📁 آخر الروايات

رواية لقياك لي المأوي الفصل الخامس عشر 15 بقلم اية احمد

رواية لقياك لي المأوي الفصل الخامس عشر 15 بقلم اية احمد



الفصل الخامس عشر


صوت الامواج المتلاطمة يتعالى في سكون هذا الليل و خصيصا في مكان شبه مهجور كهذا...يقف أنور وسط بعض الحشائش النامية بعشوائية و العديد من اجزاء المراكب الهالكة ملقاة هنا و هناك...يضع يديه في جيبي بنطاله يراقب البحر امامه و صوت صراخ مكتوم يأتي من المخزن القديم خلفه... التفت بوجه نزق يراقب باب المخزن لا يعرف لمَ هم هنا و لماذا يفعلون هذا في اول يوم للعيد؟!!...اخرج يديه من جيبيه حينما خرج ايوب من باب المخزن بوجه غاضب تفلت منه سبات نابية قد تراجع عن قولها منذ زمن...اقترب منه بعدم فهم يسأله بتوجس...
(لمَ نحن هنا و لماذا صاحب الصيدلية بالداخل ايوب؟!)
فك ايوب ازرار قميصه ليمسح كفه الملطخ بدم في طرفه قائلا بصوت غامض...
(كرم يريد هذا)
ارتفع حاجب انور بدهشة ليقول ساخرا...
(اتفقنا يا عمي ان كرم يريد هذا و لكن لمَ؟!!!)
افلت ايوب طرف قميصه يقول بحدة غصبا عنه...
(لان هذا الخسيس بالداخل ارتكب خطأ فادحا و علينا تربيته)
اومأ انور متفهما يقول بتريث...
(نربيه عمي نربيه... و لكن اعرف السبب على الاقل لا ان اقف كالأطرش في الزفة هكذا)
زفر ايوب يوليه ظهره و كله رغبة في ان يدخل مجددا و يظل يلكم هذا النذل و بدلا من نزيف انفه يقتلع عنقه بيده...همهم بصوت محتقن
(لا اعرف السبب انا ايضا لكن طلب كرم ان نجلبه هنا يعني انه افتعل ما يستحق المخزن الشمالي)
رفع انور بصره يقلبه في المكان حوله...هذا المخزن المهجور الذي لم تعد تطأه قدم و باتوا يستخدمونه في تخزين اجزاء المراكب التالفة و ايضا تربية من يستحق التربية... لكن من يأتي هنا كمتهم يعني ان فعلته كبيرة لدرجة ان يتصرف كرم دون علم والده...فقط هم الثلاثة اتخذوا المكان هنا وسيلة لرضع اشباه الرجال لكنه في المرات السابقة كان يعرف الذنب الذي يجر مفتعله الى هنا ام الآن لا يعرف و ايوب يبدو يتكتم على شيء خطير!!...
صوت اقدام خلفهما جعلهما يلتفتا في لحظة واحدة ليواجها كرم المتحفز كليا...اتسعت عين انور بقلق و حالة كرم امامه لا تبشر بالخير هاجس واحد طن في باله ان الرجل بالداخل هالك فعليا...دون حرف واحد لهما اتجه كرم الى باب المخزن حتى بلغه لكن صوت انور اوقفه حينما سأله بتوجس كبير...
(كرم ماذا حدث بالضبط؟!... هيئتك تخبرني انك ستتهور بالداخل و هذا ما لم اسمح به!!)
وضعه لم يتغير للحظة واقفا موليا ظهره لصاحبيه يتمسك بباب المخزن...بعدما انتهى انور من حديثه تحركت يداه في اتجاهين مختلفين يفتح الباب الصدئ الذي اصدر صوتا مخيفا...خطى خطوة للداخل ثم توقف قائلا بنبرة محذرة خشنة...
(لا اريد دخول اي منكما مهما سمعتما من اصوات)
زاد توجس انور ليتقدم منه قائلا برفض قاطع...
(و انا لن اتركك تورط نفسك و اقف اشاهد!)
رفع كرم رأسه عاليا فظن انور ان صاحبه سيتعقل و لن يورط نفسه في امر يبدو عظيما لكن صوت كرم الذي خرج مستميتا و مصمما جعله يوقن بأن صاحبه هنا قاتل او مقتول...
(لا تدخلا فحسب)
استدار يغلق الباب خلفه لتكون صورة وجهه المخيف هي اخر ما يراه الصاحبان منه...نظر انور لأيوب يقول بقلق...
(يبدو ينوي شرا للرجل اخشى ان يموت في يديه... هل سنتركه ايوب؟!)
رغم قلق ايوب على كرم لكنه يقدر الموقف فها هو يغلي مكانه بسبب ما حدث لغسق فما بال كرم و قلب كرم؟!!!...نظر لصاحبه يقول بصوت ركن للهدوء
(كرم لن يتهور لا تقلق انور...فقط دعه يربيه بطريقته)
ضيق انور عينيه يناظر ايوب بعدم فهم ثم وجهها لباب المخزن المغلق يتمتم بصوت خافت...
(الله يستر و لا يثقل في تربيته فيُضيع نفسه)
بالداخل....
سحق الاخشاب الملقاة فوق الارض متخذا طريقا لهذا الذي تكوم ارضا يئن بصوت مكتوم... قبضتاه تكادان تنفجران من شدة تكورهما... قلبه يعصف و يعربد كحيوان مفترس مقيد امام فريسته... روحه تحترق و تسأله الثأر بوحشية رادعة مميتة... اقترب منه لينعكس الضوء الخافت المتسلل من الخارج على جسده المسجى ارضا...عيناه سيطرت عليهما الدكنة و شاع الغموض كلغة غير منطوقة تهدد بالفتك...لسان حاله يهمهم بحروف مشتعلة تلهب روحه المهتزة...
(توجع اكثر كما توجعت هي... دعني اسمع انينك كما سمعت انين روحها التي انتهكت بسببكم)
فتح الرجل عينيه ببطء يطالع هذا الجسد امامه...ضيق عينيه يدقق في ملامحه بهذا الضوء الخافت الذي لا يسعفه...همس بصوت مرتعد متألم...
(أهذا أنت يا كرم؟!...بالله عليك ما شغلي انا هنا؟!...لمَ سحبني اصدقائك الى هنا و قاموا بضربي؟!!)
جلس على عاقبيه فأصبح وجهه قريبا للغاية منه...ارتعشت اوصال الرجل بعدما تلقى هذه النظرة الغير مفهوم منها سوى الهلاك من عيني كرم...جال ببصره في المكان حوله يستصرخ جدرانه طالبا منها العون برعب دفين...صوت كرم الهادئ هدوء يسبب رجفة جعله ينظر له مزدردا ريقه بوجل...
(لمَ كذبت؟!)
تلعثم مرارا يجاهد كي يخرج صوته المهتز...
(لا...لا افهم!)
اكمل كرم بنفس اللهجة الهادئة رغم نظراته الصارخة و التي ازداد غموضها بشكل يخيف...
(ابنك ليس مريضا كما ادعيت)
جحظت عينا الرجل بشدة و قد زاد انفعاله فحاول الحركة لكن ضربات ايوب له الجمته...توجع بصوت مكتوم ليهمس بعدما ابعد عينه عن كرم...
(لا لقد...كان مريضا بالفعل)
الغيظ الذي كظمه بشق الانفس...التعقل الذي روض نفسه الوحشية عليه...التأني الذي سلكه طريقا كي يفهم القصة...و النيران التي اخمدها بصعوبة قاتلة داخله انفلت عقالهم جميعا...دفعة واحدة...
طحن ضروسه بضراوة يقترب اكثر منه حتى لفحت انفاسه الساخنة وجه الرجل فهمس بوحشية تلائم نظرة عينه...
(الكذب مجددا معي ليس مقبولا...لأنه سيضاعف العقاب)
خوفه من هيئة كرم استثار دموعه و كم كان مخزيا ان يتحدث ببكاء كطفل متسول...لكنه ليس بقادر على التصدي لهذا الرجل امامه...سيهلك بلا شك
(لا اكذب عليك ص...صدقني أنا... اقصد ابني كان مريضا و....)
خرس حينما التقفت كف كرم ياقة قميصه...حرك اصابعه ببطء عليها حتى وصل لعنقه يضغط عليه بقسوة مخيفة...شعر الرجل بالاختناق و لكن هذا الشعور كان هينا عن شعور الرعب الذي يبثه كرم في روحه هذه اللحظة...
(لماذا طلبت منها النزول في ذاك الوقت؟)
جاهد الرجل ليخرج صوته مختنقا مرتعبا يهمس..
(صدقني لم أكن اعرف انهم سيسرقون الصيدلية)
دكنة عينيه هلت بقوة ليسأله بصوت احتد بعنف...
(من هم؟!...ستخبرني بكل شيء)
هز الرجل رأسه بقوة يقول بتعب بدا عليه....
(سأفعل... فقط ابعد يدك عن عنقي انا اختنق)
صدره يهتاج فخرج نفسه مسموعا للرجل...صدره يعلو و يهبط بهدير مخيف...سيستمع لما اصابها مجددا سيدقق في كل تفاصيله مرة اخرى...سيموت ثانيةً ببطء غير رحيم...
(لقد هاتفني رجل لا اعرفه اقسم لك و طلب مني ان استدرج الدكتورة الى الصيدلية بعدما يخلو الحي كي تركب لهم دواء لأنها لو عرفت من البداية لن توافق)
ضيق كرم عينيه يسأله بعدم فهم مترقب...
(أي دواء هذا يتم تركيبه في هذه الأيام و يتطلب الامر كل هذه السرية؟!)
ابتلع الرجل ريقه برعب جلي...اليوم سينكشف المستور و يعرف ابن المراكبي انه يتاجر في الادوية المخدرة بغرض المال...لكن ان ينكشف هذا افضل من ان يقتله كرم لسبب مجهول لا يزال لا يعرفه...عقله استنتج ان غسق كانت عرضة لعيش موقف مخيف كسرقة الصيدلية من شباب مدمن...
(مخدر...يتعاطونه الشباب)
اتسعت عين كرم قليلا ليهدر به صائحا بغضب...
(اكمل لمَ توقفت؟!...لماذا يطلبون منك تحديدا هذا الطلب؟!)
(لأنني أمرر لبعضهم في الخفاء مثل هذه الأدوية)
بهتت ملامح كرم حينما استمع لمبرره...فأسرع الرجل يقول بنبرة عزز بها تردد المسكنة و العوز...
(الحياة صعبة للغاية و معظم سكان الحي يشترون الدواء بالتقسيط الشهري لظروفهم المادية...انا رجل مسؤول عن بيت و عائلة و راتبي الحكومي لا يكفيني اضطررت لفعل هذا كي ازود دخلي قليلا... الامر كان يحدث بصورة مستورة مع شباب معين كي لا ننكشف...لكني لا اعرف من اين عرف ذلك الرجل عني و بات يهددني انني لو لم افعل ما يريد و استدرج الدكتورة لفضحوا امري و ابلغوا عني الشرطة...كل ما فهمته انهم سيجعلونها تركب لهم دواء غير متداول في السوق و ليس هناك غيرها يستطيع فعله... لم اتخيل انهم سيسرقون الصيدلية و يرعبونها)
حاول الاعتدال فتأوه لكنه تحامل على وجعه ليهمس بصوت متوسل...
(هذه كل الحقيقة و الله و لولا خوفي ما كنت ارسلت لهم الدكتورة....ارجوك كرم دعني اذهب و لا تدمر مستقبلي فلدي عائلة تحتاجني)
بهدوء شديد وقف كرم و ابتعد عنه يوليه ظهره...صمت مطبق احتل خلفية المحزن المظلمة...ظن الرجل انه نجى و ان كرم قدر ظروفه و صدق حجته كي ينفد من هنا... لكن صوت انفاس كرم التي خرجت تدريجيا ارعبه...خافتة ثم مسموعة و بعدها هادرة بعنف يوازي التفاتته المفاجئة له و صوته الصارخ بهدير يصم الآذان كحال ركلات قدمه العنيفة التي يركل بها الرجل مرارا في كل انحاء جسده هاتفا بصوت مشتعل غاضب و مدمر...
(و ماذا عن مستقبلها هي الذي تدمر؟!!... ماذا عن عائلتها و ما فعلتموه بها؟!...ماذا عنها ها؟!...ايها الكلاب الأنذال... و الله لأدمركم جميعا)
صراخ الرجل تحت قدميه كان مخيفا و مرتعبا...يحاول بكل جهده احاطة جسده بيديه ليبعده عن كرم...توسل و تألم و هو يصرخ طالبا التوقف و العفو... لكن كرم لم يكن هنا و هل تبقى بداخله شبرا واحدا للعقل و التروي...توقفت ركلاته لينحني يلتقط الرجل من قميصه و يرفعه عن الارض قليلا...يناظره بأعين مشتعلة بينما يسأله بصوت مرعب...
(من هم؟!...صف لي اشكالهم)
هز الرجل رأسه بهستيرية يقول بصراخ متألم...
(لا اعرف و الله لا اعرفهم و لا رأيتهم من قبل)
اشتد غضبه فلكمه بعنف في وجهه جعل الرجل يخر ارضا بضعف...عاود كرم الامساك به يسدد له لكمات متتالية صارخا بزئير أسد استقبل جسده رمح صياد قاتل...
(لا تعرفهم و ارسلتها لهم...بعثتها لهم يا كلب خوفا على نفسك... ضحيت بابنة حيّك و اتخذتها درعا تختبئ بأفعالك الشنيعة خلفه...و الله في سماه لتدفعن ثمن ما اصابها)
صوت صرخات الرجل كان عاليا رغم ضعفه الكبير...بات يتذلل و يتوسل آملا ان تأتي نجدته من أي مكان فقط يفلت من تحت قبضة كرم...
بالخارج...
كان يحوم حول المخزن يستمع لصرخات الرجل المستغيثة بقلق...نظر اتجاه ايوب الواقف بعيدا بوجوم يستمع هو ايضا بصمت بدا له راضيا عما يسمعه!...اشتد صوت الرجل فدفع انور بأن يهدر برفض غاضب و قد اتخذ خطواته تجاه المخزن بينما يقول....
(لا و الله هذا يكفي الرجل سيموت!)
اسرع ايوب يهرول خلفه مناديا عليه لكنه لم يبالي...بل اكمل حتى توقف عند باب المخزن يدق عليه بقوة صائحا بعلو صوته...
(كرم افتح الباب و كف عما تفعله... كرم الرجل سيموت في يدك)
عدم استجابة كرم له اشعلت جنونه...يعرف صديقه جيدا و يعرف كم هو عنيفا قاسيا في قتاله... لولا ترويض قوته بحكمة و عقل و تربية سليمان له السديدة لكان كرم اشد الرجال بطشا في الحي...زفر بغضب مرتعب على صديقه فابتعد عن الباب قليلا يوليه جانبه ثم اندفع اليه بكل قوته يحاول كسره...مرات يفعلها و ايوب يحاول معه بعدما استبد القلق جوارحه على كرم...فُتح الباب ليهول انور و ايوب ما يفعله كرم...لقد اثخن الرجل بقسوة و عنف و لا يزال يضربه بعقل مغيب...ركض انور اليه ينحني يلجمه بين ذراعيه و ينزعه من فوق الرجل هاتفا بصوت آمر...
(ابتعد كرم و لا تجن!)
نجح في ابعاده عن الرجل لكنه فشل في ابعاد نظراته الحارقة له... اسرع ايوب ينحني يراقب الرجل و ما تركه كرم من جروح في جسده...بينما كرم خرج من بين ذراعي انور بصدر يلهث و جسد متحفز...هدر به انور بتوبيخ عنيف...
(ماذا فعلت يا كرم ها؟!... هل تود ان تُبتلى به؟!!...ماذا فعل هو لكل هذا اخبرني؟!)
ارتفعت عينا كرم لصاحبه ليهمس بصوت متقطع لاهث...
(فعل... ما يستحق عقابي... انور)
ابتعد عنهم متجها الى باب المخزن يقول بأمر قاطع ازداد غموضا حينما امتزج مع نبرة صوته اللاهثة المتقطعة...
(هذا الرجل لا تفلتاه حتى اطلب منكما بنفسي)
خرج من باب المخزن غير عابئ بنداء انور المتكرر له...التفت انور يطالع ايوب الذي جلس جوار الرجل ارضا بأعين متعلقة بالفراغ صامتا...اتجه اليه انور يؤشر على الرجل قائلا بتساؤل مترقب...
(الآن ستخبرني عن فعلته ايوب... الآن يجب ان اعرف ما جرمه ليخرج كرم عن ثباته و يتقاتل بقسوة لم نرها حتى في مشاجراتنا مع ابناء السمري!!!)
رفع ايوب بصره له ينظر اليه طويلا حتى قال بصوت خاوٍ....
(أذى كرم بشدة فاستحق قسوة كرم في الايذاء)




حركت المفتاح في قفل الباب لينفتح و تدلف شقتهما معا...نظراتها كانت مشتتة و هي تراقب الظلمة القابعة في الشقة...أليس هنا؟! إذًا لماذا طلب منها الحضور و لماذا جعلها تتحجج لوالدتها التي باتت تشك في امرها؟!...اغلقت الباب خلفها و تقدمت خطوات للداخل تنادي عليه بهمس مترقب...
(داغر أنت هنا؟!)
الصمت كان اجابتها لفترة حتى صدح صوته من غرفة النوم...
(بالداخل تعالِ)
نزعت وشاح رأسها و تركته مع المفتاح فوق المائدة المتواجدة في منتصف الصالة...اتخذت خطواتها الى الغرفة و الضيق يلازمها فهذه الطريقة التي يطلبها بها و خططها البالية التي تحتمي بها كي تأتي اليه كل هذا يشعرها كونها فتاة لا ثمن لها و ليست امرأة متزوجة...حسمت امرها بأن تتحدث معه في امر زاجهما المؤجل...ان اخبر سليمان بنيته في زواجها مؤكد لن يرفض إذا وافقت هي!!...فتحت باب الغرفة ليقابلها الظلام مجددا فعقدت ما بين حاجبيها بتوجس...تحسست مكان مصدر الضوء بينما تهمس بتساؤل...
(داغر لمَ تجلس في الظلمة؟!)
وصلها صوته و للعجب كان متعبا في نبرته متهالكا في كلماته...
(لا تشعلي الضوء...فقط تعالِ)
ضيقت عينيها تتحس الطريق اليه نحو السرير و قبل ان تصل اصطدمت قدمها بجسده الجالس ارضا...شهقت بجزع و قد هالها جلوسه الغريب هنا لكنه لم يمهلها الوقت فسحبها من يدها لتستقر جواره و يحتل الصمت خلوتهما...صبرت و انتظرت و عقلها يضع الكثير من التوقعات لما حدث له و جعله ساكنا هكذا...من يجلس جوارها الآن ليس داغر الذي تعرفه و ربما هي لم تعرفه بعد!!...حركته جعلتها تلتفت اليه بسرعة لتتسع عيناها و هي تراه يتزحزح بجسده ارضا حتى استوى نائما واضعا رأسه فوق حجرها...ضربات قلبها عصفت بقوة و مشاعرها اختلطت بين خوف و ترقب و ذاك الشعور الذي غرسه فيها دون غيره من الرجال...لا تدري أهو حب أم لا!!...ترددت مرات قبل ان ترفع يدها و تمررها في خصلات شعره بحركات متتالية...صوت انفاسه الهاربة من صدره جعلها تتوقف خوفا من ازعاجه لكنه رفع كفه يلتقط كفها بسرعة و يعيده بين خصلات شعره قائلا بنبرة خافتة...
(لا تتوقفي...)
اومأت برأسها طاعة له و عادت تستكمل ما تفعله لفترة طالت بينهما...همهمت بتساؤل قلق من حاله فقد ظنت انه طلبها رغبة بها كالعادة...
(ما بك؟!)
ظنت انه لن يجيب لكنه ازال الصمت بصوت بدا لها هامسا...و كأنه تناسى وجودها و يُحدث نفسه بما يجول بداخلها...
(لماذا دوما لست محبوبا؟!)
باغتها بسؤاله فأربك تفكيرها للحظات لكنها تماسكت لتبث نعومتها الغير مقصودة في حركة اصابعها بين خصلات شعره و تهمس بصدق....
(ربما انت شخص غامض و مخيف لكن من يقترب منك و يعرفك جيدا يجد ان داخلك مختلفا عما يظهر للناس... ربما لو عرفك الناس كما عرفتك سيتفهمونك)
وتيرة انفاسه تسارعت و قد شعرت بها فحاولت الانحناء لتراقب جسده لكنه ركن للهجة السخرية المخيفة حينما سألها...
(و من قال لك انك عرفتني جيدا؟!)
توترت انفاسها و عاد خوفها منه يحتلها...تلعثمت و هي تفسر كلماتها ببراءة لا تليق مع شخص مثله...
(انت عرفتني عليك داغر و اريتني قلبك)
فلتت منه ضحكة صغيرة متهكمة ليهمس بعدما رفع ذراعه يضعه فوق عينيه...
(يا لك من غبية!)
سألته بترقب مميت و قد ثلجت اوصالها من رده العجيب...
(ماذا تعني؟!)
تنهد بصوت مسموع تنهيدة ثقيلة الاحساس...يطرد معها مشاحنته مع والده و كرهه لتصدر سلطان الصورة بعد مظهر و ترقبه لاستكمال خطته بعدما تمكن من غسق...انتظرت رده بفارغ الصبر و قد جاء باردا لا يطمئن خوفها بمقدار ذرة...
(قلبي لم و لن يراه احد هدير...فلا تظني انك تعرفينني ابدا)
ابتلعت ريقها بقلق و كادت تسأله مجددا لكنه سبقها بالقول الآمر...
(اصمتي و دعيني انام فأنا متعب جدا)
بعد فترة...
فتح عينيه يتأمل الظلام حوله بدهشة في بادئ الامر...اعتدل من نومه لتصطدم يده بجسد هدير الغافية في جلستها المستندة على الحائط...ضيق عينيه متذكرا ما حدث و كأنه كان غير واعيا لكل ما فعله و قاله...زفر بضجر من حالته التي انفلتت من عقالها و لا يعرف هذه الغافية ماذا ستظن عنه؟!...راقب وجهها بريء الملامح و قد انعكست عليه اضواء الشارع المتهربة اليهما من نافذة الغرفة...طالت نظرته بصمت و من دون ان تتغير ملامحه الثابتة على حالة الجمود...استند بكفيه ارضا ليستقيم واقفا يدلك خلف رأسه بألم...لقد اوجعته من نومته هذه فما بال هي...انحنى اليها يرفعها بين ذراعيه و يتجه بها نحو السرير يضعها عليه ببطء...اشرف عليها من علو يراقب نومها المسالم في شقته...الفتاة تشعر معه بالأمان كما وعدها به دوما...لكن هو اكثر الناس معرفة بنفسه فأمانه خوف و حبه كره...ابعد ناظره عنها ليشرد في الفراغ الداكن حوله و لكن كلماتها اخترقت مسامعه حينما اخبرته انها تعرفه!!...تحرك مبتعدا عن السرير قاصدا الحمام لكنه توقف عند نهايته ليجذب طرف الغطاء و يضعه فوق جسدها...دون حرف دون تغيير تعابير وجهه اتخذ طريقه للحمام... بعد خروجه اشعل الضوء الجانبي للسرير و فتح درج الطاولة الجانبية يخرج منه علبة هاتف جديد بدلا من الذي تحطم... خرج للصالة و جلس ارضا يخرج الهاتف و يُفعله ثم وضع بداخله بطاقة الذاكرة التي منحها له حكيم...انتظر ثوان ليكتمل التحميل و بعدها ضغط زر عرض الصور...عيناه انفرجتا على اخرهما و هو يقلب فيهم بصورة مصدومة!!...انفاسه اهتاجت بغضب ليعتصر هاتفه بين قبضته هاتفا بعدم تصديق غاضب مخيف...
(ماذا فعل هؤلاء؟!!!)
فتح هاتفه مجددا يبحث عن اسم حكيم فيه حتى وصل له فضغط اتصال و لسانه لا ينفك عن صب اللعنات عليهم و على غبائهم...
(حكيم ما الذي افتعله هؤلاء الاغبياء؟!...انا طلبت منهم صورا تؤثر سلبا على سمعتها فما هذا الذي اشاهده؟!)
وصله صوت حكيم الهادئ يقول...
(ما بك داغر طلبت صورا تنهي على سمعتها و ها هي بين يديك)
صاح فيه بغضب مدمر يقول...
(صور حكيم و ليس اغتصابا...اللعنة عليهم لقد اهدروا كل تعبي و صبري لأنتقم من ابناء المراكبي...ما فعلوه سيجعل خطتي تذهب سدى بل كل خططي يا حكيم كلها أتفهم؟!!!)
صمت حكيم قليلا ليسأله بعدها....
(لا افهمك داغر لماذا ستذهب خططك سدى؟!!... ليس مهما الطريقة التي اتخذوها الفتاة تدمرت سمعتها و هذا المهم)
سبه داغر بلفظ مهين جعل انفاسه تتصاعد وتيرتها بغضب مماثل... لكن داغر لم ينته و هو يصيح فيه...
(جد لي هؤلاء الشباب في الحال)
رد عليه حكيم بصوت مقتضب...
(لا اعرف لهم طريق فهم يختفون بعد ما يفعلونه كي لا يصل لهم احد)
هتف فيه آمرا بصوت مخيف...
( تصرف و جدهم... لو تدخلت الشرطة لن ارحمك حكيم و لن ارحم هؤلاء الاغبياء الذين ارسلتهم لي)
اغلق معه الخط يضغط على شعر رأسه بقوة مهمها بسبات متتالية...احتد غضبه فأطاح كرسي المائدة بقوة يغمغم بلعنة...
(تبا لك حكيم و لهم)
خرجت هدير من الغرفة بوجه مفزوع فهالها مظهره المخيف...التصقت بالباب تهمس بتساؤل
(ماذا حدث داغر؟!)
نظرة عينه لها كانت غريبة فجعلتها تنكمش على نفسها...بينما هو يخوض معارك طاحنة في عقله هامسا لنفسه بغضب...
(لقد ربطت نفسي بزواج مع من ستكون زوجته كي لا أثير الشك حولي حتى يتم مرادي... و الاغبياء يضربون ضربة قاضية لمجرد فتاة يحميها اردت ان اكسر انفه بها ليس اكثر... تبا اغتصاب!!!)
اهتاج مجددا ليلتفت للطاولة يركل كراسيها واحدا واحدا بينما يهتف بصوت مسموع مخيف...
(لن اسمح لخططي ان تضيع لن اسمح بأن يوقفني احد ابدا)
ارتعشت هدير في وقفتها و كلماته تثير بداخلها الرعب من كل شيء... عن اي خطط يتحدث هو؟!...
على الجانب الآخر...
دس حكيم هاتفه النقال في جيبه ثم رفع بصره تجاه اخيه سلطان يقول بوجه راضٍ...
(لقد شاهد الصور و عرف ما حصل)
ظلت ملامح سلطان هادئة فسأل اخيه...
(و كيف كان؟!)
فلتت ضحكة مستخفة من حكيم فقال...
(كمن ضل الطريق في ليل عتم)
بسمة جانبية صغيرة مرتاحة للغاية ارتسمت على ثغر سلطان فقال بتشفي...
(دعه يتحسس سبيل الرجوع اعمى البصر و البصيرة... بالتأكيد سيتخبط و يتعرقل و تنفرط منه حبال اللعبة كلها)
ازدادت ضحكة حكيم متفهما مقصد أخيه قائلا بتمني...
(و حينها سنسحب الحبال و نصنع منها طوقا غليظا يعتصر عنقه حتى يلفظ انفاسه الاخيرة)
اومأ سلطان بهدوء يقول...
(سيحصل لكن ليس قبل ان يلفظ ممدوح السمري و سليمان المراكبي انفاسهما الاخيرة)




اغلقت باب غرفة غسق و الهاتف فوق اذنها تتحدث بصوت خافت مع والدتها المتذمرة...
(لقد اخبرتك امي لدينا حالات طوارئ و الامر استدعى بقائي)
صمتت تغمض عينيها التي ذبلت كثيرا و بهتت كحال وجهها كله...ابتلعت ريقها الجاف تهمس بتعب...
(حسنا امي الليلة سأبيت في البيت ان شاء الله لا تقلقي)
رفعت وجهها تنظر في الرواق بينما تستمع لصوت والدتها الموبخ حتى لمحت داليا تمر...اسرعت تقول لوالدتها بنبرة عجولة...
(كما تريدين امي...يجب ان اغلق الآن الى اللقاء)
وضعت هاتفها في جيب معطفها و اتجهت ناحية داليا بوجه مقتضب توقفها قائلة...
(داليا انتظري... اردت الحديث معك في شأن هام)
توقفت داليا تناظرها بترقب رغم يقينها من فحوى الحديث... سحبت اريج نفسا عميقا لتقول بعدها بلهجة حادة...
(أ من أخلقيات المهنة ان نذيع سر المرضى للغير؟!... لماذا اخبرتِ دكتور رامي عن حالة غسق بأي حق تفعلينها؟!)
عقدت داليا ذراعيها فوق بطنها تقول بلهجة عادية...
(لقد اخبرته لانهما قريبان من بعضهما و هذا ما لاحظه المعظم مؤخرا هنا... اي انني لم ابلغ غريبا عما حدث)
توهجت عينا اريج بغضب لتقول بلهجة ساحقة كل معتقدات داليا...
(ليس هناك اي صلة قرابة بين غسق و دكتور رامي يا داليا ما تقولينه يعيب غسق جدا...لقد اخطأتِ و ابحتي لنفسك اذاعة سر مريضة ليست من مرضاك حتى!!)
فكت داليا تشابك ذراعيها تهمس بحرج في محاولة لحفظ ماء وجهها...
(لست مخطئة اريج ثم ان حالة مثل حالتها لن يفيد الكتمان فيها شيء فكل المشفى ستعرف عما اصابها فور وصول الشرطة و بداية التحقيقات!)
خفت الوهج المدافع بشراسة من عين اريج لتتهدل اكتافها و تتلعثم قائلة...
(لن تأتي الشرطة)
ضيقت داليا عينيها بعدم فهم فهمست بتساؤل فضولي...
(ماذا يعني؟!)
رمشت اريج اكثر من مرة و توارت عن نظرات داليا لتهمس باختناق...
(غسق ترفض ابلاغ الشرطة)
فلتت كلمات داليا المندهشة عالية و هي تستهجن من رد فعل المجني عليها...
(ماذا؟!!!... هل صديقتك واعية لما تفعل؟! ألا تريد استعادة حقها و الانتقام ممن فعلها؟!!)
تغضنت ملامح اريج برفض من تصميم غسق على التستر عن الحادث فقالت...
(هذا ما تريده هي داليا لقد حاولت معها مرارا لكنها مصرة على عدم ابلاغ الشرطة)
اسرعت داليا تضع فرضيات تبرر بها رد فعل غسق العجيب في موقف لو قاتلت بكل روحها لينال الجاني عقابه سيقف معها العالم كله...
(ربما هناك من يهددها فخافت من ابلاغ الشرطة!)
هزت اريج رأسها نفيا تهمس...
(غسق ليست من النوع الذي يرتدع بسبب تهديد لكنها تخشى على والديها إذا عرفا)
همهمت داليا بتعاطف حقيقي...
(هذا امر سيُكشف حتما إذا لم يكن الآن سيصبح فيما بعد)
احنت اريج رقبتها للأسفل بهم ثقيل لكنها لم تلبث حتى رفعتها سريعا حينما طرحت داليا سؤالها الذي لا يشغل عقل اريج سواه...
(و ماذا بشأن تقرير المشفى بالتأكيد ستبلغ الإدارة الشرطة؟!!)
زفرت اريج بتعب تنظر حولها بترقب و حينما تأكدت من خلو المكان همست برجاء مستميت...
(لا يجب ان يخرج التقرير من هنا كحالة اغتصاب داليا)
بتفهم شديد همست داليا مقرة حقيقة وصلت لها عبر رجاء متخفي من اريج...
(ستغيرنه اريج... لكن ماذا لو اكتشف الامر؟!)
اسرعت اريج تقول بنفس النبرة الراجية...
(لا احد سيعرف فالحمد لله المشفى ليس بها الكثير من العاملين او الاطباء بسبب عطلة العيد...و رجاء متوسل مني داليا لن تفلت منك اي كلمة عن حالة غسق)
تنهدت داليا تقول برفض للمبدأ نفسه...
(صديقتك تهدر حقها و انت تساعدينها على ذلك... عموما اطمئني انا لا اعرف اي شيء عن حالتها و لكن يجب ان تدركي الموقف مع رامي و الممرضة المسؤولة عنها)
اومأت اريج بقلب ينفطر على رغبة غسق الغير مقبولة تهمس بخفوت....
(سيوافقان و رامي تحديدا سيفعل كي يكفر عما فعله بها)
استندت على باب الغرفة بعد ذهاب داليا...مغمضة العينين مثقلة الروح و التفكير...سحبت عدة انفاسا متتالية تتخلص عبرهم من هذا الكابوس الذي حل عليهم من لا مكان...وقع اقدام قريب منها جعلها تعتدل في وقفتها و تتجه بعينيها نحو مصدرها ليظهر لها كرم بوجه غير مقروء الملامح...قلبت بصرها تتفحصه بتعجب كبير فملابسه لا زالت كما هي لقد ظنت انه سيعود لبيته و يعاود المجيء...صوته كان مرهقا للغاية و هو يسألها عنها...
(هل استيقظت؟!)
وقفت قبالته تومئ برأسها قائلة...
(نعم منذ أكثر من ساعة لكن...)
حينما توقفت اوجس خيفة فتحفزت ملامحه يسألها بقلق غير مستتر...
(لكن ماذا؟!!!)
اسرعت اريج بشرح الموقف لتقلل من قلقه هذا...
(اقصد انها لا تزال مصممة على عدم ابلاغ الشرطة غير انها منذ استفاقت و هي تدعي انها بخير و ان ما اصابها هو حادث معرض له الكثير من الفتيات...رغم الدموع المحترقة في عينيها تخبرني انها قادرة على الوقوف مجددا و استكمال الطريق!!!)
مسحت فوق وجهها بتعب تكمل له ما حدث...
(الامر الذي تعرضت له ليس بهين مطلقا على اي فتاة لكنها تتلبس قوة ليست تملكها اصلا...و حينما عرضت عليها استشارة طبيبة نفسية رفضت بشدة تؤكد انها ستتأقلم مع الوضع حتى لا يشعر بها والداها!!!... اي هراء تفعله غسق بحالها لا اعرف؟!!... من يتعرضن لحالات اغتصاب يعانين و هي تتجلد كيف بحق الله؟!)
فلتت دموعها فضعف صوتها و هي تهمس...
(غسق تختار الطريق الخطأ تماما...تهدر حقها و تتعامل مع الامر كأنه وخزة ابرة!!...تتحامل و تكتم بداخلها ما يهيج به صدرها و هذا كله ضدها هي بالنهاية...سيأتي يوم و ينفجر كل ما تحاول كبحه!!...علينا تقويمها و منحها كل الامان لتبلغ الشرطة نستطيع ان نجعل الموضوع سريا و لن يعرف والداها ايضا)
رفعت عينيها اليه تستشف رد فعله لكن صمته المريب اخرسها...يقف يناظرها بأعين نصف مغلقة و وجه تجمدت ملامحه على وضع الغموض...مسحت دموعها ببطء تخبر نفسها انه في نهاية المطاف ليس مهتما بما حدث هو مجرد غريب شهم وقف مع صديقتها حتى الآن...لكن ماذا سيفعل اكثر لها هل سيساندها لتأخذ حقها ممن فعلها بها؟!...تبدو تعبت و توتر اعصابها جعلها خرقاء في تفكيرها هي فقط تتلمس الدعم لها و لغسق في اي شخص...رنين الهاتف قطع تفكيرها لتتبع يديه و هي تمتد في جيب بنطاله يخرج هاتف غسق و يمده لها قائلا بخفوت...
(هذا هاتفها وجدناه في الصيدلية...والدها لا يكف عن الاتصال )
اسرعت اريج تلتقط منه الهاتف و تنظر في شاشته المكسورة إثر سقوطه...صورتها المتعرجة فوق شاشته اوجعت قلبها بعدما تخيلت اي مقاومة حاولت ان تقاومها غسق بالأمس...ابتلعت ريقها بتوتر و قد ارتعش اصبعها و هي تتجه به نحو الهاتف و تسحب زر الفتح لتجيب على والد غسق...هذا الاب الذي لا يعرف ما اصاب ابنته من كارثة!...
(السلام عليكم هذه انا اريج عمي ثروت...غسق بخير لا تقلق فقط سقط منها الهاتف بالأمس و تكسرت شاشته و قد ظنناه تعطل)
اغمضت عينيها بقوة تستمع لصوته المرتعب على ابنته و كأنه يشعر بما اصابها...فتحتهما فجأة تنظر لكرم طالبة العون و قد تلعثمت قائلة...
(لا هي بخير لكنها ليست هنا... هاتفها معي لأنه...لأنها ذهبت مع ديما تشتري واحدا آخر)
كورت قبضتها جوارها تدعي الله ان تنطلي عليه كذبتها...انتظرت تستمع له لتقول بعدها...
(عندما تصل سأجعلها تهاتفك عمي لا تقلق... نعم بخير صدقني انا معها)
ابعدت الهاتف عن اذنها بسرعة و قد اتعبها الكذب عليه...الرجل قلبه قلق على ابنته و هي ماذا ستفعل بحق الله كي تطمئنه؟!...تاهت في غياهب تفكيرها حتى اخرجها صوت كرم المرهق...
(دعيها تهاتف والدها كي يطمئن)
الغرابة احتلت عينيها لتهمس بتعجب...
(غسق ليست في حالة تسمح لها بالحديث مع احد و بالأخص والدها!!)
سحب كرم نفسا عميقا و قد تعلقت عيناه على باب غرفتها هامسا...
(قلتي انها تدعي القوة لأجل والديها لذا ستقوى على فعلها...انا اثق بها)
زفرت اريج بتعب تنظر في ساعة معصمها لتقول...
(لا يجب ان نشجعها على ما هي فيه بالمرة... عموما سأفعل لربما انفك حصار روحها و تركت لها حرية التعبير عما يضيق به صدرها)
اومأ بصمت و عيناه لا تزال معلقة على باب غرفتها...همس روحه المتردد بوعد متعلق في رقبته ليوم الدين سيعيد حقها و لو كلفه عمره...
بعد ساعتين...
دلفت اريج لها و بيدها الهاتف تتقبض عليه بقلق...لقد تجهزت لرد فعل غسق إذا حدثت والديها...لن تكون قاسية و لكنها تتمنى ان تصرخ صديقتها و تبكي لا ان ترسم قوة واهية و تواجه بها العالم!!...اقتربت منها تهمس ببسمة مرتعشة...
(غسق حبيبتي كيف حالك؟!)
نظرة خاوية كانت الاجابة فتنهدت اريج بوجع لتقترب اكثر تمسح فوق غطاء رأسها البلاستيكي قائلة...
(اعرف انك لست بخير مطلقا غسق و اعرف ان فاجعة كالتي مررت بها ليست سهلة عليك لذا دعيني اساعدك لتخرجي منها...دعيني اتمسك بيدك لأنك تحتاجين المساعدة و لا ترفضي و تدعي التحكم بزمام الأمور!)
شفتاها الجافتان همستا بخفوت مرتعش...
(سأتعايش اريج يمكنني فعلها)
زفرت اريج بحزن تهمس بصوت مختنق...
(التعايش لا بد ان نمهد له حبيبتي...لا يصح ان نخبئ الاوساخ تحت غطاء ابيض دون ان نزيلها قطعا سيتلوث منها و يعكر صفو الحياة!!)
زادت وتيرة انفاسها لتهتف في صديقتها بصوت حاد رغم ضعفه...
(يكفي اريج و دعيني انسى بمعرفتي)
حوقلت اريج بهمس رافض ثم مدت لها يدها بالهاتف تقول باقتضاب...
(والدك يتصل منذ زمن و يسأل عنك)
سرعة التفاتة غسق و هذه النظرة التي ترمق بها الهاتف اوجعت قلب اريج بقوة...خزي و خذلان و كثير من الوجع تمتلئ به حدقتيها... ارتعشت كفها و هي تمتد نحو الهاتف تأخذه و تهمس بصوت اختنق بغصة البكاء...
(ماذا قلتي له؟!)
اخبرتها اريج عن حجتها الواهية كي تطمئن والدها...راقبت عيني غسق الغارقة في بحر دموعها لتسرع قائلة..
(هل ستتمكنين من مهاتفته فعلا؟!!... لو تحبين ان نأجلها سنفعل)
الهاتف في يدها تنظر لانعكاس صورتها المشوه عليه بضعف...هي باتت هكذا صورة معيوبة تخيف الأعين و تقبض الروح...تقسم ان هذا الوجع في صدرها لم تكن تؤمن بوجوده من قبل...نيران تشتعل بداخلها و تغلي غليان مميت...هزت رأسها بنعم لترتعش اصابعها و هي تتجه الى زر الاتصال... مواجهة لا مفر منها غسق...موت ملاقيك اينما ذهبتي فأين ستهربين؟!!...رفعت الهاتف فوق اذنها و كل رنة تصلها تقع وقع الصخر فوق قلبها..
(غسق)
صوت والدها المتلهف الذي تسلل لروحها جعلها تغمض عينيها بقوة تأمر بتجبر نفسها ألا تذرف الدموع...يدها تحركت لفوق حجرها تتشبث بملابس المشفى و نداء والدها يتكرر بلهفة قلقة...ارتعشت كلها تجاهد ليخرج صوتها مبحوحا بندائه له...تستنجد به عبر كلمة واحدة "أبي" تتوسل بأن يعود ليضمها اليه ان يلامس كل جروح جسدها بيده التي لطالما داوت جراحها لتلتئم جروح روحها بعد ذلك...
(حبيبتي هل انت بخير طمئني قلبي عليك؟!)
سالت دموعها بحسرة على ما مرت به...هي اضعف من ان تتحمل و تكابر...اضعف من ان تتعايش و تعاند...اضعف من ان تنسى ما مرت به امسا...هي هشة لدرجة ان الرياح اذا مرت عليها ستسحقها...اسرعت تكتم شهقتها و صوت والدها المضطرب يصلها فيزيد من بكائها... منحت نفسها بضع لحظات تتمتع فيهم باللجوء لملاذها الأبدي...ابعدت يدها عن فمها لتنفرج شفتاها و تهمس بحروف آسفة اختلطت بدموعها ..
(آسفة أبي...آسفة لأنني خسرت شيئا عزيزا)
صوت والدها الذي اتسم بعدم الفهم وصلها حانيا...
(هل تتأسفين لأجل الهاتف!!...لا يهم حبيبتي اعرف انك تعتزين بهداياي و هذا الهاتف غالي عندك لكن فداء لك ألف هاتف...سأبتاع لك غيره لكن لا تبكي غسق)
زادت دموعها الصامتة و قد اتعبها كتم صوت البكاء...اهتاج صدرها بأنفاسها المتألمة لتهمس ببكاء...
(لكن هذا لا يمكن تعويضه أبي...سامحني)
رجاء والدها احرق روحها بقوة حينما هتف بخوف...
(غسق لا توجعي قلبي عليك ما بك حبيبتي؟!)
زفرت انفاسها بتعب و الثقل يزداد فوق قلبها بلا رحمة...
(اشتقت لكما أبي)
(سنعود حبيبتي نهاية هذا الأسبوع...فقط أيام و نعود ان شاء الله و لن نتركك بمفردك ثانيةً ابدا)
جملته الأخيرة كانت وعده بالعودة و عدم الترك مجددا... لكن هل تصبح الوعود ها هنا وعودا؟!...لقد خسرت كل شيء يستحق الوعد لأجله!!... سقط الهاتف من يدها فوق السرير فرفعت ساقيها تضمهما لصدرها و تبكي بصوت مسموع...اسرعت اريج بضمها اليها بقوة و قد فشلت في كبح دموعها هي ايضا...
و عند الباب الغير مغلق تماما كان يقف يراقب و يستمع لكل حرف... عيناه تلبست سواد الفقد و اسدلت ستار غموض الحداد على عزيز فقد... ليست وحدها من تعاني و يشهد الله على قلبه المتألم...



تستند على اطار الشرفة الداخلي تراقب البحر بأعين توهجت برونق خاص و مميزا تعكس ضوء الشمس...بلوزتها الزرقاء ذات الحملات العريضة تلائم بنطالها الجينز و تظهر تناسق جسدها... شعرها مفرودا حول كتفيها بنعومة جعلت عيناه تتعلقان بها ببسمة حانية محبة... اتجه نحوها بهدوء يقف جوارها واضعا يديه في جيبي بنطاله قائلا بهمس حنون...
(تراقبين البحر و تلألأ اشعة الشمس عليه بانشداه يجعلني اقضي عمري الباقي اراقبك بلا توقف)
ابتسمت برقة فهمست دون ان تنظر له...
(لأول مرة ارى البحر بهذا الصفاء)
التفت بجانب جسده اليها يبتسم قائلا بنبرة مداعبة...
(عيناك لا يمكنهما ألا يريا غير النقاء فلك)
تنهدت بصوت خافت لتقابله في وقفتها و تبتسم بشكر هامسة بخجل تصيبها كلماته به...
(شكرا لك... على كل شيء)
اتخذ خطواته نحوها ليمد كفه و يلامس جانب وجهها يحرك ابهامه عليه صعودا و هبوطا قائلا بحب تقرأه هي بسهولة...
(لا تشكرينني حبيبتي...لو بيدي ما كنت تركتك تعانين يوما)
هذا الشعور بالدعم و الحنان الدافئ منه يلائمها... هذا ما تريده حنان يحاوطها و شخص يراها بكل عيوبها فلك... شخص يجردها من رداء ابنة هيام و من عملها الذي ذاقت فيه الويل و الهوان... اغمضت عينيها تحرك وجنتها داخل كفه براحة عجيبة تمكن من زرعها في روحها... سمعت ضحكته الخافتة ففتحت عينيها بحرج تبتعد عنه و تسبل اهدابها ارضا... ابتسم بحنان فتقدم ليعيد كفه لمكانه مجددا فوق وجنتها قائلا بنبرة رقيقة شغوفة...
(مهما حصل لا تبتعدين فأنا لا اصدق انك هنا معي فلك... و لا تخجلين او تشعرين بالحرج ابدا)
ناظرته بعينيها الساحرة ببراءة متلهفة للمزيد... بتفهم شديد لها اكمل بحب اصاب قلبه منذ رآها...
(لا تعرفين ماذا تفعل بي عيناك او ملامسة وجهك الجميل... كلك فلك تحركين بي ما ظننته مات منذ عمر طويل... انت مكافأة الزمن لي و كم اتوق شوقا لتحبينني كما افعل انا)
احمرت خجلا فأبعدت عينيها عنه... زواجهما مر عليه أيام فقط و كما وعدها يغمرها بالحنان و لا يطلب منها المقابل حتى تشعر بأنها تريد منحه له... ظنته سيختلق الاسباب ليتقرب منها و لكنه يتقرب بطريقة اخرى... طريقة افتقدتها هي طويلا... هذا الرجل يمنحها كل شيء بلا توقف او مقابل... هذا الرجل مختلف كثيرا عن الجميع... اغمضت عينيها و قد احرقتها الذكرى القريبة لأيوب... لقد كان الوحيد القابع في قلبها كشخص تكن له حبا من نوع مختلف... لكن طارق بات قريبا جدا من قلبها في ايام اجاد احتلال مكانة تحتاج لسنوات... هل هو الاحتياج لما يقدمه لها السبب في سرعة شعورها بهذا الوئام نحوه؟!...لا تعرف هي فقط تشعر بالرضا بل الكثير منه و لا يهم اي تفسير الآن...همسه المازح وصل مسمعها بكل رقة حرمتها منها الحياة يوما...
(تبدين في ابهى صورك بوجنتيك الحمراوين...سأدللك كثيرا إذًا لأراهما دوما)
رفعت عينيها اليه بتمهل لتستقبلها عيناه الحانية...تطلعت في وجهه بنظراتها الكسيرة فأوجعه ان يراها مجددا في عينيها و قد اقسم ان يمحوها...مال على وجهها يلثمه ببطء متنعم بها بين يديه هامسا بصوت يشعرها بأنها غالية...
(ابعدي عن عينيك المميزتين هذه النظرة فلك... و سامحيني لتأخري كل هذا الوقت حتى قابلتك... يا ليت منحني الزمان فرصة لقياك من قبل يا ليت ساعدني على محو كل ما في قلبك من وجع حبيبتي)
ارتعشت بخجل من قبلاته الناعمة و ألم مما يذكرها به...نعم طارق يا ليت التقفتني من اروقة الحياة منذ زمن...يا ليت منحت قلبي كل هذه السكينة التي لم يشعرها مع غيرك... يا ليت كنت هناك دوما جوار فلك الصغيرة تحميها حتى من نفسها...نفسها التي ظلمت معها رجلا طيب القلب كأيوب حينما طمعت و انهالت من بحر حبه لها و هي اكيدة انها لن تعوضه او تمنحه ما يريد...ابتلت رموشها بدمعاتها فأغمضت عينيها بضعف اصابها في قلبها...لحظات و شعرت بشفتيه تلتقطان دموعها من فوق عينيها هامسا بحرارة رغم تأكدها من مغزاها لم تنفر منها كعادة الرجال قبله..
(دموعك تحزنني فلك اقسم لك...لا مزيد من البكاء حبيبتي انا بت هنا لأجلك)
شعرت بحركة شفتيه تترحلان فوق وجهها حتى بات قريبا للغاية من شفتيها...التزمت وضع الثبات و الترقب لا تعرف ما عليها فعله معه...هو ليس كالبقية لكنها ليست اكيدة من رغبتها هي... صوت رنين هاتفها ابعده عنها فتنفست بحرية كبيرة...ابتعد نحو الطاولة يلتقط الهاتف و يعود به لها قائلا ببسمته الدافئة...
(انها والدتك... سأخرج اجري اتصالا تحدثي معها بحريتك)
اومأت له بوجه خجول تتبعه بعينها حتى خرج...زفرت نفسا مرتعشا مما كان سيحدث لولا اتصال امها...اتجهت لداخل الشرفة تفتح الخط بتثاقل و تستمع لحديث امها الذي يعاد منذ ليلة زفافها!...
(لماذا تأخرت في الرد؟!...هل قاطعتكما عن فعل شيء؟!)
تمسكت بسور الشرفة تقول بتأفف...
(اطمئني لم تقاطعيننا عن اي شيء)
صوت والدتها الحاد جعلها تبعد الهاتف عن اذنها قليلا...
(مجنونة أنت يا فلك أليس كذلك؟!...حتى الآن لم تمنحي زوجك حقوقه يا غبية!!...إذا صبر عليك الايام الماضية لن يصبر فيما بعد...لا تختبري صبر الرجال في هذا الامر بالذات يا مجنونة... يا الهي لربما زهدك و تزوج غيرك!!!)
اعادت الهاتف الى اذنها تهمس بصوت فاتر...
(ألم يكن زواجي هو شغلك الشاغل هيام؟!...لذا لا تتدخلي في حياتي بعدما حققت حلمك لك)
صرخت بها هيام بحدة...
(و هل هذا الحلم تحقق لي وحدي يا فلك؟!... انا انصحك و انت هبلاء لا تقبل النصيحة... اجعلي الرجل يذوب فيك يا ابنة هيام اربطيه جوارك بدلالك و نعومتك وقتها ستضمنينه في جيبك و سيحقق لك كل شيء)
تطلعت فلك الى البحر امامها تهمس بخفوت ضجر...
(هل انتهت فقرة نصائحك الذهبية؟!...إذا نعم اغلقي الخط هيام و دعيني و شأني)
وبختها هيام بحديثها اللاذع لتقول بعدها...
(تعجلي فلك في اتمام هذه الزيجة حتى تعودا للقصر لقد سئمت من العيش في الحي و انتظركما)
هزت فلك رأسها متفهمة سر رغبة والدتها الملحة في اتمام الزواج لتسألها بسخرية...
(و ما الذي يمنع هيام عن العيش في القصر حتى نعود؟!)
تأففت هيام بتعب تقول باستهانة مقصودة لتفكير ابنتها...
(ألم اخبرك انك غبية!... هل تريدين مني الذهاب للعيش مع ابنته المجنونة دون وجودكما و الله اخشى ان تقتلني فهذا ليس ببعيد عنها)
شردت فلك في البحر امامها تفكر في شكل حياتها بعد العودة... ميرنا لن تتركها في حالها بالمرة...لقد دخلت عش النحل و لكنها لا تعرف هل ستتحمل لدغاته ام لا...نداء والدتها المتكرر اخرجها من شرودها لتسرع هي بإنهاء المكالمة...
(لقد عاد طارق سأغلق الآن)
ادخلت هاتفها في جيب بنطالها و عقلها يعاود الرجوع لمحطة ابنة طارق...الفتاة بالتأكيد ستذيقها الويل و لكن طارق وعدها بأن كرامتها من كرامته و لن يطولها أذى...ابتسمت بسخرية تهمس بخفوت شارد...
(هل ستعقدين رهانا جديدا فلك ألا يكفي خسارة رهان أيوب هل ستتحملين خسارة رهان طارق إذا تخلى عنك و التزم صف ابنته؟!!)
شهقت بفزع حينما ضمتها يداه من الخلف هامسا في أذنها باعتذار رقيق...
(آسف افزعتك لكنك كنت شاردة للغاية و لم تسمعي ندائي)
تحركت داخل يديه تقابله بوجهها طويلا...هل حقا ستعقدين رهانك فلك بهذه السرعة؟!... يبدو ستفعل كمن يلعب بأخر ورقة معه إما يكسب كل شيء او يخسر كل شيء... و كدعوة خفية ينطقها قلبها الذي تعب الخسارة بأن يصيب رهان طارق و يخلف ظنونها السيئة...ازدردت ريقها بقلق لتهمس بعدها بخفوت وجل و قد تضرجت وجنتاها بالخجل...
(طارق... الليلة يمكننا ان نتمم)
تعثرت حروفها و الخجل يبلغ مبلغه منها...برقيه و حنانه شدد من ضمها يسألها بثبات حنون...
(هل انت واثقة؟!)
اومأت له بعدما اسبلت اهدابها بخجل جعله يقربها من صدره يربت فوق ظهرها و كأنه يمنحها وعدا بألا تخاف...
في المساء....
احكمت غلق مئزرها الحريري حول جسدها تخبئ قميص نومها القصير...زفرت انفاسا مرتعشة و قد تجمدت اوصالها خوفا و ترقبا...كان يجب ان تتروى في هذا الامر لقد تسرعت بالموافقة... كادت تبكي بتوتر فاتجهت الى باب الغرفة تتنصت له في الخارج...لقد خرج قبل قليل مانحا إياها فرصة التهيؤ و التأكد مما تريد...زفرت بحنق من نفسها لتتجه الى الخزانة المتواجدة جوار الباب تضرب رأسها فيها مرات متتالية تهمس بتوبيخ لنفسها...
(متسرعة و غبية يا فلك...غبية...غبية...غبية)
الضربة التالية لم تلامس فيها جبهتها الخشب بل لامست كفه الذي وضعه بين رأسها و الخزانة...ابتعدت بخطوات متفاجئة من تواجده تنظر له بأعين متسعة متوترة...تقدم منها بهدوء يسألها بقلق...
(لماذا تضربين رأسك هكذا فلك؟!... دعيني أرى لربما تضررت جبهتك!)
الصدمة الجمتها و سببت لها حالة من الخرس المؤقت...تركته يتفحص وجهها كله كما يشاء ترمقه فقط بنظرات خاطفة جاهزة لأي رد فعل منه...تحركت كفاه من وجهها الى كفيها يلتقطهما بين كفيه لكن ارتعاشهما اصابه بالخوف الحقيقي عليه...
(يا الهي يداك ترتجفان جدا!!!)
همست بعصوبة دون ان تنظر له...
(أنا متوترة قليلا لذا هما ترتجفان)
ابتسم بتفهم يسحبها معه نحو السرير و يقف بها قبالته...ترك كفيها ليحاوط كتفيها و يرسل في لمسته كل الحب و الأمان لها هامسا...
(لا تخافي فلك انا لن اؤذيك مطلقا حبيبتي)
هزت رأسها موافقة بتيه و توتر...شعرت به يزيح مئزرها فتصاعدت درجات ترقبها لعنان السماء...ازاحه بهدوء و قد سحرته بقميصها الملائم لنعومتها العذبة...مال يقبل وجهها بحنان في محاولة متكررة منه بألا تخاف...ارتجفت تحت يديه فالتفتت توليه ظهرها و تتنفس بصعوبة قلقة...اغمضت عينيها حينما تحركت يده فوق كتفيها بلمسات رقيقة لكنه توقف مصعوقا حينما استمع لصوت بكائها...ادارها اليه يتطلع في وجهها المرتعب هامسا اسمها بعدم تصديق...
(فلك!!)
شهقت ببكاء فرفعت يدها تخبئ وجهها عنه و تهمس بصوت يلامس صميم قلبه...
(آسفة طارق أنا مرتعبة من هذا الأمر... صدقني حاولت ان اتجهز له كثيرا لكن ما مررت به سابقا يحاوطني الآن... أنا ابدا لن اكون جاهزة لإتمام هذا الأمر اعذرني)
هدأت روحه و خفت خوفه عليها قليلا...حرك يده بلا بأس قائلا بحنان...
(حسنا حبيبتي لا تبك... سأفعل ما تريدين)
زاد بكاؤها فأصابه بالألم عليها...حاول التربيت فوق كتفها لكنها ابتعدت للخلف تتحدث بصوت يعاني...
(لماذا لست مثلهم؟!!... و لماذا ليسوا هم مثلك؟!... لماذا يعاملونني و كأنني دمية معروضة للبيع مباح النظر لها و لمسها كما يشاؤون...لماذا يفعلون بي هذا و كل ما طلبته من الدنيا مأوى يضمني اليه و يشعرني بالحنان...لقد كرهت نفسي و كرهت جمالي كرهت كل شيء... كل شيء طارق!!)
اسمه الخارج بوقع الألم من بين شفتيها جعله يهرول اليها يحتوي انفلات اعصابها بين احضانه...شدد من ضمها اليه يهدهدها بحنان تواجد في قلبه لها مذ رآها...
(لست دمية فلك بل انت فتاة ذات كبرياء و عفة... لست ابدا كما يرونك بل انت غالية حبيبتي)
تشبثت بقميصه تهمس بخفوت باكٍ...
(لا تكن مثلهم ابدا طارق فلم يبقَ في الحياة لي غيرك)
قبل مقدمة رأسها بحب قائلا بأمل ان تستجيب ليصلح ما افسده الناس بداخلها...ليزيل عنها غبار الحياة و يريها جمالها...ليبرهن لها انها ليست دمية بل فتاة تستحق الاحترام...
(دعينا نمحو الماضي فلك... دعيني آخذك الى فلك التي احببتها...هذه الجميلة البريئة ذات الأعين الآسرة)
انحنى يرفعها عن الأرض بين يديه يناظرها بوعود عديدة اشعرتها حقا بالأمان...اغمضت عينيها و قد سمحت له بأن يريها من هي فلك التي تشتاق لمعرفتها... لقد سئمت كره نفسها و حان وقت ان تحبها لترتاح...
فتحت عينيها ببطء بعدما شعرت بثقل يده التي حاوطتها...وجهت نظراتها اليه تراقب ملامح وجهه المستريح... لا تصدق ان طارق تعامل معها بكل هذا اللطف و الحنان...لا تصدق بأنها كانت غير مستنفرة عكس كل توقعاتها في ليلة كهذه...طارق وعد فأوفى و كم كان وفائه نعمة لها!!...طوق نجاة منحها إياه القدر لتعيش و تهرب من هلاك موج بحر الحياة... تزحزحت بجسدها اليه لتستند برأسها على صدره... اغمضت عينيها و لأول مرة تشعر بأنه بات لها ها هنا مكان...فلك المنبوذة دوما وجدت وطنا جديدا يأويها من الدنيا...



...يتبع...



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات