رواية غموض الجبل القاسي الفصل الخامس عشر 15 بقلم سمارة
(خطر وظلام)
﷽
ردت أمينة بضيق وهي تنظر لشاشة الهاتف: "متكلمتش.. أنا بكلم التلفون."
ألقى جبل نظرة جانبية حادة وقال بسخرية: "أدي اللي ناقص! انجننتي وبقيتي تكلمي التلفون"
صمتوا قليلاً،
والسيارة تنهب الأرض نهباً،
ثم تحدث جبل بنبرة آمرة فيها حرص خفي: "انتبهي لنفسك وانتي قاعدة بين الناس.. أوعاكي حد يصورك، عينك وسط راسك، طول ما أنتي قاعدة وسط الحريم."
ردت أمينة بوجازة: "حاضر."
استمر الطريق طويلاً ومملاً في ظل هذا الصمت،
لم يتحدثا سويا.
*
حتى وصلا مع بداية الليل.
استقبلهما الحاج عبد الهادي وزوجته بحرارة تليق بمقام "آل الملاح"، وقدم جبل وأمينة واجب الضيافة، ثم سحبت زوجة الحاج عبد الهادي "أمينة" لتدخلها مجلس النساء.
دخلت أمينة والخجل يكسوها،
فهي لا تعرف أحداً هناك،
لكن سرعان ما التف حولها فتيات من سنها، وجذبتها الأجواء الجميلة والزينة المبهجة.
جلست تناظر الفرحة العارمة في عيون الجميع،
وفي لحظة صدق مع نفسها،
تذكرت ليلة زفافها وكيف كانت حزينة ومكسورة، لكنها نفضت تلك الأفكار عن رأسها بسرعة وقررت أن تستمتع باللحظة.
مر الوقت سريعاً وسط الأغاني والضحكات، حتى صار الوقت متأخراً. استأذن جبل من الرجال بالانصراف،
واتصل هاتفياً بأمينة لتخرج. قامت أمينة،
وسلمت أمانة حماتها لأم العريس التي شكرتها كثيراً، ثم خرجت لتجد جبل بانتظارها عند السيارة.
ركبت بجواره،
وبدت عليها علامات الراحة والهدوء بعد أن غيرت جو الدار المشحون.
انطلق جبل بالسيارة في طريق العودة،
وكان الليل قد سكن تماماً.انطلقت السيارة في صمت الليل على الطريق الصحراوي،
وبعد مسافة طويلة، كسر جبل الصمت بسؤاله الجاف:
جبل: "الفرح أخباره إيه؟"
أمينة: "كان زين قوي، والناس طيبين."
جبل: "عملتي اللي قولتلك عليه؟"
أمينة: "أيوه، أصلاً محدش اهتم بالتصوير قوي، الكل كان ملهي في الرقص والفرح.. صوح، العروسة كانت كيف البدر ما شاء الله.. هو العريس زي إيه؟ حلو والّا له؟"
اشتعلت شرارة الغيرة في عيني جبل وضغط على مقود السيارة بقوة:
جبل (بحدة): "وأنتي مالك بالعريس؟!"
أمينة (بعفوية): "ماليش.. أنا بس بشوفهم لايقين على بعض والّا له."
جبل: "خليكي في روحك ."
صمتت أمينة بضيق،
وعند منتصف الطريق، بدأت السيارة تترنح وتصدر أصواتاً متقطعة حتى توقفت تماماً.
جبل (وهو يضرب المقود بغضب): آخ يا ملاح.. آخ منك!
أمينة (بقلق): إيه وقفت ليه ؟
جبل: البنزين خلص
أمينة (باستغراب): يعني إيه خلص مبنزمتهاش ليه قبل ما نمشي؟
التفت إليها جبل ونظرة عينيه كفيلة بإسكاتها: مـا إيه؟
أمينة: مبنزمتهاش.. يعني ممونتهاش.
جبل: اسكتي.. تعرفي تسكتي ؟
نزل جبل من السيارة،
وكان الطريق مقطوعاً تماماً والظلام كالحاً لا يرى فيه كفه.
سار لخلف السيارة يبحث عن "جركن" البنزين الإضافي الذي يحمله دائماً للطوارئ،
لكنه صُدم عندما تذكر أنه أخرجه في المنزل ليفرغ مكاناً للضيافة .وقف جبل في وسط الطريق الموحش يزفر ضيقاً،
ثم عاد وركب السيارة وأغلق الباب بقوة وجلس صامتاً تماماً، وعيناه تراقبان الطريق المظلم من وراء الزجاج.
أمينة (بتوتر): "إيه؟ هنفضل كدة؟"
لم يحرّك جبل ساكناً ولم يجبها،
وكأنه يصب جام غضبه في صمته.
أمينة: "طيب هنعمل إيه؟ حتى السكة معلهاش (نُفيخ نار).. مفيش صرنيخ ابن يومين معدي من هنا!"
أخرج جبل هاتفه من جيبه ونظر لشاشته،
ثم تنهد بضيق وقال بصوت أجش: "كملت!"
أمينة: "هي إيه اللي كملت؟"
جبل (بصراخ): "بزيادة كلام عاد! كَلتي دماغي.. اسكتي خالص!"
ساد الصمت مرة أخرى،
لكن جبل مد يده فجأة وقال: "وريني تلفونك كدة."
أعطته أمينة هاتفها بلهفة،
فحص "الشبكة" فوجدها مقطوعه هي الأخرى،
فلا أمل في اتصال ينجدهم. أعطاه لها مرة أخرى وهو يلعن الحظ.
ربعت أمينة يديها وضمتهما لصدرها وهي تشعر ببرودة الليل تتسلل لعظامها، فالسقيع بدأ يشتد في قلب الصحراء.
لمح جبل ارتعاشتها من طرف عينه، فهدأ غضبه قليلاً، وخلع "شملته" (شاله) ومدها إليها.
جبل: "خدي.. حطيها على كتفك ولفي حالك"
أخذتها أمينة بصمت ولفحت بها جسدها،
وشعرت بدفئه ورائحته فيها، مما بعث في قلبها أماناً خفياً رغم وحشة المكان.
نزل جبل مرة أخرى ووقف يسند ظهره إلى السيارة، يناظر الأفق البعيد لعل بصيص ضوء لسيارة قادمة يظهر في هذا الظلام الدامس،
لكنه لم يجد سوى السكون،
فعاد وجلس خلف المقود،
يراقب الليل الطويل الذي يبدو أنهما سيقضيانه هنا وحيدين.بعد قليل،
بدأ الجوع يقرص بطن أمينة بشدة، فهي لم تذق زاداً منذ الصباح،
ومن شدة خجلها في الزفاف لم تستطع أن تمد يدها على الطعام وسط الغرباء.
وفي هدوء السيارة القاتل، أصدرت بطنها صوتاً خفيفاً سُمع بوضوح.
التفت جبل إليها بسرعة، فوضعت أمينة يدها على بطنها بخجل شديد وقالت بتلعثم:
أمينة: "والله بطني.."
نظر جبل للنافذة بجواره وحاول كتم ضحكته، وتبسم بعيداً عنها كي لا تلمح لينه، ثم عاد لجموده المعتاد وقال:
جبل: "جعانة؟"
أمينة: "أأ.. أيوه، من وقت الفطار ماكلتش حاجه."
جبل: "وليه؟ مكلتيش ليه في الفرح ؟"
أمينة: "اتحرجت آكل هناك وسط الناس، وقولت ما أنت معاي.."
جبل (بتهكم): "يعني إيه معاي؟ أمك أنا هارضعك إياك ؟"
أمينة (بضيق من برود دمه): "لأ..قصدي تجيب لي وكل، " ثم نظرت للجانب الآخر وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة.
التفت جبل للخلف امسك زجاجة مياه..
جبل: خدي اشربي لما نلاقي حل.
اخدتها امينه ارتشفت القليل منها.
فات وقت قليل،
وبدأت أمينة تشعر بالملل والقلق،
فسألت: "وبعدين هانعملو ايه؟"
جبل (بقليل من الحيلة): "أدينا مستنيين ، يمكن ربنا يرزقنا بحد معدي يسحبنا أو يدينا شوية بنزين."
بدأت علامات النعاس تظهر على عيني أمينة،
فمال جبل نحو مقعدها ليرجعه للخلف كي تستطيع النوم براحة.
وحين اقترب منها فجأة، انتفضت وارتعبت:
أمينة: "بتعمل إيه؟!"
جبل (بنبرة هادئة): "إيه؟ هارجع الكرسي عشان تنامي، متخافيش.. وبعدين افرض عملت حاجة، أنا حُر!"
أرجع المقعد قليلاً ثم اعتدل في جلسته وقال: "نامي أنتي دلوك."
أمينة: "لأ.. أنام كيف؟"
جبل: "نامي أنا مش هنام ، هفضل صاحي لغاية ما نشوف حد يعدي علينا.
"بينما كانت أمينة على وشك الغرق في النوم،
لمح جبل من مرآته ضوءاً يقترب من بعيد. مرت السيارة بجانبهم بسرعة، ثم توقفت فجأة على مسافة وعادت للخلف قليلاً.
أمينة (بلهفة وخوف): "جبل! الحقهم بسرعة قبل ما يمشوا !"
جبل (بصوت منخفض وصارم): "اهدي "
أمينة: "طيب انزل شوفهم يساعدونا ."
جبل (بعينين صقر تراقبان الظل): "قولت اهدي"
نزل شابين من السيارة البعيدة،
ووقفوا يتهامسون في الظلام قبل أن يخطوا خطوة واحدة باتجاه جبل. كانت أمينة "على نار" وتكاد تخرج من السيارة لتستنجد بهم،
لكن جبل بخبرته في دروب الجبل والليل استشعر خطراً غامضاً.
رأى جبل أحدهم يميل برأسه ليحدث شخصاً آخر لا يزال داخل السيارة، فاستنتج جبل أنهم ليسوا شابين.فقط بدأوا يقتربون من سيارة جبل بهدوء شديد وحذر مريب،
والظلام يغطي ملامحهم تماماً.
أمينة (بصوت يرتجف): "أهم جايين يا جبل.. شوفهم ؟"
جبل لم يتحرك من مكانه،
بل وضع يده ببطء تحت مقعده وتحسس "شيئاً ما" أخفاه هناك، وعينه لا تفارق خطواتهم التي لا توحي بالخير أبداً مد جبل يده ببطء وهدوء شديد وأخرج منه "مسدسه" المذخر،
سحبه بخفة ليتأكد من جاهزيته ثم وضعه في جيبه القريب من يده.
أمينة (بصوت مخنوق من الرعب): "يا مري! إيه ده يا جبل؟
أنت هتعمل إيه؟ وده معاك بيعمل إيه هنا؟"
جبل (بفحيح وصوت حاد كالسيف): "ششششش.. اسكتي؟"
بينما كان الصراع يشتعل في قلب الصحراء،
ـــــــــــــــــــــ
كان "بيت الملاح" يغلي فوق صفيح ساخن. القلق والتوتر لم يتركا أحداً، والليل الذي كان من المفترض أن ينتهي بعودتهم، استحال كابوساً طويلاً.
كان الجميع يجلس في "المندرة" والعيون معلقة بالبوابة الكبيرة،
والسكوت لا يقطعه إلا صوت دقات الساعة التي تنهش في أعصابهم.
الحاجة صفاء (بقلب محروق): "وبعدين يا بو فاروق؟ هانقعد كدة ويدنا على خدنا؟!"
دياب (بقلة حيلة وهو يمسح وجهه): "هانعمل إيه يعني يا ماي؟ !"
الحاجة صفاء (بصراخ): "إعملوا أي حاجة! الفجر دخل وإحنا قاعدين كيف الولايا ! ولدي ومرته في الخلا لواحديهم!"
ملاح: متلقيش ياماي ان شاءلله يرجعو طيبين
جبل هايرجع مرته بالسلامه
الحاج بكري (بوقار يشوبه القلق الشديد): "المشكلة إن الحاج عبد الهادي لما كلمته ، قال إنهم طلعوا الطريق من بدري. يعني المفروض يكونوا هنا من زمان."
فاروق (بحزم): "إحنا هانستنى لغاية الفجر ما يأذن، لو مبانش طيفهم نطلع الطريق الصحراوي. يمكن العربية عطلت بيهم"
ساد الصمت مرة أخرى،
صمت ثقيل وموحش. أما هند، فكانت تجلس في زاوية بعيدة، والنعاس يداعب جفونها،
لكنها كانت تشاهد كل هذا ببرود غريب،
وحدثت نفسها بخبث: "يا ترى يا جبل حصل فيك إيه أنت وست الحسن والجمال؟ الطريق الصحراوي ملوش أمان.. يما فيه ديابة ويما فيه قطاع طرق!"
يمكن يكون رزقكم بحاجه من التنين.
بينما كانت سمية وعبير، يدعون: "يا رب سلم.. يا رب ردهم بالسلامة."