدة طويلة :
- بس برضه بموت فيه و بحبه كل يوم أكتر من اللى قبله .
إبتسمت ميناس إبتسامة متسعة و قالت بمداعبة :
- لو غزل قاعدة معانا دلوقتى مش بعيد كانت حدفتك فى البسين .
تطلعت ليال بميناس و إنفجرتا ضاحكتين .. لاحظوا إقتراب رامى منهما.. فإلتفتت إليه ليال و قالت :
- خلصتوا لعب بلاى إستيشن .
إنحنى نحوها و قبلها فى جبهتها و قال بزهو :
- قطعته .. عامل نفسه بطل العالم بس على مين .
أجابه حمزة من ورائه بضيق :
- عادى يعنى .. ما أنا المرة اللى فاتت علمت عليك .
أشاح له رامى بيده و قال بإستخفاف :
_ يا عم صلى .. ده أنا ما كونتش فى المود بس .
و إنحنى مجددا و قبل مقدمة رأسها مجددا .. فضحكت ليال و قالت بسخرية :
- اللى يشوف طولكم و عرضكم و عضلاتكم دى .. مايصدقش كلام الأطفال بتاعكم ده .
مال عليها رامى و جلس على ظهر مقعدها المداد و قال لها متوعدا بهمس مثير :
- بقا كده .. إحنا أطفال مكسوفة تقولى عيال يعنى .
و داعب أذنها بأنفاسه و قال بتهيدة ساخنة :
_ طب تعالى بقا أوريكى لعب العيال على حق ربنا .
و جذبها من ذراعها ورائه .. إبتسمت ميناس بخجل بعدما فطنت لما يريده رامى .. ثم أغمضت عيناها و تنفست مطولا كأنها تمنى نفسها بيوم واحد مما تعيشه ليال مع رامى .. أخرجها من شرودها صوت حمزة الغاضب هادرا بها بعصبية :
- قومى إدخلى جوة يالا .
فتحت عيناها بذعر و وقفت مسرعة و دلفت للداخل بخطوات سريعة .. تتبعتها عينيه بشوق و هو يعلم جيدا ما تفكر به و ما تتمناه .. و لكن ليس بيده أن يحرمها من حقوقها .

فى المساء ... خرجت غزل من غرفتها بعدما تأكدت أنها تأخرت على فارس و جعلته ينتظرها بسيارته طويلا .. مبتسمة بمكر و قالت بداخلها .. فلتنتظر أيها البارد فأنا سأذيب جليدك و لو بأى ثمن ...
كانت دنيا تتابع التلفاز و تأكل من طبق الفيشار أمامها .. إلتفتت برأسها ناحية غزل و عادت بعيناها مجددا لمطالعة التلفاز .. ثم عادت بعيناها مسرعة لغزل من صدمتها و وضعت طبق الفيشار من يدها على الطاولة و وقفت و سارت نحوها و هى تطالعها بتعجب .. دارت حولها دورة كاملة و قالت بإندهاش قلق :
- إيه اللى إنتى عملاه فى نفسك ده ؟!!!
تطلعت غزل بهيأتها و قالت ببساطة :
- مالى ما أنا حلوة أهه .
حكت دنيا فروة رأسها بأناملها و قالت بتعجب :
- أنا ما قولتش إنك وحشة .. بس إنتى راحة حفلة تنكرية مثلا ؟!!!
لوت غزل ثغرها بإستخفاف و حملت حقيبة يدها الصغيرة و تأكدت من محتوياتها و قالت ببساطة :
- تنكرية إيه يا جاهلة .. ما أنا لابسة عادى أهه .
مطت دنيا شفتيها بعدم إقتناع و قالت بهدوء :
- و لما هو عادى ليه مالبستيهوش قبل كده .. إشمعنا النهاردة يعنى .
أغلقت غزل حقيبتها و قالت بهدوء و هى تنصرف :
- مالكيش دعوة ... مش هتأخر عليكى إن شاء الله .. إوعى تنامى غير لما أرجع .
هزت دنيا كتفيها بتسليم و قالت :
- حاضر .. خلى بالك من نفسك .
و عادت لمطالعة التلفاز مجددا بإبتسامة متسعة و هى تتخيل ردة فعل فارس عندما يراها .. حملت طبق الفيشار و تابعت أكلها بهدوء ....

إنتظر فارس بسيارته مطولا حتى بدأ الغضب يتملك منه .. و يطالع ساعة معصمه كل دقيقتين .. شعر بخروجها من باب المنزل .. فإلتفت نحوها ليدخل فى نوبة ضحك مكتومة من هيأتها .. لايحتاج الأمر قدر عالى من الذكاء حتى يفطن أنها تتعمد فعل ما يغضبه ..حسنا .. سنرى حبيبتى ....
إستقلت غزل السيارة و جلست بجواره و قالت بجدية :
- يالا إتوكل على الله .
لم يستطع كتم ضحكاته أكثر و قال بسخرية و هو يتأمل هيأتها .. الغريبة و الرائعة بنفس الوقت :
- إحنا رايحين حفلة على فكرة .
ردت بإستخفاف و ملامح وجه باردة :
- إيه المشكلة يعنى مش فاهمة .
حرك فارس سبابته صعودا وهبوطا عليها و قال بتهكم :
- قصدى لبسك ده .. إنتى رايحة بدل الميكانيكى تصلحيلهم العربية .
مدت ذراعيها و هى تطالع نفسها للمرة الثالثة ربما .. بقميصها الأبيض ذو الفصوص اللامعة الصغيرة على ياقته و على أطراف كمه القصير .. و سروالها الجينزى ذو الحمالات كالذى يرتدوه العمال ببنطاله القصير قليلا أيضا و إرتدت فى كاحلها خلخالا ناعما يجذب أنظار أى أعمى إليه و إلى تلأﻷ بياض بشرتها .. و حذائها الرياضى الأبيض .. و قد تخلت عن حجابها اليوم رغم أنها ترتديه بطريقة خاطئة عموما و إرتدت قبعة أخفت تحتها شعراتها .. و لم تضع مكياجا سوى كحل للعين و ملمع شفاه .. خلاصة القول كانت بديعة .. و لكن ليس يومه ..
ضحكت غزل بسخرية و قالت بحدة بعد تهكمه عليها :
- خفة .. بقولك إيه إنطلق بالعربية دى لو سمحت .
ساد الصمت لدقيقة و هو يتأملها بمكر و قد قرر أن يشاركها لعبتها و جنونها .. ثم إقترح عليها فارس بعد لحظات من التفكير الصامت :
- تصدقى عندك حق .. و العفريتة السودا اللى إنتى لبساها دى شجعتنى أتهور أنا كمان .
تطلعت إليه ببلاهة و رأته يخلع سترته و رابطة عنقه و فتح أزرار قميصه العليا و ثنى كمى قميصه للأعلى قليلا و مشط شعراته بأنامله بمرآة السيارة لتبدو غوغائية بعض الشئ .. و إلتفت إليها قائلا بإبتسامة واثقة من جماله المهلك :
- هاه إيه رأيك .
تطلعت لوسامته الآخذة بقميصه الضيق و الذى أبرز عضلاته أكثر .. و التى كانت تخفيهم تلك السترة الغالية .. إبتلعت ريقها بتوتر و قالت ببرود و هى تشيح ببصرها عنه حتى لا يرى كذبها بعيناها :
- عادى يعنى .
إبتسم بمكر و قاد سيارته و هو فى قمة سعادته .. فى الطريق باغتته بسؤال يحيرها :
- إنت ليه بتلبس بدل فى المستشفى .. و فى الحارة بتلبس كاجوال .. بحسك متناقض .. شخصيتين فى شخص واحد .
رد عليها و هو يتطلع للطريق أمامه :
- فى المستشفى لازم ألبس بدل و لازم تكون سنيهات و ماركات .. لأنى بقابل ناس مهمة و أهم حاجة عندهم المظهر .. و فى المصنع برضه بلبس كده .
إلتفت بجسدها ناحيته و قالت بعدم فهم :
- طب و الحارة .
إلتفت برأسه ناحيتها و قال بقوة :
- لأ الحارة دى أصلى و ماينفعش ألبس فيها البدل و الجو ده .. مش عاوز الناس تحس إنى أعلى منهم .. و إنى مش زيهم و كبيرهم .. فالازم ألبس زى ما هما تقريبا بيلبسوا .
فقالت له غزل ساخرة :
- يا سلام .. طب ما إنت بتنزل بالبدل دى من بيتكم قدامهم .
رد عليها بقلق من جملته القادمة :
- لأ .. أنا بروح أغير هدومى فى شقة خاصة بيا .
سمع شهقة طويلة تلاها ضحكة طويلة ساخرة و صوتها الغاضب يقول بنبرة محتدة :
- نعم يا أخويا .. شقة خاصة .
تطلع ناحيتها بتعجب و هى تضع يديها فى خصرها بطريقة محتدة ..و تهز عنقها بحزم .. فسألها و هو متعجبا من حركاتها :
- إنتى بتقعدى مع مهجة كتير و لا إيه .
أنزلت ذراعيها بجوارها و ردت بغضب يكاد يلتهمه :
- ما تغيرش الموضوع لو سمحت .. بتقابل مين فى الشقة دى إن شاء الله .
رد عليها ببرود بعدما لاحظ غيرتها :
- و إنتى مالك .
واصلت صياحها به و قالت بقوة :
- و أنا مالى إزاى يعنى .. إنت ناسى إنى إسمى مراتك و لا إيه .
رد عليها فارس بثقة :
- لأ مش ناسى بالعكس دى أكتر حاجة بفكر فيها .. إنك مراتى .
زاد حنقها منه و قالت بضيق :
- لا و الله .
غمز لها بعينه و قال بصدق إخترق قلبها مباشرة :
- آه و الله .
إبتلعت ريقها بتوتر من حركاته الجريئة و الجديدة عليها و قالت متصنعة القوة كعادتها :
- و الشقة دى بقا بتقابل فيها حد و لا للبس و بس .
تطلع أمامه بالطريق و قال بهدوء :
- طبعا بقابل فيها ناس و أوقات بحب أقعد مع نفسى و ببات فيها أحيانا .
بدأت فى قضم أظافرها و قالت له كاظمة غضبها :
- و الناس اللى بتقابلهم فيها دول من عينة الآنسة سما كده .
قطب حاجبيه و أجابها بجدية :
- ﻷ طبعا .. صحيح كان ليا صداقات كتيرة ببنات بس عمرى ما إتعديت حدودى .. أنا بصلى و عارف ربنا كويس .. و عمرى ما هعمل حاجة تغضبه .
أنهت قضم ظافرها و بدأت فى قرقضة إصبعها من شدة غضبها .. فهذا المتعجرف إعترف لها بمنتهى البساطة أنه له علاقات نسائية سابقة كثيرة .. تأوهت عندما إنتبهت لتماديها مع إصبعها .. فقبلته بنعومة و عادت بعينيها لفارس و قالت له ببرود :
- واضح فعلا إنك بتخاف ربنا .. بأمارة البوسة بتاعت الآنسة إياها .. و قدامى .
إبتسم بخفوت و قال ببراءة :
- أنا ماليش ذنب و إنتى عارفة .. هى اللى باستنى و أنا إتفاجأت .. بس .
عضت على شفتيها بقوة و هى تحتجز الوحش بداخلها لأنها لو أطلقته لمزق وجه ذلك المغرور و غير خريطة معالمه البغيضة تلك .. ثم إنفجرت قائلة بسخرية :
- و هى أى واحدة تقابلها بتبوسك كده عادى .. و إنت ملاك بتسيب نفسك ليهم و تقول فى الآخر هى اللى باستنى .. صعبت عليا الصراحة .
سبل عينيه و إلتفت إليها قائلا ببراءة لإغاظتها أكتر :
- مش كده و النبى .. هعمل إيه بقا .. برضه أنا مش سهل و أمور و كده .
ضحكت ضحكة عالية و تابعت سخريتها و هى تطالعه بشفقة :
- يا حبيبى .. الدمعة هتفر من عنيا و الله .
و فجأة ضغط مكابح السيارة فوقفت و إصطدمت رأس غزل بالسيارة فتأوهت بشدة و قالت بغضب :
- are you crazy .. آآه يا راسى .
قبض على ذراعها بالقوة و جذبها ناحيته و قال و هو يطالعها بقوة و تحفز :
- إنتى قولتى يا إيه ؟!
مسدت جبهتها بألم و عادت للوراء بعض كلمات حتى جحظت عيناها و هى تتذكر أنها قالت له يا "حبيبى" بمنتهى الغباء .. فقالت بتلعثم :
- أنا .. أأنا ما قولتش .
قربها منه أكثر و قال بتحدى قاطع :
- أحسنلك تقولى قولتى إيه لهعلقك من الشعراية اللى خارجة من طاقيتك دى .
دست شعراتها المتمردة مثلها فى قبعتها و قالت بحدة :
- قولت يا حبيبى و على فكرة كنت بتريق .
إبتسمت عيناه ببشاشة لم تعدها منه و قال بهمس خافت :
- حتى لو .. طالعة منك زى الغزل .
أخفت إبتسامتها بعدما لاحظت نظراته الجريئة والمتفحصة لها .. فأشاحت بوجهها عنه وتطلعت للطريق بخجل ..
قاد السيارة مجددا بملامح هادئة و تبدو سعيدة حتى وصلوا أخيرا لفيلا فى منطقة راقية .. ترجلا من السيارة فإحتضن راحتها الصغيرة بين كفه الكبير .. فزادت دقات قلبها و هى تقبض أناملها على كفه براحة ...
دلفا معا لداخل تلك الفيلا الرائعة .. فإستقبلهم فاروق مرحبا بحميمية :
- أهلا و سهلا يا فارس باشا نورتنا .
أجابه فارس بإبتسامة مجاملة :
- ده نور حضرتك يا فاروق باشا .
صافح فاروق غزل و هو يتطلع إليها بإعجاب من هيأتها الشبابية الساحرة و قال بإعجاب :
- أهلا وسهلا يا دكتور .. you look so beautifull .
ردت غزل برقتها المعتادة :
- Thanks you are so kind .
ضغط فارس على كفها بقوة ينذرها بالتمادى فى تصرفاتها التى تغضبه ..و إلا سترى الجحيم بعيناها .. فتأوهت بخفوت .. فخفف من ضغطه على كفها .. و قال بصوته الأجش الرجولى بنفاذ صبر :
_ شكرا على دعوتك يا أستاذ فاروق .
إلتفت إليه فاروق برأسه بعدما كبلته غزل بعيناها و قال بهدوء :
_ المكان مكانك يا فندم .. نورتونا .
إقتربت منهم سما و هى ترتدى فستان أزرق قصير و مكشوف من الصدر يبرز مفاتنها بقوة .. و قالت مرحبة بإبتسامة متسعة :
- هاى يا جماعة شرفتونا .
و إقتربت من فارس لتقبيله مرحبة به .. و لكنه إبتعد قليلا و قال بتهذيب :
- آسف .. بس المدام مش بتحب إن واحدة ست تقرب منى .
إبتعدت سما عنه و هى تخفى خجلها و قالت بجرأة :
- عندها حق بصراحة .. حضرتك يتخاف عليك قوى .
إشتعلت عينى غزل بغضب و قالت بإبتسامة مصطنعة :
- أهلا يا آنسة .
أجابتها سما ببرود :
- هاى يا مدام .. نورتينا .
أومأت غزل برأسها و قالت ببرود :
- مرسيه .. يالا يا فارس .
و جذبته من يده و إنطلقت لداخل حديقة الفيلا .. أوقفها قائلا بمكر عابث :
- إستنى بقا .. هتفضلى سحبانى وراكى كده كتير .
تسمرت غزل فى مكانها و إلتفتت إليه و قالت بضيق :
- آه طبعا .. عاوز تفضل واقف مع الهانم اللى بتعاكسك قدامى من غير ما تتكسف .. وقحة .
داعب أنفها بأنامله و قال هامسا :
- طب إهدى خلاص .. ما أنا صدتها أهه .. تعالى نقعد هناك .
تعالت دقات قلبها على آثر مداعبته الرقيقة .. و تبعته بهدوء و جلست بجواره تتابع الحفل بملل .. بعد قليل إقتربت منهما سما و مالت على فارس و قالت بدلال :
- let's dance يا فارس .
أجابها مسرعا بتريث :
- معلش يا آنسة سما .. بس ....
قاطعته قائلة برجاء :
- بليز .. ماتكسفنيش .
ضحكت غزل و قالت ساخرة :
- أيوة ماتكسفهاش و قوم إرقص معاها شعبى .. فكراك بتعرف ترقص ما تعرفش اللى فيها .
تطلع ناحيتها بضيق من سخريتها فتابعت بتهكم :
- قوم إرقص معاها قوم .. أقولك حزمها .
زاد غضبه من نظراتها الدونية المقللة منه و عجرفتها الزائدة .. و لكنها لم تكتفى و أردفت سخريتها قائلة ببساطة :
- أقولكم إرقصوا تانجو .
حدجها فارس بمكر وقرر أن يلقنها درسا لن تنساه قائلا بجمود :
- مش هتضايقى لو رقصت معاها .. تانجو .
زاد ضحكها و سخريتها و قالت بصوت رائق و متسلى :
- يا نهار أبيض ده أنا هضحك ضحك .. آل تانجو آل .
وقف فارس وهو يحدجها بتحدى و إقترب من رجل الدى جى و طلب منه أن يرقصا على أنغام التانجو .. و غزل تتابعه بعينيها بتوجس و تكدب حدسها .. إقترب فارس من سما و سألها بتهذب :
- نرقص تانجو .
تطلعت لغزل بمكر و قالت بإنتشاء :
- ده أنا أتمنى .. يالا بينا .
قطبت غزل حاجبيها و هى تطالعهما بضيق متمنية ألا يكون ما تفكر به صحيحا .. و بالفعل .. خفتت الإضائة .. و ترك لهم الجميع ساحة الرقص .. و وقف فارس مقابلا لسما .. و نظراتهم تحرق غزل و تلتهمها حية .. بدأت الموسيقى و بدأت معها رقصتهما..

إجتمع حولهما جميع من بالحفل لمتابعة تلك الرقصة المشوقة .. كانت غزل تجلس على جمر مشتعل و هى ترى نظراتهما الجريئة و لمساتهما الوقحة و أحضانهما الساخنة .. إمتزج غضبها بتعجبها من مهارته و تمكنه بتلك الرقصة الصعبة .. إذا فهى إلا الآن لا تعرف عنه الكثير .. و كانت سما تزيد من لمساتها الجريئة .. و نظراتها التى تغضب غزل أكثر .. و تمادت فى حركاتها الجريئة بينهما فوقفت غزل مسرعة و حملت حقيبة يدها و إنصرفت و هى فى قمة غضبها .

إنتهت الرقصة .. و علت الصيحات و التصفيقات من حولهما إعجابا برقصتهما .. بحث فارس بعينيه عنها فلم يجدها .. فخرج مسرعا و تطلع للطريق يمينا و يسارا فلم يراها ..
صعد سيارته مسرعا و قادها بتهور .. حتى عثر عليها .. وقف أمامها بالسيارة و ترجل منها مسرعا و سألها بضيق :
- مشيتى ليه .. و إزاى تخرجى لوحدك و الدنيا ليل كده .
ردت بغضب يكاد يلتهم ذلك الوقح :
- و إنت كنت عملت حساب ليا علشان أقعد .. يا سيدى إحترم إنى مراتك بالإسم .
رد عليها ببروده القاتل و هو يحدجها بإبتسامة خبيثة :
- و أنا عملت إيه ضايقك كده .
ألقت عليه نظرة إحتجاج و إقتربت منه و قالت بتعجب :
- لا و الله .. مش عارف عملت إيه .
إقترب منها حتى أصبح مقابل لها و قال هامسا :
- إنتى طلبتى و أنا نفذت .
أغمضت عيناها تستلهم الصبر و وفتحتهما بقوة و قالت بإهتياج :
- كنت بهزر .. بهزر .. إيه ما صدقت .
شدد من نظراته إليها و قال ساخرا :
- كنتى بتهزرى و لا بتتريقى .
صكت أسنانها بقوة و تركته و إبتعدت عنه و هى تسير بسرعة .. ركض ورائها و جذبها من ذراعها و قال بحدة :
- إستنى هنا بقولك .
نفضت ذراعها من قبضته و قالت بعصبية :
_ إبعد إيدك عنى .. و أحسنلك ما تلمسنيش تانى .
ثم إلتفتا الإثنين على صراخ سيدة تقف أمام أحد الأكشاك لبيع البقالة و النيران تندلع منه .. ركضا الإثنان صوبها بقلق .. تعالى صراخ السيدة و هى تلطم وجهها و تقول بهستيرية :
- إلحقونا يا ناس .. جوزى هيروح منى .. يالهووووى .
فسألها فارس ليتأكد بقلق :
- جوزك جوة الكشك يا حاجة .
أومأت برأسها و قالت بدموعها :
- أيوة .. ده أبو عيالى .. إلحقونى و النبى .
بحث فارس حوله عن شئ ما .. ثم توجه لإحدى الثلاجات التابعة للكشك و أخرج زجاجتى ماء و سكبهم فوق رأسه .. و جذب إحدى قطع القماش و التى يغطون بها الثلاجات فور إغلاقهم للكشك .. و وضعها على رأسه .. فجذبته غزل من ذراعه و هى تصرخ قائلة بعويل :
- لا لا لا .. مش هسمحلك تأذى نفسك .
أبعد يدها عنه بالقوة و دلف داخل النيران و صراخها يعلو أكثر قائلة بصدمة :
- فاااااارس 


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات